الإسلام والشيوعية في سيرة حياة دبلوماسي روسي

الإسلام والشيوعية في سيرة حياة دبلوماسي روسي

كريم حاكيموف وضع أسس العلاقة بينهما بعد الثورة البلشفية
الخميس - 12 جمادى الأولى 1443 هـ - 16 ديسمبر 2021 مـ رقم العدد [ 15724]

صدرت حديثاً النسخة العربية من كتاب «سيرة حياة... عن مصير الإسلام والشيوعية في روسيا السوفياتية» تأليف السفير الروسي أوليج أوزيروف قدمها المترجمان المصريان الدكتور محمد نصر الجبالي وعادل صديق، ويتتبع المؤلف، خلال الكتاب الذي يتكوّن من 12 فصلاً، الصفحات غير المعروفة لسيرة كريم حاكيموف أحد الدبلوماسيين السوفيات الأوائل، الذي وضع أسس علاقات بلاده بعد ثورة أكتوبر (تشرين الأول) عام 1917 مع المملكة العربية السعودية واليمن، يمزجها بالأحداث التاريخية واسعة النطاق لتلك الفترة، كما يقدم تحليلاً للعلاقة بين التيارات الآيديولوجية المختلفة التي تشابكت وتقاتلت في فترات ما قبل الثورة وما بعدها في روسيا ثم في الاتحاد السوفياتي، ويكشف الكثير من الحقائق غير المعروفة من قبل، منها على سبيل المثال رسالة كريم حاكيموف إلى فياتشيسلاف ميخائيلوفيتش مولوتوف وزير الخارجية ورئيس الحكومة السوفياتية منذ عام 1937 – 1941، كما يلقي الكتاب الضوء على الدور الذي لعبه حاكيموف في عقد مؤتمر العالم الإسلامي.
ويتميز الكتاب بالشبه الذي يجمع بين مؤلفه الذي ما زال يعمل دبلوماسياً روسياً وسوفياتياً رفيعاً خدم في المملكة العربية السعودية في الفترة بين 2010 و2017، أما الثاني وهو كريم حاكيموف فيعد أول رئيس بعثة دبلوماسية سوفياتية في مملكة الحجاز في الفترة بين عامي 1924 و1928 ثم في المملكة العربية السعودية في الفترة بين عامي 1936 و1937، وترك أثراً كبيراً ومهماً في تاريخ الدبلوماسية السوفياتية وفي الفترة الصعبة التي عاشها تاريخ العلاقات بين البلدين.
وخلال الكتاب رسم المؤلف لوحة كاملة لحياة ونشاط كريم حاكيموف، ومصير الإسلام والشيوعية في روسيا، بعد دراسة وبحث على مدى عقود سواء من العلماء الروس أو الأجانب، وكان موضوع نقاشات وجدل وصدامات دائمة، ومن خلال تناول سيرة حياة حاكيموف الثرية يقدم أوليج أوزيروف مقتطفات من التاريخ الدراماتيكي لروسيا في فترة التقلبات الثورية وقيام الاتحاد السوفياتي.
ولا يكتفي المؤلف بالحديث عن حياة وإنجازات دبلوماسي روسي بارز في تاريخ السياسة السوفياتية، بل قام بإلقاء الضوء على قضية صياغة النهج الدبلوماسي السوفياتي، سياسات بلاده الوطنية، والصراع بين مختلف التيارات في الأقاليم الإسلامية، وتطور النظام الاتحادي، كما يتحدث عن الصراع والتنافس بين قيادات وزارة الخارجية السوفياتية والتناقضات والصراعات بين بعض الوزارات أو مجموعات المصالح.
ويمزج المؤلف بين سيرة حياة كريم حاكيموف والنهج السياسي لروسيا ما قبل الحرب ويلقي الضوء على انتصاراتها وإنجازاتها وكذا إخفاقاتها المأساوية، ويورد أوليج أوزيروف للمرة الأولى أيضاً العديد من الحقائق المهمة في الكتاب، وذلك رغم تناوله موضوعاً تناوله الكثيرون قبله، وقد استطاع أن يكتب تاريخ نشأة وتطور شخصية كريم حكيموف الفريدة، من خلال دراسة شاملة للكثير من الوثائق والمواد الأرشيفية واستيعاب كل ما كتبه السابقون وإسهاماتهم.
وتحدث أوزيروف عن مهمة كريم حكيموف في بلاد فارس بعد أن وافقت موسكو على تعيينه في 15 سبتمبر (أيلول) 1921 في منصب القنصل العام في إيران من أجل الإشراف رسمياً على تنفيذ شروط الاتفاق الذي أُبرم بين جمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفياتية وإيران بتاريخ 26 فبراير (شباط) 1921.
ولفت المؤلف إلى أن تعيين كريم حكيموف في منصب القنصل العام في إيران كشف عن رغبة واضحة لدى تيارات مختلفة في القيادة السوفياتية آنذاك تسعى إلى «سَفْيَتة» إيران، وبناء علاقات حسن الجوار معها. وكان حكيموف في ذلك الوقت الأكثر ملاءمة للقيام بدور «الموسوفيات»، حسبما وصف نفسه بشكل ساخر في سيرته الذاتية.
وذكر المؤلف أن كريم حاكيموف كانت لديه خبرة في تشكيل فرق من المقاتلين المسلمين، وقام في مايو (أيار)1920 بتشكيل فرق من المقاتلين الفرس في طشقند، عندما كانت أوهام تحويل إيران إلى النموذج السوفياتي لا تزال قائمة، لكن التحول في السياسة الخارجية الروسية، والحاجة إلى التنمية الاقتصادية دفعا كريم إلى ممارسة النشاط الدبلوماسي الكلاسيكي.
وذكر أوزيروف أن وصول حاكيموف في أوائل شهر أكتوبر 1921 لمهمته الدبلوماسية الأولى كقنصل بمدينة مشهد الإيرانية في مهام جديدة كان في ظل ظروف صعبة معقدة، حيث لم يعد ممثلو السلطة السوفياتية موضع ثقة بالنسبة إلى الحكومة الفارسية، وعامة الشعب، والإنجليز الذين كانوا يكنون لهم مشاعر عدائية للغاية، وفي موسكو ظهرت عناصر انتقاد وعدم ثقة بالمسار السياسي الحاكم، ومطالبة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الروسي بالعودة لدعم ثوار جيلان.
تعرف حاكيموف حين تولى مسؤولياته الدبلوماسية في إيران على أهداف السياسة الروسية هناك. وكانت لديه مهام أخرى جديدة تماماً، فبدلاً من خوض الحروب ومحاولة إيجاد موطئ قدم جديد للثورة الاشتراكية، كان لا بد من إخراج البلاد من حالة العزلة، وكسب ثقة السلطات والشعب، وبناء علاقات سياسية وتجارية بين البلدين، ومع ذلك تشير وثائق أرشيف الدولة الروسية للتاريخ الاجتماعي والسياسي إلى أنه رغم أن موسكو كانت تدعم كبح انتفاضة جيلان، فإنها كانت متعاطفة مع الثوار، وكان بعض قادة الحزب الشيوعي الروسي، يرون أن من الواجب إنقاذهم باعتبارهم مناصرين لفكرة الإطاحة بالحكومة الموالية لبريطانيا في طهران، وقد كان حكيموف على علم بهذه الخلافات، ويناضل من أجل إقامة حكومة وطنية ذات سيادة في طهران.


كتب

اختيارات المحرر

فيديو