آلاف المتظاهرين في ليبيا ضد تمديد ولاية البرلمان

وزير خارجية فرنسا: لا يجوز ترك الأمور تتفاقم

متظاهرون ليبيون يرفعون لافتات ضد تمديد ولاية المؤتمر الوطني العام في البلاد أمس (أ.ف.ب)
متظاهرون ليبيون يرفعون لافتات ضد تمديد ولاية المؤتمر الوطني العام في البلاد أمس (أ.ف.ب)
TT

آلاف المتظاهرين في ليبيا ضد تمديد ولاية البرلمان

متظاهرون ليبيون يرفعون لافتات ضد تمديد ولاية المؤتمر الوطني العام في البلاد أمس (أ.ف.ب)
متظاهرون ليبيون يرفعون لافتات ضد تمديد ولاية المؤتمر الوطني العام في البلاد أمس (أ.ف.ب)

تظاهر آلاف الليبيين الرافضين لتمديد ولاية المؤتمر الوطني العام (البرلمان) في عدة مدن ليبية أمس، وسط حالة من الاستنفار الأمني والعسكري. وبينما غادر نوري أبو سهمين رئيس المؤتمر إلى تونس فجأة للمشاركة في احتفالها الرسمي بمناسبة المصادقة على الدستور الجديد، تعهد رئيس الحكومة علي زيدان لمواطنيه بالاستجابة لمطالبهم أيا كانت، ودعاهم في المقابل إلى نبذ العنف.
وتجمع آلاف المتظاهرين بميدان الشهداء وسط طرابلس وأمام فندق «تيبستي» بمدينة بنغازي رافعين أعلام الاستقلال، ورددوا الهتافات المناوئة لقرار المؤتمر الوطني الذي يعتبر أعلى سلطة دستورية وسياسية في البلاد بتمديد فترة ولايته القانونية التي انتهت رسميا أمس إلى نهاية العام الحالي.
بينما طوق جنود من الجيش مبنى المؤتمر الوطني لمنع دخوله، وأغلقوا الطرق المؤدية إليه، كما تم تعزيز الإجراءات الأمنية حول مقر الحكومة الانتقالية ومختلف الوزارات والمصالح الحيوية تحسبا لوقوع صدامات.
وقال متظاهرون وناشطون سياسيون في طرابلس لـ«الشرق الأوسط» إنهم طردوا طاقم عمل قناة «الجزيرة» القطرية من الميدان وأجبروهم على مغادرته اعتراضا على ما وصفوه بطريقة «تناول القناة للمظاهرات وانحيازها إلى جماعة الإخوان المسلمين». كما رفع بعض المتظاهرين في عدة مدن ليبية صورا وملصقات للمشير عبد الفتاح السيسي نائب رئيس الوزراء ووزير الدفاع المصري، نكاية في «الإخوان».
وشهدت عدة مدن أخرى مثل المرج، شحات، البيضاء، طبرق، أجدابيا، الأبيار، مظاهرات سلمية رفعت شعارات رافضة لتمديد عمل المؤتمر الوطني، وللمطالبة بتجميد عمل الأحزاب السياسية إلى حين الانتهاء من صياغة الدستور الجديد للبلاد وتفعيل الجيش الوطني والشرطة.
وبينما وصل رئيس المؤتمر الوطني نوري أبو سهمين إلى تونس للمشاركة في الاحتفال المقام بمقر المجلس الوطني التأسيسي التونسي بمناسبة المصادقة على الدستور الجديد، ناشد علي زيدان رئيس الحكومة الانتقالية جميع الليبيين تجنب العنف في تسوية خلاف بشأن البرلمان المؤقت الذي كان من المقرر أن تنتهي ولايته أمس، في ظل مواجهة البلاد انقسامات عميقة بشأن مستقبل المجلس.
وأعلن زيدان عقب عودته من مالطا التي توقف فيها لبضع ساعات أن مجلس الوزراء المصغر في حالة انعقاد مستمر، مشيرا إلى أنه تم تشكيل عدد من اللجان بمختلف الوزارات ومناطق مديريات الأمن في طرابلس وبنغازي والمدن الرئيسة ومختلف المدن. ونبه زيدان الجميع إلى ضرورة التأهب وحفظ الأمن والتزام الحراك السلمي، وألا يلجأ الجميع للعنف تحت أي سبب من الأسباب لأن كل شيء يمكن أن يتحقق بالسلم والإقناع والحوار، مضيفا «الحكومة تحت إمرة الشعب وتحت إرادة الشعب، وما يطلبه الشعب ستقوم به أيا كان هذا الطلب.. ومهمتها الآن حفظ الأمن وتوفير الخدمات وضمان مسار الدولة على المستوى الداخلي والخارجي بكيفية غير مرتبكة وبكيفية تحقيق ما تصبو إليه».
ودعا زيدان مواطنيه إلى التعاون مع أجهزة الدولة من خدمات طبية والجيش والشرطة وكل المتطوعين لتنظيم الأمور بالتعاون معهم بسلاسة، معتبرا أن «كل ما وجد في الدولة وجد بإرادة الشعب، وكل ما ينبغي أن يستمر سيستمر بإرادة الشعب، ولكن ينبغي ذلك بالإقناع والحوار وروح التسامح والسلم لأن العنف لن يأتي بخير».
وكان الصديق عبد الكريم، نائب زيدان والمكلف بوزارة الداخلية، قد أصدر تعليماته إلى الأجهزة الأمنية التابعة للوزارة بعدم التعرض لأي مظاهرة سلمية أو منعها. ونقلت وكالة الأنباء المحلية عن مصادر قولها إن التعليمات تنص على حماية المتظاهرين المدنيين وتأمين حق التظاهر السلمي الذي كفلته أهداف ومبادئ ثورة 17 فبراير (شباط) عام 2011، التي نادت بحق التظاهر وحرية الرأي والتعبير. وشدد نائب رئيس الحكومة المؤقتة المكلف بالداخلية على كل الإدارات والأجهزة والمراكز الأمنية التابعة للوزارة، الالتزام بهذا التعميم وعدم تلقي أي تعليمات من أي جهة كانت تخالف ما جاء فيه.
إلى ذلك، أكد مجلس مجاهدي وثوار ليبيا، أنه مع إرادة الشعب الليبي في التظاهر السلمي وحق التعبير وحرية الرأي، لكنه أعلن في المقابل في بيان له أمس رفضه التام لأي مظاهر قد تؤدي إلى الفوضى والعنف وإراقة الدماء أو ما يصاحبها من أعمال تخريب للممتلكات العامة أو الخاصة. ودعا المجلس في بيانه إلى تفويت الفرصة على الذين يحاولون استغلال الظروف التي تمر بها البلاد بإدخالها في منزلق خطير قد يؤدي إلى صراع دامي على السلطة.
من جهته، نفى أبو بكر بدر، مدير عام مطار البرق الدولي، ما تردد عن منع أعضاء المؤتمر الوطني من الدخول أو الخروج عبر المطار، مشيرا إلى أن ما تم تداوله عبر بعض القنوات الليبية المحلية لا أساس له من الصحة. وبعد مرور عامين ونصف العام على سقوط نظام حكم العقيد الراحل معمر القذافي، تمر عملية التحول الديمقراطي في ليبيا بأزمة، حيث يعرقل الاقتتال بين الإسلاميين والقوميين الحكومة، كما لا يتمكن الجيش الذي أنشئ حديثا من بسط سيطرته في كثير من الأحيان.
وأوقفت ميليشيا في شرق البلاد تصدير النفط وهو مصدر الدخل الرئيس للبلاد، ولا يزال الملف الأمني مصدر قلق، وتجلى هذا في اختطاف زيدان نفسه في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.
وانتخب المؤتمر الوطني العام عام 2012، وكان من المفترض أن تنتهي ولايته أمس، لكن أعضاءه مدوا ولايته لإتاحة مزيد من الوقت للجنة خاصة لوضع مسودة الدستور الذي يعتبر خطوة أساسية في عملية الانتقال السياسي بليبيا. ويقول مراقبون إن «كثيرا من الليبيين يشعرون بأن المؤتمر الوطني العام لم يحرز تقدما في ظل الاستقطاب الواقع بين تحالف القوى الوطنية القومي وحزب العدالة والبناء الذراع السياسية لجماعة الإخوان». وتابع المراقبون «تجسيدا لهذا الاستقطاب تحالفت كتيبة الزنتان مع تحالف القوى الوطنية، بينما تحالفت كتيبة مصراتة مع القيادة الإسلامية. ولعبت الكتيبتان المتناحرتان دورا رئيسا في المعارضة السابقة، وتعقد الانتقال السياسي في ليبيا نتيجة تحالف عشرات من كتائب المعارضة السابقة التي قاتلت للإطاحة بالقذافي وترفض التخلي عن أسلحتها مع فصائل سياسية متنافسة تلجأ كثيرا للقوة العسكرية للضغط من أجل تنفيذ مطالبها».
ويحتل قائد سابق لمقاتلي المعارضة مرافئ نفطية رئيسة في شرق البلاد، مما أدى إلى انخفاض صادرات ليبيا إلى النصف، وذلك للمطالبة بمزيد من الحكم الذاتي لهذه المنطقة ونصيب أكبر في الثروة النفطية. وأبرز هجوم لمسلحين مجهولين تردي الوضع الأمني الذي لم تسلم منه العاصمة، حين حاولوا اقتحام مقر قيادة الجيش الليبي في طرابلس أول من أمس، وتبادلوا إطلاق النار مع الجنود، ثم سرقوا بنادق ومركبات عسكرية.
وقال المتحدث باسم الجيش علي الشيخي، إن القوات اشتبكت مع المسلحين حين حاولوا الدخول، واضطرتهم للمغادرة، بينما قال مصدر عسكري إن الاشتباك وقع عند باب مبنى القيادة، وإن المسلحين سرقوا عددا قليلا من بنادق الكلاشنيكوف وأربع سيارات على الأقل. وقال ضابط رفيع بالجيش، طلب عدم نشر اسمه، إنه يعتقد أن ما حدث كان نزاعا بين الحرس في مقر القيادة.
وبعد نحو ثلاث سنوات من الثورة على القذافي ما زال الجيش الليبي في مرحلة التدريب، ولا تضاهي قوته قوة جماعات المقاتلين السابقين المدججين بالسلاح والميليشيات التي قاتلت لخلع القذافي، لكنها ترفض الآن التخلي عن سلاحها.

وعلى صعيد اخر، يبدو أن الحكومة الفرنسية لم تحسم بعد موقفها النهائي إزاء ما يتعين القيام به لوضع حد للحركات الجهادية والإرهابية في الجنوب الليبي. ففيما عد رئيس الأركان الفرنسي الأميرال أدورا غيو قبل أسبوعين أن عملية عسكرية دولية هي «الحل الأمثل» لإعادة الأمن والاستقرار إلى الجنوب الليبي، استبعد وزير الخارجية لوران فابيوس هذا الاحتمال ودعا إلى انتظار ما قد يسفر عنه الاجتماع الوزاري الخاص بليبيا وأمنها في السادس من الشهر المقبل في روما. وجاء كلام فابيوس، في لقاء صحافي مختصر، أعقب اجتماعه برئيس حكومة مالي بعد ظهر أمس، ردا على سؤال لـ«الشرق الأوسط». وقال الوزير الفرنسي: «إذا كان السؤال يتناول تدخلا عسكريا «في ليبيا»، فالجواب بالنفي.
وتتعرض باريس منذ أسابيع لضغوط من أصدقائها الأفارقة للقيام بعمل ما من أجل وضع حد لانفلات الحدود الجنوبية لليبيا، الذي يسهّل تحرك المجموعات الجهادية. وكان كلام وزير داخلية النيجر في باريس، في الخامس من الشهر الحالي الأوضح، إذ أعلن بمناسبة زيارته للعاصمة الفرنسية أنه «من المشروع تماما أن تتدخل فرنسا والولايات المتحدة لمجابهة التهديد الإرهابي في جنوب ليبيا»، كما أنه يتعين على الدول التي أطاحت بالعقيد معمر القذافي أن «تتحمل تبعات ما قامت به»، لأن المنطقة المذكورة «تحولت وكرا للإرهاب». وبحسب وزير داخلية النيجر، فإن تدخلا عسكريا «أصبح اليوم في باب الممكن».
وقالت مصادر فرنسية لـ«الشرق الأوسط» إن سببين رئيسين يقفان وراء تردد باريس. الأول يكمن في أن القوات الفرنسية ضالعة في عمليتين عسكريتين في أفريقيا (مالي وأفريقيا الوسطى)، وبالتالي سيكون من الصعب عليها الانخراط في عملية عسكرية ثالثة في ليبيا. أما السبب الثاني فيكمن في أن مبادرة كهذه تحتاج لطلب أو لموافقة من السلطات الليبية الحالية. ولكن وبالنظر للصعوبات الداخلية التي تواجهها هذه السلطات، فإن الحكومة التي يقودها علي زيدان أو المؤتمر الوطني العام، من الصعب أن «يخاطر» أي من الطرفين بطلب تدخل عسكري خارجي. بيد أن باريس «تعترف» أن التحالف الذي أسقط نظام القذافي «لم يقم بما كان يتوجب عليه» لمساعدة النظام الجديد ليقف على رجليه، الأمر الذي يفسر، إلى حد كبير، الصعوبات الحالية الأمنية والسياسية.
وترى مصادر ليبية أن النظام الجديد وجد نفسه بلا دولة ولا أجهزة أمنية ولا إدارة ومع 20 مليون قطعة سلاح بأيدي الليبيين وعشرات الميليشيات التي تتقاسم النفوذ والسيطرة على المناطق والموارد، وأولها النفط.
وسيكون الوضع في ليبيا الذي وصفه الوزير فابيوس بـ«الصعب» محل بحث في اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي بعد غد (الاثنين) المقبل في بروكسل. وينتظر أن يعمد هؤلاء الوزراء إلى تقويم المساهمة التي يقدمها الاتحاد في الموضوع الأمني لليبيا.
وأفاد فابيوس بأنه أرسل، أول من أمس، رسالة إلى زيدان «للنظر في العلاقات الثنائية وتقويم التزامات فرنسا»، ومنها تأهيل قسم من القوى الأمنية الليبية و«عرض مجموعة من الأفكار التي يمكن أن تطرح في اجتماع روما». بيد أن فابيوس رفض الكشف عن مضامينها، تاركا ذلك لاجتماع روما المقبل.
وشدد الوزير الفرنسي على أنه «لا يجوز ترك الأمور تتفاقم» في الجنوب الليبي، إذ يتعين الأخذ بعين الاعتبار ما حصل في مالي، حيث اضطرت باريس إلى إرسال قواتها، في شهر فبراير (شباط) الماضي، لوقف زحف قوات تنظيم القاعدة في شمال أفريقيا ومجموعات جهادية أخرى باتجاه العاصمة المالية.
ومن ناحيته، أعرب رئيس الحكومة المالية عمر تتام لي عن «القلق العميق» إزاء انفلات الوضع الأمني في الجنوب الليبي، ولم يخفِ «مخاوفه» من نزول هذه المجموعات نحو شمال مالي.
وقال المسؤول المالي إن بلاده «معرضة كما النيجر وبالدرجة نفسها» للخطر الإرهابي، مضيفا أن «التحدي الأول» الذي تواجهه هو إعادة بناء قواتها الأمنية لفرض الرقابة على الحدود فضلا عن توثيق التعاون الأمني بين البلدان المعنية وتبادل المعلومات والتخطيط المشترك.
ويؤكد مسؤولون أمنيون أن العملية العسكرية الفرنسية في مالي دفعت ببعض المجموعات الجهادية إلى جنوب ليبيا، ويدللون على ذلك بالعملية التي استهدفت موقع عين أميناس الغازي في الجزائر، إذ ثبت أن القائمين بالعملية انطلقوا من ليبيا. وفي لقاء سابق، تساءل وزير خارجية ليبيا لـ«الشرق الأوسط» في معرض رده على المآخذ التي تساق ضد الحكومة الفرنسية لفشلها في ضبط حدودها، عن الأسباب التي تمنع بلدان الجوار من ضبط حدودها هي الأخرى، ومنع تسلل المجموعات الإرهابية منها وإليها.
وقالت الخارجية الفرنسية إن الأولوية بالنسبة لفرنسا ولبلدان الاتحاد الأوروبي هو «تدعيم القوى الأمنية الليبية» عبر برامج تعاون أوروبية ودولية.
وأرسل الاتحاد الأوروبي بعثة إلى ليبيا مشكلة من 110 خبراء مدنيين مهمتهم المساعدة على تأهيل الأجهزة الليبية على فرض الرقابة على الحدود البرية والبحرية والجوية. وحددت المهمة بعامين، ويتولى الاتحاد الأوروبي تمويلها. وأكد الناطق باسم الخارجية رومان نادال أن باريس «جاهزة» للبدء بتأهيل 1000 رجل شرطة ليبي في ليبيا نفسها.



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.