أحمد القرملاوي: الكتابة أسطورة أبني من خلالها جسراً يربط الواقع بالخيال

الروائي المصري يكتب القصص بالتزامن مع الرواية حين تلح فكرة تناسبها

ألكاتب أحمد القرملاوي
ألكاتب أحمد القرملاوي
TT

أحمد القرملاوي: الكتابة أسطورة أبني من خلالها جسراً يربط الواقع بالخيال

ألكاتب أحمد القرملاوي
ألكاتب أحمد القرملاوي

لفت الأنظار إليه بعد صدور روايته «ورثة آل الشيخ» التي فازت بجائزة «كاتارا» القطرية للرواية العربية هذا العام. واعتبر عدد من النقاد أن الروائي المصري أحمد القرملاوي يضع يده على بؤرة سردية مهمة في معظم أعماله، تكمن في علاقة البشر بالزمن والتاريخ فأبطاله مغمورون في هذه العلاقة، يحاولون من خلالها استبطان الذات، وطرح هواجسهم وتساؤلاتهم حول معنى الوجود والحياة. القرملاوي من مواليد 1978، يكتب القصة القصيرة والرواية، أصدر خمسة أعمال روائية من أبرزها «أمطار صيفية» الحاصلة على جائزة «الشيخ زايد» للكتاب عام 2018، و«نداء أخير للركاب» التي حصلت على جائزة معرض القاهرة الدولي للكتاب 2019.
هنا حوار معه حول هموم الكتابة وعلاقتها بالواقع والتاريخ في أعماله.

> هل كانت «ورثة آل الشيخ» حلماً قديماً بالكتابة تحت ظلال «شجرة العائلة»؟
بالفعل، فالرواية كانت فكرة قديمة شغلتني لنحو سبع سنوات، قبل أن أقرر إنجازها، وسبب انشغالي بالفكرة هو تلك الأسطورة التي كانت تُتداول بين أجيال عائلتي عن كنز مخبوء في بيت العائلة القديم، وعن «محمد السابع» الذي سيكشف عن الكنز بعدما يتخلص من القرد الأجرب الذي يحرسه. كنتُ أتساءل عن سلطة الأساطير على عقول الناس، وقدرتها على إعادة ترسيم الحدود بين الواقع والخيال، كما كنتُ منشغلاً بالأساطير المنقولة عن أجدادي البعيدين، وعن قدرة الزمن على تجاوز خيباتهم وأخطائهم وإعادة تقديمهم للأجيال اللاحقة كأبطال أسطوريين.
> فكرة اقتفاء الكنز وأثره ورحلة الوصول إليه طالما ألهمت الأدب كثيراً. كيف نظرت لها؟
نظرت إليها كوعدٍ أسطوري، كحافز من صنع الخيال يدفع البشر لمواصلة الحياة، واكتشاف حدودها بحثاً عن هذا الوعد الذي لا يتحقق أبداً، غير أنه يدفع الحدود والجدران أبعد فأبعد، ويُفجر الطاقات المخبوءة في نفوس البشر، حتى يصبحوا هم الكنز الذي يسعون وراءه.
> في أعمالك ثمة استبطان داخلي وبحث طويل عن الذات، موصول بتقليب في تربة التاريخ. حدثنا عن هذا الامتداد.
إحدى مهام الأدب والكتابة الروائية على وجه الخصوص هي استبطان التجربة البشرية والكشف عن الذات الإنسانية، عبر تجارب البشر وصراعاتهم مع الحياة ومع تحولات الزمن القدرية، خصوصاً حين يكون النص رواية أجيال تدور أحداثها خلال فترة زمنية ممتدة تتسع للعديد من التحولات والصعود والهبوط والموت والميلاد، كما يحدث كل ذلك على خلفية من التحولات التاريخية والمجتمعية. هذا ما حاولت اكتشافه، ومن ثم تقديمه عبر رواية «ورثة آل الشيخ».
> يبدو الميراث في روايتك الأخيرة حمال أوجه. كيف اشتغلت على تلك الثيمة أدبياً؟
السؤال نفسه يشتمل على الإجابة في صيغة موجَزة، فنحن لا نرث المال فقط ولا المنقولات، بل الجينات المتوارثة والأسئلة غير المجاب عنها، والأخطاء غير المصوبة، والأحلام غير المتحققة، كما نرث السيرة والسمعة بحلوها ومرها، وغيرها مما يفوق ذلك مهما ادعينا العكس؛ إنها ظاهرة أشبه بتناسخ الأرواح، فكما يعتقد البعض أن الروح الإنسانية تبحث عن جسد جديد تسكن فيه كي تُحقق تحررها، فإن الروح الإنسانية الجمعية تنتقل من جيل لجيل حتى تحرر الإنسان وتُصوب أخطاءه وتكتشف قدراته.
> ما رأيك في إطلاق تعبير رواية أجيال على «ورثة آل الشيخ». وهل خشيت خلال الكتابة من أن يُشتت هذا التدفق في الحكايات القارئ؟
إنها رواية أجيال بحُكم التعريف النقدي، حيث تتوالى الأحداث عبر أجيال متتالية من العائلة نفسها، وأؤمن بأن الرواية تجد قراءها، وكنتُ أدرك تماماً أن روايتي «ورثة آل الشيخ» لن تناسب ذائقة القاعدة العريضة من القراء، إذ هي رواية مفعمة بالشخصيات وبالحكايات وتحتاج لتركيز أعلى نسبياً في أثناء القراءة، وقديماً سمعتُ المخرج يوسف شاهين يقول إن أفلامه ليست من النوع الذي تستطيع مشاهدته وأنت تأكل الفشار؛ ثمة أعمال فنية مركبة وكثيفة بالتفاصيل، تحتاج لذهن صافٍ ورغبة في التلقي العميق، وقد فوجئت بحجم النجاح الذي صادف «ورثة آل الشيخ»، فقد فاق استحسان القراء لها توقعاتي بمسافة بعيدة، والآن بعد حصولها على جائزة كاتارا، أظن أن القارئ سيمنحها المزيد من الصبر والاهتمام.
> شغلك غموض الماضي وتتبع الجذور من قبل في روايتك «نداء أخير للركاب»، ما الفروق التي تمس بطل تلك الرواية وبطل روايتك الجديدة؟
الفروق كبيرة على مستوى رسم الشخصية وبنائها، فبطل «نداء أخير للركاب» مُنكب على ذاته ولا يشغل نفسه كثيراً بماضيه وجذوره، ولم يكن ليخوض هذه الرحلة إلا مُرغماً وباحثاً عن المنفعة المادية قبل أي شيء آخر، غير أنه يتحول رويداً رويداً مع توالي المحطات في رحلة البحث التي يرسمها له أبوه المتوفى قبل رحيله، فيصير الأب غير الموجود هو البطل الحقيقي خلف الأحداث، وإن كان بطلاً شبحياً إن جاز التعبير. أما البطل في «ورثة آل الشيخ» فشخص مهموم أصلاً بالاكتشاف، وبالتساؤل حول أهمية ماضيه في صياغة مستقبله، وعن ضرورة استمساكه بجذوره أثناء رحلته.
> تكررت في الرواية جملة: «جيل ينتج وجيل يحصد ما أنتجه السلف» فبدت كحلقة وصل بين حكايات العائلة المشتتة.
هذا صحيح، وكنتُ أعني الإشارة لهذه المقابلة بين توالي الأجيال وبين تحولات الزمن والتاريخ، فالزمن يسيل على شكل موجات صاعدة وهابطة، ودوامات تدور حول محورها دون توقف، والجملة توحي بحركة الأمواج تلك صعوداً وهبوطاً، وكذلك حركة الدوامات الدائرية، خصوصاً حين تتكرر فتمنح إيقاعاً خاصاً مبنياً على هذه الفكرة.
> لماذا تبدو مشغولاً في أعمالك بفكرة كتابة العابرين للتاريخ؟
بالفعل، أرى الفن الروائي من هذه الزاوية، فكما يكتب المؤرخون تاريخ البشرية من وجهات نظر الساسة والعلماء والأنثربولوجيين، يكتب الروائيون التاريخ من وجهة نظر البشر العاديين، صناع الحياة، والجنود المجهولين خلف كل تحول كبير أو إنجاز هام. فالأدب يمنح الصوت لأولئك الصامتين في كتب التاريخ، وفي حضور السوشيال ميديا التي تمنح الصوت للجميع، تزداد صعوبة مهمة الكتابة الروائية، إذ يصير عليها أن تمنحهم صوتاً أكثر عمقاً وأكثر نفاذاً.
> في أحدث أعمالك «قميص لتغليف الهدايا» عودة للقصة القصيرة بعد محطات روائية لافتة. حدثنا عن تلك العودة.
ليست عودة بالمعنى الدقيق، فأنا أكتب القصص فيما بين الروايات، أحياناً بالتزامن مع الكتابة الروائية حين تواتيني فكرة مُلِحة تناسب القصة القصيرة، وقد قمتُ بنشر عدد من القصص خلال السنوات الماضية التي ركزتُ خلالها على نشر النصوص الروائية، إذ لم أتوقف يوماً عن الاهتمام بفن القصة القصيرة. أما النشر فمسألة لها حسابات أخرى، من حيث التوقيت المناسب لنشر مجموعة قصصية واستعداد جمهور القراء لاستقبالها. والحقيقة أنني ممتن جداً لهذه التجربة التي أثبتت أن القراء في شغف مستمر لقراءة القصص القصيرة، بشرط تقديمها على نحو يُهمهم ويلامس تجاربهم، وأرجو أن يتفق ذلك مع ما قدمته عبر مجموعتي القصصية الأخيرة.
> تعمل في مجال بعيد نسبياً عن الأدب، عرفنا عليه، وكيف تُكرس له وللفن بشكل عام كالموسيقى وقتاً ومناخاً خاصاً في يومياتك؟
أعمل في مجال الهندسة المعمارية والديكور والتصميمات، برغم الضغوط، أحاول باستمرار أن أحافظ على علاقتي بمختلف الفنون التي أهواها، مثل الأدب والموسيقى والشعر وغيرها، عن طريق تنظيم الوقت وعدم ترك فجوات فارغة من أي شيء نافع أقوم به، فدائماً ما أردد لنفسي العبارة القائلة: ما لا يُدرك كله لا يُترك كله، فلا بأس من أن أقضي ولو ساعة في الأسبوع في مداعبة أوتار العود، مهما بدا ذلك غير مشبِع بالنسبة لي، غير أنه قسط صغير أقوم بادخاره في حصالة المحبة، حتى لا تنقطع تماماً علاقتي بما أحب، على أن أستفيد بأي إجازة طويلة في سداد فاتورة المحبة بدرجة أوفى، فأقضي الساعات والساعات يومياً مع العود ومع كتب الشعر وتأليفه، وهكذا. كل ما هناك أن الأمر يحتاج لشيء من التنظيم، والإصرار، والمحبة العميقة للجمال.
> كيف تنظر لحالة الزخم اللافتة في مشهد الرواية المصرية والعربية؟
أتصور أنه يجب أن يتواكب مع زيادة عدد الإصدارات الأدبية اللافتة زيادة في التنوع واكتشاف التجارب المختلفة، فذلك من شأنه أن ينعكس إيجاباً على الإنتاج الروائي في النهاية.



الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»

الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»
TT

الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»

الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»

يسلّم العاهل الإسباني فيليبي السادس اليوم الجائزة الأهمّ للآداب الإسبانية، «سرفانتيس»، إلى الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو الذي نال جائزة هذا العام عن أعماله التي وصفتها اللجنة التحكيمية بأنها «تجمع صفاء الفكر النقدي إلى الغوص في الهوية العاطفية والفقدان». وكما جرت العادة منذ عام 1976 عندما منحت الجائزة لأول مرة إلى الشاعر خورخي غيّين، يجري حفل تسليم الجائزة في جامعة Alcala de Henares «قلعة النهر» القريبة من مدريد، حيث شهد النور ميغيل دي سرفانتيس صاحب «دون كيخوتي». جاء في بيان هيئة التحكيم أنها قررت منح سيلوريو الجائزة التي تبلغ قيمتها النقدية 125 ألف يورو «عن نتاجه الأدبي الاستثنائي والعميق الذي أثرى اللغة الإسبانية... وعن نظرته الكئيبة التي يرميها على الذاكرة». ورأى البعض في هذا القرار لفتة من وزارة الثقافة الإسبانية ترمي من ورائها إلى تنقية الأجواء السياسية المتعكرة بين إسبانيا والمكسيك منذ بداية عهد الرئيس المكسيكي السابق لوبيز أوبرادور الذي طالب الحكومة الإسبانية باعتذار تاريخي عن تجاوزات الفاتحين الإسبان خلال «اكتشاف» القارة الأميركية أواخر القرن الخامس عشر. وكانت إسبانيا قد منحت قبل أشهر جائزة «الوئام» لمتحف الأنثروبولوجيا الوطني في مكسيكو، وجائزة الفنون التصويرية للمكسيكية غراسيلا ايتوربيدي. يعدّ سيلوريو من أبرز الروائيين والباحثين والأكاديميين المكسيكيين المعاصرين، وتتميّز أعماله بشغف عميق باللغة، وتدور معظم رواياته حول التاريخ العائلي، وحياة الروائيين الذين تواصل معهم ونتاجهم. في كتابه الأخير الذي صدر مطلع العام الماضي بعنوان «هذه الكومة من المرايا المتكسرة» قرر أن يتناول حياته فيما يشبه المذكرات التي تتعمق في «الدعوة الأدبية» التي جاءته في سن مبكرة، وفي تكوينه الفكري وأنشطته الأكاديمية. ويقول سيلوريو إن العنوان مقتبس من إحدى قصائد بورخيس الذي يعدّه أفضل الذين عرّفوا الذاكرة، ويضيف: «يراكم هذا الكتاب ذكريات مبعثرة تعكس بعض مراحل حياتي. لكنها مجرد انعكاسات؛ لأن اللغة تحرّف ما تسعى إلى اختزانه في الذاكرة. وهو ليس سيرة ذاتية على الإطلاق، بل عبور على بعض الجوانب الأثيرة في حياتي»، ويستشهد بما كتبه الفيلسوف الفرنسي Montaigne على أعمدة بيته الخشبي في القرن السادس عشر «تمتّع بالحاضر، وما عداه لا يعنيك». يُعرَف عن سيلوريو أنه يملك واحدة من أكبر المكتبات الخاصة في أميركا اللاتينية، ويقول إن مطالعاته المفضلة كانت دوماً تدور حول أعمال الشاعرين غارسيا لوركا وميغيل هرنانديز، وحول روايات بلزاك وخوان رولفو وخوليو كورتازار، والأعمال الكاملة لمغيل دي سرفانتيس. ويقول عنه زملاؤه في أكاديمية اللغة المكسيكية إنه مثال «الكاتب الكلّي والنهضوي» الذي لم يقتصر إنتاجه على الدراسات الأدبية والروايات، بل شمل الدراسات اللغوية وكرّس حياته للتعليم والبحث الأكاديمي. في دردشة طويلة مع سيلوريو جمعته بعدد من وسائل الإعلام، بينها «الشرق الأوسط»، في المركز الثقافي المكسيكي بمدريد، اعترف سيلوريو بأنه منذ سنوات يعيش هاجس الوقت بعد أن تبدّلت العلاقة بين الماضي والحاضر «في الماضي كان رصيدي كبيراً من المستقبل، أما اليوم فصار رصيدي الأكبر من الماضي، وهذا ما دفعني إلى كتابة هذه المذكرات»، ويقول: «الذاكرة هي الخزّان الأول لكتاباتي، فيها أستعيد التاريخ والحكايات، وقصص الأسرة والأصدقاء والرفاق الذين رحلوا، وأيضاً الأحداث التي مررت بها ولم أدرك في حينه أهميتها ومدى تأثيرها على حياتي الأدبية... لا يمكن أن نعرف من نحن إذا لم نعرف من كنّا ومن أين جئنا ومن هم أجدادنا وما هي محدداتنا التاريخية. والهدف من كل هذا البحث ليس فحسب لمجرد تحديد الهوية واستعادة الماضي وقراءة الحاضر، بل أيضاً، وقبل أي شيء آخر، لاستشراف المستقبل الذي يتكشّف أمامنا يوماً بعد يوم». لكنه سرعان ما يستدرك ليقول إنه هو أيضاً ضحية التناقضات: لأني أكتب أيضاً كي أنسى؛ لأن الحياة لم تنته بعد، وثمة أمل في أن ننسى، كما يقول خوان كارلوس أونيتي». على أعتاب الثمانين من عمره يبدو سيلوريو هزيلاً في صحته التي يقول إنها تدهورت بسرعة خلال جائحة «كوفيد» التي أعادت إليه أمراضاً كان يظنّ أنه تعافى منها، وهو يتحدث بصوت خشن وغليظ بسبب تقطّع في حباله الصوتية: «هذا الانهيار الصحي والجسدي حرمني من لذّة السفر والتنقّل، لكني أعوّض عن ذلك بالحيوية التي أجدها بشكل أساسي في الكتابة». وعندما نسأله أين يضع الحدود في رواياته بين ما عاشه وما تخيّله يجيب: «في الواقع لا توجد حدود؛ لأن كل ما نتذكّره ويعشعش في ذاكرة ما عشناه في حياتنا، يخضع لعوامل الزمن واللغة. فاللغة ليست هي الواقع، بل هي الوسيلة التي تدلّنا على الواقع، وأعتقد أن كل أدب تاريخي هو خيالي؛ لأن اللغة في أساسها ليست سوى خيال، كالأدب الذي هو دائماً، بشكل أو بآخر، ضروب مختلفة من السير الذاتية». ويضيف: «عندما ننقل التجارب الشخصية إلى عالم الأدب، يولد واقع جديد أكثر واقعية من تلك التجارب، وهنا يكمن سحر الأدب، وقوة الإبداع الذي نبني به عالماً أكثر حيوية وواقعية من الذي كان نقطة الانطلاق». عن أسلوبه الكتابي الذي وصفه كارلوس فونتيس بأنه «فعل إرادة صلبة ومثابرة أكاديمية نادرة» يقول: «الأسلوب هو الحد الفاصل بين الكلمة والواقع المتجسّد في الكتابة. هو الذي يحدد هويتنا، ويمثّلنا، ويميّزنا عن غيرنا؛ لأن الأسلوب لا يقبل الاستنساخ. قد يكون أسلوب الكاتب خاضعاً لتأثيرات عدّة لأن الكاتب هو أيضاً قارئ، لكن أسلوبه يبقى فريداً. أما أسلوبي فهو على صلة وثيقة بمفاقمة الإمكانات اللغوية بأخصب الطرق المتاحة؛ لأني أكره القيود على اللغة، ولا أحب معاقبتها وتعذيبها وقمع براعمها». يعود سيلوريو في هذه الدردشة الطويلة إلى الاستشهاد بكارلوس فونتيس ليقول: «إن الكتّاب قوم أشرار وخبثاء والسذاجة ليست من خصائلهم. الرواية فيها الكثير من القذارة، لو استثنينا منها الروايات الغنائية؛ لأنها تنهل من كل جوانب الحياة، الجميل منها والقبيح والمشين. ولذلك؛ فإن الرواية لا تنتهي، بل إن الكاتب هو الذي يقرر التخلّي عنها ويغادرها بعد أن يدرك أنه قطع المسافة التي كان عليها أن يقطعها. الرواية عمل شاق؛ لأنها تقتضي الكثير من المثابرة والانضباط، وهذا ما يشكّل الفارق الكبير بين القصة والرواية. القصة درّة، والرواية هي حكاية البحث عن هذه الدرّة». ويضيف: «في العادة لا أضع شروطاً مسبقة عندما أباشر كتابة الرواية، كمن يرمي نفسه في البحر ويصغي إلى ما تهمس به الحواري. إنها مغامرة رائعة لا نعرف ماذا ينتظرنا فيها أو كيف ستكون نهايتها». ويكشف لنا سيلوريو عن أن الأبحاث الأخيرة التي أجراها بيّنت أن أول رواية ظهرت في القارة الأميركية كانت تلك التي وضعها المفكر المكسيكي خوسيه خواكين فرنانديز دي ليزاردي مطالع القرن التاسع عشر بعنوان «محطة الأحلام»، (وكان دي ليزاردي صحافياً مشهوراً قضى فترات في السجن بسبب آرائه المؤيدة للحركات الاستقلالية). وعندما نسأله عن الأدباء المكسيكيين المتحدرين من أصول عربية، يحيلنا فوراً إلى الكتاب المرجع الذي وضعته مؤخراً الروائية والناشرة روز ماري سلّوم، المتحدرة من أصول لبنانية، والذي يستعرض أعمال عدد من الروائيين والشعراء المتحدرين من أصول عربية، مثل سلّوم، وكارلوس مارتينيز أسعد، ونايف يحيى، وبابلو مخلوف، وليون رودريغيز زهّار وأنور خليفة، الذين، كما يقول: «رصّعوا الإنتاج الأدبي المكسيكي بأعمال قيّمة جداً». وينهي سيلوريو باسماً: «من حسن طالعي أني كرّست حياتي للأدب الذي لا يرجى منه نفع، لكني تمتعت به طيلة حياتي».

استحق سيلوريو الجائزة لنتاجه الأدبي الاستثنائي والعميق الذي أثرى اللغة الإسبانية… وعن نظرته الكئيبة التي يرميها على الذاكرة

هيئة التحكيم


روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة
TT

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت ونقص المحتوى، امتلأت بالإعلانات ووجدت مساحة فارغة لملئها. نفدت مواضيع كتّاب المقالات - «ممثلون مدمنون على الكحول، وأفراد من العائلة المالكة فاشلون، وكوميديون مكتئبون، ونجوم روك مسجونون» - فلجأوا بيأس إلى الكتّاب. أدى التدفق المفاجئ للمقالات المطولة في أقسام الثقافة وفضائح الصحف الشعبية إلى ظهور الروائيين، ولأول مرة منذ مدة، بمظهرٍ جذاب وذي علاقات واسعة بدلاً من مظهرهم الباهت والمنعزل.

في إنجلترا، استأثر آميس وأصدقاؤه (جوليان بارنز، كريستوفر هيتشنز، وإيان ماكوان) بمعظم هذا الاهتمام. أما في أميركا، فقد سلطت أضواء الكاميرات على وجوه جي ماكينيرني، وتاما جانويتز، وبريت إيستون إليس - ما يُعرف بـ«مجموعة برات»، أبناء فجر سوهو - وعلى المحررين والوكلاء الذين رافقوهم حتى ساعات متأخرة من الليل. كان للبريطانيين تأثيرٌ أكبر على المدى الطويل.

ظهرت على غلاف رواية ماكينيرني الأولى الأكثر مبيعاً، «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» (1984)، لافتة النيون الحمراء الشهيرة خارج مطعم «أوديون»، المطعم الواقع في وسط مانهاتن: كانت تتوهج وكأنها إشارة الخفافيش الخاصة بذلك الجيل الأدبي. لذا، ربما ليس من المستغرب أن تبدأ رواية ماكينيرني الجديدة، «أراك على الجانب الآخر»، وهي روايته التاسعة، التي تتسم بطابعها الرثائي وشبه السيري، بحفل زفاف بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين في المطعم.

هذه هي الرواية الرابعة والأخيرة في «رباعية كالواي» لماكينيرني، وشخصياتها، مثل مسرح «أوديون» نفسه، ناجون من مانهاتن، متمرسون في الحياة. تحمل السلسلة اسم راسل كالواي، شخصيتها المحورية، وهو ناشر مستقل مرموق يملك مكتباً في وسط المدينة في منزل من الطوب يعود للقرن التاسع عشر. وإذا كانت لديه طموحات أدبية في يوم من الأيام، فقد تخلى عنها. وكما قال الشاعر فيليب لاركين: «إذا لم تستطع التغلب عليهم، فقم بتعديلهم».

راسل متزوج، لكنه يشارك أحياناً وجبات البرغر السيئة، والقبلات الحارة، مع كاتبات شابات معجبات به. ويبدو أن شخصيته مستوحاة بشكل أساسي من ماكينيرني نفسه، ولكن نظراً لطبيعة عمله، فهو مستوحى أيضاً إلى حد ما من مورغان إنتركن، رئيس دار نشر «غروف/أتلانتيك» وأحد رفاق ماكينيرني المقربين في ثمانينات القرن الماضي. يبلغ كل منهما الآن 71 عاماً. أما الروايات السابقة في السلسلة، التي تحمل عناوينها اسم «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة»، فهي «سقوط السطوع» (1992)، و«الحياة الطيبة» (2006)، و«أيام مشرقة ثمينة» (2016). إذا كنت تنوي قراءتها، فابدأ من البداية، لأنها مع تقدمها تفقد متعتها وتتحول إلى روايات سطحية ونمطية. أما هذه الرواية الجديدة، فقد فقدت بريقها تماماً.

لقد مررنا بالكثير (علاقات غرامية، وفيات، اعتقالات، تخصيب في المختبر، أحداث 11 سبتمبر، ارتفاع الإيجارات، عمليات تجميل الحواجب، طلاق) مع الرجال والنساء المدللين ذوي الطابع البوهيمي في هذه الرواية. اجتمعوا الآن في «سينما أوديون»، حيث يشعر راسل بتدفق الماضي: المكان «يعج بالذكريات، طبقات من التاريخ الشخصي، أشباح الماضي». تشمل هذه الذكريات الكوكايين وعارضات الأزياء في الثمانينات، ووجبات غداء هادئة مع كتّاب ومحرري «كوندي ناست» الذين انتقلوا إلى مركز التجارة العالمي المُعاد بناؤه.

«أراك على الجانب الآخر» رواية تدور أحداثها خلال جائحة «كوفيد - 19». وقد استوحت عنوانها من لافتة وضعها أحد المطاعم على نافذته، معلناً إغلاقه طوال فترة الجائحة. الأزمة لا تزال حديثة العهد. يتجنب أبطال الرواية القبلات والأحضان؛ بل إنهم غير متأكدين من ضرورة خروجهم من منازلهم أصلاً.

إنها أيضاً رواية من عصر حركة «#MeToo» النسائية. يدخل كارلو، صديق قديم، إلى أحد المطاعم، وقد دُعي بالصدفة إلى ليلة افتتاح مطعم. إنه طاهٍ فاشل، من الواضح أنه متأثر بماريو باتالي. كان كارلو في السابق ممتلئ الجسم كدمية بينياتا، لكنه الآن يبدو ذابلاً وهزيلاً، وكأنه بحاجة إلى كرسي. بالنسبة لراسل، رؤية كارلو أشبه برؤية ماكبث لشبح بانكو.

أي شخص قرأ رواية «الحياة الطيبة»، الكتاب الثاني في هذه السلسلة، كان بإمكانه التنبؤ بسقوط باتالي الحقيقي. في تلك الرواية، شبهت زوجة راسل، كورين، كارلو بالأخطبوط، «يمد يده ليأخذ الخبز واللحم، ويدخن باليد الأخرى، ويشرب باليد الثالثة، بينما يتحسس في الوقت نفسه أقرب النساء إليه، جاذباً كل شيء نحو فمه».

يستغرق الأمر لحظة أو اثنتين حتى تظهر لمسة أخرى من لمسات ماكينيرني المميزة. عندما يحدث ذلك، يُخلّ بتوازن هذه الرواية بشكلٍ أكبر من الحوارات الركيكة والمليئة بالشرح، والملاحظات السطحية المبتذلة حول مدينة نيويورك، ومنطقة هامبتونز، والزواج (أدرك أنه مهما شعرنا بقربٍ من الآخر، فإننا لا نعرف أبداً أسرار قلبه).

«أراك على الجانب الآخر» عبارة عن سيلٍ جارف من الاستهلاك التفاخري غير الساخر. نرى ظهور رموز ضوئية مع دخول الشخصيات إلى الغرف: «دخلت كورين وخرجت مرتديةً رداء فريت الذي اشتراه لها»؛ «فتح مينغوس محفظته من بيرلوتي سكريتو»؛ «حقيبته من لويس فويتون»؛ «بدلته السوداء المميزة من برادا»؛ «فستان بالمان ضيق بلا أكمام بسحاب أمامي مثير». هذه الشخصيات لا تملك شخصياتٍ حقيقية؛ بل مجرد نماذج استهلاكية.

بالنسبة للكاتب، يمكن لأسماء العلامات التجارية أن تُضفي عمقاً على روايته. وقد استخدمها دون ديليلو في روايته «الضوضاء البيضاء» لاستكشاف ثقافتنا الاستهلاكية المُفرطة. أما قراءة رواية ماكينيرني فلا تُذكّرك إلا بالتعليق الساخر الذي أطلقه المحقق الضخم آندي سيبوفيتش في مسلسل الشرطة «NYPD Blue» في التسعينات: «هذا الرجل يتحدث كثيراً، ولا يتحدث عن الأمور المهمة».

كتبت كلير لودون في ملحق «التايمز» الأدبي قبل سنوات: «إن أكبر جريمة يرتكبها كاتب من الطبقة المتوسطة هي الإكثار من ذكر النبيذ». (أشارت لودون إلى أن إيان ماكيوان مذنب في فعل ذلك). ربما يُمكن التماس العذر لماكينيرني، الذي كان كاتب عمود عن النبيذ في صحيفة «وول ستريت جورنال»، لاهتمامه الشديد بالزجاجات التي يفتحها راسل. فهناك العديد من الجمل من قبيل: «أعتقد أننا سنبدأ بزجاجة (باتارد مونتراشيه) كطبق أول»، وهناك الكثير من الضحكات والصداقات الرجولية حول زجاجات النبيذ الثمينة في غرفة خاصة في مطعم «بير سي».

لقد أحزنني بشدة امتعاضي من هذه الرواية. مثل راسل، لطالما كان ماكينيرني شخصيةً آسرةً في حياة مدينة نيويورك. ولا أريد المبالغة في المقارنة، لكنه في بعض النواحي يُشبه أليك بالدوين الأدبي - لا يزال وسيماً كصبي، حاضراً في كل مكان، موهوباً بما يكفي، ومستعداً أحياناً لإثارة الجدل. (الفضيحة، في نهاية المطاف، نوع من خدمة المجتمع»، كما كتب سول بيلو في «هرتسوغ». يتمتع كلا الرجلين بوجوهٍ وردية، ويشبهان شخصيات «باري بليت» الكرتونية.

لم تفقد رواية «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» وبعض رواياته المبكرة الأخرى طاقتها المتوترة والمليئة بالشكوك. إذا أردتَ أن تتذكر مدى دقة ملاحظة ماكينيرني كصحافي، فأعد قراءة مقالته في مجلة «نيويوركر» عام 1994 عن الممثلة كلوي سيفيني.

تتجاوز رواية «أراك على الجانب الآخر» الأزمات الوجودية التي يعاني منها سكان نيويورك المرفهون، لكن القليل منها يترسخ في الذاكرة.

*خدمة «نيويورك تايمز»


«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية
TT

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

وجاء في تقديمه: «في عمق التاريخ الإنساني، حيث تتقاطع الأسطورة مع العقل، وحيث تتشكَّل صورة الآخر في مرآة الذات، يطرح هذا الكتاب سؤالاً مقلقاً وبسيطاً في آنٍ واحد: هل نحن مختلفون حقاً عمّن نُسميهم (بدائيين)، أم أن هذا الاختلاف وهمٌ صنعته أدواتنا قبل عقولنا؟».

منذ الصفحات الأولى، يأخذنا المؤلف في رحلة فكرية تقوِّض واحدة من أقدم المسلَّمات في العلوم الاجتماعية: «القسمة الكبرى» بين «نحن» و«هم». تلك القسمة التي جعلت من بعض المجتمعات نموذجاً للتقدم، ومن أخرى رمزاً للتخلُّف أو «التوحُّش»، لكن سرعان ما يكشف أن هذه الثنائية ليست سوى بناء ذهني هش، إذ يقول: إن القسمة الثنائية بين المجتمعات البدائية والمجتمعات المتحضرة... تُرسي التعارض بين «نحن» و«هم»، بين العقلاني وغير العقلاني.

هنا يبدأ التشويق الحقيقي: إذا لم يكن الاختلاف في العقول، فأين يكمن إذن؟

يقدِّم الكتاب إجابته المحورية عبر فكرة مدهشة: إن ما يغيِّر التفكير ليس العقل ذاته، بل الوسائط التي يستخدمها - وأهمها الكتابة. فالإنسان، قبل الكتابة، كان يعيش في عالم شفهي، حيث المعرفة عابرة، متدفقة، مرتبطة بالسياق والذاكرة. أما بعد الكتابة، فقد تحوَّلت اللغة إلى شيء «مرئي»، يمكن تحليله وتفكيكه وإعادة ترتيبه. وكما يوضح النص: «إنَّ تدوين الكلام هو الذي سمح بالفصل بين الكلمات بكل وضوح، وتقليب ترتيبها، وبالتالي بتطوير الأشكال القياسية للاستدلال والتفكير».

بهذا التحول، لم يتغير ما يفكر فيه الإنسان فقط، بل كيف يفكر. ظهرت القوائم، والجداول، والتصنيفات، والرياضيات المعقدة. صار بالإمكان تخزين المعرفة ونقلها عبر الأجيال بدقة غير مسبوقة. وهنا، يتحول «تدجين الفكر» من استعارة إلى حقيقة: فالعقل لم يعد برياً أو «متوحشاً»، بل أصبح منظماً، مُهندساً بواسطة أدواته.

لكن المؤلف لا يسقط في فخ التبسيط. فهو لا يقول إن الكتابة خلقت العقل، بل يحذر من التفسير الأحادي، مؤكداً: «هناك طريق وسطي بين اختيار سبب وحيد ورفض كل تفسير سببي... بين إغراق كل شيء في السببية البنيوية أو عزل عامل مادي وحيد. فالتغير في الفكر هو نتيجة تفاعل معقد بين التكنولوجيا، المجتمع، السلطة، والثقافة».

ومن أكثر لحظات الكتاب إثارة، حين يواجه القارئ بحقيقة مزعجة: أن ما نسميه «تفكيراً بدائياً» ليس أقل منطقية، بل فقط مختلف في تجلياته. ففي المجتمعات الشفهية، نجد أنظمة تصنيف دقيقة، وقدرات حسابية مذهلة، لكنها مرتبطة بالسياق الحي، لا بالرموز المجردة. وهنا يكتب: «أنماط التفكير تتشابه من مجتمع إلى آخر من عدة أوجه... إن وجود نشاط فكري فردي حقيقة واقعة كما هي الحال في الثقافات الغربية».