جون بيرنز: الصحافي لا يمكن أن يتقاعد

كتب عن تجربته بعد 40 عاما في «نيويورك تايمز»

جون بيرنز أثناء تغطيته حرب العراق ({نيويورك تايمز})
جون بيرنز أثناء تغطيته حرب العراق ({نيويورك تايمز})
TT

جون بيرنز: الصحافي لا يمكن أن يتقاعد

جون بيرنز أثناء تغطيته حرب العراق ({نيويورك تايمز})
جون بيرنز أثناء تغطيته حرب العراق ({نيويورك تايمز})

في الشهر الماضي، بعد 40 عاما صحافيا في صحيفة «نيويورك تايمز»، تقاعد جون بيرنز. ثم كتب في صحيفته عن هذه التجربة الثرية.
مرتان، حاز على جائزة «بوليتزر» الصحافية المرموقة. وغطى حروبا في مناطق كثيرة. منها: البوسنة، والعراق، وليبيا، ولبنان. وشهد بعض أهم الأحداث في عصرنا. منها: نهاية نظام التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا، ونهاية حكم طالبان في أفغانستان، والحروب ضد الإرهاب (تركها وهي مستمرة).
قال إن الصحافي لا يجب، أو ربما لا يمكن، أن «يتقاعد»، وذلك لأن جمع الأخبار، ونشرها، والتعليق عليها، لا يعرف حدودا، خصوصا في عصر الإنترنت.
ولهذا، سيتحاشى التقاعد التقليدي للأميركيين: «في الصباح، ألعب الغولف بعيدا عن الناس. وفي المساء، أصيب الناس بالملل في المقهى وأنا أحدثهم عن قصص لا تنتهي عما فعلت خلال عمري».
لحسن حظه، عكس الطبيب الذي يتقاعد ولا يستطيع الاستمرار في علاج الناس، وعكس المهندس الذي يتقاعد ولا يستطيع الاستمرار في بناء المباني، وعكس العسكري الذي يتقاعد ولا يستطع الاستمرار في الاشتراك في الحروب، وعكس السياسي الذي يتقاعد ولا يستطع الاستمرار في العمل السياسي، قال بيرنز إنه وقع عقدا مع صحيفته بأن يكتب من وقت لاحق رأيا عما يجري حوله، في أميركا، وفي العالم، «حتى لا أقدر على الكتابة».
قال إن أهم خبر كتبه خلال عمله الصحافي لم يكن عن سبق صحافي في حرب أو سلام، في أميركا أو خارجها. كان أول خبر كتبه في الصفحة الأولى عام 1975. قال: «طلب مني رئيسي آرثر غيلب، محرر الشؤون المحلية الأسطوري (في وقت لاحق، صار رئيس تحرير) بأن أذهب إلى مطار لاغواراديا (في نيويورك) حيث وقعت انفجارات. وفي ذعر أمليت بالتليفون من المطار ما شاهدت، وكان الصحافي الذي كتب ما أمليت هو زميلي بوب مكفادين، الذي كتب خبرا رائعا. وقرر الاثنان أن ينشر الخبر تحت اسمي، وفي الصفحة الأولى. لولاهما، كنت فشلت في مهمة كبيرة وأنا صحافي صغير». وأضاف: «لولاهما، ما واصلت عملي في نجاح بعد نجاح. وما شاهدت الزعيم مانديلا وهو يمشي نحوي، في فرح، خارجا من سجنه في عام 199. وما شاهدت الرئيس العراقي صدام حسين وهو يمشي بعيدا عني، في حزم، نحو حبل المشنقة في عام 2005».
خلال 40 عاما مع صحيفة «نيويورك تايمز»، كتب بيرنز أكثر من 3.300 خبر.
غير عام واحد (عندما غطى حريق المطار)، قضى باقي الأعوام يغطي الأخبار خارج الولايات المتحدة. وغير 5 أعوام كان يعمل فيها تحت رئاسة مديري مكاتب خارجية، ترأس مكاتب خارجية، وفي 10 دول.
ماذا عن «حياد» الصحافي؟ هل يمكن أن يكون الصحافي الإخباري محايدا حيادا حقيقيا؟ ماذا عن الصراع بين العقلانية (كتابة خبر محايد) والعاطفة (الميل نحو هذا أو ذاك)؟
قال بيرنز: «دائما، أظل أحس بأن العاطفة شيء قانوني لأنه شيء طبيعي. خاصة وأنا أشاهد القتل والدمار بينما أغطي الحروب. لكن، يجب ألا يعني ذلك، أبدا، أن تؤثر عاطفتي على أهم شيء في «نيويورك تايمز» وهو: ثقة الذي يقرأها بأنها تقدم له أخبارا موزونة، فيها كل جوانب الخبر، وكل الحقائق، وهو (القارئ) يعرف أن موضوع الخبر معقد وربما غير مفهوم.
وأضاف: «هذا هو معيار الذهب. هذا هو مكان تراجع العاطفة أمام العقلانية. هذا هو ما يحرص عليه المسؤولون داخل غرفة الأخبار في (نيويورك تايمز)».
لهذا، فرق بيرنز بين عاطفته وعقلانيته. لكنه قال: «ليس هذا سهلا. لأن واجب الصحافي لا يجب أن يكون الحياد في مواجهة الغضب، بقدر ما يجب أن يكون العدل».
مثلا: غضب بيرنز في أفغانستان عندما شاهد رجال طالبان، قبل سقوط دولتهم عام 2001، وهم يقتلون امرأة بتهمة الزنا. دفنوا نصفها الأسفل، ورموا نصفها الأعلى بالحجارة حتى ماتت. قال بيرنز إنه لم يكن محايدا في الغضب على ما شاهد. لكن، حتى لا تتغلب «العاطفة» على «الحياد» في كتابة الخبر، قال إنه لجأ إلى «العدل»، بأن كتب وجهة نظر رجال طالبان، وتبريرهم لما فعلوا، «رغم كذب ما قالوا».
وقال بيرنز إن التحدي لا يواجه فقط الصحافي وهو يكتب الخبر وسط عواطف مشتعلة في حروب، واشتباكات، وقتل، ودمار، وشعارات، وهتافات، غاضبة، أو سعيدة، ولكن، أيضا، يواجه رؤساءه في المكتب الرئيسي في نيويورك. وقال: «لحسن الحظ، هؤلاء بعيدين عن نيران العواطف في الحروب. لحسن الحظ، هؤلاء يرتدون ملابسهم في الصباح، ويذهبون إلى مكاتبهم، ويجلسون في هدوء وصمت. وفي عقلانية، يراجعون ما نرسل لهم. وفي عقلانية، ينشرون خبرا عقلانيا وعلميا. لا عاطفيا».
لهذا، فرق بيرنز بين شيئين:
أولا: يعتمد الخبر العقلاني على العلم. على نشر الحقيقة، وتحاشي ما ليس حقيقة (بمقاييس مرئية أو مسموعة). ثانيا: يعتمد الخبر العاطفي على المزاج. على نشر الطيب، وتحاشي الردئ (بمقاييس شخصية).
لكن، ماذا عن ايرنست همنغواي الذي لم يكن محايدا عندما غطى الحرب الأهلية في إسبانيا في أربعينات القرن الماضي، ومال نحو القوات الاشتراكية الشعبية، ضد قوات الجنرال فرانكو اليمينية (جمع بين الصحافي والمعلق، بين العلم والمزاج، ثم صار روائيا، وليس صحافيا)؟
قال بيرنز: «لم يدع همنغواي أه كان صحافيا محايدا. لكن، في عصرنا هذا، أصبح الخبر أكثر عقلانية، وأقل عاطفة. أصبح خبرا علميا، وليس خبرا مزاجيا. وبالتالي، أصبح الخبر خبرا أخلاقيا. لهذا، صار الجيل الجديد من الصحافيين يريد، ليس فقط وظيفة وراتبا. ولكن، أيضا، تغيير العالم نحو الأفضل».
لكن، حذر بيرنز هؤلاء الصحافيين الشباب من أن يتغلب مزاجهم «هذه العقيدة شبه التبشيرية الدينية» على العلم «كتابة خبر علمي عقلاني». حذر بأن مشكلات العالم كثيرة ومعقدة. وقال إن الصحافي يجب أن ينقل الواقع، مهما كان حزينا. خاصة بالنسبة لصحافي أميركي شاب متفائل وطموح، لكنه تعود على مجتمع أميركا الحر، والثري، والمريح.
وكرر بيرنز «هذه العقيدة شبه التبشيرية الدينية» عندما تحدث عن تغطيته لغزو الولايات المتحدة للعراق (عام 2003) واحتلاله لـ7 سنوات (حتى عام 2010).
قال: «في مواجهة حقيقة إن غزو العراق تحول إلى كارثة، صار واجبنا، نحن الذين غطينا ما حدث، أن نحلل ما حدث، بعد أن غطيناه في حياد وعدل. وأنا أحلل الآن، أقول إنه لا يكفي أن أعلن أنني لم أكن أبدا من دعاة غزو العراق. طبعا، لم يؤثر ذلك على الأخبار التي كتبتها. لكني الآن، وقد تقاعدت، أقدر على أن أحلل وأعلق».
قسم بيرنز رأيه إلى قسمين:
في جانب: «شاهدت، وكتبت عن، التجاوزات البشعة من جانب الديكتاتور صدام حسين ضد شعبه. كان حجم أعمال القتل الإجرامية هي الأفظع في العالم الحديث بعد مذابح الخمير الحمر في كمبوديا، وبعد القسوة في كوريا الشمالية تحت حكم عائلة كيم».
في الجانب الآخر: «مثل آخرين، لم أقتنع أبدا بالتبرير الذي قدمه الرئيس السابق جورج دبليو بوش لغزو العراق بأن صدام كان يخبئ أسلحة كيماوية وبيولوجية محرمة. لكني شعرت، مثل معظم زملائي الصحافيين الأميركيين والبريطانيين في بغداد في ذلك الوقت، أن وقف ممارسات صدام حسين البشعة ضد شعبه، فيه أساس أخلاقي سليم، على الأقل».
هنا، استعمل بيرنز، هذا الصحافي الأميركي القدير، مرتين عبارة «مثل آخرين» (غربيين) ليبرر أنه لم يكن وحده. عبر فطاحلة الصحافيين الغربيين عن مزاجهم (لا عقلانيتهم). في ميلهم نحو تأييد غزو العراق. وفرقوا بين شيئين:
أولا: فرقوا بين عذر الرئيس بوش (أسلحة الدمار الشامل)، وبين عذرهم هم (ديكتاتورية صدام حسين). لكنهم أيدوا الغزو.
ثانيا: فرقوا، كما كتب بيرنز، بين «لم أكن من دعاة» الغزو (قبل أن يحدث)، وبين «الغزو الذي حدث» (صار أمرا واقعا).
الآن، بعد كل الذي حدث في العراق، لم يعتذر بيرنز عن تأييده للغزو «الذي حدث».
لكنه قال: «ونحن مشغولون بالتغطية (العقلانية) اليومية، فشلنا في النظر إلى الصورة الكبيرة (تاريخ وتراث وثقافة العراق)».
وبرر هذا الفشل بأن العسكريين والسياسيين الأميركيين تلاعبوا بالمعلومات والحقائق باسم «الوطنية الأميركية».
وهكذا، في نهاية المطاف، تغلبت العاطفة «الوطنية الأميركية» على الحياد، والعقلانية، والعلم، والعدل، إلخ.



استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.


«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
TT

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج ممن يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وجاء هذا النقاش في جلسة حوارية عقدتها وزارة الإعلام ضمن حفل إطلاق «مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا» يوم الأحد، بعد أشهر من العمل عليها، كانت خلالها المحاكم السورية تتلقى مزيداً من دعاوى التحريض على العنف والاعتداء الناجم عن خطاب الكراهية.

وفي حفل أقيم في فندق «داما روز» وسط العاصمة دمشق حضره عدد من الوزراء والمسؤولين الحكوميين، وممثلين عن وسائل الإعلام المحلي، وعدد كبير من الإعلاميين، أطلقت وزارة الإعلام مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا 2026، تحت عنوان «إعلام مهني... وكلمة مسؤولة».

ووقّع مديرو المؤسسات الإعلامية الرسمية على وثيقة «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، في إعلان عن التزام الإعلام الوطني بالمدونة.

وزير الإعلام حمزة المصطفى يتحدث عن «مدونة السلوك» الأحد (وزارة الإعلام)

وقال وزير الإعلام حمزة المصطفى، في إطلاق المشروع، إن «المدونة جهد إعلامي تعتبر الأهم على مستوى المنطقة، وهي جهد جماعي شارك فيه أكثر من ألف صحافي لمدة تزيد على 5 أشهر».

واعتبر وزير الإعلام المدونة «نقطة البداية وليست وثيقة عابرة»، وسيعقد مؤتمر سنوي يجمع الصحافيين السوريين لمناقشتها وتطويرها، مؤكداً على أن العمل الإعلامي دون معايير محددة ضابطة ومسؤولة تنظمه سيتحول قطعاً باتجاه الفوضى.

وجاء إطلاق مدونة السلوك المهني في ظل حالة من الفوضى وتأخر صدور قانون ناظم للعمل الإعلامي، بالإضافة إلى عدم تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، وما تلاها من انفتاح إعلامي، أفسح المجال لتصدر نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي المشهد والتأثير بالرأي العام. الأمر الذي كانت له ارتدادات سلبية في ظل الاضطرابات السياسية والاستقطاب الحاد، وما رافقتها من موجات عنف وأحداث دامية على الأرض، كما حصل في مناطق الساحل والسويداء العام الماضي.

مصادر قضائية قالت لـ«الشرق الأوسط» إن أعداد الشكاوى المتعلقة بالفتنة والتحريض الطائفي والتجييش والحض على القتل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تزايدت خلال العام الماضي، في حين لا يوجد هناك تفعيل جدي في تحريك الادعاء، لغياب دور فاعل لقسم مكافحة الجرائم الإلكترونية، بالإضافة إلى تأخر تعديل القانون 20، لعام 2022، الخاص بالجرائم الإلكترونية، الذي أصدره النظام المخلوع بهدف كم الأفواه والحد من الحريات.

وأضافت المصادر أن هذه الثغرة وغياب الرادع يسهمان في زيادة الفوضى وتعزيز خطاب الكراهية الذي يهدد السلم والاستقرار المجتمعي. ورأت في صدور مدونة سلوك مهني وأخلاقي مبادرةً تسهم في زيادة الوعي للتمييز بين حرية التعبير والتحريض.

ناشطة تحتج على موجة العنف والهجمات الطائفية في الساحل السوري بمواجهة متظاهر في ساحة المرجة في دمشق 9 مارس 2025 (أ.ب)

الصحافي والناشط السياسي السوري مشعل العدوي، الذي يقدم عبر قناته على «يوتيوب» نقداً سياسياً معنياً بالشأن السوري، علّق على «مدونة السلوك» أن صدورها في هذا التوقيت مهم جداً، ويساعد في هذه المرحلة على تعزيز إحلال السلم الأهلي، ويضبط الخطاب الإعلامي سلوكياً وأخلاقياً، ليتواءم مع الوثائق الدولية ويحترم حقوق الإنسان وحقوق الضحايا، وهذا كله «جيد جداً»، مع الإشارة إلى أن خطاب الكراهية في سوريا يأتي من خارج السياق الإعلامي، وأغلبه قادم من نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي.

جلسة حوارية على هامش إطلاق «مدونة السلوك» الإعلامي في سوريا (وزارة الإعلام)

مدير الشؤون الصحافية في وزارة الإعلام، عمر الحاج أحمد، قال إن «الكلمة هي مسؤولية»، وإن إطلاق المدونة يؤسس لمرحلة جديدة في مسار إعلام وطني يستند إلى «الحرية المسؤولة، ويعلي من شأن الكلمة الدقيقة».

من جانبه، قال ممثل اللجنة الوطنية المستقلة لمدونة السلوك المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، علي عيد، إن «التحديات تضاعفت مع الثورة الرقمية، وتضخم دور الذكاء الاصطناعي. وأصبح أثر الكلمة أسرع وأخطر، والمدونة ليست بديلاً عن القانون أو نصاً أخلاقياً جامداً، بل هي إطار للتنظيم الذاتي، وهو أعلى درجات حماية الحرية».

من حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

وفي جلسة حوارية حول المدونة، اعترض وزير العدل السوري مظهر الويس، على ما طرحه ميسر الجلسة خلدون الزعبي حول استفحال خطاب الكراهية بين السوريين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقال وزير العدل ليس هناك خطاب كراهية، وإنما هناك «عشوائية»، مؤكداً على أنه خطاب دخيل على سوريا، في حين قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى، إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وبحسب وزير العدل مظهر الويس، فإن مدونة السلوك المهني «تمثل أداة تنظيمية مهمة ترسم الخط الفاصل بين حرية التعبير واحترام حقوق الآخرين، وتسهم في الحد من التجاوزات التي تتحول في كثير من الأحيان إلى نزاعات قضائية». مشيراً إلى أن وزارة العدل والمحاكم تواجه اليوم أعباء كبيرة، ووجود مدونة سلوك مهنية يسهم في خفض هذه النزاعات، ويخفف الضغط عن القضاء.

وتتكون مدونة السلوك المهني من 82 صفحة و10 مواد تشمل المعايير الأخلاقية والمهنية وحماية الخصوصية والبيانات والمتابعة والمساءلة، إضافة إلى ميثاق شرف وملحق صنّاع المحتوى، وقد صدرت بـ3 لغات؛ العربية والإنجليزية والكردية.


«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
TT

«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)

وسط عالم تتساقط فيه الصحف العريقة واحدةً تلو الأخرى تحت ضغط الثورة الرقمية وتغيّر أنماط الاستهلاك الإعلامي، يبرز احتفال صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية بمرور مائتي سنة على تأسيسها بوصفه حدثاً يتجاوز البعد الرمزي، ليطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لمؤسسة صحافية وُلدت في القرن التاسع عشر أن تظل فاعلة، مؤثرة، ومربحة في القرن الحادي والعشرين؟

اسم عريق

أسّست «لو فيغارو» عام 1826 في مناخ سياسي شديد القسوة، إذ كانت حرية الصحافة مقّيدة، والرقابة أداة مركزية في حكم الملك شارل العاشر. ولقد أطلق عليها اسمها نسبة لشخصية «لوفيغارو» التي ابتكرها بيار-أوغوستان بومارشيه، الموسوعي الفرنسي الشهير، في مسرحه... والتي جسّدت الذكاء الشعبي والتمرّد الناعم على السلطة، وهذا ما سعت الصحيفة إلى ترجمته صحافياً.

وبالفعل، مرّت الصحيفة الفرنسية العريقة في عقودها الأولى بمراحل انقطاع وعودة، قبل أن تجد استقرارها الحقيقي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين تحوّلت من نشرة أدبية ساخرة إلى صحيفة يومية مؤثرة بفضل هيبوليت دو فيلميسان، واضعةً الأساس لما سيصبح لاحقاً أحد أعمدة الصحافة الفرنسية.

قرنان تاريخيان من دريفوس إلى العولمة

لم تكن «لوفيغارو»، في الواقع، شاهداً محايداً على التاريخ الفرنسي، بل فاعلاً داخله. إذ لعبت دوراً محورياً في قضية الضابط ألفريد دريفوس، التي كشفت انقسامات المجتمع الفرنسي حول العدالة والهويّة والجمهورية.

كذلك واكبت الحربين العالميتين، وسقوط أنظمة، وقيام أخرى. وإبّان الاحتلال النازي، اتخذت الصحيفة قراراً مفصلياً بتعليق صدورها بدل الخضوع للرقابة، وهو خيار رسّخ سمعتها كصحيفة تضع الحرية فوق الاستمرارية الشكلية. ومن ثم، صار هذا الموقف جزءاً من سرديتها المؤسِّسة، ومن رأس مالها الرمزي حتى اليوم.

من الورق إلى المنصّات

مع دخول الألفية الجديدة، أدركت الصحيفة الفرنسية العريقة مبكراً أن البقاء لن يكون ممكناً من دون تحوّل جذري. ولذا أطلقت موقعها الإلكتروني في حين كانت صحف كبرى تتعامل مع «الإنترنت» كتهديد لا كفرصة. وبالتالي، نرى الآن أن «لوفيغارو» ليست مجرد صحيفة ورقية، بل مجموعة إعلامية متكاملة تضم موقعاً إلكترونياً رائداً، وقناة تلفزيونية (لو فيغارو تي في)، ومجلات متخصّصة، بالإضافة إلى حضور قويِّ على منصّات التواصل الاجتماعي بأكثر من 38 مليون متابع.

هذا التحوّل لم يكن شكلياً، بل جاء مسنوداً باستثمار تقني داخلي مكّن المجموعة من التحكم في البيانات والاشتراكات والإعلانات.

مبنى "لوفيغارو" في قلب العاصمة الفرنسية باريس (ويكيميديا)

النجاح الاقتصادي: استثناء في زمن الأزمات

اليوم، تبرز تجربة «لوفيغارو» بوصفها استثناءً لافتاً في المشهد الإعلامي العالمي. إذ بينما يعاني هذا القطاع من تراجع الإيرادات وانحسار الجمهور، واصلت الصحيفة الفرنسية العريقة تسجيل نتائج مالية قوية تؤكّد أن الأزمة ليست حتمية، بل مرتبطة بخيارات استراتيجية وإدارية محددة.

وفي صلب هذا النجاح، يبرز التحوّل الرقمي رافعةً مركزيةً. فلقد واصل الموقع الإلكتروني «لوفيغارو بوان إف إر» في 2025 تسجيل مستويات غير مسبوقة من التفاعل، بأكثر من 210 ملايين زيارة شهرية، واحتلاله مراراً صدارة مواقع الأخبار الفرنسية من حيث عدد الزوار.

ومن جهة ثانية، يصل عدد المستخدمين اليوميين، عبر الموقع والتطبيقات، إلى نحو 3.4 مليون مستخدم، ما يعكس رسوخ العلامة الرقمية للصحيفة. لكن الأهم لا ينحصر في حجم الزيارات فحسب، بل يشمل قدرة المنصة على تحويل هذا التدفّق الجماهيري إلى قيمة اقتصادية ملموسة. ذلك أن الاشتراكات الرقمية شهدت عام 2025 استمراراً للمنحى التصاعدي، بعدما تجاوز عدد المشتركين الرقميين 295 ألفاً. وهذا التطوّر النوعي جعل الإيرادات الرقمية تمثّل أكثر من نصف إجمالي عائدات الصحيفة، في سابقة تاريخية تعكس نضج نموذج الاشتراك المدفوع.

بذا، انتقلت الصحيفة العريقة، المعروفة بتوجهها اليميني، من منطق الاعتماد على الإعلان إلى اقتصاد قائم على القارئ. وبات الجمهور يساهم بنحو 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مقارنة بـ50 في المائة فقط قبل سنة واحدة، وهذا تحوّل استراتيجي يمنح الصحيفة هامش استقلالية أوسع في قراراتها التحريرية.

صمود غير متوقع

بالتوازي، ورغم السّردية السائدة حول «موت الورق»، واصلت النسخة المطبوعة للصحيفة أداءً يفوق التوقعات في عام 2025. إذ حافظت نسخة «لوفيغارو» الورقية على توزيع يقارب 400 ألف نسخة، وهو ما يضعها في المرتبة الثانية بعد صحيفة «لوموند» الشهيرة التي سجلت توزيع أكثر من 500 ألف نسخة، وهو رقم نادر في السياق الأوروبي الحالي. بل إن العائدات المرتبطة بالنسخة الورقية لصحيفة «لوفيغارو» سجّلت تحسناً ملحوظاً، مستفيدةً من سياسة تسعير مدروسة، ومن الطلب المرتفع خلال فترات سياسية ورياضية مكثّفة.

هذا الأداء يؤكد أن الورق لا يزال قادراً على تحقيق قيمة اقتصادية ورمزية، حين يكون جزءاً من منظومة متكاملة لا أعباء عليها.

هوية تحريرية واضحة

أخيراً، إن ما يميّز تجربة «لوفيغارو» بالفعل ليس فقط حجم الإيرادات، بل أيضاً طبيعتها. فلقد نجحت الصحيفة في بناء علاقة طويلة الأمد مع قرائها، تقوم على الثقة والهوية التحريرية الواضحة، لا على الاستهلاك السريع للمحتوى المجاني.

وهذا الولاء هو ما سمح للمجموعة بتحقيق توازن نادر بين الانتشار والربحية. وتتجلّى هذه السياسة في نموذج «الاشتراكات المدفوعة» الذي طبّقته الصحيفة ببراعة. حيث بدلاً من إغراق القارئ بمئات الأخبار المجّانية المعتمدة على العناوين الصادمة (Clickbait)، ركّزت «لوفيغارو» على تقديم تقارير استقصائية وتحليلات جيوسياسية حصرية. ثم إنه إبان الأزمات الكبرى، مثل التدخلات العسكرية الأخيرة أو الانتخابات، تبتعد الصحيفة عن «النقل الحرفي» للبيانات الرسمية، لتقدم ملفّات تحليلية يكتبها خبراء ومفكّرون، ما يجعل المشترك يشعر بأنه يدفع مقابل «قيمة مُضافة» وليس مقابل معلومات متاحة للجميع.