مبعوث الأمم المتحدة يدعو السودان إلى إنشاء «جيش موحّد»

احتجاجات حاشدة تطالب بعودة الحكم المدني... وعشرات الإصابات قرب القصر

جانب من الاحتجاجات المطالبة بالحكم المدني في مدينة أم درمان أمس (أ.ف.ب)
جانب من الاحتجاجات المطالبة بالحكم المدني في مدينة أم درمان أمس (أ.ف.ب)
TT

مبعوث الأمم المتحدة يدعو السودان إلى إنشاء «جيش موحّد»

جانب من الاحتجاجات المطالبة بالحكم المدني في مدينة أم درمان أمس (أ.ف.ب)
جانب من الاحتجاجات المطالبة بالحكم المدني في مدينة أم درمان أمس (أ.ف.ب)

أكد رئيس بعثة الأمم المتحدة للسودان، فولكر بيرتس، أن لا خيار أمام السودان إلا إنشاء جيش وطني موحد تحت قيادة سياسية مدنية. وكشف المبعوث الأممي عن عرض تقدمت به الأمم المتحدة للمؤسسات العسكرية في الخرطوم وشركاء السلام، لمساعدتها في توحيد وإصلاح القوات المسلحة السودانية والمؤسسات الأمنية الأخرى.
وذكر موقع «روسيا اليوم» أن بيرتس قال خلال لقاء جمعه مع منظمة «أسر شهداء ديسمبر»، أن وجود أكثر من جيش في البلاد يهدد استقرارها، قبل أن يعود ويعترف بحساسية تناول تلك القضية باعتبارها تمس السيادة الوطنية، مؤكداً أن لا مصلحة للمجتمع الدولي في إضعاف القوات المسلحة السودانية.
وكانت البعثة الأممية في السودان قد رحبت بالاتفاق السياسي الذي وقعه قائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان ورئيس الوزراء عبد الله حمدوك في 21 نوفمبر (تشرين الثاني)، للتوصل إلى توافق حول حلّ الأزمة الدستورية والسياسية التي تهدّد استقرار البلاد.
- «الجيش للثكنات»
في غضون ذلك، خرج أمس، آلاف من السودانيين للتظاهر في العاصمة الخرطوم وعدد من المدن الأخرى، للمطالبة بحكم مدني، فيما أطلقت الشرطة قنابل الغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين بالقرب من القصر الرئاسي في وسط العاصمة وفي مدينة أم درمان. وأصيب عشرات المحتجين السلميين في محيط القصر، حيث دارت معارك كر وفر بين عشرات الآلاف وقوات الشرطة والأجهزة الأمنية التي استخدمت الغاز المسيل للدموع بكثافة.
كما شهدت مدينة أم درمان، إحدى المدن الثلاث للعاصمة، مواكب حاشدة، تنفيذاً لبرامج الاحتجاجات للمطالبة بعودة الحكم المدني، التي حددتها «لجان المقاومة» في العاصمة وفي عدد من مدن البلاد الأخرى. وفي تنويع لمواقع التجمعات، التحم محتجون قادمون من مدينة الخرطوم بحري عبر جسر «شمبات»، ومحتجو مدينة أم درمان الذين تجمع مئات الآلاف منهم عند شارع «الزعيم الأزهري» الممتد بين المدينتين عبر الجسر. من جانبه، أكد «تجمع المهنيين السودانيين» في بيان حصلت «الشرق الأوسط» عليه، عدم توقف المواكب والاحتجاجات وكل أشكال المقاومة السلمية، واستمرارها حتى «إسقاط حكم العسكر والميليشيات، وتقديم الانقلابيين للعدالة في محاكم خاصة، وانتزاع السلطة الوطنية المدنية الانتقالية الكاملة، وتحقيق أهداف ثورة ديسمبر (كانون الأول) المجيدة».
وشاهدت «الشرق الأوسط» حشوداً تقدر بمئات الآلاف على امتداد الطريق وعدد من الطرق الفرعية، مرددين شعارات تطالب العسكريين بالعودة للثكنات، منها: «ما في ميليشيا تحكم دولة... يا برهان ثكناتك أولى»، و«الشعب أقوى والردة مستحيلة»، و«الثورة ثورة شعب والسلطة سلطة شعب». وقال محتجون تحدثوا للصحيفة من أمام المنصة الخطابية التي نصبت في ميدان «الزعيم الأزهري»، إن مواكب اليوم هي مجرد «إعداد للمواكب المقررة في 19 ديسمبر الجاري»، الذي يصادف الذكري الثالثة للثورة الشعبية التي أطاحت بحكم الإسلاميين بقيادة الرئيس المعزول عمر البشير، واستمرت أربعة أشهر حتى سقوط نظامه في 11 أبريل (نيسان) 2019.
- الذكرى الثالثة للثورة
وفي الخرطوم، شارك عشرات الآلاف في مواكب احتجاجية مقبلة من أحياء المدينة المختلفة قاصدة القصر الرئاسي، تصدت لها القوات الأمنية والشرطة بعنف لافت، مستخدمة الغاز المسيل للدموع بإفراط، بحيث تحول محيط القصر الرئاسي إلى ما يشبه أرض معركة حقيقية بين المحتجين والقوات الأمنية التي تحاول الحيلولة بينهم والوصول إلى القصر الرئاسي. وسد المحتجون الطرقات المحيطة بالمكان مستخدمين المتاريس والحجارة وأشلاء الأشجار وأعمدة الكهرباء، لمنع آليات الأجهزة الأمنية من ملاحقتهم، فيما استمرت العمليات التي انطلقت تقريباً منذ منتصف نهار أمس، حتى الساعات الأولى من الليل. وقال أحمد خليفة، أحد المحتجين، لـ«الشرق الأوسط»، إن «مواكب اليوم (أمس) مجرد تمرين للمواكب التي يجري الإعداد لها الأحد المقبل، في الذكرى الثالثة لانطلاقة الثورة».
وشاهد مراسل الصحيفة أفراداً من الشرطة والأجهزة الأمنية، بما في ذلك «أصحاب البيريهات الحمراء»، وهم يطاردون الثوار في وسط الخرطوم، وهم «يرتدون لامات الحرب»، مستخدمين قاذفات الغاز بتوجيهها مباشرة إلى أجساد المحتجين. وقال الناشط في المجال الصحي ومؤسس مبادرة «شارع الحوادث»، ناظم سراج، في تغريدة على «تويتر»: «إن عبوات الغاز المسيل للدموع أحدثت ما لا يقل عن 50 إصابة بين المحتجين». ووصف الناشط السياسي، الجودة بشارة، احتجاجات أمس، بقوله: «إن حشوداً بشرية صنعت مشهداً بصرياً يشبه كميونة باريس وخطابات رزوا لوكمسبرغ وجمال عبد الناصر». كما قال المتظاهر أيمن للصحيفة: «موكب أم درمان وحده أكبر من موكب اعتصام القيادة الذي أسقط نظام البشير، فلماذا لا يكمل الجيش انحيازه للشعب ويعود لثكناته».
- المدن المختلفة
ولم تقتصر المواكب، كما هي العادة، على العاصمة بمدنها الثلاث، بل انتشرت مواكب احتجاجية عدة في معظم مدن السودان، منها: الأبيض، ومدني، وعطبرة، وبورتسودان، وكسلا، والقضارف، ونيالا، والفاشر، وغيرها، فيما أعلن أن مواكب راجلة ينتظر أن تقطع المسافات الطويلة بين عطبرة والخرطوم والأبيض ومدني، للمشاركة في الموكب الذي ينتظر أن يكون أحد أعظم وأكبر مواكب الثورة السودانية، يوم الأحد المقبل. وسعى المحتجون لإظهار تمسكهم بسلمية الثورة السودانية وشعاراتها، فتماسكوا بالأيدي مشكلين طوقاً حول أحد مراكز الشرطة في أم درمان لحمايته والحيلولة دون الاعتداء عليه، لمنع من يحاولون الانحراف عن السلمية. وقال أحد حراس مركز الشرطة من الثوار: «لا نريد الاعتداء على أي مؤسسة، ونواجه الشائعات التي تطلقها الشرطة بأن المحتجين يعتدون على رجال الشرطة ومراكزها».
وعلى أيام نظام الإسلاميين، كانت أجهزة الأمن تدفع بعدد من المتفلتين التابعين لها للاعتداء على المنشآت العامة والتخريب، ثم اتهام المحتجين بأنهم هم من فعلوا ذلك، لكي تبرر استخدام العنف المفرط والقوة المميتة ضدهم تحت زعم أنهم غير سلميين. لكن سقوط النظام كشف الحيلة التي لم يقدم بسببها أحد للمحاكمة. والاثنين الماضي، أحرقت مجموعة مجهولة أحد مراكز الشرطة في مدينة الخرطوم بحري، فسارعت الأجهزة الشرطية لاتهام المتظاهرين بالقيام بالفعل، وألقت القبض على بعضهم من منازلهم، ما أعاد إلى الأذهان ادعاء مدير عام الشرطة السابق بأن قواته لم تقتل المحتجين، وأن حالة وفاة واحدة حدثت بسبب سقوط عامل بناء من «السقالة»، وهو ما أدى إلى إقالته من منصبه بعد عودة حمدوك إلى رئاسة الحكومة.
لكن «لجنة أطباء السودان» أكدت مقتل 43 محتجاً، معظمهم بالرصاص في الاحتجاجات التي اندلعت عقب تولى الجيش السلطة في 25 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وقال أحد النشطاء ساخراً: «هذا سيناريو أكاذيب قديم، سنه مدير جهاز الأمن السابق صلاح قوش، حين قال إنه فتاة من بين المحتجين أخرجت مسدساً من حقيبتها وأطلقت الرصاص على الطبيب بابكر عبد الحميد فأردته قتيلاً، ثم أعادت المسدس للحقيبة، وقال إنهم سيقدمونها للمحاكمة».



السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تطلع بلاده إلى وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق وإعلاء مبدأ حسن الجوار، وذلك خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وجدد السيسي «إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق»، مشدداً على أن «هذه الدول لم تؤيد الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل أسهمت في جهود خفض التصعيد ودعمت المفاوضات الإيرانية - الأميركية سعياً للتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة».

وأعرب الرئيس المصري، خلال الاتصال، «عن أسف بلاده للتصعيد الراهن وقلقها البالغ من انعكاساته السلبية على استقرار المنطقة ومقدرات شعوبها»، كما استعرض الجهود المصرية المبذولة لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضي، مع التشديد على «ضرورة التحلي بالمرونة» في هذا السياق، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

جاهزية قتالية متقدمة ويقظة رفيعة في المنظومة الدفاعية لدول الخليج (أ.ب)

وأشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، إلى أن الرئيس الإيراني أكد «أن بلاده شاركت في جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما شدد على حرص بلاده على علاقات الأخوة وحسن الجوار مع الدول العربية».

وتناول الاتصال، وفق بيان الرئاسة المصرية، السبل الممكنة لإنهاء التصعيد، وجدد السيسي التأكيد على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، مؤكداً «ضرورة احترام الجميع للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».


الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
TT

الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)

منذ 8 أعوام لم يتذوق مختار قاسم، وهو موظف عمومي، الأطعمة الرمضانية إلا في أوقات نادرة، بعد أن أجبره انقطاع راتبه على نقل عائلته من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مسقط رأسه في ريف محافظة تعز (جنوب غرب)، فيمَ يتنقل هو بين عددٍ من المحافظات للعمل في عدة مهن حسب الطلب.

ويقول قاسم إنه كان في البداية يتحسر على عدم حصوله على الأطعمة الرمضانية، إلا أنه وبعد عمله في نقل مساعدات غذائية خلال الأسابيع الأخيرة إلى مخيمات النزوح في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، شعر بالامتنان لنفسه لأنه يستطيع توفير تلك الأطعمة لعائلته، بعد أن شاهد آلاف النازحين يفطرون بالماء والخبز وقليل من الأرز.

ودفع التدهور المعيشي والاقتصادي الآلاف من العائلات اليمنية في مختلف المحافظات إلى التنازل عن إعداد الأطباق الرمضانية المتنوعة، والاكتفاء بما تيسر لها من وجبات متواضعة، في وضع ساوى بين مختلف الشهور وشهر رمضان الذي يحظى بحميمية خاصة لدى اليمنيين، في حين تراجعت مظاهر التكافل الاجتماعي وتوقف الكثيرون عن إقامة موائد الإفطار لأقاربهم وأصدقائهم.

تبدي أميرة سلام، وهي ربة منزل ومعلمة في صنعاء، حزنها لعدم قدرتها على إعداد كامل الأصناف الرمضانية المعتادة، واكتفائها كل يوم بصنف واحد تقدمه لعائلتها بعد أن توقف راتب زوجها الذي لم يتمكن من الحصول على عمل آخر، في حين لا يكفي راتبها لسد كافة الاحتياجات والمتطلبات.

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (أ.ب)

وتكشف عن اكتفاء عائلتها بتناول طبق «الشفوت» يومياً، الذي يتكون من الخبز واللبن الرائب أو الزبادي، أما الشورية والباجية، وهي فلافل يتم تحضيرها من اللوبياء، والكاتلكس (بطاطس محشوة)، والسنبوسة، فيتم تناول كل واحدة منها مرة في الأسبوع، ومثلها الحلويات المسماة بنت الصحن والرواني والشعوبية.

وأوقفت الجماعة الحوثية منذ نحو 10 أعوام رواتب غالبية الموظفين العموميين في مناطق سيطرتها، في حين يشكو الكثير من السكان هناك، تحتكر الإشراف على تقديم المساعدات الغذائية والمالية المقدمة من المنظمات الدولية وفاعلي الخير للمحتاجين.

تناقض سعري منهك

يتهم خبراء ماليون واقتصاديون الحوثيين بفرض سعر ثابت وغير عادل للعملات الأجنبية (535 ريالاً للدولار)، بهدف الاستفادة من الفارق بين هذا السعر والسعر الحقيقي لصالح الجماعة، في حين تواصل المواد الاستهلاكية ارتفاع أسعارها بدون أي ضوابط.

تراجع المعونات الغذائية لليمنيين خلال السنوات الأخيرة حرمهم من توفير الوجبات الأساسية (أ.ف.ب)

وعلى نقيض ذلك تتحرك الأسعار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وفقاً لأسعار صرف العملات الأجنبية، إلا أن السكان والمختصين الاقتصاديين يقولون إن التعافي الذي شهدته العملة في صيف العام الماضي لم يؤدِ إلى تراجع أسعار المواد الاستهلاكية.

وشهد شهر رمضان هذا العام عزوفاً مضاعفاً عن الاستهلاك، برغم الوعود الحكومية بتحسن الأوضاع المعيشية، بعد أسابيع من إخماد التمرد جنوب وشرق البلاد، وما تبع ذلك من وقف الكثير من أعمال الابتزاز بحق التجار والبضائع المنقولة والجبايات غير القانونية.

ويسعى عمار محمد، وهو اسم مستعار لمتعهد مقاولات صغيرة في صنعاء، لإقامة مائدة واحدة على الأقل لعماله خلال الأيام المتبقية من رمضان، بعد أن عجز عن ذلك طوال الأيام الماضية بسبب حرمانه من التصرف بأرصدته البنكية من قبل الجماعة الحوثية، وهو الذي كان يقيم موائد رمضانية يومية في السابق.

من جهته أرسل مختار قاسم لعائلته مبلغاً مالياً منذ أيام، وطلب منها شراء كافة الاحتياجات الضرورية لما تبقى من رمضان مع وعدٍ لها بأن يلتحق بها قبل انقضاء الشهر، ممنياً نفسه بالحصول على بعض الوجبات التي افتقدها خلال السنوات الأخيرة، ودعوة أقاربه إلى إفطار جماعي في منزل والده.

يمنية نازحة تعدّ وجبة فقيرة متواضعة لأطفالها (رويترز)

وبرغم تحسن وضع العملة المحلية نسبياً، فإن ذلك لم يؤد إلى تحسين الوضع المعيشي لليمنيين بشكل لافت، فهذا التحسن جاء بإجراءات رسمية اتخذتها الحكومة والبنك المركزي بعد أشهر من التدهور السريع للعملة، لتستعيد جزءاً من قيمتها دون أثر كبير على الأسعار والمعيشة.

إفقار المطبخ اليمني

مع اقتراب شهر رمضان من نهايته، يتحول هاجس السكان نحو تلبية احتياجات العيد، إلا أن العديد منهم يبذلون جهوداً لعدم السماح له بالرحيل دون توفير بعض متطلباته التي لم يستطيعوا توفيرها منذ بدايته، حيث يحاول المغتربون إنجاز أعمالهم والسفر إلى عائلاتهم مبكراً.

يشير الناشط السياسي والاجتماعي في مدينة تعز، صلاح أحمد، إلى أن الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة ألقيا بأثر كبير على مختلف مظاهر الحياة، بما في ذلك المظاهر الاجتماعية الرمضانية وعاداتها الغذائية.

أطفال نازحون يتلقون مساعدات غذائية لعائلاتهم قبل أعوام في الحديدة (أ.ف.ب)

ويبين أن المدينة، وبقدر ما شهدت ظهور الكثير من الأثرياء الجدد الذين صنعت الحرب ثرواتهم باستغلال معاناة سكانها، فإن الغالبية يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة يتضاعف أثرها خلال شهر رمضان الذي افتقر خلال الأعوام الأخيرة لمظاهره المعتادة، وتراجع تكافل الناس فيه بشكل كبير.

وبحسب أحمد، كانت العائلات سابقاً تتبادل الوجبات التي يجري إعدادها، وبرغم التشابه الكبير بينها، فإن لكل ربة منزل لمستها المختلفة، وهو ما كان يجعل كل مائدة في كل منزل تحتوي تنوعاً حتى في الأصناف نفسها المعتادة، ما يضفي حميمية دائمة على الأجواء الرمضانية خسرها الأهالي بسبب الحرب.

وفي حين يبدي الكثير حسرتهم بسبب عدم حصولهم على الوجبات الرمضانية التي تعودوا عليها منذ طفولتهم، يُتَوقع أن تؤثر الأوضاع المعيشية الصعبة على تراث المطبخ اليمني، وتدفع السكان إلى عادات غذائية فقيرة في المستقبل.


حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
TT

حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)

أقدم الحوثيون على تنفيذ حملات تعسف استهدفت بالإغلاق والهدم أسواقاً ومتاجر ومنازل في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، وذلك في سياق عملية مُمنهجة، ظاهرها «إزالة العشوائيات» وباطنها فرض مزيد من الإتاوات غير القانونية.

ووفق ما ذكرته مصادر محلية في إب لـ«الشرق الأوسط»، فإن حملة التعدي التي أطلقتها الجماعة، عبر ما يُسمى «مكتب الأشغال العامة» و«إدارة المرور»، أغلقت سوقين شعبيين وطردت التجار والباعة، كما هدمت منازل عدة بعضها طور الإنشاء في المنطقة الخامسة بمديرية الظهار جنوب مدينة إب (مركز المحافظة).

واشتكى مُلاك منازل ومحلات تجارية طالهم التعسف الحوثي، وأوضحوا لـ«الشرق الأوسط»، أن الجماعة تشنّ حملات تستهدف منازلهم ومصادر عيشهم تحت مبررات غير قانونية.

باعة أرصفة يتعرضون للابتزاز من قبل مسلحين حوثيين (فيسبوك)

وقال مراد، وهو اسم مستعار لمالك بسطة تجارية بمديرية الظهار لـ«الشرق الأوسط»، إن الحملة باغتتهم دون سابق إنذار، موضحاً: «نعتمد على هذه البسطة منذ سنوات لإعالة أسرنا، وفجأة جاءت الجرافات ومعها مسلحون وطلبوا منا إخلاء المكان خلال دقائق قليلة جداً، ثم بدأوا بهدم كل شيء». ولفت إلى أن الإجراءات تمت هذه المرة كسابقاتها بطريقة قاسية، مؤكداً أن كثيراً من المُتضررين لم تُمنح لهم فرصة لنقل ممتلكاتهم أو بضائعهم.

اتساع التعسف

في مديرية العدين (جنوب غرب إب) استخدمت الحملة الحوثية - التي أشرف على تنفيذها قيادات في الجماعة - 4 جرافات لاستهداف مُمتلكات السكان ومصادر عيشهم.

وأوضح سكان لـ«الشرق الأوسط»، أن مشرفين حوثيين برفقة عربات ومسلحين نفذوا حملات دهم استهدفت بالإغلاق «السوق المركزي» الكائن وسط المدينة، إلى جانب تجريف وإزالة لعدد من البسطات والمحلات الصغيرة والأكشاك التي يعتمد عليها مئات المواطنين كمصدر رئيسي للعيش.

تعرض متاجر للهدم الحوثي في مديرية العدين بمحافظة إب (فيسبوك)

وبحسب السكان، فإن هذه الحملات لم تقتصر على إزالة ما تصفه الجماعة بالمخالفات، بل طالت ممتلكات قائمة منذ سنوات، دون تقديم بدائل مناسبة للمتضررين أو مراعاة للأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السكان في ظل تدهور الأوضاع المعيشية.

وأوضح عدد من المتضررين أن الحملة نفذت بشكل مفاجئ، ولم تمنح أصحاب البسطات والعربات أي مهلة لإخلاء مواقعهم، قبل أن تباشر الجرافات بعملية الهدم والتجريف، ما أدى إلى خسائر مادية كبيرة، وقطع مصادر دخل أسر كاملة.

ويتحدث بائع خضروات في سوق العدين لـ«الشرق الأوسط»، عن أن مصدر دخله الوحيد اختفى خلال دقائق جراء حملة التعدي الحوثية، وأضاف: «ليس لدينا عمل آخر. بعد التجريف أصبحنا بلا عمل ولا نعرف كيف سنوفر احتياجات أسرنا».

وبررت الجماعة الحوثية استهدافها أملاك السكان ومصادر رزقهم بأنه ضمن ما تُسميه خُطة لتنظيم المدن وإزالة العشوائيات، إلا أن ناشطين يرون أن الحملة تفتقر إلى أبسط مقومات التخطيط العادل، وتستهدف الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع، دون بدائل ومعالجات حقيقية.

خوف متصاعد

يتخوف السكان في المحافظة اليمنية ذات الكثافة السكانية العالية (إب)، من توسع نطاق هذه الحملات لتشمل بمقبل الأيام أسواقاً ومتاجر في مديريات أخرى، الأمر الذي يُهدد بفقدان المزيد من المواطنين مصادر رزقهم في ظل غياب أي برامج دعم أو تعويض.

قيادات حوثية تشرف على حملات الاستهداف في إب (فيسبوك)

ولفت السكان إلى أن المئات من ملاك الأسواق والتجار والباعة باتوا خائفين لكون مصدر رزقهم مُهدداً، في ظل ظروف معيشية صعبة وقاسية، إذ إن أي خسارة تعني أن أسراً كاملة ستفقد قدرتها على العيش.

وطالب السكان والناشطون في المحافظة بوقف هذه الحملات، وإيجاد حلول تنظيمية تراعي أوضاع المواطنين، وتضمن عدم الإضرار بمصادر عيشهم، مؤكدين أن معالجة العشوائيات وتنظيم المدن يجب أن يتمّا عبر خطط حضرية واضحة وتوفير بدائل مناسبة للمتضررين، وليس عبر المصادرة والهدم المفاجئ والتجريف القسري.