إبراهيم ناجي في «زيارة حميمة تأخرت كثيراً»

الأكاديمية سامية محرز تكتب سيرة جدها شاعر الأطلال

إبراهيم ناجي في «زيارة حميمة تأخرت كثيراً»
TT

إبراهيم ناجي في «زيارة حميمة تأخرت كثيراً»

إبراهيم ناجي في «زيارة حميمة تأخرت كثيراً»

احتاجت الدكتورة سامية محرز أستاذة الأدب العربي مديرة مركز دراسات الترجمة بالجامعة الأميركية بالقاهرة، أكثر من نصف قرن لتزور جدها الشاعر إبراهيم ناجي (1898 - 1953) أحد رموز الرومانسية في الشعر المصري والعربي المعاصر، وتستدعيه وتتعرف عليه من جديد في كتابها «إبراهيم ناجي - زيارة حميمة تأخرت كثيراً»، الصادر حديثاً عن دار الشروق بالقاهرة.
تتردد أصداء سرديات العائلة في سيرة الشاعر: الميلاد والرحيل، الحضور والغياب، الشعر والحب، وتجليات الأثر المُقيم، عبر 274 صفحة يضمها الكتاب، وفيه تتأمل محرز حالة الرحلة التي قطعتها لبلوغ هذه الزيارة، ومكابدات لملمتها وكتابتها، وكأنها تشن «حملة تفتيش»، حسب تعبير الراحلة لطيفة الزيات، تقوم في ظلالها بالتفتيش والنبش في أوراقه الشخصية ومسودات أشعاره وذكريات كثيرة، تقول إنها «فاجأتها بحضورها بعد أن كنت إما نسيتها أو لم أفهم معناها. فآثرت أن أبحث عما قد يجمعنا - جدي وأنا - في هذه الزيارة الحميمة التي تأخرت كثيراً».
وفي إيقاع مونولوج مفعم بالشجن، تروي محرز: «مات إبراهيم ناجي قبل أن ألقاه، تأخرت في المجيء إلى العالم عامين. كنت لم أطأ الدنيا بعد عندما رحل في عامه السادس والخمسين فإذا بي اليوم أكبره سناً».
بهذه الروح تتنقل محرز بين سنوات العمر، تزور سنوات طفولتها التي لم تشهد فيها حضور الجد أبي أمها، بينما تنشأ على اعتياد ذلك الثناء المعهود عنه كإنسان وطبيب وشاعر بارز في أوساط الأدب العربي، تتأمل كيف يُجاور هذا الثناء فجيعة عائلتها بذلك الغياب المفاجئ للجد.
يتقاطع كل هذا مع ملامح دقيقة لحياة الجد الشاعر يرسمها الكتاب، تعززها باقة من الصور الفوتوغرافية والوثائق والمخطوطات النادرة والمراسلات بخط يد ناجي، كما يقدم معلومات جديدة مثيرة عنه، بخاصة ملهمته الأولى الغامضة التي آثر عدم ذكر اسمها في مخطوطاته، مكتفياً بالأحرف الأولى، والتي يشاع أنها وراء إلهامه بقصيدة «الأطلال».
ويعرض الكتاب أثر نجاح هذه القصيدة على أسرته بعد أن شدت بها كوكب الشرق أم كلثوم، ويوضح الفارق الكبير بين «الأطلال» المكتوبة والمغناة ودور الشاعر الكبير أحمد رامي في صناعة ذلك الفارق... وما هي القصيدة الأخرى التي دُمجت بعض أبياتها مع «الأطلال» ليصبح الناتج: أغنية أم كلثوم الشهيرة. ويكشف الكتاب مؤلفاته الأخرى في الطب وعلم النفس والأدب والترجمة، وكيف كانت حفيدة شاعر الأطلال لا تحمل وداً لجدها ولا فخراً بشهرته بسبب مناهج الحكومة لدراسة الأدب العربي في الستينات.

صالون برجوازي

يبدو «التأخر» أحد مفاتيح كتابة تلك السيرة التي تتقاطع فيها سيرة الجد إبراهيم ناجي والحفيدة سامية محرز، فولادتها جاءت بعد عامين من وفاة جدها، مروراً بفكرة تأملها لشعره الذي كان مقرراً عليها في المدرسة، وانتباهها مع العمر للأواصر التي تربطها به، بما في ذلك الأواصر الجينية التي جعلت ملامحها شديدة الاقتراب من ملامح الجد، وهي الملاحظة التي تبرزها محرز في مطلع الكتاب، على لسان الكاتب الراحل جمال الغيطاني، الذي لفت انتباهه صورة كبيرة لإبراهيم ناجي تتوسط صالون بيت الأسرة، يسأل سامية محرز عما جاء بإبراهيم ناجي لبيت عائلتها! وعندها فقط يعلم عن صلة قرابته به ويُعلق على الشبه الكبير بين ملامحهما، تقول محرز «غادر جمال منزلنا، فتوقفت أتأمل - وقد يكون للمرة الأولى - صورة جدي التي قد أصبحت جزءاً لا يتجزأ من المنزل وجدرانه: حاضرة غائبة في كل أوان.
لا تستوقفني أبداً في تنقلاتي داخل المنزل بل إنني لم أكن أحبها. فأمي كانت قد بالغت في تكبير حجم الصورة فاعتبرتها أنا مُقحمة على صالون أهلي البرجوازي، لذا، كنت أتجاهل وجودها».
تتوقف سامية أمام تلك الصورة الفوتوغرافية و«حجمها المبالغ فيه» لتنطلق منها لوصف ذاتي حول تدرج تلقيها لأشعار الجد إبراهيم ناجي، التي كانت تقف على النقيض من انطباعات الآخرين عنه، ذلك التلقي الشخصي المبكر لشعره الذي كان يسوده النفور، وانعكس على تلقيها السلبي للأدب العربي بشكل عام.

موقف من اللغة

تزور محرز في الكتاب، سنوات طفولتها، تعليمها الأجنبي، ومادة اللغة العربية التي كان مُقرراً فيها قصيدة لجدها إبراهيم ناجي بعنوان «العودة»، تعترف أنها كانت واحدة من بين أسباب نفورها من اللغة العربية لسنوات طويلة: «لم تكن قصيدة (العودة) وحدها هي المشكلة، بل كانت هناك مجموعة من الأسباب والظروف والملابسات شكلت علاقتي المتوترة بالأدب العربي بشكل عام، وباللغة العربية بشكل خاص. صحيح أننا كنا نتكلم بالعامية المصرية في المنزل طوال الوقت، إلا أنني قرأت أول ما قرأت وكتبت أول ما كتبت بالفرنسية ثم بالإنجليزية؛ كنت أتعجب من اختيار المحفوظات ومواد القراءة في منهج العربية على مدى المراحل الدراسية، وهي القراءات التي تعد المدخل الأول بل الأساسي إلى الأدب العربي والثقافة العربية. كنا نقرأ - أو بالأحرى نحفظ دون فهم. وفي المقابل في فصول الأدب الإنجليزي نقرأ ونحلل ونناقش قصصاً مبسطة وملخصة لتتواءم مع أعمارنا وخيالاتنا».
تضع محرز يدها على منطق ما وصفته بـ«النفور» من الأدب العربي في سنوات الطفولة، وصولاً لاختيارها الأدب الإنجليزي لدراسته في الجامعة الأميركية بالقاهرة، ليكون لقاؤها بالدكتورة فريال غزول، أستاذة ورئيسة قسم اللغة الإنجليزية والأدب المقارن بالجامعة، نقطة تحول كبيرة في مسار علاقتها بالأدب العربي، بعد أن دلتها على إميل حبيبي ومحمد عفيفي مطر ومحمود درويش وصنع الله إبراهيم وبدر شاكر السياب وجمال الغيطاني وغيرهم من الأسماء: «أسماء لم أكن قد سمعتُ عنها من قبل، فالأدب العربي في تجربتي المدرسية كان قد توقف عند (الكبار) ومنهم جدي بالطبع. الكبار الذين أسيئ تدريسهم واختيار أعمالهم في المراحل التعليمية المختلفة فحملتهم أنا مسؤولية غربتي عن لغتي وعن ثقافتي». وكان هذا الاقتراب أول عتبة على طريق حصولها على الماجستير في الأدب المقارن بإشراف فريال غزول، وصولاً لرحلتها مع الدكتوراه مع أساتذة الأدب العربي في جامعة لوس أنجليس كلود أودبير، وكانت رسالتها عن أدب جمال الغيطاني عام 1984، لتكون الرواية الحديثة بوابتها للأدب العربي، لتجاور جدها في حقل آخر في الأدب العربي.

أوراق ومسودات

يحمل الكتاب على غلافه الخلفي كلمة للروائي المصري صنع الله إبراهيم حول الكتاب، يلفت فيها إلى مفارقة دراسة الحفيدة سامية محرز «على مضض» لأشعار جدها في المدرسة، الذي لم تعره اهتماماً طيلة حياتها إلى أن ورثت من خالتها أوراقاً لناجي تضم خطابات ومذكرات شخصية تلفت انتباهها لتلك الزيارة.
وعلى محطات في حياة ناجي يمر الكتاب، ما بين تفنيد لعلاقته بأسرته، واللغط المثار حول علاقاته العاطفية، وحلمه الكبير بالكتابة لكوكب الشرق أم كلثوم، والمفارقة القدرية بأن تُغني له «الأطلال» بعد رحيله بأكثر من عشر سنوات؛ تلك القصيدة التي ستصبح أشهر ما تغني أم كلثوم على مسارح الشرق والغرب على السواء.
تلتقط محرز المفارقة في الكتاب «سيكتسب جدي فجأة اسم شهرة جديداً يختزل إسهاماته أثناء حياته القصيرة، إذ سيصبح (شاعر الأطلال)، وستتهافت الجرائد والمجلات على أمي وخالتي ضوْحية (التي كانت تكتب الشعر بالفرنسية)، وستبدأ معركتهما على صفحاتها مع (الملهمات) الجديدات اللاتي ملأن الجرائد بدورهن لاقتناص الأضواء وادعاء أن تلك القصيدة كتبت من أجلهن».
تُضمن محرز الكتاب وثائق بخط ناجي، من بينها مسودات قصيدة الأطلال، علاوة على ترجمات أدبية ومشاريع كتب غير مكتملة، كما يكشف الكتاب عن الأزمات المالية التي تعرض لها الجد وظلت ترافقه حتى موته. يقول الأديب صنع الله إبراهيم في كلمته المرفقة بالكتاب، إن تلك المسودات تلقي الضوء على جوانب مطموسة ومجهولة من حياة إبراهيم ناجي، منها «معاناته المادية وصراعاته مع البيروقراطية وعلاقاته العاطفية التي طالما حرصت عائلته على إبقائها طي الكتمان. وكانت النتيجة تلك الزيارة الحميمة بين الحفيدة الناقدة وجدها الطبيب الشاعر تنبئ في طياتها عن تشكل علاقة جديدة بينهما».
ولد ناجي في حي شبرا بالقاهرة، وكان ترتيبه الثاني بين 7 أشقاء، أتم تعليمه الثانوي بمدرسة التوفيقية الثانوية، والتحق بمدرسة الطب، ليتخرج عام 1922، وعمل عقب تخرجه طبيباً في وزارة المواصلات، ثم وزارتي الصحة والأوقاف.
عشق ناجي الشعر منذ صغره، وقام بترجمة أشعار الشاعرين الفرنسيين لموسييه وتوماس، ونشرها بمجلة «السياسة» الأسبوعية. وانضم إلى جماعة «أبولو» التي ضمت نخبة من أشهر الشعراء في ذلك الزمان، خصوصاً أصحاب الاتجاه الرومانسي، منهم أبو القاسم الشابي وعلي محمود طه وأحمد زكي أبو شادي مؤسس المدرسة. وأصدر ناجي العديد من الأعمال الأدبية والدواوين الشعرية، منها «وراء الغمام»، و«ليالي القاهرة»، و«في معبد الليل»، و«الطائر الجريح».
ويعد كتاب «إبراهيم ناجي - زيارة حميمة تأخرت كثيراً» هو الكتاب الأول الذي يصدر باللغة العربية للدكتورة سامية محرز، وصدر لها من قبل العديد من المقالات في مجال الترجمة والنقد الثقافي، علاوة على كتب باللغة الإنجليزية منها: «أطلس القاهرة الأدبي»، «الكاتب المصري بين التاريخ والرواية: دراسات في أدب نجيب محفوظ، صنع الله إبراهيم وجمال الغيطاني».



رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات
TT

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932، قد أشرفت بنفسها على اختيار أعمالها التي تُمثل تجربتها الغاصة بالتحولات عبر 6 عقود، بدءاً من ستينات القرن الماضي وحتى الآن. وليس غريباً على الفنانة أن تلعب ذلك الدور المزدوج، وذلك لأنها عُرفت باعتبارها منسقة معارض، إضافة إلى كونها كاتبة. وهي إذ تحتفي بصنيعها الفني الذي يشمل، إلى جانب اللوحات، المنحوتات والإنشاءات الضخمة التي غالباً ما تُعيد الحياة عن طريق الإيحاء إلى مفردات الأثاث المنزلي الجاهزة كالكراسي والطاولات والأسرة والصناديق والخزائن، فإنها تضعنا في مواجهة رؤيتها الفنية التي لم تكتفِ بالموقف من السلطة وتحليل آليات عملها القمعي، بل وضعت إلى جواره ما ترسّب في الذاكرة الجمعية من مشاهد مؤلمة تُمثل الموتى الأقرباء والغرباء، المعروفين ومجهولي الهوية ممن كانوا يقفون على الجانب الآخر. وإذا ما كانت أعمال غونزاليس تتميز بحيوية داخلية تُعبر عنها الألوان الزاهية، فإنها في الوقت نفسه تستمد قدرتها على التأثير من الحزن الذي يُقيم بين ثنيات تاريخ كولومبيا السياسي المعاصر.

لم يكن مفاجئاً أن يضم المعرض لوحات استنسخت الفنانة من خلالها لوحات صارت جزءاً من التاريخ الفني العالمي، كما هي الحال مع «فينوس» لفنان عصر النهضة ساندرو بوتيتشيلي و«غداء على العشب» للانطباعي الفرنسي إدوارد مانيه و«غورنيكا» للإسباني بابلو بيكاسو. تلك مفارقة تتسلى الفنانة من خلال الالتفات إليها في استعراض تاريخ علاقتها الشخصية بالرسم، يوم كانت تتعلَّم الرسم، من خلال استنساخ لوحات فنان عصر الباروك الهولندي فيرمير. ذلك ولعٌ لم تتخلص منه الفنانة حتى بعد أن صاروا في كولومبيا يطلقون عليها لقب المعلمة. يشير ذلك اللقب إلى عمق تأثير تجربتها الفريدة من نوعها في أجيال من الفنانين الذين وجدوا فيها تجسيداً لإرادة البقاء في مواجهة سلطة المحو التي مثلها الوضع البشري الذي توزع بين الموت والفقدان. والأكثر تأثيراً في المعرض أن الفنانة أقامت على جدران إحدى غرفه مقبرة لضحايا السلطة.

سيدة الرسم في مواجهة العنف

يضم معرض بياتريس غونزاليس، المُقام حالياً في مركز باربيكان للفن بلندن، 150 عملاً فنياً يجمع بينها خيط سري هو العنف الذي حاولت الفنانة أن تغطيه بغلالة تجمع بين السخرية والرقة والتحدي، في رغبة منها في القول بأن الحياة مستمرة، وإن اخترقتها مشاهد الجثث. وهي في عودتها إلى لوحات الفن الغربي التي أعجبتها عبر سني حياتها لم تسعَ إلى الهروب من الآثار النفسية لذلك العنف بقدر ما سعت بطريقة مخاتلة إلى بلورة رؤية خاصة، تكون من خلالها تلك اللوحات شهادات معاصرة. هي فكرة عن إصرار الفنانة على التمسك بثقتها بالفن. كانت هناك «غورنيكا»، وهي تجسيد لمجزرة ارتكبها النازيون في حق بلدة إسبانية مسالمة، وفي المقابل كان هناك غداء هادئ ومريح على العشب أربك من خلاله مانيه السلطة الثقافية في زمانه.

وعلى الرغم من أنها قالت ذات مرة: «لم أكن أرغب في أن أكون سيدة ترسم»، فهي لم تبدأ مسيرتها رسّامة إلا في الثلاثينات من عمرها؛ حين قامت بنسخ لوحة الإسباني دييغو فيلاسكيز «استسلام بريدا» التي تعود إلى عام 1635، غير أن معرضها الاستعادي الحالي يؤكد أن الرسم أصبح وسيلتها المثالية في التصدي للفوضى السياسية التي شهدتها بلادها، وما نتج عنها من عنف، وصولاً إلى استلهام الثقافة الشعبية في السخرية من الجنرالات الذين صورتهم بأسلوب كاريكاتوري على هيئة ببغاوات. حتى في اللوحات التي تُمثل مشاهد حياة عادية هناك شيء من الحزن الدفين، والغضب الذي لا يتناسب مع المناسبة. فعلى سبيل المثال هناك ثلاث لوحات تُمثل رجلاً وامرأة في مقتبل العمر كما لو أنهما في حفلة عرس. في التفاصيل تعرَّض الشابان في ليلة عرسهما للاختطاف، ومن ثم قُتلا. سيكون جارحاً أن يتسلل الألم من بين طبقات ذلك الجمال المترف.

لم تبدأ بياتريس غونزاليس بتسطيح صورها إلا بعد أن صار واضحاً بالنسبة لها أن عمق المأساة في موضوعاتها يغني عن التفاصيل التي شغف بها الرسم التشخيصي الأوروبي. تلك خطوة جريئة منها، خصوصاً أنها لم تكن تميل إلى الرسم التجريدي الذي استفادت من بعض تقنياته.

حين يكون الألم ملهماً

معرض الفنانة التي دأبت في وقت مبكر من حياتها على جمع الصور ساحرٌ بفتنة مشاهده الملونة، غير أنه لا يُحتمل بسبب كثافة الألم الذي ينسل مثل خيط ليجمع من حوله خرائط واقع لا يمكن نسيانه، فهو التاريخ الذي لم يكتبه المنتصرون. في خزانات زجاجية أُلحقت بالمعرض نرى محتويات متحفها الشخصي من الصور الفوتوغرافية، أبرزها: «مصارعون ملثمون، ولاعبو كمال أجسام، وملكات جمال، وحالات انتحار شنقاً، ونسخٌ من أعمال فنانين قدامى، وكهنة كاثوليك يرتدون أغطية رأس مزينة بالريش على الطراز التقليدي، وجاكي أوناسيس على ظهر جمل، والملكة إليزابيث الثانية الشابة تشهد انهيار الإمبراطورية، وقديسون في صلواتهم، وتحف دينية مبتذلة، ومنشورات معارض كانت قد شاهدتها».

الفكرة الأذكى في هذا المعرض أنه لا يلمح إلى الالتزام السياسي. ذلك ما يُحسب للفنانة التي احتفظت بحقها في تأويل ما شهدته خارج المنظور السياسي لتضعه في سياقه الإنساني. وبذلك فقد أنقذت الفنانة فنها من التأطير التبسيطي الجاهز. فهي على الرغم من تشددها في موقفها المعارض للسلطة أنتجت فناً أنصفت من خلاله الضحايا من غير أن تستعرض تاريخهم السياسي، ومن غير أن يكون فنها نوعاً من الدعاية السياسية. سيكون علينا الثناء على ما تخلل فنها من بهجة تستمد فتنتها من الحكايات الشعبية.

«ما لا يقوله التاريخ يقوله الرسم»، هذا ما كانت بياتريس غونزاليس تردده وهي على يقين بأن جنازات الموتى وصور المفقودين وصرخات المعذبين لن تقلق حبر المؤرخين وهم يؤلفون كتباً عما حدث. كانت وظيفة الرسم من وجهة نظرها تضعه في مواجهة التاريخ الرسمي. وهو الدافع لتصوير مسرح الجريمة الذي هو عبارة عن دولة استباحها العسكر وصارت سجناً لشعبها. غابرييل ماركيز، الحاصل على جائزة نوبل، وصاحب رواية مائة عام من العزلة، كان واحداً من الناجين من ذلك السجن في تلك المرحلة.

رسمت غونزاليس الجنرلات كما كان الرسامون الأوروبيون يرسمون الكهنة. في عام 1985 حاصرت جماعة ثورية مسلحة قصر العدل في بوغوتا، واحتجزت جميع من فيه رهائن. أمر الرئيس الكولومبي بيليساريو بيتانكور الذي تولى منصبه حديثاً الجيش باقتحام المبنى، مما أدّى إلى اندلاع حريق أودى بحياة نحو مائة شخص، بينهم مدنيون وقضاة. ردّت بياتريس غونزاليس بلوحة «سيدي الرئيس، يا له من شرف أن أكون معكم في هذه اللحظة التاريخية»، وهي لوحة كبيرة يظهر فيها الرئيس مبتسماً ووزراؤه منهمكين في العمل بينما يرقد جثمان متفحم على الطاولة أمامهم.

من أجل ذلك الجثمان رسمت بياتريس لوحتها.

أما حين قررت بلدية بوغوتا إزالة المقبرة (رفات مئات من ضحايا النزاع) فكان رد الفنانة بعملها «هالات مجهولة»، الذي يعتبر أفضل أعمالها.

استعملت الفنانة التقنية الرقمية في استحضار جثث تعرف أنها ذهبت إلى المجهول. غير أنها من خلال ذلك الاستحضار إنما تكشف عن ثقتها بقدرة الفن على أن يُجبر التاريخ على قول الحقيقة.


غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد
TT

غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق، باعتباره فضاءً وجودياً في التعبير عن الحياة والنفس البشرية.

عاش بشار في الفترة ما بين نهايات الدولة الأموية وبدايات الدولة العباسية، وحُرم من نعمة البصر وهو صغير لكنه عوضاً عنها امتلك بصيرة خلاقة، قادرة على الذهاب فيما وراء الأشياء، الأمر الذي وسع من عالمه الشعري، وساعده في نظم القصائد المفعمة بالجمال والحكمة.

وحول النساء في حياة بشار، يشير المؤلف إلى أنه أشهر من عشق من النساء امرأة يقال لها «عبدة» لإكثاره من ذكرها في شعره وكانت غانية جميلة من أجمل نساء البصرة وقد تعرف إليها في حجرة من حجرات بيته اسمها «البردان» جعلها نقطة تجمع للنساء اللواتي يحضرن لسماع شعره.

وبينما هو في مجلسه ذات يوم بتلك الحجرة، إذ سمع كلام «عبدة» في المجلس فعشقها من صوتها، كما هي عادته، وقال فيها شعراً ودعا غلامه وقال له: إني علقت هذه المرأة فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وكلمها وأخبرها بحبي وأنشدها شعري، فبلّغها الغلام رسالة مولاه الشفهية وأنشدها أبياته فهشت لها، فصارت تزوره مع نسوة يصحبنها، يأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن ينشدها شعراً، ولا طمع فيه في نفسها.

تزوجت عبدة وخرجت مع زوجها من البصرة إلى عمان فقال بشار:

عذيري من العذال إذ يعذلونني

سفاها وما في العاذلين لبيبُ

يقولون لو عزيت قلبك لارعوى

فقلت وهل للعاشقين قلوبُ

إذا نطق القوم الجلوس فإنني

مكب كأني في الجميع غريبُ

وفي واقعة أخرى، دخل إليه نسوة في مجلسه ليسمعن شعره فانجذب لامرأة منهن يقال لها «أمامة»، فقال لغلامه: «عرفها محبتي لها واتبعها إذا انصرفت إلى منزلها»، ففعل الغلام وأخبرها بما أمره فلم تجبه بما يحب، فتبعها إلى منزلها حتى عرفه فكان يتردد إليها حتى ضجرت به فشكته إلى زوجها فقال لها: «أجيبيه وعديه أن يجيء إلى هنا»، ففعلت وجاء بشار تقوده امرأة أنفذتها إليه فدخل وزوجها جالس فجعل يحدثها ساعة ثم قال لها: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة فقال:

أمامة قد وُصفت لنا بحسنِ

وإنا لا نراك فالمسينا

فأخذت يده وقد مدها ووضعتها في يد زوجها، ففزع ووثب قائماً وقال:

طلبت غنيمة فوضعت كفي

على شيء أشد من الحديدِ

فأمسك زوجها به وقال: هممت أن أفضحك، فقال كفاني فديتك ما فعلت ولست والله عائداً إليها أبداً فحسبك ما مضى، فتركه.

ويتطرق الكتاب إلى امرأة أخرى وقع في غرامها بشار بن برد تُدعى «خشابة»، شاغلته لفترة ثم تزوجت وسافر بها زوجها من البصرة فقال بشار:

أخشاب حقاً إن دارك تزعجُ

وأن الذي بيني وبينك ينهجُ

فإن جئتها بين النساء فقل لها

عليك سلام مات من يتزوجُ

بكيت وما في الدمع منك خليفة

ولكن أحزاني عليك توهجُ


«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً
TT

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«لا تبدو ثمة مشكلة في حكايات لا تُكتب، بل في تلك التي تضيع قبل أن تجد صاحبها». على هذه المفارقة تبني الكاتبة المصرية زينب عفيفي عالمها السردي في روايتها «السماء لا تمطر حكايات»، حيث يصبح الخيال نفسه بطلاً روائياً يشق طريقه عبر متاهات الكفاف والإحباط، في محاولة دائمة للعثور على حكاية لا تمنحها الحياة بسهولة.

في هذه الرواية، الصادرة عن «الدار المصرية اللبنانية»، تظهر البطلة مُحاصرة داخل مكان مقيّد، وزمن أجوف يتكرر بإيقاع «قصص قصيرة ينقصها الأمان»، تعيش حالة تنازع بين حلمها القديم بأن تصير روائية، وهو الحلم الذي تبتره صدمة سرقة مبكرة لروايتها الأولى، وبين واقع يتسلل إليه الخوف والتردد، من دون أن تنطفئ جذوة الكتابة داخلها تماماً.

تبدو البطلة «الأربعينية» هائمة في حلم يقظة مستمر، وتغدو المخيّلة سحابتَها الخاصة، تسيّرها بصوتها الداخلي، حتى تصبح حواراتها مع المحيطين بها هي المفارقة لا العكس، وتواكب لغة الرواية هذا المنحى، إذ تنحاز إلى صوت البطلة وتأملاتها الطويلة في المكان والزمان، وكثير من النقد الذاتي.

بيع الأفكار

تمتد هذه التأملات لتصل بالبطلة إلى ضفاف حوارٍ خيالي مع كاتبها السويسري المفضل «روبرت فالزر»، وكأنها تقيم معه تقاطعات حياتية موصولة بمشروعه الروائي والشخصي، وفي هذا الأفق التخييلي يأخذها بطل روايته «اللص» إلى مغامرة فانتازية تدفعها إلى تأسيس كيان لبيع الأفكار للروائيين المفلسين، لتتحرى الأفكار الغريبة المغرية كمواد روائية.

وهكذا تجد البطلة «حنان» نفسها أمام حلمها القديم بالكتابة الذي أجهضته سرقة نصها الأول ونشره باسم آخر، فستبدل به محاولة مختلفة لتدبير علاقتها بالأفكار نفسها، وفي هذا المسار يفتح السرد باباً للتناص مع رواية «اللص» لكاتبها المفضل، حيث يتخذ فعل السرقة معنى يتجاوز الجريمة المباشرة ليغدو طريقة مراوغة للوجود داخل العالم، فبطل فالزر لا يسرق الأشياء بقدر ما يسرق الإمكانات، متنقلاً بين الهوامش بحثاً عن كيان، وعلى نحوٍ موازٍ تبدو البطلة هنا وقد دفعتها صدمة السرقة الأدبية التي تعرضت لها إلى إعادة التفكير في علاقة الكاتب بفكرته، لتبدأ الأزمة التي بدت كجُرح شخصي مبكر في التحول تدريجياً إلى تقمّص تخييلي لفكرة السرقة ذاتها.

من خلال هذا التناص يفتح السرد جبهات متعددة للتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل، في سياقات تخص الكتابة وواقعها المعاصر، حيث تتجاور «خوارزميات» الذكاء الاصطناعي مع «الغباء البشري».

وتتخذ الرواية مسارات ساخرة مشتقة من قاموس الكتابة الأدبية، حيث تنسج الكاتبة فضاءً فانتازياً يقوم على تأسيس كيانٍ لبيع الأفكار للكتّاب المفلسين، وفي هذا الكيان تتداخل أصوات المقبلين على شراء الأفكار عبر أقسام تتراوح بين «الروايات الجاهزة» و«إدارة الكتّاب الأشباح»، وغيرها من الصيغ التي تُحاكي بسخرية لاذعة اقتصاد الإبداع المعاصر.

حضور مُتخيّل

في علاقتها المتخيلة بروبرت فالزر، تبدو البطلة في حالة تماهٍ عاطفي مع هذا «الرجل من ورق»، حتى إنها تحاكي طقسه الشهير في المشي، فتقطع مثله مسافات طويلة كأنها تبحث، عبر الحركة، عن طريق إلى صوتها الداخلي، وعن مخرج من دائرتها المغلقة، فالأفكار كما يهمس لها صاحب هذا الحضور المتخيّل «لا تأتي في غبار الغرف المغلقة».

ومن خلال هذا النسيج التخييلي، تحيك الرواية خلفيات متعددة لفكرة السرقة، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً وتناصاً وتأثراً داخل تاريخ الكتابة نفسه؛ مستعيدة جدل الشاعر الشهير ت. س. إليوت بأن «الشعراء الجيدين يقلدون، أما العظماء فيسرقون».

وفي هذا السوق، يبدو «السِعر» نفسه جزءاً من اللعبة السردية الفانتازية، حيث تُجري مقايضة بين «سِعر» الفكرة و«روح النص»، إذ «الأفكار العظيمة ثمنها أغلى مما يبدو» لتطرح الرواية سؤال القيمة الأدبية في مقابل مواصفات السوق وتوليفات «الأعلى مبيعاً»؛ فالأفكار تُعرض للبيع بلا إخلاص، مثل خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تكتب للجميع بالدرجة نفسها من الحياد، وهكذا لا يعود السؤال عمّن يمتلك الفكرة، بل عمّن يمتلك روح النص، تلك الشرارة الخفية التي لا تُشترى، حتى حين تبدو الأفكار نفسها متاحة بغزارة أمام الجميع.

تدريب على المشي

تعتمد الكاتبة على تضييق حدود المكان السردي لبطلتها؛ فالأحداث تدور في قرية لا تحتفظ بنقائها بعد أن انفتحت على معالم المدينة، وبيت صغير «على مقاسها» تلوذ به البطلة أغلب الوقت، وسيارة «بويك» قديمة ترثها من الجد كما ترث مكتبته، وسجل عاطفي زهيد ومتعثر، ليُفسح ضيق الواقع المجال لاتساع مكان بديل يتشكل عبر شرارة الأفكار وصحبة خيالية، ونزق يقود حياتها في منتصف العمر إلى علاقة مُعقدة بسؤال الكتابة وبذاتها.

في هذا الأفق السردي المتقلب بين السخرية والتأمل، لا تبدو الرواية معنية فقط بحكاية بطلة فقدت إيمانها بنصف حياتها الأول، بقدر ما تنشغل بتفكيك العلاقة الملتبسة بين الكاتب والأفكار وجذوة الكتابة؛ فالأفكار هنا لا تظهر بوصفها ملكية خالصة، بل كيانات هاربة، تتنقل بين العقول، كما لو كانت تبحث عن ملاذ ومُخلّص.

ومن خلال فضاء «بيع الأفكار» الذي تقيمه الرواية يتحول هذا السؤال إلى لعبة سردية متعددة المسارات، تنهض على التناص مع روبرت فالزر وبطله «اللص»، والسخرية من اقتصاد الكتابة المعاصر، والتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل.

هكذا تضع الرواية قارئها أمام مفارقة الكتابة نفسها؛ حيث قد تكون الأفكار قابلة للبيع، لكنها في الوقت نفسه عصيّة على الامتلاك، في زمن بات «النجاح فيه فخاً»، بينما يتحوّل الخيال إلى تدريب طويل على المشي؛ على غرار فلسفة روبرت فالزر.