تركيا غارقة في استقطاب حاد حول الانتخابات المبكرة

تحالف إردوغان يحسم ترشيحه للرئاسة... والمعارضة لم تقرر بعد

تركيا غارقة في استقطاب حاد حول الانتخابات المبكرة
TT

تركيا غارقة في استقطاب حاد حول الانتخابات المبكرة

تركيا غارقة في استقطاب حاد حول الانتخابات المبكرة

تتصاعد حدة النقاش في تركيا بين الرئيس رجب طيب إردوغان وأحزاب المعارضة التي تضغط من أجل التوجه إلى الانتخابات المبكرة، ورفض انتظار موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة في يونيو (حزيران) عام 2023، في ظل أزمة اقتصادية تضرب البلاد وسط انهيار الليرة التركية وارتفاع التضخم وموجة الغلاء غير المسبوقة.
الأزمة الاقتصادية التركية، تليها الإخفاقات السياسية في العديد من الملفات على صعيد السياسة الخارجية لحكومة إردوغان، هي أهم أوراق المعارضة للضغط على الرئيس من أجل دفعه إلى قرار الانتخابات المبكرة، وذلك عبر اتهامه بقلة الكفاءة والفشل في إدارة شؤون البلاد. وهو ما يعبر عنه مرارا كمال كليتشدار أوغلو، رئيس حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، وحليفته رئيسة حزب «الخير» ميرال أكشنار. وفي المقابل، يتهم إردوغان وحليفه دولت بهشلي، رئيس حزب الحركة القومية، المعارضة بالسعي إلى زعزعة استقرار البلاد وترويج صورة مغلوطة عن الوضع الاقتصادي.
رغم أنه لا يزال يتبقى أمام تركيا حوالي سنة ونصف السنة على انتخاباتها المرتقبة، يزداد الشحن وتتسارع التحضيرات المبكرة. ولقد بدأ الرئيس رجب طيب إردوغان، مدفوعا بضغط المعارضة، وبنتائج استطلاعات الرأي المتعاقبة، إلى إطلاق حملة انتخابية مبكرة، عبر مؤتمرات شعبية وافتتاح مشاريع جديدة في عموم أنحاء البلاد. لكن أحزاب المعارضة سبقته على مدى سنوات عبر جولات في الولايات والمدن والأحياء في حملة «التحام مع الشارع» لقياس نبض الناخبين وحشدهم لهزيمة «تحالف الشعب»، المؤلف من حزبي العدالة والتنمية الحاكم والحركة القومية.
المعارضة أبرزت ورقة قوية عبر مؤتمر شعبي حاشد، قدر حضوره بأكثر من مليون شخص، في مدينة مرسين (جنوب البلاد) السبت الماضي، بدعوة من كليتشدار أوغلو، وكان المطلب الرئيس فيه استقالة إردوغان وحكومته والتوجه إلى الانتخابات المبكرة كحل للأزمات التي تعانيها تركيا.
وفيما يبدو تحضيرات مبكرة لانتخابات، لا يرغب إردوغان وحليفه بهشلي أن تكون «مبكرة» على الإطلاق، رد الرئيس التركي بحدة على دعوات المعارضة متسائلاً: «أي انتخابات مبكرة هذه؟ هذا شأن من عمل الدول القبلية... لا يمكنك رؤية مثل هذا الشيء في دولة متقدمة، وفي الغرب. الانتخابات ستكون في يونيو (حزيران) 2023». أما المعارضة، التي ترغب في الانتخابات المبكرة لاعتقادها بأن هذه هي الفرصة السانحة لإطاحة إردوغان وحزبه - الذي حكم تركيا لما يقرب من 20 سنة -، فتعمل على زيادة الضغط عليه. وحقاً، بدأت منذ العام الماضي الحديث عن مدى صلاحية النظام الرئاسي، الذي طبقه إردوغان عام 2018 ومنحه سلطات شبه مطلقة. ومن ثم، بدأت مساعٍ لتوحيد صفوفها وتوصلت إلى نقطة اتفاق هي العودة بالبلاد إلى النظام البرلماني بعد تقويته وتعزيزه.
ثم إن حزب «الديمقراطية والتقدم» برئاسة نائب رئيس الوزراء الأسبق علي باباجان، الذي أسسه بعد انفصاله عام 2019 عن حزب العدالة والتنمية الحاكم، وضع بالفعل مشروعاً متكاملاً للنظام البرلماني. وتطور الحراك في هذا الاتجاه نحو تشكيل لجنة من أحزاب المعارضة تواصل اجتماعاتها على مدى أكثر من شهرين للاتفاق على ملامح النظام الجديد.
- تحرك منسق
من جهة ثانية، مع أن أحزاب المعارضة لم تتفق فيما بينها، بعد، على توسيع «تحالف الأمة»، المكون من حزبي الشعب الجمهوري والجيد، والانضواء جميعها تحت راية التحالف، فإنها تتحرك بشكل منسق. وهي تتشاور بشكل مستمر عبر لقاءات بين قادتها لبحث التطورات الاقتصادية والسياسية في البلاد والتأهب للانتخابات، التي ترجح أنها ستكون في خريف عام 2022 بدلاً من موعدها المحدد في يونيو 2023. أما إردوغان، فيواجه في هذه الأثناء، صعوبات كبيرة في مساعيه لتوسيع «تحالف الشعب»، بسبب تردد الأحزاب الأخرى في الانضمام إلى التحالف ما لم يغيّر من سياساته.
ومع اشتداد وطأة الأزمة الاقتصادية والتهاوي المستمر والسريع لليرة التركية، التي تشهد تراجعاً غير مسبوق في تاريخ الجمهورية التركية الحديثة، طوّرت المعارضة حراكها إلى الحشد والمطالبة برحيل إردوغان والتوجّه إلى الانتخابات. وبدوره، دعا الرئيس المشارك السابق لحزب الشعوب الديمقراطية، صلاح الدين دميرطاش، من داخل محبسه المحتجز فيه منذ أكثر من 5 سنوات، عبر حسابه على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى تنظيم 7 مسيرات مشتركة في 7 مناطق لأحزاب المعارضة. أما الرئيس المشارك الحالي للحزب، مدحت سنجار، فطالب بضرورة طرح قضية الانتخابات المبكرة على البرلمان، قائلاً إنه من «غير المقبول أن تستمر الحكومة التي تسببت في مثل هذه الأزمات الكبيرة في السلطة». وأضاف: «ندعوهم إلى الاستقالة، لكننا نعلم أنهم لن يستقيلوا. لهذا السبب نعتقد أن المهمة تقع على عاتق البرلمان الآن. على البرلمان أن يأخذ زمام المبادرة في هذا الصدد... يجب تقديم مشروع الانتخابات المبكرة إلى البرلمان في أسرع وقت ممكن». وجدد سنجار، من ثم، دعوته إلى جميع أحزاب المعارضة لإعداد مشروع قانون الانتخابات المبكرة معاً دون تأخير. ولفت إلى أن عدد المتضررين من الوضع الراهن للبلاد ليس صغيراً، مشيراً إلى أن نوابا من حزب العدالة والتنمية سيصوتون لصالح الانتخابات المبكرة، بسبب تضررهم من الوضع الحالي. وما يذكر هنا أن الرئيس إردوغان وحده يمتلك صلاحية الدعوة إلى الانتخابات المبكرة.
كذلك، انتقد رئيس «حزب المستقبل» ورئيس الوزراء السابق، أحمد داود أوغلو، رفض إردوغان دعوات الانتخابات المبكرة، معتبراً أنه «يرفض الديمقراطية عبر رفض المطالبة بإجراء الانتخابات المبكرة، التي هي إحدى أدوات الديمقراطية».
ولكن، في أي حال، لا يبدو في الوقت الحالي أن هناك ملامح واضحة لما ستكون عليه التحالفات الانتخابية في المرحلة المقبلة. وبينما يبرز إردوغان كمرشح للرئاسة لـ«تحالف الشعب» ليس هناك أي مؤشر حتى الآن على الاتفاق على مرشح مشترك، وإن دارت الأسماء المقترحة لـ«تحالف الأمة» بين كليتشدار أوغلو، ورئيس بلدية إسطنبول (من حزبه) أكرم إمام أوغلو، الذي يبدو أن رئيسة حزب «الجيد» ميرال أكشنار تدعمه، في حال قررت ألا تترشح.
- تراجع مستمر
في سياق متصل، تشير استطلاعات الرأي المتعاقبة منذ العام الماضي إلى تراجع شعبية الرئيس إردوغان و«تحالف الشعب». وكشف أحدث استطلاع للرأي عن أن «تحالف الأمة» المعارض، المؤلف من حزبي «الشعب الجمهوري» و«الجيد»، سيتفوق على «تحالف الشعب»، المؤلف من حزبي «العدالة والتنمية» الحاكم و«الحركة القومية». إذ أظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «أرا» للبحوث والدراسات الاجتماعية والسياسية بشأن الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة، تراجع شعبية إردوغان، وقدرة «تحالف الأمة» المعارض على الفوز على «تحالف الشعب».
أيضاً، أوضح الاستطلاع أن حزب «الشعب الجمهوري»، أكبر أحزاب المعارضة، حصل على تأييد 28.2 في المائة من المشاركين في الاستطلاع، كما حصل حليفه حزب «الجيد» على 14 في المائة لتبلغ نسبة «تحالف الأمة» المعارض 42.2 في المائة. وفي المقابل، حصل حزب «العدالة والتنمية» الحاكم على 30 في المائة وحزب «الحركة القومية» على 9.1 في المائة، لتبلغ نسبة «تحالف الشعب» 39.1 في المائة. وبالنسبة لأحزاب المعارضة الأخرى، حصل حزب «الشعوب الديمقراطية» (مؤيد للأكراد) على 10 في المائة وحزب «الديمقراطية والتقدم» برئاسة نائب رئيس الوزراء الأسبق علي باباجان على 4.4 في المائة.
في هذه الأثناء، يعتقد مراقبون أن الأزمة الاقتصادية ليس لها حل إلا بالتوجه للانتخابات المبكرة، سواءً أيد الناخبون بقاء إردوغان وحزبه أو اختاروا أي حزب آخر، وإلا فإن حالة الجدل السياسي والاستقطاب ستستمر... وسط محاولات أحزاب المعارضة استثمار أي أزمة، أو كارثة، لمجابهة الحكومة، في خطوة للاستعداد للانتخابات المقبلة.
وإلى جانب الوضع الاقتصادي المتوتر، شهدت الفترة الأخيرة جدلاً حاداً بشأن ملف اللاجئين السوريين. إذ تركز بعض أحزاب المعارضة على القضية، و«تبشّر» الناخبين بإعادة السوريين إلى بلادهم بسبب حالة النفور الاجتماعي المتنامية ضدهم. يضاف إلى ذلك، جدل آخر بشأن صحة إردوغان، والشكوك التي أثارتها وسائل إعلام معارضة داخلياً، فضلا عن بعض وسائل الإعلام الغربية.
- الوضع الاقتصادي السيئ
رئيسة حزب «الجيد» المعارض، ميرال أكشينار، قالت أخيراً إن اقتصاد تركيا يمر بمرحلة هي الأسوأ على مر تاريخ البلاد، متوقعة التوجه إلى إجراء الانتخابات في العام المقبل (2022)، وليس خلال عام 2023 كما هو مقرر لها. وأضافت أكشينار، التي ينضوي حزبها ضمن «تحالف الأمة» المعارض أن «هناك توقعات بأن الانتخابات ستكون في عام 2022، فالمواطنون يريدون الانتخابات، لأنه من المستحيل إنعاش الاقتصاد مرة أخرى في ظل النظام الموجود حالياً... الحزب الحاكم (العدالة والتنمية برئاسة إردوغان) بدأ مؤخراً رشقنا بالحجارة في وسائل الإعلام الموالية له، وذلك يعني إدراكهم خسارتهم في الانتخابات القادمة». وبالفعل، يسود اعتقاد لدى المعارضة بأن إردوغان سيجبر على التوجه إلى الانتخابات المبكرة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، قبل الموعد الأصلي للانتخابات في يونيو 2023. وترى أحزابها أنه يدرك تماماً أنه وحزبه سيخسران الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة سواء أجريت مبكراً أو في موعدها.
ويؤكد «تحالف الأمة» المعارض أن مرشحه القادم للرئاسة سيفوز برئاسة تركيا وأن التحالف سيطبق النموذج الذي كسب من خلاله ولايتي إسطنبول وأنقرة في الانتخابات المحلية في مارس (آذار) 2019، وهو ما فسره مراقبون على أنه تلميح إلى توسيع «تحالف الأمة» وقبول دعم حزب «الشعوب الديمقراطية» الذي يواجه دعوى قضائية لإغلاقه بدعوى تورطه في الإرهاب. وهذا، في حين يأخذ كثيرون على المعارضة أنها تعمل فقط على تسجيل نقاط ضد إردوغان، من دون أن تقدم مشروعاً للشعب التركي... وأنها تريد انتخابات، فقط من أجل أن يخسرها إردوغان. ولهذا السبب يرى مراقبون أن إردوغان قد يتوجه إلى انتخابات مبكرة إذا رأى أن له مصلحة في ذلك.
- انتقاد السياسة الخارجية
أخيراً، بعيداً عن ملف الاقتصاد، الذي يشغل بال جميع الأتراك، تلعب المعارضة على ملف آخر، وهو العجز في السياسة الخارجية لحكومة إردوغان، التي تدعي أنها أدت إلى عزلة حقيقية لتركيا. وفي هذا الإطار تهاجم المعارضة التدخلات في ليبيا وسوريا، فضلاً عن «تدمير» إردوغان علاقات تركيا مع العديد من الدول المؤثرة في المنطقة، وفي مقدمتها مصر، التي تربط تركيا بها مصالح حيوية في شرق البحر المتوسط وفي العديد من ملفات منطقة الشرق الأوسط. وتتعهد المعارضة أنه في حال رحيل إردوغان سينتهي هذا الملف خلال أيام، وستحل ملف سوريا واللاجئين خلال 6 أشهر.
وفي المقابل، بدأت حكومة إردوغان إعادة نظر في مقاربة العديد من الملفات من أجل تحسين العلاقات مع العديد من الدوائر بدءاً من أوروبا والولايات المتحدة إلى مصر ودول الخليج العربي. وبالفعل، أطلقت اتصالات مع كل من مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، التي تشهد المباحثات معها تقدما أسرع، لا سيما على صعيد الاستثمار. ولكن، العلاقات مع الولايات المتحدة لا تزال تعيش خمولاً منذ تولي إدارة الرئيس جو بايدن رغم محاولات أنقرة تنشيطها. ولا يختلف الوضع بالنسبة لأوروبا التي وضعت تركيا تحت المراقبة في ملفات عديدة أبرزها أعمال البحث والتنقيب في شرق المتوسط التي يعتبرها الاتحاد الأوروبي «غير قانونية» وتنتهك حقوق عضوية (اليونان وقبرص).
- «الانتهاكات الحقوقية» أبرز ملفات الخلاف بين تركيا والغرب
> يسود قلق أميركي وأوروبي متصاعد حيال انتهاكات حقوق الإنسان في تركيا، لا سيما عقب محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في 15 يوليو (تموز) عام 2016 ونسبتها السلطات إلى الداعية المقيم في الولايات المتحدة فتح الله غولن، وحركة «الخدمة» التابعة له، التي صنّفتها منظمة إرهابية.
ومن أبرز الملفات التي تتسبب في ضغوط غربية على أنقرة ملف استمرار حبس كل من رجل الأعمال الناشط البارز في مجال المجتمع المدني، عثمان كافالا، والزعيم الكردي صلاح الدين دميرطاش، الرئيس المشارك السابق لحزب الشعوب الديمقراطية (المؤيد للأكراد)، (ثاني أكبر حزب معارض بالبرلمان التركي). ورغم إنذار «مجلس أوروبا» باتخاذ إجراء تأديبي نادر التكرار ضد تركيا، أعلن الرئيس رجب طيب إردوغان أن بلاده لا تعترف بقرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بخصوص كافالا ودميرطاش. وقال إن «قرارات هذه المحكمة لا تعنيني، وأياً كانت العقوبات التي يريد مجلس أوروبا اتخاذها في هذا الإطار فليتخذها، هذا الأمر لا يهمنا... هذان الشخصان يحاكمان في قضايا إرهابية».
هذا، وكان «مجلس أوروبا»، الجمعة الماضي، قد قرر إطلاق إجراء تأديبي بحق تركيا لرفضها الامتثال لقرار محكمة حقوق الإنسان بالإفراج عن كافالا (46 سنة) المعتقل منذ 2017 الذي تتهمه السلطات بالتجسس والتورط في محاولة الانقلاب الفاشلة وتمويل احتجاجات «جيزي بارك» في إسطنبول عام 2013 عبر مؤسسة «الأناضول» الثقافية التي يرأسها، والتي أدرجتها السلطات على لائحة الإرهاب الشهر الماضي. وهذا إجراء لم يتخذه المجلس إلا مرة واحدة في تاريخه عندما استخدمه ضد أذربيجان لسبب مماثل عام 2017. وأمهل المجلس تركيا حتى 19 يناير (كانون الثاني) المقبل، كحد أقصى، للرد، وبعدها ستحيل اللجنة القضية مجدداً إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في اجتماعها المقبل يوم 2 فبراير (شباط)، بينما من المقرر أن تنعقد الجلسة المقبلة في قضية كافالا في إسطنبول بتاريخ 17 يناير.
أيضاً أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أكثر من حكم بالإفراج الفوري عن صلاح الدين دميرطاش، وهو زعيم كردي بارز سبق أن نافس إردوغان في انتخابات الرئاسة عامي 2014 ثم 2018 من داخل سجنه حيث اعتُقل في أكتوبر (تشرين الأول) 2016، وهو يواجه اتهامات في قضايا تتعلق بالإرهاب وتصل عقوباتها حال إدانته إلى 142 سنة سجناً. ورفض إردوغان تنفيذ هذه القرارات.
وسبق أن دفع تمديد توقيف كافالا، في أكتوبر الماضي، سفراء عشر دول غربية، بينها الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا، إلى الدعوة إلى «الإفراج العاجل» عنه. وهدد إردوغان باعتبار هؤلاء السفراء «شخصيات غير مرغوب فيها» تمهيداً لطردهم، قبل أن يغيّر رأيه بعد رسالة تهدئة من ممثل الولايات المتحدة، شاركتها على الفور الدول الأخرى المعنية على «تويتر».
واعتبر تقرير للرابطة الدولية لحقوق الإنسان أن سياسات إردوغان في مجال الحريات المدنية، تهدد بنسف المجتمع المدني المستقل في تركيا، وإنشاء مجتمع مدني بديل موالٍ للسلطة. وقد نُشر التقرير بالتزامن مع محاكمة 3 صحافيين بارزين ومدافعين عن حقوق الإنسان متهمين بالإرهاب ويواجهون عقوبة تصل إلى السجن 14 عاماً، من بينهم شبنام كورور فينجانجي، الرئيس السابق لمنظمة حقوق الإنسان التركية.
واتهم التقرير الحكومة التركية بأنها لم تضمن بيئة مواتية للمجتمع المدني، ومحاولة تقويض أنشطتها بشكل مكثف عبر خطاب وصورة نمطيين يقدمان منظمات المجتمع المدني والمدافعين عن حقوق الإنسان كعملاء لجهات أجنبية تشكل تهديداً للأمن القومي، ويعززون أهداف المنظمات الإرهابية.
في سياق متصل، قال «معهد صحافة الحرب والسلام» في مذكرة حديثة إن انسحاب تركيا من «اتفاقية مجلس أوروبا لحماية المرأة ومناهضة العنف المنزلي»، المعروفة بـ«اتفاقية إسطنبول» كان بسبب السياسات الداخلية لحزب العدالة والتنمية بزعامة إردوغان، الذي يتحرك الآن لإرضاء الأغلبية المحافظة.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».