آلاف المتظاهرين في ليبيا ضد تمديد ولاية البرلمان

وزير خارجية فرنسا: لا يجوز ترك الأمور تتفاقم

متظاهرون ليبيون يرفعون لافتات ضد تمديد ولاية المؤتمر الوطني العام في البلاد أمس (أ.ف.ب)
متظاهرون ليبيون يرفعون لافتات ضد تمديد ولاية المؤتمر الوطني العام في البلاد أمس (أ.ف.ب)
TT

آلاف المتظاهرين في ليبيا ضد تمديد ولاية البرلمان

متظاهرون ليبيون يرفعون لافتات ضد تمديد ولاية المؤتمر الوطني العام في البلاد أمس (أ.ف.ب)
متظاهرون ليبيون يرفعون لافتات ضد تمديد ولاية المؤتمر الوطني العام في البلاد أمس (أ.ف.ب)

تظاهر آلاف الليبيين الرافضين لتمديد ولاية المؤتمر الوطني العام (البرلمان) في عدة مدن ليبية أمس، وسط حالة من الاستنفار الأمني والعسكري. وبينما غادر نوري أبو سهمين رئيس المؤتمر إلى تونس فجأة للمشاركة في احتفالها الرسمي بمناسبة المصادقة على الدستور الجديد، تعهد رئيس الحكومة علي زيدان لمواطنيه بالاستجابة لمطالبهم أيا كانت، ودعاهم في المقابل إلى نبذ العنف.
وتجمع آلاف المتظاهرين بميدان الشهداء وسط طرابلس وأمام فندق «تيبستي» بمدينة بنغازي رافعين أعلام الاستقلال، ورددوا الهتافات المناوئة لقرار المؤتمر الوطني الذي يعتبر أعلى سلطة دستورية وسياسية في البلاد بتمديد فترة ولايته القانونية التي انتهت رسميا أمس إلى نهاية العام الحالي.
بينما طوق جنود من الجيش مبنى المؤتمر الوطني لمنع دخوله، وأغلقوا الطرق المؤدية إليه، كما تم تعزيز الإجراءات الأمنية حول مقر الحكومة الانتقالية ومختلف الوزارات والمصالح الحيوية تحسبا لوقوع صدامات.
وقال متظاهرون وناشطون سياسيون في طرابلس لـ«الشرق الأوسط» إنهم طردوا طاقم عمل قناة «الجزيرة» القطرية من الميدان وأجبروهم على مغادرته اعتراضا على ما وصفوه بطريقة «تناول القناة للمظاهرات وانحيازها إلى جماعة الإخوان المسلمين». كما رفع بعض المتظاهرين في عدة مدن ليبية صورا وملصقات للمشير عبد الفتاح السيسي نائب رئيس الوزراء ووزير الدفاع المصري، نكاية في «الإخوان».
وشهدت عدة مدن أخرى مثل المرج، شحات، البيضاء، طبرق، أجدابيا، الأبيار، مظاهرات سلمية رفعت شعارات رافضة لتمديد عمل المؤتمر الوطني، وللمطالبة بتجميد عمل الأحزاب السياسية إلى حين الانتهاء من صياغة الدستور الجديد للبلاد وتفعيل الجيش الوطني والشرطة.
وبينما وصل رئيس المؤتمر الوطني نوري أبو سهمين إلى تونس للمشاركة في الاحتفال المقام بمقر المجلس الوطني التأسيسي التونسي بمناسبة المصادقة على الدستور الجديد، ناشد علي زيدان رئيس الحكومة الانتقالية جميع الليبيين تجنب العنف في تسوية خلاف بشأن البرلمان المؤقت الذي كان من المقرر أن تنتهي ولايته أمس، في ظل مواجهة البلاد انقسامات عميقة بشأن مستقبل المجلس.
وأعلن زيدان عقب عودته من مالطا التي توقف فيها لبضع ساعات أن مجلس الوزراء المصغر في حالة انعقاد مستمر، مشيرا إلى أنه تم تشكيل عدد من اللجان بمختلف الوزارات ومناطق مديريات الأمن في طرابلس وبنغازي والمدن الرئيسة ومختلف المدن. ونبه زيدان الجميع إلى ضرورة التأهب وحفظ الأمن والتزام الحراك السلمي، وألا يلجأ الجميع للعنف تحت أي سبب من الأسباب لأن كل شيء يمكن أن يتحقق بالسلم والإقناع والحوار، مضيفا «الحكومة تحت إمرة الشعب وتحت إرادة الشعب، وما يطلبه الشعب ستقوم به أيا كان هذا الطلب.. ومهمتها الآن حفظ الأمن وتوفير الخدمات وضمان مسار الدولة على المستوى الداخلي والخارجي بكيفية غير مرتبكة وبكيفية تحقيق ما تصبو إليه».
ودعا زيدان مواطنيه إلى التعاون مع أجهزة الدولة من خدمات طبية والجيش والشرطة وكل المتطوعين لتنظيم الأمور بالتعاون معهم بسلاسة، معتبرا أن «كل ما وجد في الدولة وجد بإرادة الشعب، وكل ما ينبغي أن يستمر سيستمر بإرادة الشعب، ولكن ينبغي ذلك بالإقناع والحوار وروح التسامح والسلم لأن العنف لن يأتي بخير».
وكان الصديق عبد الكريم، نائب زيدان والمكلف بوزارة الداخلية، قد أصدر تعليماته إلى الأجهزة الأمنية التابعة للوزارة بعدم التعرض لأي مظاهرة سلمية أو منعها. ونقلت وكالة الأنباء المحلية عن مصادر قولها إن التعليمات تنص على حماية المتظاهرين المدنيين وتأمين حق التظاهر السلمي الذي كفلته أهداف ومبادئ ثورة 17 فبراير (شباط) عام 2011، التي نادت بحق التظاهر وحرية الرأي والتعبير. وشدد نائب رئيس الحكومة المؤقتة المكلف بالداخلية على كل الإدارات والأجهزة والمراكز الأمنية التابعة للوزارة، الالتزام بهذا التعميم وعدم تلقي أي تعليمات من أي جهة كانت تخالف ما جاء فيه.
إلى ذلك، أكد مجلس مجاهدي وثوار ليبيا، أنه مع إرادة الشعب الليبي في التظاهر السلمي وحق التعبير وحرية الرأي، لكنه أعلن في المقابل في بيان له أمس رفضه التام لأي مظاهر قد تؤدي إلى الفوضى والعنف وإراقة الدماء أو ما يصاحبها من أعمال تخريب للممتلكات العامة أو الخاصة. ودعا المجلس في بيانه إلى تفويت الفرصة على الذين يحاولون استغلال الظروف التي تمر بها البلاد بإدخالها في منزلق خطير قد يؤدي إلى صراع دامي على السلطة.
من جهته، نفى أبو بكر بدر، مدير عام مطار البرق الدولي، ما تردد عن منع أعضاء المؤتمر الوطني من الدخول أو الخروج عبر المطار، مشيرا إلى أن ما تم تداوله عبر بعض القنوات الليبية المحلية لا أساس له من الصحة. وبعد مرور عامين ونصف العام على سقوط نظام حكم العقيد الراحل معمر القذافي، تمر عملية التحول الديمقراطي في ليبيا بأزمة، حيث يعرقل الاقتتال بين الإسلاميين والقوميين الحكومة، كما لا يتمكن الجيش الذي أنشئ حديثا من بسط سيطرته في كثير من الأحيان.
وأوقفت ميليشيا في شرق البلاد تصدير النفط وهو مصدر الدخل الرئيس للبلاد، ولا يزال الملف الأمني مصدر قلق، وتجلى هذا في اختطاف زيدان نفسه في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.
وانتخب المؤتمر الوطني العام عام 2012، وكان من المفترض أن تنتهي ولايته أمس، لكن أعضاءه مدوا ولايته لإتاحة مزيد من الوقت للجنة خاصة لوضع مسودة الدستور الذي يعتبر خطوة أساسية في عملية الانتقال السياسي بليبيا. ويقول مراقبون إن «كثيرا من الليبيين يشعرون بأن المؤتمر الوطني العام لم يحرز تقدما في ظل الاستقطاب الواقع بين تحالف القوى الوطنية القومي وحزب العدالة والبناء الذراع السياسية لجماعة الإخوان». وتابع المراقبون «تجسيدا لهذا الاستقطاب تحالفت كتيبة الزنتان مع تحالف القوى الوطنية، بينما تحالفت كتيبة مصراتة مع القيادة الإسلامية. ولعبت الكتيبتان المتناحرتان دورا رئيسا في المعارضة السابقة، وتعقد الانتقال السياسي في ليبيا نتيجة تحالف عشرات من كتائب المعارضة السابقة التي قاتلت للإطاحة بالقذافي وترفض التخلي عن أسلحتها مع فصائل سياسية متنافسة تلجأ كثيرا للقوة العسكرية للضغط من أجل تنفيذ مطالبها».
ويحتل قائد سابق لمقاتلي المعارضة مرافئ نفطية رئيسة في شرق البلاد، مما أدى إلى انخفاض صادرات ليبيا إلى النصف، وذلك للمطالبة بمزيد من الحكم الذاتي لهذه المنطقة ونصيب أكبر في الثروة النفطية. وأبرز هجوم لمسلحين مجهولين تردي الوضع الأمني الذي لم تسلم منه العاصمة، حين حاولوا اقتحام مقر قيادة الجيش الليبي في طرابلس أول من أمس، وتبادلوا إطلاق النار مع الجنود، ثم سرقوا بنادق ومركبات عسكرية.
وقال المتحدث باسم الجيش علي الشيخي، إن القوات اشتبكت مع المسلحين حين حاولوا الدخول، واضطرتهم للمغادرة، بينما قال مصدر عسكري إن الاشتباك وقع عند باب مبنى القيادة، وإن المسلحين سرقوا عددا قليلا من بنادق الكلاشنيكوف وأربع سيارات على الأقل. وقال ضابط رفيع بالجيش، طلب عدم نشر اسمه، إنه يعتقد أن ما حدث كان نزاعا بين الحرس في مقر القيادة.
وبعد نحو ثلاث سنوات من الثورة على القذافي ما زال الجيش الليبي في مرحلة التدريب، ولا تضاهي قوته قوة جماعات المقاتلين السابقين المدججين بالسلاح والميليشيات التي قاتلت لخلع القذافي، لكنها ترفض الآن التخلي عن سلاحها.

وعلى صعيد اخر، يبدو أن الحكومة الفرنسية لم تحسم بعد موقفها النهائي إزاء ما يتعين القيام به لوضع حد للحركات الجهادية والإرهابية في الجنوب الليبي. ففيما عد رئيس الأركان الفرنسي الأميرال أدورا غيو قبل أسبوعين أن عملية عسكرية دولية هي «الحل الأمثل» لإعادة الأمن والاستقرار إلى الجنوب الليبي، استبعد وزير الخارجية لوران فابيوس هذا الاحتمال ودعا إلى انتظار ما قد يسفر عنه الاجتماع الوزاري الخاص بليبيا وأمنها في السادس من الشهر المقبل في روما. وجاء كلام فابيوس، في لقاء صحافي مختصر، أعقب اجتماعه برئيس حكومة مالي بعد ظهر أمس، ردا على سؤال لـ«الشرق الأوسط». وقال الوزير الفرنسي: «إذا كان السؤال يتناول تدخلا عسكريا «في ليبيا»، فالجواب بالنفي.
وتتعرض باريس منذ أسابيع لضغوط من أصدقائها الأفارقة للقيام بعمل ما من أجل وضع حد لانفلات الحدود الجنوبية لليبيا، الذي يسهّل تحرك المجموعات الجهادية. وكان كلام وزير داخلية النيجر في باريس، في الخامس من الشهر الحالي الأوضح، إذ أعلن بمناسبة زيارته للعاصمة الفرنسية أنه «من المشروع تماما أن تتدخل فرنسا والولايات المتحدة لمجابهة التهديد الإرهابي في جنوب ليبيا»، كما أنه يتعين على الدول التي أطاحت بالعقيد معمر القذافي أن «تتحمل تبعات ما قامت به»، لأن المنطقة المذكورة «تحولت وكرا للإرهاب». وبحسب وزير داخلية النيجر، فإن تدخلا عسكريا «أصبح اليوم في باب الممكن».
وقالت مصادر فرنسية لـ«الشرق الأوسط» إن سببين رئيسين يقفان وراء تردد باريس. الأول يكمن في أن القوات الفرنسية ضالعة في عمليتين عسكريتين في أفريقيا (مالي وأفريقيا الوسطى)، وبالتالي سيكون من الصعب عليها الانخراط في عملية عسكرية ثالثة في ليبيا. أما السبب الثاني فيكمن في أن مبادرة كهذه تحتاج لطلب أو لموافقة من السلطات الليبية الحالية. ولكن وبالنظر للصعوبات الداخلية التي تواجهها هذه السلطات، فإن الحكومة التي يقودها علي زيدان أو المؤتمر الوطني العام، من الصعب أن «يخاطر» أي من الطرفين بطلب تدخل عسكري خارجي. بيد أن باريس «تعترف» أن التحالف الذي أسقط نظام القذافي «لم يقم بما كان يتوجب عليه» لمساعدة النظام الجديد ليقف على رجليه، الأمر الذي يفسر، إلى حد كبير، الصعوبات الحالية الأمنية والسياسية.
وترى مصادر ليبية أن النظام الجديد وجد نفسه بلا دولة ولا أجهزة أمنية ولا إدارة ومع 20 مليون قطعة سلاح بأيدي الليبيين وعشرات الميليشيات التي تتقاسم النفوذ والسيطرة على المناطق والموارد، وأولها النفط.
وسيكون الوضع في ليبيا الذي وصفه الوزير فابيوس بـ«الصعب» محل بحث في اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي بعد غد (الاثنين) المقبل في بروكسل. وينتظر أن يعمد هؤلاء الوزراء إلى تقويم المساهمة التي يقدمها الاتحاد في الموضوع الأمني لليبيا.
وأفاد فابيوس بأنه أرسل، أول من أمس، رسالة إلى زيدان «للنظر في العلاقات الثنائية وتقويم التزامات فرنسا»، ومنها تأهيل قسم من القوى الأمنية الليبية و«عرض مجموعة من الأفكار التي يمكن أن تطرح في اجتماع روما». بيد أن فابيوس رفض الكشف عن مضامينها، تاركا ذلك لاجتماع روما المقبل.
وشدد الوزير الفرنسي على أنه «لا يجوز ترك الأمور تتفاقم» في الجنوب الليبي، إذ يتعين الأخذ بعين الاعتبار ما حصل في مالي، حيث اضطرت باريس إلى إرسال قواتها، في شهر فبراير (شباط) الماضي، لوقف زحف قوات تنظيم القاعدة في شمال أفريقيا ومجموعات جهادية أخرى باتجاه العاصمة المالية.
ومن ناحيته، أعرب رئيس الحكومة المالية عمر تتام لي عن «القلق العميق» إزاء انفلات الوضع الأمني في الجنوب الليبي، ولم يخفِ «مخاوفه» من نزول هذه المجموعات نحو شمال مالي.
وقال المسؤول المالي إن بلاده «معرضة كما النيجر وبالدرجة نفسها» للخطر الإرهابي، مضيفا أن «التحدي الأول» الذي تواجهه هو إعادة بناء قواتها الأمنية لفرض الرقابة على الحدود فضلا عن توثيق التعاون الأمني بين البلدان المعنية وتبادل المعلومات والتخطيط المشترك.
ويؤكد مسؤولون أمنيون أن العملية العسكرية الفرنسية في مالي دفعت ببعض المجموعات الجهادية إلى جنوب ليبيا، ويدللون على ذلك بالعملية التي استهدفت موقع عين أميناس الغازي في الجزائر، إذ ثبت أن القائمين بالعملية انطلقوا من ليبيا. وفي لقاء سابق، تساءل وزير خارجية ليبيا لـ«الشرق الأوسط» في معرض رده على المآخذ التي تساق ضد الحكومة الفرنسية لفشلها في ضبط حدودها، عن الأسباب التي تمنع بلدان الجوار من ضبط حدودها هي الأخرى، ومنع تسلل المجموعات الإرهابية منها وإليها.
وقالت الخارجية الفرنسية إن الأولوية بالنسبة لفرنسا ولبلدان الاتحاد الأوروبي هو «تدعيم القوى الأمنية الليبية» عبر برامج تعاون أوروبية ودولية.
وأرسل الاتحاد الأوروبي بعثة إلى ليبيا مشكلة من 110 خبراء مدنيين مهمتهم المساعدة على تأهيل الأجهزة الليبية على فرض الرقابة على الحدود البرية والبحرية والجوية. وحددت المهمة بعامين، ويتولى الاتحاد الأوروبي تمويلها. وأكد الناطق باسم الخارجية رومان نادال أن باريس «جاهزة» للبدء بتأهيل 1000 رجل شرطة ليبي في ليبيا نفسها.



اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
TT

اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)

تصاعدت خلال الأيام الأخيرة حملات الملاحقة والاعتقال التي تنفذها الجماعة الحوثية في عدد من المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرتها، مستهدفة المدنيين الرافضين الانخراط في صفوفها، في وقت أصدرت فيه أجهزتها الأمنية بياناً أعلنت فيه ضبط ما وصفتها بـ«خلايا تجسس» مرتبطة بإسرائيل، في خطوة يرى مراقبون أنها تُستخدم لتبرير تشديد الإجراءات الأمنية والتوسع في حملات القمع.

ويأتي هذا التصعيد في ظل خطاب حوثي يربط بين التطورات الداخلية في اليمن والصراع الإقليمي، حيث تؤكد الجماعة أن تحركاتها تأتي في إطار دعم ما تسميه «المحور الإيراني» ونصرة القضايا الإقليمية، في حين يحذر مراقبون من انعكاسات ذلك على الوضع الإنساني والأمني داخل البلاد.

وفي هذا السياق، أعلن ما يسمى جهاز الأمن والمخابرات، التابع للجماعة الحوثية، إلقاء القبض على عدد من الأشخاص الذين قال إنهم عملوا بصورة مباشرة مع أجهزة استخبارات إسرائيلية، بينها «أمان» و«الموساد»، إلى جانب جهات أخرى.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك بسلاح رشاش على متن عربة أمنية (إ.ب.أ)

وزعم البيان أن المعتقلين متهمون بتنفيذ أعمال تجسسية، شملت تزويد جهات خارجية بمعلومات عسكرية وأمنية، وإحداثيات لمواقع حساسة، فضلاً عن بيانات تتعلق بمنشآت اقتصادية.

وادّعت الجماعة الحوثية أن هذه العناصر استخدمت برامج «تجسسية» ووسائل اتصال خاصة لتنفيذ مهامها، وأن ضبطها يمثل «إنجازاً أمنياً» تحقق بفضل ما وصفته بتعاون المواطنين. كما دعا البيان السكان إلى مزيد من «اليقظة»، محذراً من مخاطر ما اعتبره «مؤامرات» تستهدف الجماعة.

ويرى محللون أن توقيت هذا البيان ليس معزولاً عن تصاعد حملات الاعتقال، إذ يُستخدم، بحسب تقديراتهم، لتعزيز السردية الأمنية التي تبرر ملاحقة المعارضين أو الرافضين للتجنيد، عبر ربطهم ضمنياً بتهديدات خارجية.

ملاحقات واعتقالات

وفي محافظة حجة، أفادت مصادر محلية بأن الجماعة كثّفت حملات الملاحقة بحقّ شبان رفضوا الاستجابة لدعوات التجنيد، حيث جرى اعتقال عدد منهم من منازلهم، فيما تم توقيف آخرين في نقاط تفتيش. وتحدثت المصادر عن استمرار احتجاز عشرات المدنيين منذ أسابيع، دون معلومات واضحة عن مصيرهم.

كما أشار شهود إلى استخدام قوائم بأسماء مطلوبين، إلى جانب تهديدات بفرض عقوبات على الرافضين، في إطار حملة تقودها جهات إشرافية محلية لتجنيد مزيد من المقاتلين، في ظل استنزاف بشري تشهده الجبهات.

حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)

وفي محافظة الحديدة، شهدت مديرية جبل راس حملات مشابهة، طالت شباناً وأولياء أمور، على خلفية رفضهم إرسال أبنائهم إلى القتال. وأفاد سكان باستخدام وسائل ضغط متعددة، بينها التهديد بالعقوبات أو الاحتجاز، لإجبار العائلات على الامتثال.

ويقول مراقبون إن ربط هذه الحملات بملفات أمنية، مثل «التجسس»، يعكس اتجاهاً نحو توسيع دائرة الاشتباه، بما يسمح بملاحقة فئات أوسع من السكان تحت مبررات أمنية.

وفي محافظة إب، اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل معلمين وموظفين وشرائح مدنية مختلفة، في عدد من المديريات. وأكدت مصادر محلية أن الحملات ترافقت مع خطاب تعبوي يربط بين التجنيد و«نصرة المحور الإيراني» ومواجهة ما تصفه الجماعة بالتحديات الإقليمية.

في المقابل، أدّت هذه التطورات إلى حالة من القلق داخل المجتمعات المحلية، حيث لجأت بعض الأسر إلى إخفاء أبنائها أو نقلهم إلى مناطق أخرى، خشية الاعتقال أو إجبارهم على القتال.

تداعيات حقوقية وإنسانية

يثير تصاعد حملات الاعتقال المرتبطة بالتجنيد القسري مخاوف حقوقية متزايدة، حيث يؤكد ناشطون أن العديد من المحتجزين يتم توقيفهم دون أوامر قضائية، مع حرمانهم من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك التواصل مع أسرهم أو الحصول على تمثيل قانوني.

كما يشير هؤلاء إلى أن استخدام اتهامات مثل «التجسس» قد يفتح الباب أمام انتهاكات أوسع، في ظل غياب الشفافية والإجراءات القانونية الواضحة. ويرون أن هذه الممارسات تتعارض مع القوانين الدولية التي تحظر إجبار المدنيين على المشاركة في النزاعات المسلحة.

الجماعة الحوثية أعلنت الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (إ.ب.أ)

ويربط محللون تصاعد هذه الإجراءات بالضغوط التي تواجهها الجماعة لتعزيز قدراتها العسكرية، في وقت تشهد فيه الجبهات تعزيزات مستمرة، ما يدفعها إلى تكثيف عمليات التجنيد، حتى عبر وسائل قسرية.

وفي ظل هذه التطورات، دعت منظمات حقوقية إلى وقف حملات الاعتقال والتجنيد القسري، والإفراج عن المحتجزين، واحترام المعايير الدولية، محذرة من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويقوض فرص التوصل إلى تسوية سياسية في اليمن.


محاولة اغتيال رئيس الصومال... رسالة تصعيد وسط أزمة سياسية

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

محاولة اغتيال رئيس الصومال... رسالة تصعيد وسط أزمة سياسية

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)

نجا الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود من استهداف قُبيل بدء زيارته لمدينة بيدوا عاصمة ولاية جنوب غرب (جنوب البلاد)، في أعقاب تغييرات رسمية جذرية أطاحت برئيس الولاية.

ذلك الاستهداف هو الثاني الذي تدبره «حركة الشباب» الإرهابية ضد رئيس الصومال وينجو منه، خلال نحو عام... ويرى خبير في الشأن الأفريقي، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أنه يحمل «رسالة مزدوجة من الحركة، بأن لديها قدرة عملياتية وبإمكانها أن تستغل الظرف السياسي المتوتر»، متوقعاً أن تفرض الحكومة إجراءات أشد ضد الحركة، وتُحكم قبضتها السياسية والأمنية مؤقتاً في ضوء هذا الاستهداف.

وأفادت «وكالة بلومبرغ»، السبت، بأن حسن شيخ محمود نجا دون أن يُصاب بأذى، بعد تعرضه ومرافقيه لوابل من قذائف الهاون في مدينة بيدوا جنوب البلاد، مساء الجمعة، بعد وقت قصير من نزول الرئيس من طائرته، وبدئه في تحية وحدات من الجيش والشرطة ومسؤولين حكوميين.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

وأطلقت قذائف الهاون على المطار مباشرة بعد هبوط الطائرة الرئاسية أو أثناء وجود الموكب في المنطقة.

وأظهرت مقاطع فيديو متداولة على الإنترنت، عناصر الحماية الخاصة بالرئيس الصومالي وهم يطوقونه بسرعة قبل إدخاله إلى مركبة مصفحة ضد الرصاص، كما تم الإبلاغ عن وقوع انفجارات بالقرب من المطار في ذلك الوقت.

وكان الرئيس حسن شيخ محمود في زيارة رسمية إلى المدينة، لتفقد العمليات الأمنية ولقاء قادة محليين، وأعلنت مصادر حكومية، أن الهجوم «فشل في تحقيق هدفه، وأن الرئيس واصل برنامجه دون انقطاع». فيما أعلنت «حركة الشباب» المسلحة المرتبطة بتنظيم «القاعدة» مسؤوليتها قائلة إنها استهدفت مطار بيدوا بقذائف هاون موجهة نحو الرئيس والوفد المرافق له، وفق إعلام صومالي محلي.

وهذه ثاني محاولة لاغتيال الرئيس الصومالي من «حركة الشباب» الإرهابية، وذلك بعد محاولة فاشلة أولى في مارس (آذار) 2025 بمقديشو باستخدام عبوة ناسفة، أسفرت عن قتلى وجرحى بين المدنيين والأمنيين.

الجيش الصومالي أثناء تنفيذ عملية عسكرية سابقة (وكالة الأنباء الصومالية)

ويرى المحلل في الشأن الأفريقي والصومالي، عبد الولي جامع بري، أن استهداف موكب حسن شيخ محمود بقذائف هاون «حدث مهم سياسياً وأمنياً؛ لأنه وقع لحظة وصوله إلى المطار خلال زيارة حساسة مرتبطة بترتيبات سياسية في إقليم جنوب غرب».

وأكد أن الحادث يحمل عدة رسائل؛ لأن «(حركة الشباب) هدفت للتأكيد على أن لديها قدرة عملياتية وتستطيع ضرب أهداف عالية المستوى حتى أثناء زيارات رسمية، كما أنها رسالة تحدٍّ للدولة ومحاولة إظهار أنها لا تستطيع السيطرة الأمنية بالكامل، لا سيما خارج العاصمة، ورسالة نفسية للرأي العام لإضعاف ثقة المواطنين».

ولم تؤكد «وكالة الأنباء الصومالية» هذه الأنباء، غير أنها أفادت، السبت، بأن زيارة الرئيس الصومالي المهمة لبيدوا «تأتي في إطار ترسيخ دعائم الدولة، واضعاً ملفات المصالحة الوطنية والتحول الديمقراطي على رأس أولويات الأجندة الرئاسية».

قوات من الجيش الصومالي تنتشر في مدينة بلدوين عقب هجوم سابق من «حركة الشباب» (أ.ب)

وجاءت الزيارة بعد أيام قليلة من إعلان الحكومة الفيدرالية «السيطرة الكاملة على مدينة بيدوا، وهي العاصمة المؤقتة لولاية (جنوب غرب)، ووصول قوات مسلحة للعاصمة استجابة لإرادة السكان»، وتعيين رئيس جديد للولاية خلفاً للمقال عبد العزيز لفتاغرين.

ويشير بري إلى أن الهجوم بقذائف الهاون غالباً «ليس عملية اغتيال دقيقة بقدر ما هو عملية استعراض قدرة وإرباك سياسي وإعلامي»، لافتاً إلى «أن التوقيت هنا أهم من الهجوم نفسه، حيث تأتي زيارة الرئيس إلى بيدوا في سياق تغييرات سياسية في إدارة جنوب غرب، وخلافات مع الحكومة وترتيبات انتقالية وإعادة ترتيب النفوذ الأمني في المدينة».

وأضاف: «الهجوم يحمل رسالة مزدوجة ضد الحكومة الفيدرالية، والترتيبات السياسية الجديدة في الإقليم».

ويعتقد بري أنه من المتوقع أن تتعزز شرعية العمليات العسكرية ضد «حركة الشباب» وترتفع لغة التعبئة الوطنية، لافتاً إلى أن الهجوم جاء في لحظة حساسة بعد تغييرات في قيادة الإقليم، «لذلك قد تستخدمه المعارضة للقول إن الوضع الأمني والسياسي غير مستقر نتيجة القرارات الأخيرة، مما قد يتحول إلى ورقة سياسية داخلية».


الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة؛ بهدف ضبط الوضع الاقتصادي بشكل مستدام.

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

ومن المنتظر أن «يؤسس البرنامج لإدارة متكاملة تربط بين استعادة الموارد العامة وحوكمتها، وإلغاء الرسوم والجبايات غير القانونية، إلى جانب إخضاع مختلف الأوعية الإيرادية والكيانات الاقتصادية لرقابة الدولة، بما يعزز كفاءة الإدارة المالية، ويحد من الهدر والتشوهات الاقتصادية».

وتأتي هذه الخطوة في أعقاب إقرار «المجلس التنفيذي» لـ«صندوق النقد الدولي» نتائج مشاورات «المادة الرابعة» لعام 2025، عقب انقطاع لأكثر من 11 عاماً، التي تُعدّ نافذة محورية لإعادة دمج الاقتصاد اليمني في المنظومة المالية الدولية.

وأشاد «صندوق النقد الدولي» بـ«الجهود التي بذلتها الحكومة اليمنية، والتي أسهمت في استقرار الاقتصاد وبدء التعافي التدريجي من الركود العميق الذي أعقب توقف صادرات النفط في عام 2022، مع تباطؤ وتيرة الانكماش وتراجع الضغوط المالية والخارجية».

وأشارت وزارة المالية، في بيان، إلى أن هذا التوجه «يمثل استجابة عاجلة لمعالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد الوطني الناجمة عن الحرب التي فرضتها ميليشيا الحوثي، والتي تسببت في صدمات مالية حادة، أبرزها تعطل مصادر النقد الأجنبي، وتوقف صادرات النفط الخام التي تمثل 65 في المائة من موارد الموازنة العامة للدولة».

كما أدت الحرب إلى «انقطاع تدفق الموارد المركزية إلى الخزانة العامة؛ مما قلّص الحيز المالي للدولة، وحدّ من قدرتها على التدخل الاقتصادي، وزاد من انكشاف الاقتصاد أمام الصدمات الداخلية والخارجية»، وفقاً للوزارة.

أعلنت وزارة المالية إطلاق برنامج تصحيح مالي شامل لاستئناف خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية (سبأ)

وشددت «المالية» اليمنية على أنها تقود «جهوداً حثيثة لإعادة ضبط المسار المالي والاقتصادي، والانتقال من مرحلة التشخيص إلى التنفيذ المؤسسي الفعلي، متصدرة الجهود لاستئناف الإجراءات العملية بموجب القرار رقم (11) لسنة 2025 الصادر عن مجلس القيادة الرئاسي بشأن خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية الشاملة».

وتوقعت أن تسهم هذه الخطوة في تعزيز الشفافية وترسيخ المصداقية الائتمانية للحكومة لدى المانحين والمستثمرين، بما يهيئ بيئة جاذبة للدعم الخارجي والتدفقات الاستثمارية.

وعلى الصعيد المحلي، رجّحت الوزارة أن تسهم الإجراءات في تحسين بيئة الثقة ورفع جودة السياسات الاقتصادية وتهيئة الظروف لاستقطاب الدعم والاستثمارات.

وفي السياق ذاته، أكدت أن نجاح هذه الجهود يتطلب «تفعيل الأدوات الرقابية، وفي مقدمتها الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، والهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد، والسلطة القضائية ممثلة في نيابة الأموال العامة، إلى جانب مختلف الجهات ذات العلاقة».

كما شددت على أهمية إعادة تفعيل «اللجنة العليا للمناقصات والمزايدات الحكومية»، بما «يعزز الرقابة على المال العام، ويضمن استكمال الدورة المستندية وفق الأطر القانونية، ويسهم في رفع كفاءة الإنفاق العام وضبط صرف المرتبات، ودعم مسارات التعافي الاقتصادي والتنمية المستدامة».

وأكدت وزارة المالية أن المرحلة المقبلة تتطلب ترجمة هذه التوجهات إلى ممارسات مؤسسية مستدامة، بوصفها المدخل الأساسي لإخراج الاقتصاد الوطني من أزمته الراهنة وتحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي المنشود.

Your Premium trial has ended