أسامة العيسة: نستعين على الاحتلال بالمجانين.. ولولاهم لما صمدت قضيتنا

الروائي الفلسطيني صاحب «مجانين بيت لحم» الفائزة بجائزة الشيخ زايد يراها انحيازًا للمهمشين

أسامة العيسة يوقع روايته في إحدى المناسبات الثقافية قبل الفوز
أسامة العيسة يوقع روايته في إحدى المناسبات الثقافية قبل الفوز
TT

أسامة العيسة: نستعين على الاحتلال بالمجانين.. ولولاهم لما صمدت قضيتنا

أسامة العيسة يوقع روايته في إحدى المناسبات الثقافية قبل الفوز
أسامة العيسة يوقع روايته في إحدى المناسبات الثقافية قبل الفوز

بروايته «مجانين بيت لحم»، استطاع الفلسطيني أسامة العيسة، تكريس نفسه كاسم له حضوره الخاص، خصوصا بعد فوز الرواية الذي مرّ بـ«مراحل مطوَّلة من الدراسات الموضوعية والدقيقة والمراجعة المستفيضة، من جانب (لجنة الفرز والقراءة)، و(لجان التحكيم)، و(الهيئة العلمية) للجائزة، ومجلس أمنائها، التي تم خلالها فرز الأعمال المشاركة من 31 دولة عربية وأجنبية، ضمن قائمة طويلة وأخرى قصيرة»، كما قال مدير عام الجائزة. «الشرق الأوسط» تحدثت إلى العيسة، وكان لها هذا الحوار:
* نبدأ الحوار بالسؤال التقليدي حول شعورك بفوز رواية «مجانين بيت لحم» بجائزة الشيخ زايد، وما تضيفه للأدب الفلسطيني عموما، والرواية الفلسطينية على وجه الخصوص؟
- الفوز بجائزة بمثل هذه الأهمية، أشعرني بأن في عالمنا العربي وفي أوساطه الثقافية، مَن فهمني وقدر ما أردت إيصاله، من رواية أردتها جديدة كل الجدة في الشكل والمضمون، خصوصا عندما اطلعت على ما نُشر من تقرير لجنة التحكيم، وما علمته من آراء المحكمين في الرواية.
أعتقد أن وصول الرواية، هو أولا مهم بالنسبة لي شخصيا لمواصلة مشروعي الروائي بثقة أكبر. وما فاجأني، كان الاهتمام «الجماهيري» في فلسطين، إن جاز التعبير بفوزي بالجائزة، وهو ما يجعلني أسمح لنفسي، بأن أعتبر الفوز فلسطينيا أيضا.
بالنسبة للأدب الفلسطيني، أنا لدي وجهة نظر، أؤكد أنها شخصية، تتعلق بالحالة التي عاشها هذا الأدب، خاصة في الأراضي المحتلة بعد اتفاق أوسلو، حيث ما حدث ليس تراجعا وحسب، ولكن ما يشبه الغفوة الطويلة، وميل كثير من الأصوات الجديدة–في النماذج التي اطلعت عليها–للذهاب بعيدا في الفردانية التي أسميها «غير إبداعية». صحيح أن بعض الكتاب واصلوا الكتابة، ولكن هؤلاء الذين تركوا بصمة في الماضي، لم يتمكنوا من فعل ذلك في المرحلة الجديدة التي كانت مرحلة جزر ثقافية، على الأقل.
الجوائز العربية التي تتمتع بمقدار من المصداقية، أظنها تمكنت من وضع الأدب الفلسطيني الجديد، على المحطة التي كانت يجب أن يكون عليها هذا الأدب عربيا وربما عالميا، وهو ما رأيناه في تجارب إبراهيم نصر الله، وربعي المدهون، وأنور حامد، وغيرهم ممن وصلت أعمالهم إلى قوائم هذه الجوائز.. أنا أرى وصول روايتي إلى جائزة الشيخ زايد، في هذا الإطار.

* مسؤولية كبيرة

* ماذا تضيف الجائزة لأسامة العيسة الذي نقش اسمه بعمق في عالم الرواية العربية، وقد يصبح كذلك على مستوى عالمي، وقبلهما المحلية بطبيعة الحال؟
- منذ الآن، أشعر بثقل المسؤولية الملقاة على عاتقي، من خلال ما غمرني به القراء والأصدقاء وجهات مختلفة، من دفء وحب وفرح. أنا أكتب بانتظام منذ سنوات، كل نشاطاتي الحياتية الأخرى، مسخّرة لخدمة الكتابة، سأواصل على هذا النهج. أزعم بأن لدي مشروعي الروائي، ومن الجيد أن هناك من يقدره، ولكنني سأكون أكثر حرصا عند دفع أي عمل جديد للنشر.

* شركاء في الجائزة

* هل توقعت وصول روايتك إلى الجائزة، في مواجهة روائي مصري عريق كإبراهيم عبد المجيد، وغسان زقطان الشاعر الفلسطيني الذي بات الأبرز محليا وعربيا وعالميا؟
- عندما ظهرت روايتي في القائمة الطويلة بين أسماء عربية بارزة، تتلمذ جيلي أدبيا على نتاج بعضها، شعرت بأني أسير في الطريق الصحيح إبداعيا. وعندما فوجئت بالرواية في القائمة القصيرة، سعدت بالروائي إبراهيم عبد المجيد الذي قرأت معظم أعماله وأعجبتني، والصديق الشاعر غسان زقطان الذي يراكم تجارب ويواصل مشواره الإبداعي بثقة. وكان ذلك كافيا لأن أشعر بالفوز، بغض النظر إذا ما كانت الرواية ستحتل المرتبة الأولى. أعتقد أننا جميعا فزنا. نحن شركاء في الجائزة، ولسنا متنافسين.

* آراء ونقد في الرواية

* هناك من يقول إن فوز روايتك كان لفكرتها، وإنها لا تندرج في إطار الرواية إلا في القسم الأخير منها، سفر مشمشي.. ما تعليقك؟
- أنا احترم كل الآراء بخصوص روايتي وسعيد بها، وأشعر دائما بضرورة ترسيخ المناخ الليبرالي في مجتمعاتنا. منذ أن خرجت الرواية من المطبعة لم تعد لي، بل للقراء والنقاد، ولذلك من حق كل منهم أن يكوّن رأيه فيها، وأعتقد أنه بمثل هذه الآراء يمكن إثراء المشهد الأدبي، وليس بسماع الصوت الواحد والرأي الواحد، وأحيانا يحلو للواحد منّا أن يسمع صوته فقط.
* هناك من عاب على الرواية وقوعها في فخ الصحافة والتاريخ على حساب الرواية؟
- في كتابة هذه الرواية، استفدت من أساليب فنية مختلفة، منها البحث التاريخي، والتحقيق الصحافي الاستقصائي. وكان ذلك مقصودا، بل أنا فخور بذلك. لم يكن التعامل مع الأمر سهلا. أعتقد بأن ذلك لم يغنِ الرواية وحسب، ولكنه كان تطبيقا عمليا لما أُريده من هذا الفن العظيم والمبهر الذي أسميه رواية. ولكي أثبت أن لا شكل ثابتا لهذا الفن، بل إن تقوقعه في شكل محدد هو ما يضر به. أنا أكتب رواية بطريقة جديدة. هذا المهم، ولن أكرر كتابة «الرواية» مرتين، بمعنى أنني في كل عمل، أخوض مغامرة محسوبة ومتعبة في الشكل والمضمون، والمسألة ليست سهلة. أنا لن أكتب رواية قائمة على اجترار ذكريات، أو شذرات سيرية، أو تهويمات سياسية وفكرية وآيديولوجية، أنا أكتب رواية عربية جديدة وحداثية، تنهل من مواعين كثيرة.
* كتب أحدهم يقول: «أصر كاتب هذا الكتاب، تصنيفه تحت بند الأعمال الروائية، مع أنه لا يمتّ لها بصِلة. والعجيب أنه لم يكلّف نفسه عناء اصطناع أي شيء يجعل هذا عملا روئيًّا».. ما رأيك فيما قيل؟
- أحترم هذا الرأي، ربما استند صاحبه على حيثيات معينة جعلته يستنتج هذا الاستنتاج.

* قصص متفرقة

* كاتب هذا العمل صحافي وباحث في التراث. في هذا العمل يقدّم بحثا وتحقيقات صحافيّة سيرية اجتماعية، ومذكرات متفرقة حول مدينة بيت لحم ومخيّم الدهيشة، مسقط رأسه، وعن البلدة وناسها، ما سمعه عنها وما قرأه.. قصص متفرفة لأناس لا يجمعهم رابط سوى مدينة بيت لحم، بعضها يعود لما قبل قرنين من الزمن، وأكثرها يتركّز حول فترة الاحتلال الإسرائيلي سنة 1967 وما تلاها.. هل توافق على هذا التحليل؟
- أنا قدمت المكان الفلسطيني، بارتكاز على بقعة جغرافية معينة في مدينة بيت لحم، اسمها الدهيشة. وتتبعت من خلال ذلك العصف بالمكان، من خلال توالي سلطات تبدو أنها لا نهاية لها، وفي ظرف زمني ليس طويلا: العثمانيون، والبريطانيون، والمصريون، والأردنيون، والإسرائيليون، الحكم الذاتي المحدود جدا.. إذا وجد من رآها أنها حكايات متفرقة، فمن الجيد أنه وجد رابطا واحدا جمع بينها.

* المهمشون والفقراء

* لطالما ركزت على انحيازك للمهمشين والفقراء في كتاباتك كصحافي، والآن كروائي.. كيف انعكس هذا التوجه في «مجانين بيت لحم»؟
- الرواية انحياز كامل للمهمشين، الذين تنظر إليهم السلطات التي توالت على حكم ناسنا وقهرهم، كخزان للحروب، وقطيع يدر ضرائب. أنا منحاز لهؤلاء، لأنني واحد منهم، الراوية محاولة لتقديم أكثر الفئات تهميشا، وهم نزلاء مشفى الأمراض النفسية في بيت لحم، وهو المشفى الرئيسي لمثل هؤلاء في حدود فلسطين الانتدابية لفترات طويلة من الزمن. هؤلاء ساهموا بطريقتهم في الانتفاضات الفلسطينية، ودفعوا ثمن عسف السلطات والاحتلالات المتعاقبة، ووجدوا أنفسهم في الواقع الجديد بعد اتفاق أوسلو، هدفا للسلطة الجديدة لتشييد أي مبنى حكومي على أرضهم، إضافة إلى حضور دول كبرى مثل روسيا، وألمانيا، أرادت حصتها من وطنهم المعنوي، وفي الوقت ذاته هم لا يستطيعون رفع الصوت، ولم تهرع إليهم الأحزاب أو الفصائل أو مؤسسات حقوق الإنسان، الجميع نظر «للغزو» الذي هدد مكانهم، على أنهم شيء طبيعي.. أيوجد أكثر تهميشا من هؤلاء؟

* إعادة تركيب الرواية

* البعض قال بأنك أعدت تركيب الرواية الفلسطينية في «مجانين بيت لحم»؟
- أنا حاولت، وطمحت لذلك، وهو ما جعلني أؤجل نشر هذه الرواية، كما هو حال بقية أعمالي، لسنوات، وآمل أن أكون قد حققت نجاحا ولو نسبيا.
على جيلنا الأدبي، لكي يكتسب مشروعية، أن يسعى دائما لحلحلة ما هو موجود، والعمل على إعادة التركيب، والتجديد، والمسألة ليست سهلة، ولكنها تشكل تحديا لهذا الجيل.
* هناك من وصفها بأنها رواية فلسطين المواربة؟
- نعم هي كذلك. لقد تناولت الواقع الفلسطيني ضمن فضاءات تاريخية وغرائبية، أردت أن يكون القارئ مشاركا في الدخول إلى فلسطين، ليس من بوابة الجنة المفقودة والمناجاة الشعرية الغنائية، بل بمغافلة الندابين، ومناقضا إرثا أدبيا طويلا، ليدخلها من بوابة مواربة بين الواقع الفج والأسطورة الشعبية.

* ماذا بعد؟

* ماذا بعد «مجانين بيت لحم»؟ وهل من ترجمات للغات أخرى؟
- آمل أن يكون وصول الرواية إلى الجائزة فرصة لنقلها إلى لغات أخرى. أرغب بشدة أن يسمع كل الناس على هذه الكرة صوت المجانين في فلسطين، حيث تغيب، في معظم الأحيان، الخطوط التي يمكن أن يضعها الناس أنفسهم للفصل بين عالمي «المجانين» و«العقلاء».
في فلسطين، نستعين على الاحتلالات التي لا تنتهي بالجنون. ولولا مجانينها ربما ما صمدت قضيتها. ولدت وأعيش في مخيم الدهيشة للاجئين، لأبوين هُجرا من قريتهما ومنزلها. منذ 67 عاما ونحن نحلم بالعودة. أمي عمرها مائة عام، وتتعامل مع الأمور وكأنها ستعود غدا إلى منزلها، وقن الدجاج. أي جنون نحتاجه لتحمل كل ذلك؟



3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».

 


بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية
TT

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة» و«المذهلة»، فيما اعتبرت الناقدة أليس ووكر أنها «صادقة ومؤثرة وشجاعة بشكل غاية في الجمال حيث لغز رابطة الأم والابنة بطرق لم نعرفها من قبل».

وأجمعت مراجعات عديدة أننا أمام نص أشبه بعلبة أحجية صينية معقدة وغامضة ومترابطة بطريقة تكاد تكون أسطورية في بنيتها مثل حكايات شهرزاد الساحرة لكنها أيضاً واقعية للغاية. تروي الرواية، التي ترجمتها إيناس التركي، كيف أنه في عام 1949 اجتمعت أربع نساء صينيات هاجرن حديثاً إلى سان فرانسيسكو لممارسة لعبة «الماه جونغ» واسترجاع ذكريات الماضي وتبادل الأحاديث والثرثرة حتى وقت متأخر من الليل وقد جمعتهن خسارات لا توصف وأمل جديد فأطلقن على أنفسهن اسم «نادي بهجة الحظ».

تستعرض المؤلفة بذكاء وحساسية تلك الذكريات الموجعة والرقيقة في أحيان أخرى، التي تكشف عن قوة هؤلاء النسوة وهموهن وعزيمتهن، وهي أمور تراها بناتهن المولودات في أميركا غير ذات صلة بحياتهن، كما تستعيد البنات بدورهن لحظات محورية من ماضيهن ويعتقدن أن توقعات أمهاتهن أعاقت قدرتهن على مواجهة غموض المستقبل.

تبدو بنية الرواية السردية وأجواؤها العامة بالفعل ذات طابع مؤثر وحميم حيث نرى من خلال الحبكة الدرامية كيف يمكن أن يؤدي ميراث الألم والأسرار غير المعلنة إلى سوء الفهم، وكيف تكون المحبة قادرة على محو الضرر وتحقيق المصالحة على الرغم من كل شيء، وهو ما يفسر ترجمة الرواية إلى أكثر من 35 لغة، ولماذا باعت عدة ملايين من النسخ وتحولت إلى فيلم سينمائي ناجح.

من أجواء الرواية نقرأ:

«أسست والدتي النسخة الخاصة بسان فرانسسيكو من نادي بهجة الحظ علم 1949 قبل عامين من ولادتي، كان هذا هو العام الذي غادرت فيه أمي وأبي الصين ومعهما صندوق جلدي صلب واحد ممتلئ فقط بالفساتين الحريرية الفاخرة. أوضحت أمي لأبي بعد صعودهما على متن القارب أنه لم يكن هناك وقت لحزم أي شيء آخر ومع ذلك تحركت يداه على نحو محموم بين الحرير الزلق بحثاً عن قمصانه القطنية وسراويله الصوفية.

عندما وصلا إلى سان فرانسيسكو جعلها والدي تخفي تلك الملابس اللامعة وظلت ترتدي نفس الفستان الصيني، بني اللون، المنقوش بالمربعات حتى منحتها جمعية الترحيب باللاجئين فستانين مستعملين كلاهما أكبر بكثير من مقاسات النساء الأميركيات. تألفت الجمعية من مجموعة من السيدات المبشرات الأميركيات ذوات الشعر الأشيب من الكنيسة المعمدانية الصينية الأولى وبسبب هداياهن لم يستطع والدايّ تجاهل نصيحة السيدات المسنات العملية لتحسين لغتهما الإنجليزية من خلال دروس مساء أيام الأربعاء ولاحقاً من خلال تدريب صباح أيام السبت.

هكذا التقى والداي بآل شو وآل جونغ وآل سانت كلير، شعرت أمي بأن نساء هذه العائلات كانت لديهن أيضاً مآس لا توصف تركنها وراءهن في الصين وآمال لم يتمكن من التعبير عنها بلغتهن الانجليزية الضعيفة أو على الأقل لاحظت أمي التبلد في وجوه هؤلاء النساء ورأت كيف تحركت أعينهن بسرعة عندما أخبرتهن بفكرتها عن نادي بهجة الحظ.

كان النادي فكرة تذكرتها أمي من أيام زيجتها الأولى قبل مجيء اليابانيين، لهذا السبب أفكر في نادي بهجة الحظ بوصفه قصتها في الصين كانت ترويها لي دائماً عندما تشعر بالملل وعندما لا يكون هناك ما يمكن فعله بعد غسل كل الأطباق ومسح الطاولة ذات السطح الفورميكا مرتين وعندما يجلس أبي ليقرأ الصحيفة ويدخن سجائره واحدة تلو الأخرى مطالباً بعدم إزعاجه».