أحمد القرملاوي: الكتابة أسطورة أبني من خلالها جسراً يربط الواقع بالخيال

الروائي المصري يكتب القصص بالتزامن مع الرواية حين تلح فكرة تناسبها

ألكاتب أحمد القرملاوي
ألكاتب أحمد القرملاوي
TT

أحمد القرملاوي: الكتابة أسطورة أبني من خلالها جسراً يربط الواقع بالخيال

ألكاتب أحمد القرملاوي
ألكاتب أحمد القرملاوي

لفت الأنظار إليه بعد صدور روايته «ورثة آل الشيخ» التي فازت بجائزة «كاتارا» القطرية للرواية العربية هذا العام. واعتبر عدد من النقاد أن الروائي المصري أحمد القرملاوي يضع يده على بؤرة سردية مهمة في معظم أعماله، تكمن في علاقة البشر بالزمن والتاريخ فأبطاله مغمورون في هذه العلاقة، يحاولون من خلالها استبطان الذات، وطرح هواجسهم وتساؤلاتهم حول معنى الوجود والحياة. القرملاوي من مواليد 1978، يكتب القصة القصيرة والرواية، أصدر خمسة أعمال روائية من أبرزها «أمطار صيفية» الحاصلة على جائزة «الشيخ زايد» للكتاب عام 2018، و«نداء أخير للركاب» التي حصلت على جائزة معرض القاهرة الدولي للكتاب 2019.
هنا حوار معه حول هموم الكتابة وعلاقتها بالواقع والتاريخ في أعماله.

> هل كانت «ورثة آل الشيخ» حلماً قديماً بالكتابة تحت ظلال «شجرة العائلة»؟
بالفعل، فالرواية كانت فكرة قديمة شغلتني لنحو سبع سنوات، قبل أن أقرر إنجازها، وسبب انشغالي بالفكرة هو تلك الأسطورة التي كانت تُتداول بين أجيال عائلتي عن كنز مخبوء في بيت العائلة القديم، وعن «محمد السابع» الذي سيكشف عن الكنز بعدما يتخلص من القرد الأجرب الذي يحرسه. كنتُ أتساءل عن سلطة الأساطير على عقول الناس، وقدرتها على إعادة ترسيم الحدود بين الواقع والخيال، كما كنتُ منشغلاً بالأساطير المنقولة عن أجدادي البعيدين، وعن قدرة الزمن على تجاوز خيباتهم وأخطائهم وإعادة تقديمهم للأجيال اللاحقة كأبطال أسطوريين.
> فكرة اقتفاء الكنز وأثره ورحلة الوصول إليه طالما ألهمت الأدب كثيراً. كيف نظرت لها؟
نظرت إليها كوعدٍ أسطوري، كحافز من صنع الخيال يدفع البشر لمواصلة الحياة، واكتشاف حدودها بحثاً عن هذا الوعد الذي لا يتحقق أبداً، غير أنه يدفع الحدود والجدران أبعد فأبعد، ويُفجر الطاقات المخبوءة في نفوس البشر، حتى يصبحوا هم الكنز الذي يسعون وراءه.
> في أعمالك ثمة استبطان داخلي وبحث طويل عن الذات، موصول بتقليب في تربة التاريخ. حدثنا عن هذا الامتداد.
إحدى مهام الأدب والكتابة الروائية على وجه الخصوص هي استبطان التجربة البشرية والكشف عن الذات الإنسانية، عبر تجارب البشر وصراعاتهم مع الحياة ومع تحولات الزمن القدرية، خصوصاً حين يكون النص رواية أجيال تدور أحداثها خلال فترة زمنية ممتدة تتسع للعديد من التحولات والصعود والهبوط والموت والميلاد، كما يحدث كل ذلك على خلفية من التحولات التاريخية والمجتمعية. هذا ما حاولت اكتشافه، ومن ثم تقديمه عبر رواية «ورثة آل الشيخ».
> يبدو الميراث في روايتك الأخيرة حمال أوجه. كيف اشتغلت على تلك الثيمة أدبياً؟
السؤال نفسه يشتمل على الإجابة في صيغة موجَزة، فنحن لا نرث المال فقط ولا المنقولات، بل الجينات المتوارثة والأسئلة غير المجاب عنها، والأخطاء غير المصوبة، والأحلام غير المتحققة، كما نرث السيرة والسمعة بحلوها ومرها، وغيرها مما يفوق ذلك مهما ادعينا العكس؛ إنها ظاهرة أشبه بتناسخ الأرواح، فكما يعتقد البعض أن الروح الإنسانية تبحث عن جسد جديد تسكن فيه كي تُحقق تحررها، فإن الروح الإنسانية الجمعية تنتقل من جيل لجيل حتى تحرر الإنسان وتُصوب أخطاءه وتكتشف قدراته.
> ما رأيك في إطلاق تعبير رواية أجيال على «ورثة آل الشيخ». وهل خشيت خلال الكتابة من أن يُشتت هذا التدفق في الحكايات القارئ؟
إنها رواية أجيال بحُكم التعريف النقدي، حيث تتوالى الأحداث عبر أجيال متتالية من العائلة نفسها، وأؤمن بأن الرواية تجد قراءها، وكنتُ أدرك تماماً أن روايتي «ورثة آل الشيخ» لن تناسب ذائقة القاعدة العريضة من القراء، إذ هي رواية مفعمة بالشخصيات وبالحكايات وتحتاج لتركيز أعلى نسبياً في أثناء القراءة، وقديماً سمعتُ المخرج يوسف شاهين يقول إن أفلامه ليست من النوع الذي تستطيع مشاهدته وأنت تأكل الفشار؛ ثمة أعمال فنية مركبة وكثيفة بالتفاصيل، تحتاج لذهن صافٍ ورغبة في التلقي العميق، وقد فوجئت بحجم النجاح الذي صادف «ورثة آل الشيخ»، فقد فاق استحسان القراء لها توقعاتي بمسافة بعيدة، والآن بعد حصولها على جائزة كاتارا، أظن أن القارئ سيمنحها المزيد من الصبر والاهتمام.
> شغلك غموض الماضي وتتبع الجذور من قبل في روايتك «نداء أخير للركاب»، ما الفروق التي تمس بطل تلك الرواية وبطل روايتك الجديدة؟
الفروق كبيرة على مستوى رسم الشخصية وبنائها، فبطل «نداء أخير للركاب» مُنكب على ذاته ولا يشغل نفسه كثيراً بماضيه وجذوره، ولم يكن ليخوض هذه الرحلة إلا مُرغماً وباحثاً عن المنفعة المادية قبل أي شيء آخر، غير أنه يتحول رويداً رويداً مع توالي المحطات في رحلة البحث التي يرسمها له أبوه المتوفى قبل رحيله، فيصير الأب غير الموجود هو البطل الحقيقي خلف الأحداث، وإن كان بطلاً شبحياً إن جاز التعبير. أما البطل في «ورثة آل الشيخ» فشخص مهموم أصلاً بالاكتشاف، وبالتساؤل حول أهمية ماضيه في صياغة مستقبله، وعن ضرورة استمساكه بجذوره أثناء رحلته.
> تكررت في الرواية جملة: «جيل ينتج وجيل يحصد ما أنتجه السلف» فبدت كحلقة وصل بين حكايات العائلة المشتتة.
هذا صحيح، وكنتُ أعني الإشارة لهذه المقابلة بين توالي الأجيال وبين تحولات الزمن والتاريخ، فالزمن يسيل على شكل موجات صاعدة وهابطة، ودوامات تدور حول محورها دون توقف، والجملة توحي بحركة الأمواج تلك صعوداً وهبوطاً، وكذلك حركة الدوامات الدائرية، خصوصاً حين تتكرر فتمنح إيقاعاً خاصاً مبنياً على هذه الفكرة.
> لماذا تبدو مشغولاً في أعمالك بفكرة كتابة العابرين للتاريخ؟
بالفعل، أرى الفن الروائي من هذه الزاوية، فكما يكتب المؤرخون تاريخ البشرية من وجهات نظر الساسة والعلماء والأنثربولوجيين، يكتب الروائيون التاريخ من وجهة نظر البشر العاديين، صناع الحياة، والجنود المجهولين خلف كل تحول كبير أو إنجاز هام. فالأدب يمنح الصوت لأولئك الصامتين في كتب التاريخ، وفي حضور السوشيال ميديا التي تمنح الصوت للجميع، تزداد صعوبة مهمة الكتابة الروائية، إذ يصير عليها أن تمنحهم صوتاً أكثر عمقاً وأكثر نفاذاً.
> في أحدث أعمالك «قميص لتغليف الهدايا» عودة للقصة القصيرة بعد محطات روائية لافتة. حدثنا عن تلك العودة.
ليست عودة بالمعنى الدقيق، فأنا أكتب القصص فيما بين الروايات، أحياناً بالتزامن مع الكتابة الروائية حين تواتيني فكرة مُلِحة تناسب القصة القصيرة، وقد قمتُ بنشر عدد من القصص خلال السنوات الماضية التي ركزتُ خلالها على نشر النصوص الروائية، إذ لم أتوقف يوماً عن الاهتمام بفن القصة القصيرة. أما النشر فمسألة لها حسابات أخرى، من حيث التوقيت المناسب لنشر مجموعة قصصية واستعداد جمهور القراء لاستقبالها. والحقيقة أنني ممتن جداً لهذه التجربة التي أثبتت أن القراء في شغف مستمر لقراءة القصص القصيرة، بشرط تقديمها على نحو يُهمهم ويلامس تجاربهم، وأرجو أن يتفق ذلك مع ما قدمته عبر مجموعتي القصصية الأخيرة.
> تعمل في مجال بعيد نسبياً عن الأدب، عرفنا عليه، وكيف تُكرس له وللفن بشكل عام كالموسيقى وقتاً ومناخاً خاصاً في يومياتك؟
أعمل في مجال الهندسة المعمارية والديكور والتصميمات، برغم الضغوط، أحاول باستمرار أن أحافظ على علاقتي بمختلف الفنون التي أهواها، مثل الأدب والموسيقى والشعر وغيرها، عن طريق تنظيم الوقت وعدم ترك فجوات فارغة من أي شيء نافع أقوم به، فدائماً ما أردد لنفسي العبارة القائلة: ما لا يُدرك كله لا يُترك كله، فلا بأس من أن أقضي ولو ساعة في الأسبوع في مداعبة أوتار العود، مهما بدا ذلك غير مشبِع بالنسبة لي، غير أنه قسط صغير أقوم بادخاره في حصالة المحبة، حتى لا تنقطع تماماً علاقتي بما أحب، على أن أستفيد بأي إجازة طويلة في سداد فاتورة المحبة بدرجة أوفى، فأقضي الساعات والساعات يومياً مع العود ومع كتب الشعر وتأليفه، وهكذا. كل ما هناك أن الأمر يحتاج لشيء من التنظيم، والإصرار، والمحبة العميقة للجمال.
> كيف تنظر لحالة الزخم اللافتة في مشهد الرواية المصرية والعربية؟
أتصور أنه يجب أن يتواكب مع زيادة عدد الإصدارات الأدبية اللافتة زيادة في التنوع واكتشاف التجارب المختلفة، فذلك من شأنه أن ينعكس إيجاباً على الإنتاج الروائي في النهاية.



الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.