مجدداً... أفغانستان رهينة استقرار الداخل ومصالح الجوار

تجاذبات ومؤتمرات وحسابات إقليمية ودولية بالجملة

مجدداً... أفغانستان رهينة استقرار الداخل ومصالح الجوار
TT

مجدداً... أفغانستان رهينة استقرار الداخل ومصالح الجوار

مجدداً... أفغانستان رهينة استقرار الداخل ومصالح الجوار

في تحوّل دبلوماسي كبير يتعلق بأفغانستان، تراجعت باكستان عن استخدام أراضيها للسماح للهند بنقل 50 ألف طن متري من القمح والأدوية التي تسهم في إنقاذ الحياة، كمساعدة إنسانية لشعب أفغانستان، على متن شاحنات أفغانية.
في البداية، رفضت باكستان منح الإذن بمرور هذه المساعدات، لكنها رضخت في وقت لاحق بسبب تدخل جماعة «طالبان». وكان عرض الهند لتقديم مساعدات إنسانية لتزويد أفغانستان بالقمح، رهينة بتقلبات المؤسسة الباكستانية خلال الأشهر القليلة الماضية رغم أن إعلان النظام في كابل أعرب عن استعداده لقبول هذه المساعدات. وكانت الهند قد طالبت جماعة «طالبان» بتوفير «إمكانية وصول دونما عوائق أو عقبات» و«خطة توزيع مناسبة».
ومن ناحيته، أعلن المتحدث باسم وزارة الشؤون الخارجية، أريندام باغشي، أن المساعدة الإنسانية يجب ألا تخضع لشروط.
في سياق انعكاس التوتر الباكستاني – الهندي على الوضع في أفغانستان، سبق أن أصرت باكستان على نقل شحنات القمح والأدوية إلى أفغانستان على متن شاحنات باكستانية من نقطة واجاه الحدودية، بينما فضلت الهند استخدام وسائل النقل الخاصة بها. وترغب الهند في ضمان وصول المساعدات إلى المستفيدين المقصودين دون تحويل مسارها، وتسعى لتوزيع مواد الإغاثة من خلال وكالة دولية ذات مصداقية.
غير أن بياناً صادراً عن وزارة الخارجية الباكستانية ذكر أنه «بهدف تسهيل قرار باكستان السماح بنقل 50 ألف طن متري من القمح والأدوية المنقذة للحياة من الهند إلى أفغانستان عبر نقطة واجاه الحدودية على أساس استثنائي لأغراض إنسانية، فقد تقرر السماح باستخدام الشاحنات الأفغانية للنقل من واجاه إلى تورخام». وهو أمر أثار تساؤلات هندية حول ما إذا كانت ستتغير علاقة الهند بأفغانستان بانسحاب الولايات المتحدة من البلاد؟ وهل ستغيِّر «طالبان» على رأس إمارة أفغانستان الإسلامية الموقف من الهند؟
في هذا الصدد، أعرب راكيش سود، دبلوماسي هندي متقاعد، عن اعتقاده بأن «جغرافية الهند ستضمن وجودنا، وإن كان دورنا سيتعرض لتغييرات. الولايات المتحدة ترحل لأنها تستطيع ذلك، بينما تبقى الهند لأنها تنتمي». وتابع سود أن «نهج الهند القائم على الاعتماد على القوة الناعمة للتأثير على نتائج الأحداث في أفغانستان، كان بمثابة اختبار لقدرتها على المناورة الدبلوماسية». وأردف: «ربما تكون المساعدة الإنسانية الهندية الخطوة الأولى، إلا أنها من المؤكد لن تكون الأخيرة على صعيد تقديم العون لأفغانستان. ومع أن قيود القوة الناعمة معروفة جيداً للجميع، ربما يكون هذا الخيار الوحيد أمام الهند للاقتراب من أفغانستان.
يُذكر أنه بعدما استولت «طالبان» على أفغانستان بالقوة في وقت سابق من العام الجاري، سارعت الهند، مثل الكثير من الدول الأخرى، إلى التنافس على ضمان نفوذ لها داخل أفغانستان. وحاولت الهند العودة للمشاركة في الملف الأفغاني من خلال موافقتها على «حوار الدفاع الأمني الإقليمي الثالث» في نيودلهي بمشاركة 7 دول فاعلة إقليمياً، بينها روسيا وإيران وخمس دول في آسيا الوسطى. وسرعان ما أعقبتها إسلام آباد التي استضافت اجتماع «ترويكا بلس» بمشاركة دول أعضاء في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، هي: الولايات المتحدة وروسيا والصين، والتقوا خلاله القائم بأعمال وزير خارجية «طالبان».
من جهتها، قالت ديبورا ليونز، الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لأفغانستان، ورئيسة بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان: «تحرص دول المنطقة، مثل بقية عناصر المجتمع الدولي، على المشاركة في هذا الوقت الحرج، وتعكس المؤتمرات الأخيرة حول أفغانستان في دلهي وإسلام آباد بوضوح وجود إجماع قوي على المستويين الإقليمي والدولي حول بناء حكومة أكثر شمولاً في أفغانستان، بالإضافة إلى الحاجة إلى تعليم الفتيات وعودة النساء إلى العمل واحترام حقوق الإنسان وحقوق الأقليات».
كانت البداية عندما قررت الهند استضافة «حوار دلهي الأمني الإقليمي حول أفغانستان» الذي حضره لاحقاً مسؤولون أمنيون على المستوى الرفيع من روسيا وإيران وكازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان. وكانت الهند قد وجّهت الدعوة إلى باكستان والصين للمشاركة في اجتماع إقليمي في دلهي حول أفغانستان، لكن الدعوة قوبلت بالرفض من جانب باكستان والصين.
ويمثل اجتماع «حوار دلهي» الاجتماع الثالث في سلسلة من اللقاءات الدولية حول أفغانستان، والأول في أعقاب سيطرة «طالبان» على البلاد. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن الاجتماعين السابقين عُقدا في إيران سبتمبر (أيلول) 2018 وديسمبر (كانون الأول) 2019، وكان من المفترض عقد هذا الاجتماع عام 2020، لكن تقرر تأجيله بسبب جائحة «كوفيد - 19». وفي أثناء انعقاد أول اجتماعين عامي 2018 و2019 كانت أفغانستان دولة ديمقراطية. أما اليوم، فقد تبدل الوضع على نحو هائل على الأرض في أفغانستان.
- «حوار دلهي الإقليمي»
ترأّس «حوار دلهي الأمني الإقليمي» المؤلف من ثماني دول والذي استضافته نيودلهي، مستشارُ الأمن الوطني الهندي أجيت دوفال، بمشاركة الأدميرال علي شمخاني (إيران) ونيكولاي باتروشيف (روسيا) وكريم ماسيموف (كازاخستان) ومارات موكانوفيتش إيمانكولوف (قيرغيزستان) ونصر الله رحمتجون محمودزاده (طاجيكستان) وشاريميرات كاكالييفيتش أمافوف (تركمانستان) وفيكتور مخمودوف (أوزبكستان). وعلاوة على ذلك، أجرى رئيس الوزراء ناريندرا مودي، اجتماعات ثنائية على هامش الاجتماع. والسؤال هنا: لماذا استضافت الهند اجتماعاً حول أفغانستان مع عدد من اللاعبين الإقليميين؟
ويجري النظر إلى هذا الاجتماع بوصفه جزءاً من جهود الهند للإبقاء على دور لها في التعامل مع تداعيات التطورات داخل أفغانستان. وكانت هذه محاولة من الهند لتأمين لنفسها مقعداً على الطاولة لتقرير مسار العمل المستقبلي إزاء أفغانستان. ومن ناحيته، علّق الكاتب الصحافي سوهاسيني حيدر، على الأمر مجيباً: «ترغب الهند في أن تبقى عنصراً مهماً وفاعلاً في رسم مستقبل أفغانستان، ولا ينبغي استبعادها من المناقشات الدائرة في هذا الشأن. وفيما يخص الهند، كان عقد حوار دلهي خطوة جوهرية لإثبات أهمية الهند كجهة قادرة على حل المشكلات في خضم أزمات أفغانستان متعددة الأبعاد بعد أن وضعت كل رهانها على أشرف غني في وقت سابق ورفضت التعامل مع (طالبان)». وأضاف: «بمجرد أن بدأ زحف (طالبان) المدعومة من باكستان باتجاه كابُل، خسرت الهند مثل كثيرين آخرين نفوذها الذي دام 20 سنة داخل أفغانستان. ومن خلال هذا الحوار، سعت الهند لإثبات أهميتها، ولم توجه الدعوة إلى أيٍّ من قادة النظام السابق، بمن فيهم الرئيس السابق حامد كرزاي، والرئيس التنفيذي السابق عبد الله عبد الله. وترغب نيودلهي في أن يجري النظر إليها باعتبار أن لها دوراً في السياسة الداخلية للمجتمع الأفغاني في الوقت الراهن، ما يعد خطوة دبلوماسية كبرى».
وتكمن المفارقة في أن ثمة قضايا لا تختلف الهند فيها عن باكستان فحسب، وإنما كذلك عن الولايات المتحدة والصين وبقية دول الجوار. والجدير بالذكر هنا أن جميع الدول باستثناء الهند ترتبط مع باكستان بعلاقة عمل، وتشارك في حوارات حول أفغانستان. ورغم عدم اعتراف أي دولة بحكومة «طالبان» المؤقتة، فإن جميع الدول تتعاون مع قيادة «طالبان» بصورة ما. أما الهند، فترغب في تأكيد حقيقة أنه لا توجد دولة ترغب في «إضفاء الشرعية» على حكومة «طالبان» المؤقتة، إلا أن هذا سيكون صعباً بالنظر إلى أن روسيا وإيران تعاونتا مع «طالبان» لبعض الوقت وتحتفظان بسفارات هناك. وفي خطوة شكلت خروجاً على إعلان دلهي، أصدرت روسيا بياناً منفصلاً. وأرسلت تركمانستان وفداً على المستوى الوزاري لمناقشة التواصل مع «طالبان»، خصوصاً خط أنابيب تركمانستان وأفغانستان وباكستان والهند.
من جانبها، قَبِلت أوزبكستان زيارة نائب رئيس حكومة «طالبان» عبد السلام حنفي، وناقشت معه قضايا التجارة والعبور والربط، وحتى المضي قدماً في مشروع السكك الحديدية. وأرسلت قيرغيزستان وكازاخستان وفوداً رفيعة المستوى إلى كابُل للحديث إلى وزير خارجية «طالبان». اللافت أن طاجيكستان تعاونت مع «طالبان» على مستوى أقل من البقية، ويسود اعتقاد بأنها استضافت جبهة المقاومة الوطنية، وأوضحت أنها لن تعترف بحكومة تسيطر عليها «طالبان» فقط.
وفي خضمّ جهود متجددة من الحكومة في كابُل للحصول على اعتراف دولي، أعلن مسؤولو «طالبان» أنهم منفتحون على استقبال دبلوماسيين هنود وتوفير الأمن لهم. ومع اقتراب فصل الشتاء سريعاً، وخطر تفاقم الأزمة الإنسانية في أفغانستان، أكد المتحدث باسم «طالبان» والسفير المعيّن لدى الأمم المتحدة شاهين سهيل، عقده لقاءً مع وفد هندي في موسكو، الشهر الماضي.
وأفادت مصادر في وزارة الخارجية الهندية بأن الهند أوضحت لوفد «طالبان» المشارك في الاجتماع الذي انعقد في موسكو، الشهر الماضي، أن الهند على استعداد لتقديم المساعدة الإنسانية، لكنها لا تنوي تقديم هذه المساعدات مباشرة للنظام الجديد، وإنما سيجري توزيعها من خلال وكالات المساعدة الإنسانية، مثل الأمم المتحدة وغيرها. وبوصفها الدولة المضيفة، اختارت الهند عدم توجيه الدعوة إلى «طالبان».
المثير للاهتمام أن رد «طالبان» على جهود الهند لم يكن سلبياً، وإنما أعربت عن أملها في أن يسهم الاجتماع الذي يضم مسؤولين على مستوى وكالات الأمن الوطني في إحلال السلام والاستقرار داخل أفغانستان.
وفي هذا الصدد، قال إنعام الله سمنغاني، نائب المتحدث باسم وزارة خارجية «طالبان»: «إن الإمارة الإسلامية (طالبان) ترحب بالاجتماع المنعقد في الهند. كما أننا نحاول اتخاذ خطوات راسخة على صعيد الحكم، ولا ينبغي للدول أن تقلق بشأن استخدام الأراضي الأفغانية ضد أي جهة».
- ماذا حقق الحوار؟
وصفت مصادر حكومية هندية هذا الحضور الكبير بأنه «دليل على الأهمية المعلقة على دور الهند في الجهود الإقليمية لتعزيز السلام والأمن في أفغانستان». وفي إطار الإعلان الصادر عن اجتماع دلهي وتميزه بقوة صياغته، تعهد المشاركون بـ«مكافحة الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره» وطالبوا بـ«حكومة منفتحة وشاملة عن حق تمثل إرادة كل شعب أفغانستان»، ولمح إلى تشكيل جبهة أو تحالف إقليمي لممارسة ضغوط على «طالبان» والجماعات المسلحة الأخرى وطرح حوافز لها.
كذلك، أعرب المحلل الأمني الهندي سوشانت سارين، عن اعتقاده بأن «قمة دلهي ساعدت الهند على استعادة الأراضي المفقودة بسبب الوضع الأفغاني. لقد فاق الحوار توقعات الهند من خلال خلق (إجماع كامل) من الدول الثماني الحاضرة حول أسلوب التعامل مع أفغانستان مستقبلاً. انضمام رئيس الوزراء ناريندرا مودي إلى اجتماع مسؤولي وكالة الأمن الوطني أعطى دَفعة لمركزية دور الهند في العملية الأفغانية، ويشير إلى الأولوية التي توليها نيودلهي للشؤون الأفغانية وآسيا الوسطى». وهنا يقول الكثير من الدبلوماسيين السابقين إن نيودلهي بحاجة إلى التحلي بالصبر وانتظار الوقت المناسب. ومن الممكن أن تظهر الهند وتبرز في الصورة عندما تظهر قضايا التنمية في المقدمة، إلا أن ذلك قد يستغرق بعض الوقت، وإن كان هذا لا يستدعي الذعر.
- الصين... هناك دوماً فرصة أخرى
من ناحية أخرى، في ملاحظتها حول البلدان التي حضرت الاجتماع، ذكرت الكاتبة الهندية سيما جوها، أن «كل دولة ممثلة في الاجتماع تواجه تهديدات في الداخل من جانب الجماعات المتطرفة، وتريد التأكد من أن هذه الجماعات لا تعْبر حدودها. والملاحَظ أن غالبية دول رابطة الدول المستقلة تقف إلى جوار الهند وروسيا وإيران في موقفهم من أفغانستان. وتبدو الخطوط الحمراء واضحة أمام الهند، وكذلك دول المنطقة، الامتناع عن تصدير الإرهاب وضمان عدم استخدام الأراضي الأفغانية لشن هجمات ضد الدول المجاورة، مع ضرورة حماية حقوق الأقليات والنساء داخل أفغانستان. وإلى جانب استعراض المخاطر الناشئة عن أفغانستان، تناول حوار دلهي مسألة تبادل المعلومات الاستخباراتية والجهود المبذولة لضمان تأمين الحدود.
وبعد رفض المشاركة في الاجتماعين السابقين بسبب وجود الهند، رفضت باكستان حضور هذا الاجتماع هو الآخر، خصوصاً في ضوء الوضع الحالي للعلاقات الثنائية. وفي الوقت ذاته، أعلنت عن عقد اجتماع خاص بها حول أفغانستان التي لا تزال باكستان تعدها نطاق نفوذ خاصاً بها حصراً. وسعياً لإبقاء نيودلهي خارج أفغانستان، قال مستشار الأمن الوطني الباكستاني، معيد يوسف، إن بلاده تمتنع عن المشاركة في حضور الاجتماع الذي تستضيفه الهند، مبرراً هذا القرار بقوله: «المفسد لا يمكن أن يكون صانعاً للسلام».
من ناحية أخرى، شاركت الصين في كلا الاجتماعين السابقين اللذين استضافتهما إيران، لكنها بررت غيابها هذه المرة بمسائل تتعلق بالجدول الزمني. في الوقت ذاته، أبلغت الصين الهند بأنها «منفتحة على الحفاظ على الاتصالات مع الهند بخصوص أفغانستان من خلال القنوات الثنائية أو متعددة الأطراف». ويرى محللون أن غياب الصين عن لقاء دلهي يحمل إشارة بأنها لا تريد الارتباط بأي عملية تقودها الهند. والملاحَظ أن بكين تعاونت مع قيادة «طالبان»، قبل وبعد سقوط كابُل في يد الجماعة، الأمر الذي تتابعه نيودلهي باهتمام بالغ، خصوصاً في ضوء التقارب القائم بين الصين وباكستان وإمكانية صعود بكين كمصدر تمويل جديد لـ«طالبان». والمؤكد أن «طالبان» ستعوّل على النفوذ الصيني داخل مجلس الأمن.
من جهته، ذكر سريرام شوليا، الأستاذ في مدرسة جيندال للشؤون الدولية في سونيبات بالهند، أنه «دائماً ما كانت هناك انقسامات جيوسياسية واضحة ورؤى متضاربة بين الصين وباكستان من جهة، والهند من جهة أخرى، حول مستقبل أفغانستان. وتصاعدت هذه الانقسامات منذ أن أنزلت (طالبان) الهزيمة بالنظام الأفغاني السابق واستولت على السلطة في كابُل. وفي حين لم تعترف أي دولة رسمياً بحكومة (طالبان) الجديدة، فإن باكستان والصين تعدان، على نحو غير رسمي، أكثر قرباً ودعماً للجماعة الأفغانية مقارنةً بالدول الأخرى في المنطقة. ولقد ادّعت باكستان والصين إحراز تقدم من نوع ما، على الأقل في المجال الدبلوماسي، عندما أطاحت (طالبان) بالحكومة المنتخبة ديمقراطياً في وقت سابق من العام، بل سخرت باكستان من الهند لاستثمارها أكثر من 3 مليارات دولار أميركي في مشاريع تنموية مختلفة في أفغانستان».
- اجتماع «ترويكا بلس» الباكستاني حول أفغانستان
> في اليوم التالي لـ«حوار دلهي»، كما سبقت الإشارة، استضافت باكستان اجتماعاً حول أفغانستان، شاركت فيه الولايات المتحدة والصين وروسيا، وهي دول أعضاء بمجلس الأمن كانت على اتصال بعضها ببعض بشأن التطورات الأفغانية. وفي إطار هذه العملية، جرى توسيع المجموعة المعروفة باسم «الثلاثة الكبار» لتصبح «ترويكا بلس»، والتي تتألف من روسيا والصين والولايات المتحدة وباكستان.
هذه كانت الزيارة الأولى لتوماس ويست، إلى المنطقة، وهو المسؤول الأميركي الذي حلّ محل الدبلوماسي المخضرم زلماي خليل زاد، المسؤول عن الاتفاق المبرم بين الولايات المتحدة وحركة «طالبان» في فبراير (شباط)، والذي مهّد الطريق أمام رحيل القوات الأميركية عن أفغانستان. وقبل زيارة ويست، أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، نيد برايس، خلال مؤتمر صحافي أنه «بالتعاون مع شركائنا، سيواصل ويست شرح طبيعة توقعاتنا من (طالبان) وأي حكومة أفغانية مستقبلية».
وفي أعقاب المشاركة في اجتماع «ترويكا بلس»، وصل توماس إلى دلهي وأطلع الحكومة الهندية على اجتماعاته في إسلام آباد وموسكو. والواضح أن الغرب كان يحاول تكوين فكرة عن التفكير الإقليمي بخصوص أفغانستان وبناء إجماع على خريطة طريق للاعتراف بنظام «طالبان». وتزامنت زيارته مع إقامة «طالبان» عرضاً عسكرياً بالاستعانة بالمعدات العسكرية التي خلّفتها القوات الأميركية وراءها...
تمثل الهدف الأساسي من «ترويكا بلس» في إثبات أن باكستان اللاعب الأكثر أهمية فيما يخص الملف الأفغاني اليوم، وتعد مسألة توجيه الدعوة لوزير خارجية «طالبان» للقاء ممثلين عن الولايات المتحدة وروسيا والصين مؤشراً على ذلك. ومن ناحيتها، تريد باكستان من المجتمع الدولي أن يسهم في تقديم مساعدات مالية لأفغانستان للحيلولة دون وقوعها في هوة الإفلاس والحرب الأهلية التي يمكن أن تمتد تداعياتها إلى داخل باكستان. ومن خلال استضافة «الثلاثة الكبار» في إسلام آباد، تودّ الأخيرة أن تُبقي نفسها بعيدة عن اللوم على المشكلات القائمة داخل أفغانستان وإثبات أنها جزء من الحل.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».