مجدداً... أفغانستان رهينة استقرار الداخل ومصالح الجوار

تجاذبات ومؤتمرات وحسابات إقليمية ودولية بالجملة

مجدداً... أفغانستان رهينة استقرار الداخل ومصالح الجوار
TT

مجدداً... أفغانستان رهينة استقرار الداخل ومصالح الجوار

مجدداً... أفغانستان رهينة استقرار الداخل ومصالح الجوار

في تحوّل دبلوماسي كبير يتعلق بأفغانستان، تراجعت باكستان عن استخدام أراضيها للسماح للهند بنقل 50 ألف طن متري من القمح والأدوية التي تسهم في إنقاذ الحياة، كمساعدة إنسانية لشعب أفغانستان، على متن شاحنات أفغانية.
في البداية، رفضت باكستان منح الإذن بمرور هذه المساعدات، لكنها رضخت في وقت لاحق بسبب تدخل جماعة «طالبان». وكان عرض الهند لتقديم مساعدات إنسانية لتزويد أفغانستان بالقمح، رهينة بتقلبات المؤسسة الباكستانية خلال الأشهر القليلة الماضية رغم أن إعلان النظام في كابل أعرب عن استعداده لقبول هذه المساعدات. وكانت الهند قد طالبت جماعة «طالبان» بتوفير «إمكانية وصول دونما عوائق أو عقبات» و«خطة توزيع مناسبة».
ومن ناحيته، أعلن المتحدث باسم وزارة الشؤون الخارجية، أريندام باغشي، أن المساعدة الإنسانية يجب ألا تخضع لشروط.
في سياق انعكاس التوتر الباكستاني – الهندي على الوضع في أفغانستان، سبق أن أصرت باكستان على نقل شحنات القمح والأدوية إلى أفغانستان على متن شاحنات باكستانية من نقطة واجاه الحدودية، بينما فضلت الهند استخدام وسائل النقل الخاصة بها. وترغب الهند في ضمان وصول المساعدات إلى المستفيدين المقصودين دون تحويل مسارها، وتسعى لتوزيع مواد الإغاثة من خلال وكالة دولية ذات مصداقية.
غير أن بياناً صادراً عن وزارة الخارجية الباكستانية ذكر أنه «بهدف تسهيل قرار باكستان السماح بنقل 50 ألف طن متري من القمح والأدوية المنقذة للحياة من الهند إلى أفغانستان عبر نقطة واجاه الحدودية على أساس استثنائي لأغراض إنسانية، فقد تقرر السماح باستخدام الشاحنات الأفغانية للنقل من واجاه إلى تورخام». وهو أمر أثار تساؤلات هندية حول ما إذا كانت ستتغير علاقة الهند بأفغانستان بانسحاب الولايات المتحدة من البلاد؟ وهل ستغيِّر «طالبان» على رأس إمارة أفغانستان الإسلامية الموقف من الهند؟
في هذا الصدد، أعرب راكيش سود، دبلوماسي هندي متقاعد، عن اعتقاده بأن «جغرافية الهند ستضمن وجودنا، وإن كان دورنا سيتعرض لتغييرات. الولايات المتحدة ترحل لأنها تستطيع ذلك، بينما تبقى الهند لأنها تنتمي». وتابع سود أن «نهج الهند القائم على الاعتماد على القوة الناعمة للتأثير على نتائج الأحداث في أفغانستان، كان بمثابة اختبار لقدرتها على المناورة الدبلوماسية». وأردف: «ربما تكون المساعدة الإنسانية الهندية الخطوة الأولى، إلا أنها من المؤكد لن تكون الأخيرة على صعيد تقديم العون لأفغانستان. ومع أن قيود القوة الناعمة معروفة جيداً للجميع، ربما يكون هذا الخيار الوحيد أمام الهند للاقتراب من أفغانستان.
يُذكر أنه بعدما استولت «طالبان» على أفغانستان بالقوة في وقت سابق من العام الجاري، سارعت الهند، مثل الكثير من الدول الأخرى، إلى التنافس على ضمان نفوذ لها داخل أفغانستان. وحاولت الهند العودة للمشاركة في الملف الأفغاني من خلال موافقتها على «حوار الدفاع الأمني الإقليمي الثالث» في نيودلهي بمشاركة 7 دول فاعلة إقليمياً، بينها روسيا وإيران وخمس دول في آسيا الوسطى. وسرعان ما أعقبتها إسلام آباد التي استضافت اجتماع «ترويكا بلس» بمشاركة دول أعضاء في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، هي: الولايات المتحدة وروسيا والصين، والتقوا خلاله القائم بأعمال وزير خارجية «طالبان».
من جهتها، قالت ديبورا ليونز، الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لأفغانستان، ورئيسة بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان: «تحرص دول المنطقة، مثل بقية عناصر المجتمع الدولي، على المشاركة في هذا الوقت الحرج، وتعكس المؤتمرات الأخيرة حول أفغانستان في دلهي وإسلام آباد بوضوح وجود إجماع قوي على المستويين الإقليمي والدولي حول بناء حكومة أكثر شمولاً في أفغانستان، بالإضافة إلى الحاجة إلى تعليم الفتيات وعودة النساء إلى العمل واحترام حقوق الإنسان وحقوق الأقليات».
كانت البداية عندما قررت الهند استضافة «حوار دلهي الأمني الإقليمي حول أفغانستان» الذي حضره لاحقاً مسؤولون أمنيون على المستوى الرفيع من روسيا وإيران وكازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان. وكانت الهند قد وجّهت الدعوة إلى باكستان والصين للمشاركة في اجتماع إقليمي في دلهي حول أفغانستان، لكن الدعوة قوبلت بالرفض من جانب باكستان والصين.
ويمثل اجتماع «حوار دلهي» الاجتماع الثالث في سلسلة من اللقاءات الدولية حول أفغانستان، والأول في أعقاب سيطرة «طالبان» على البلاد. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن الاجتماعين السابقين عُقدا في إيران سبتمبر (أيلول) 2018 وديسمبر (كانون الأول) 2019، وكان من المفترض عقد هذا الاجتماع عام 2020، لكن تقرر تأجيله بسبب جائحة «كوفيد - 19». وفي أثناء انعقاد أول اجتماعين عامي 2018 و2019 كانت أفغانستان دولة ديمقراطية. أما اليوم، فقد تبدل الوضع على نحو هائل على الأرض في أفغانستان.
- «حوار دلهي الإقليمي»
ترأّس «حوار دلهي الأمني الإقليمي» المؤلف من ثماني دول والذي استضافته نيودلهي، مستشارُ الأمن الوطني الهندي أجيت دوفال، بمشاركة الأدميرال علي شمخاني (إيران) ونيكولاي باتروشيف (روسيا) وكريم ماسيموف (كازاخستان) ومارات موكانوفيتش إيمانكولوف (قيرغيزستان) ونصر الله رحمتجون محمودزاده (طاجيكستان) وشاريميرات كاكالييفيتش أمافوف (تركمانستان) وفيكتور مخمودوف (أوزبكستان). وعلاوة على ذلك، أجرى رئيس الوزراء ناريندرا مودي، اجتماعات ثنائية على هامش الاجتماع. والسؤال هنا: لماذا استضافت الهند اجتماعاً حول أفغانستان مع عدد من اللاعبين الإقليميين؟
ويجري النظر إلى هذا الاجتماع بوصفه جزءاً من جهود الهند للإبقاء على دور لها في التعامل مع تداعيات التطورات داخل أفغانستان. وكانت هذه محاولة من الهند لتأمين لنفسها مقعداً على الطاولة لتقرير مسار العمل المستقبلي إزاء أفغانستان. ومن ناحيته، علّق الكاتب الصحافي سوهاسيني حيدر، على الأمر مجيباً: «ترغب الهند في أن تبقى عنصراً مهماً وفاعلاً في رسم مستقبل أفغانستان، ولا ينبغي استبعادها من المناقشات الدائرة في هذا الشأن. وفيما يخص الهند، كان عقد حوار دلهي خطوة جوهرية لإثبات أهمية الهند كجهة قادرة على حل المشكلات في خضم أزمات أفغانستان متعددة الأبعاد بعد أن وضعت كل رهانها على أشرف غني في وقت سابق ورفضت التعامل مع (طالبان)». وأضاف: «بمجرد أن بدأ زحف (طالبان) المدعومة من باكستان باتجاه كابُل، خسرت الهند مثل كثيرين آخرين نفوذها الذي دام 20 سنة داخل أفغانستان. ومن خلال هذا الحوار، سعت الهند لإثبات أهميتها، ولم توجه الدعوة إلى أيٍّ من قادة النظام السابق، بمن فيهم الرئيس السابق حامد كرزاي، والرئيس التنفيذي السابق عبد الله عبد الله. وترغب نيودلهي في أن يجري النظر إليها باعتبار أن لها دوراً في السياسة الداخلية للمجتمع الأفغاني في الوقت الراهن، ما يعد خطوة دبلوماسية كبرى».
وتكمن المفارقة في أن ثمة قضايا لا تختلف الهند فيها عن باكستان فحسب، وإنما كذلك عن الولايات المتحدة والصين وبقية دول الجوار. والجدير بالذكر هنا أن جميع الدول باستثناء الهند ترتبط مع باكستان بعلاقة عمل، وتشارك في حوارات حول أفغانستان. ورغم عدم اعتراف أي دولة بحكومة «طالبان» المؤقتة، فإن جميع الدول تتعاون مع قيادة «طالبان» بصورة ما. أما الهند، فترغب في تأكيد حقيقة أنه لا توجد دولة ترغب في «إضفاء الشرعية» على حكومة «طالبان» المؤقتة، إلا أن هذا سيكون صعباً بالنظر إلى أن روسيا وإيران تعاونتا مع «طالبان» لبعض الوقت وتحتفظان بسفارات هناك. وفي خطوة شكلت خروجاً على إعلان دلهي، أصدرت روسيا بياناً منفصلاً. وأرسلت تركمانستان وفداً على المستوى الوزاري لمناقشة التواصل مع «طالبان»، خصوصاً خط أنابيب تركمانستان وأفغانستان وباكستان والهند.
من جانبها، قَبِلت أوزبكستان زيارة نائب رئيس حكومة «طالبان» عبد السلام حنفي، وناقشت معه قضايا التجارة والعبور والربط، وحتى المضي قدماً في مشروع السكك الحديدية. وأرسلت قيرغيزستان وكازاخستان وفوداً رفيعة المستوى إلى كابُل للحديث إلى وزير خارجية «طالبان». اللافت أن طاجيكستان تعاونت مع «طالبان» على مستوى أقل من البقية، ويسود اعتقاد بأنها استضافت جبهة المقاومة الوطنية، وأوضحت أنها لن تعترف بحكومة تسيطر عليها «طالبان» فقط.
وفي خضمّ جهود متجددة من الحكومة في كابُل للحصول على اعتراف دولي، أعلن مسؤولو «طالبان» أنهم منفتحون على استقبال دبلوماسيين هنود وتوفير الأمن لهم. ومع اقتراب فصل الشتاء سريعاً، وخطر تفاقم الأزمة الإنسانية في أفغانستان، أكد المتحدث باسم «طالبان» والسفير المعيّن لدى الأمم المتحدة شاهين سهيل، عقده لقاءً مع وفد هندي في موسكو، الشهر الماضي.
وأفادت مصادر في وزارة الخارجية الهندية بأن الهند أوضحت لوفد «طالبان» المشارك في الاجتماع الذي انعقد في موسكو، الشهر الماضي، أن الهند على استعداد لتقديم المساعدة الإنسانية، لكنها لا تنوي تقديم هذه المساعدات مباشرة للنظام الجديد، وإنما سيجري توزيعها من خلال وكالات المساعدة الإنسانية، مثل الأمم المتحدة وغيرها. وبوصفها الدولة المضيفة، اختارت الهند عدم توجيه الدعوة إلى «طالبان».
المثير للاهتمام أن رد «طالبان» على جهود الهند لم يكن سلبياً، وإنما أعربت عن أملها في أن يسهم الاجتماع الذي يضم مسؤولين على مستوى وكالات الأمن الوطني في إحلال السلام والاستقرار داخل أفغانستان.
وفي هذا الصدد، قال إنعام الله سمنغاني، نائب المتحدث باسم وزارة خارجية «طالبان»: «إن الإمارة الإسلامية (طالبان) ترحب بالاجتماع المنعقد في الهند. كما أننا نحاول اتخاذ خطوات راسخة على صعيد الحكم، ولا ينبغي للدول أن تقلق بشأن استخدام الأراضي الأفغانية ضد أي جهة».
- ماذا حقق الحوار؟
وصفت مصادر حكومية هندية هذا الحضور الكبير بأنه «دليل على الأهمية المعلقة على دور الهند في الجهود الإقليمية لتعزيز السلام والأمن في أفغانستان». وفي إطار الإعلان الصادر عن اجتماع دلهي وتميزه بقوة صياغته، تعهد المشاركون بـ«مكافحة الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره» وطالبوا بـ«حكومة منفتحة وشاملة عن حق تمثل إرادة كل شعب أفغانستان»، ولمح إلى تشكيل جبهة أو تحالف إقليمي لممارسة ضغوط على «طالبان» والجماعات المسلحة الأخرى وطرح حوافز لها.
كذلك، أعرب المحلل الأمني الهندي سوشانت سارين، عن اعتقاده بأن «قمة دلهي ساعدت الهند على استعادة الأراضي المفقودة بسبب الوضع الأفغاني. لقد فاق الحوار توقعات الهند من خلال خلق (إجماع كامل) من الدول الثماني الحاضرة حول أسلوب التعامل مع أفغانستان مستقبلاً. انضمام رئيس الوزراء ناريندرا مودي إلى اجتماع مسؤولي وكالة الأمن الوطني أعطى دَفعة لمركزية دور الهند في العملية الأفغانية، ويشير إلى الأولوية التي توليها نيودلهي للشؤون الأفغانية وآسيا الوسطى». وهنا يقول الكثير من الدبلوماسيين السابقين إن نيودلهي بحاجة إلى التحلي بالصبر وانتظار الوقت المناسب. ومن الممكن أن تظهر الهند وتبرز في الصورة عندما تظهر قضايا التنمية في المقدمة، إلا أن ذلك قد يستغرق بعض الوقت، وإن كان هذا لا يستدعي الذعر.
- الصين... هناك دوماً فرصة أخرى
من ناحية أخرى، في ملاحظتها حول البلدان التي حضرت الاجتماع، ذكرت الكاتبة الهندية سيما جوها، أن «كل دولة ممثلة في الاجتماع تواجه تهديدات في الداخل من جانب الجماعات المتطرفة، وتريد التأكد من أن هذه الجماعات لا تعْبر حدودها. والملاحَظ أن غالبية دول رابطة الدول المستقلة تقف إلى جوار الهند وروسيا وإيران في موقفهم من أفغانستان. وتبدو الخطوط الحمراء واضحة أمام الهند، وكذلك دول المنطقة، الامتناع عن تصدير الإرهاب وضمان عدم استخدام الأراضي الأفغانية لشن هجمات ضد الدول المجاورة، مع ضرورة حماية حقوق الأقليات والنساء داخل أفغانستان. وإلى جانب استعراض المخاطر الناشئة عن أفغانستان، تناول حوار دلهي مسألة تبادل المعلومات الاستخباراتية والجهود المبذولة لضمان تأمين الحدود.
وبعد رفض المشاركة في الاجتماعين السابقين بسبب وجود الهند، رفضت باكستان حضور هذا الاجتماع هو الآخر، خصوصاً في ضوء الوضع الحالي للعلاقات الثنائية. وفي الوقت ذاته، أعلنت عن عقد اجتماع خاص بها حول أفغانستان التي لا تزال باكستان تعدها نطاق نفوذ خاصاً بها حصراً. وسعياً لإبقاء نيودلهي خارج أفغانستان، قال مستشار الأمن الوطني الباكستاني، معيد يوسف، إن بلاده تمتنع عن المشاركة في حضور الاجتماع الذي تستضيفه الهند، مبرراً هذا القرار بقوله: «المفسد لا يمكن أن يكون صانعاً للسلام».
من ناحية أخرى، شاركت الصين في كلا الاجتماعين السابقين اللذين استضافتهما إيران، لكنها بررت غيابها هذه المرة بمسائل تتعلق بالجدول الزمني. في الوقت ذاته، أبلغت الصين الهند بأنها «منفتحة على الحفاظ على الاتصالات مع الهند بخصوص أفغانستان من خلال القنوات الثنائية أو متعددة الأطراف». ويرى محللون أن غياب الصين عن لقاء دلهي يحمل إشارة بأنها لا تريد الارتباط بأي عملية تقودها الهند. والملاحَظ أن بكين تعاونت مع قيادة «طالبان»، قبل وبعد سقوط كابُل في يد الجماعة، الأمر الذي تتابعه نيودلهي باهتمام بالغ، خصوصاً في ضوء التقارب القائم بين الصين وباكستان وإمكانية صعود بكين كمصدر تمويل جديد لـ«طالبان». والمؤكد أن «طالبان» ستعوّل على النفوذ الصيني داخل مجلس الأمن.
من جهته، ذكر سريرام شوليا، الأستاذ في مدرسة جيندال للشؤون الدولية في سونيبات بالهند، أنه «دائماً ما كانت هناك انقسامات جيوسياسية واضحة ورؤى متضاربة بين الصين وباكستان من جهة، والهند من جهة أخرى، حول مستقبل أفغانستان. وتصاعدت هذه الانقسامات منذ أن أنزلت (طالبان) الهزيمة بالنظام الأفغاني السابق واستولت على السلطة في كابُل. وفي حين لم تعترف أي دولة رسمياً بحكومة (طالبان) الجديدة، فإن باكستان والصين تعدان، على نحو غير رسمي، أكثر قرباً ودعماً للجماعة الأفغانية مقارنةً بالدول الأخرى في المنطقة. ولقد ادّعت باكستان والصين إحراز تقدم من نوع ما، على الأقل في المجال الدبلوماسي، عندما أطاحت (طالبان) بالحكومة المنتخبة ديمقراطياً في وقت سابق من العام، بل سخرت باكستان من الهند لاستثمارها أكثر من 3 مليارات دولار أميركي في مشاريع تنموية مختلفة في أفغانستان».
- اجتماع «ترويكا بلس» الباكستاني حول أفغانستان
> في اليوم التالي لـ«حوار دلهي»، كما سبقت الإشارة، استضافت باكستان اجتماعاً حول أفغانستان، شاركت فيه الولايات المتحدة والصين وروسيا، وهي دول أعضاء بمجلس الأمن كانت على اتصال بعضها ببعض بشأن التطورات الأفغانية. وفي إطار هذه العملية، جرى توسيع المجموعة المعروفة باسم «الثلاثة الكبار» لتصبح «ترويكا بلس»، والتي تتألف من روسيا والصين والولايات المتحدة وباكستان.
هذه كانت الزيارة الأولى لتوماس ويست، إلى المنطقة، وهو المسؤول الأميركي الذي حلّ محل الدبلوماسي المخضرم زلماي خليل زاد، المسؤول عن الاتفاق المبرم بين الولايات المتحدة وحركة «طالبان» في فبراير (شباط)، والذي مهّد الطريق أمام رحيل القوات الأميركية عن أفغانستان. وقبل زيارة ويست، أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، نيد برايس، خلال مؤتمر صحافي أنه «بالتعاون مع شركائنا، سيواصل ويست شرح طبيعة توقعاتنا من (طالبان) وأي حكومة أفغانية مستقبلية».
وفي أعقاب المشاركة في اجتماع «ترويكا بلس»، وصل توماس إلى دلهي وأطلع الحكومة الهندية على اجتماعاته في إسلام آباد وموسكو. والواضح أن الغرب كان يحاول تكوين فكرة عن التفكير الإقليمي بخصوص أفغانستان وبناء إجماع على خريطة طريق للاعتراف بنظام «طالبان». وتزامنت زيارته مع إقامة «طالبان» عرضاً عسكرياً بالاستعانة بالمعدات العسكرية التي خلّفتها القوات الأميركية وراءها...
تمثل الهدف الأساسي من «ترويكا بلس» في إثبات أن باكستان اللاعب الأكثر أهمية فيما يخص الملف الأفغاني اليوم، وتعد مسألة توجيه الدعوة لوزير خارجية «طالبان» للقاء ممثلين عن الولايات المتحدة وروسيا والصين مؤشراً على ذلك. ومن ناحيتها، تريد باكستان من المجتمع الدولي أن يسهم في تقديم مساعدات مالية لأفغانستان للحيلولة دون وقوعها في هوة الإفلاس والحرب الأهلية التي يمكن أن تمتد تداعياتها إلى داخل باكستان. ومن خلال استضافة «الثلاثة الكبار» في إسلام آباد، تودّ الأخيرة أن تُبقي نفسها بعيدة عن اللوم على المشكلات القائمة داخل أفغانستان وإثبات أنها جزء من الحل.



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.