نقيب الصحافيين اللبنانيين لـ«الشرق الأوسط»: يستحيل أن تجد جريدة تربح في لبنان

يرأس تحرير أقدم جريدة بيروتية...صدرت قبل الاستقلال

رئيس تحرير صحيفة «الشرق» اللبنانية عوني الكعكي
رئيس تحرير صحيفة «الشرق» اللبنانية عوني الكعكي
TT

نقيب الصحافيين اللبنانيين لـ«الشرق الأوسط»: يستحيل أن تجد جريدة تربح في لبنان

رئيس تحرير صحيفة «الشرق» اللبنانية عوني الكعكي
رئيس تحرير صحيفة «الشرق» اللبنانية عوني الكعكي

منذ انتخابه نقيبا للصحافة اللبنانية مطلع العام الحالي، ينكب رئيس تحرير صحيفة «الشرق» اللبنانية عوني الكعكي على رسم مشاريع تطوير للنقابة التي ترعى قطاع الصحافة اللبنانية، المُتعَب والمُتعِب في الوقت نفسه. آماله كبيرة، لكن مقدرات النقابة قليلة، وكذلك مقدرات الصحافة الللبنانية التي قول النقيب الجديد أنها تعاني.. لكنها لن تهزم.
ويشدد النقيب الكعكي على أن الصحف الورقية لن تنقرض لصالح الإعلام الإلكتروني، مستشهدا بتجربة أميركية تم التراجع عنها بالتحول من الورقي إلى الإلكتروني، لكنه يعترف بالصعوبات التي تواجهها الصحف، والمنافسة من الراديو ثم التلفزيون، وأخيرا الإعلام الإلكتروني الذي يصفه الكعكي بأنه «شريك ومنافس» وبأنه «شر لا بد منه». وفي ما يأتي نص الحوار:

* ما الذي يعنيه لك شخصيا وصولك إلى مركز النقيب؟
- طموح كل صحافي أن يصل إلى القمة، والقمة بالنسبة للصحافيين، هي حين تصل إلى نقيب صحافي أو عضو في مجلس نقابة الصحافة. صحيح أنها مركز معنوي ولا يترتب عليه أي منفعة مادية، لكن الأمور المعنوية مهمة أيضا. تحترمك الناس وتقدرك وتكون مميزا بين الناس لذلك عندما يصل الإنسان لهذا الطموح لا شك أنه قد حقق جزءا من حلمه. وسأعمل بإذن الله مع الزملاء الذين اخترتهم في اللائحة فنقبل التحدّي لنعيد لنقابة الصحافة وهجها كواحدة من أبرز نقابات المهن الحرة، وخصوصًا أنها وجدت قبل أكثر من مائة سنة.
* لقد أثار وصولك إلى النقابة موجة من الانتقادات، بالإضافة إلى مقاطعة بعض الأطراف في الجسم الصحافي للانتخابات.. ما تعليقكم؟
- الانتقاد هو حق ديمقراطي، ومن أبسط حقوق التعبير عن الرأي التي كفلها الدستور، والتي ندافع عنها كنقابة للصحف اللبنانية. المهم هو أننا مقتنعون بأننا نقوم بما هو الأفضل للجسم الصحافي، قد نصيب أو نخطئ، لكن المهم أننا نعمل من أجل ذلك. أما بالنسبة للمقاطعين، فقد كنت حريصا منذ لحظة إعلان النتائج على القول إن الانتخابات باتت وراءنا، وأننا تجاوزنا كل ما قيل فيها، وأن أيدينا مفتوحة للجميع من أجل التعاون بما فيه مصلحة الصحافة اللبنانية.
* ما الذي تطمح إليه في نقابة الصحافة؟
- الوصول إلى النقابة ليس طموحي بحد ذاته، بل الارتقاء فيها إلى الأفضل، لما فيه مصلحة الصحافة اللبنانية، ولما يعيدها إلى تألقها. البداية قد تكون من الموقع الذي يحتضن النقابة التي تمثل كل الصحف اللبنانية، الأهم أن يكون هناك موقع جيد لنقابة الصحافة، مبنى يضم كل ما يتعلق بالمؤسسات الإعلامية، مركزا لمحطات تلفزيونية ووكالات أنباء عالمية وغيرها من المؤسسات المهمة. إن طموحات الرئيس (الأسبق للحكومة) الشهيد رفيق الحريري كانت في أن يجعل من برج المر (في وسط بيروت)، أكبر مركز إعلامي بالشرق الأوسط، والذي أخذته دبي، ونحن نسعى عبر الأرض التي قدمتها لنا الدولة لتأمين برج إعلامي كبير فيها، ولديّ أمل أن يتحقق هذا الحلم.
* كيف ترى وضع الصحافة اللبنانية؟
- الصحافة اللبنانية عريقة، ولن تموت لأنه طالما أن هناك نظام وحر وهناك أحرار. الصحافة المكتوبة تضعف بكل العالم، على حساب التلفزيونات والإنترنت والصحافة الإلكترونية، لكن لن تنتهي الجريدة أو المجلة المطبوعة، وعلينا أن نسعى دائما إلى أن نملك حريتنا، عبر عدة طرق؛ إذ يجب أن تصبح المؤسسات الإعلامية مجموعة وليست ملكية شخصية، فالمؤسسات الفردية لا تعيش طويلا، وهذا الحل الوحيد. كما في أميركا والسعودية أيضا، فمثلا جريدة «الشرق الأوسط» هي جزء من شركة إعلامية وإعلانية رائدة، وهي شركة مساهمة، أسهمها قيد التداول ويشتريها الناس. شاء من شاء وأبى من أبى، علينا أن نصل إلى عصر المؤسسات الإعلامية، فلم يعد ممكنا العمل الفردي أو العائلي في القطاع الإعلامي.
* هل تعتبر الإعلام الإلكتروني منافسًا أم شريكًا؟
- هو منافس وشريك، شر لا بد منه، لا نستطيع إلغاءه، لذلك علينا أن نكون سويا، لأنه لدينا رسالة واحدة. نحتاج إلى تشريع وعقد عمل بين الصحافة المكتوبة والإلكترونية، أي مصالح مشتركة بين الطرفين، وهذا يحتاج إلى تنظيم طبعا، وكله في النهاية يتبع لقانون الإعلام.
* هل سيكون الإعلام الإلكتروني تحت جسم نقابة الصحافة أو تحت جسم جديد؟
- أعتقد أننا نوسع «بيكار» النقابات، أنا لست ضدها، لكن في النهاية إذا توزعت الأدوار إلى هذا الحد فسوف تضعف، وأعتقد أنها إذا كانت نقابة واحدة و18 عضوا، أعتقد أنهم قادرون على القيام بالمهام في توصيل الرسالة التي يريدون توصيلها.
* هل سيكون الإعلام الإلكتروني جزءا من نقابة الصحافة أو جزءا منفصلا؟
- نحتاج إلى دراسة إمكانية الضم أو عدمه، ولا نستطيع الإجابة بسرعة عن هذا الموضوع لسبب بسيط، وهو أننا نريد أن نعرف كيفية التعاطي مع هذا العالم الجديد. الموضوع خلق جديدا، وهو معقد وليس سهلا أن تزاوج بينه وبين المكتوب، وهذه مسؤوليتنا نحن والدولة، ونحن والدولة في خندق واحد، أحاسبها كما تحاسبني، هناك قانون المطبوعات، وقانون للصحافة في أن تنتقد أي مسؤول أو سياسي ضمن عدم التجريح والكذب، وهذه هي حرية الرأي.
* هل السوق الإعلانية كافية لكي تعيش منها الصحافة اللبنانية؟
- لا نملك زمام الأمور في هذا الشأن، وهذه السوق الإعلانية أكثر شخص عبث به كما فعل الراحل أنطوان شويري، وقام بتركيبات لا نزال نعاني منها. وهناك شركات الإحصاء التي تعطيك معلومات لا أعلم مدى الدقة فيها، خصوصا أن هناك دائما مشكلات معها، والشركات الكبرى تعتمد هذه الإحصاءات لتوزّع الدخل الإعلاني، وهو الذي قام بتركيب تلفزيون مع جريدة مع مجلة، ويعطي أسعارا غريبة، فهذا تخريب وقد علّم الناس على السرقة، وهذا ما نعاني منه اليوم. أحترم عقله، لكن هذا العقل شرير وليس شطارة، لأن الكذب والاحتيال لا يمكن أن يكون شطارة، ولا يوجد دقة لشركات الإحصاءات ويجب علينا كنقابة أن يكون لنا دور في مراقبتها وأن نتدخل.
الصحف تعرضت للكثير، الراديو أخذ من طريقنا بداية، ثم التلفزيون، والإعلانات في السينما، لم يقتصر الوضع على تلفزيون واحد، إذ أصبح هناك مئات التلفزيونات في لبنان والعالم العربي، وجاءت الضربة من الصحافة الإلكترونية، فأنت تنتج جريدة من دون رأسمال، وبأقل عدد ممكن من الموظفين. هذه المهنة تزداد صعوبة كل يوم، لكن الكلمة المكتوبة ستظل باقية.
* هل تنقرض الصحافة المكتوبة لصالح الإعلام الإلكتروني؟
- لا.. في أميركا جربوا وتراجعوا، فالكتابة هي قاعدة الصحافة الإلكترونية.
* كم عدد الامتيازات الصحافية اللبنانية حاليا؟
- القانون اللبناني يمنع إعطاء المزيد من التراخيص لكي لا يغرق السوق. هناك حاليا 59 ترخيصا يوميا (صحيفة) و51 ترخيصا أسبوعيا (مجلة).
* كم يصدر منها؟
- 10% للأسف والسوق أصبحت تحديدا لبنانية. الإعلان لا يكفي لتغطية المصاريف والحل يكمن في إنشاء مؤسسات شركات.
* وكيف تصدر الصحف إذن؟
- الذي نعلن عنه ليس سرّيا، فكثير من رجال السياسة ورجال الأعمال وكثير من الذين يملكون شركات كبيرة أصبح يشتري امتيازات. فمثلا الوزير (السابق) إلياس المر ليست له علاقة بالصحافة، لكنه يمتلك صحيفة تصدر، والرئيس (الأسبق للحكومة) سعد الحريري نفس الشيء.
* الجرائد التي تأخذ مساعدات من شخصيات سياسية، ألا يؤثر هذا الشيء على أدائها ومصداقيتها؟
- أكيد يؤثر إلى حد ما، على الرغم من ذلك هناك هامش كبير للحرية مثل كثير من الصحف التي تعبر عن سياسيين، لكن لمصلحة لبنان، مثلا هناك دول مثل السعودية ومصر والكويت، تساعد ولا تطلب شيئا بالمقابل. هناك دولة واحدة تخرج عن القانون العام وهي تساعد سياسيا وليس مساعدات لمصلحة لبنان والصحافة اللبنانية.
* تقصد إيران؟
- لن أسمّي.
* وكيف تواجهون الاعتماد على السياسيين؟
- أنا أنشأت عدة مجلات ومطابع لأنني أريد أن أخفف من الاعتماد على المساعدات الخارجية. المجلة أخف مصروفا من الجريدة، وليس من الضروري أن تكون جميعها مربحة، لكن الجريدة استنزاف حقيقي، ويستحيل أن تكون هناك جريدة تربح في لبنان، بل في كل العالم، ما عدا السعودية والكويت وأبوظبي، لكن سوق الإعلان فيها لا تكون لفترة طويلة، وهذا وضع غير طبيعي.
* صحيفة «الشرق» تأسست قبل استقلال لبنان.. وما زالت مستمرة بالصدور.. ما سر حفاظها على مستوى متوازن؟
- صحيفة «الشرق» أقدم جريدة بيروتية اليوم، تأسست 1926 قبل «النهار» أيضا، والذي أسسها جدّي عوني الكعكي، و«النهار» أسسها جبران تويني سنة 1932. وأنا والنائب الراحل جبران (حفيد جبران تويني المؤسس) كنا نعزي بعضنا على أننا الجيل الثالث من الصحافة، أما المؤسسات الإعلامية من الجيل الثاني فمنها دار الصياد وآل فريحة.
* كيف بدأت حياتك المهنية؟
- توّجتُ رحلة طويلة في عالم الصحافة، بدأت منذ عام 1970 في «الشرق» التي أسسها المرحوم جدّي عوني الكعكي في عام 1926 الذي عانى كثيرًا من الانتداب الفرنسي، كون «الشرق» انطلقت تدعو للاستقلال التام والناجز. في سنوات عمره الأخيرة عانى والدي مرضًا جدّيًا، وكانت ظروفه صعبة فتأثرت «الشرق» بتلك الظروف وتراجعت بشكل ملحوظ. في السبعينات توفّى الله والدي فتسلمت الجريدة مع شقيقي معين. وكان هاجسي الدائم كيف يمكنني توفير الموارد التجارية لاستمرارية الصدور، على ألاّ تكون تلك الموارد مرتبطة بأي هدف سياسي.
* ما سياسة «الشرق»؟
- «الشرق» معروفة تاريخية، وفي أربعينات القرن العشرين الماضي تولى المرحوم والدي خير الدين الكعكي المسؤولية عن «الشرق» إثر وفاة المرحوم والده. وبدوره عانى الكثير مع الحكم الاستقلالي لأن «الشرق» كانت تناضل في سبيل وطن حر سيد مستقل الحكم فيه يقوم على الشفافية والإنماء المتوازن والانتماء إلى العروبة، ودولة المؤسسات. «الشرق» جريدة وطنية، جدي سجن وأبي أيضا، وأنا كنت دائما مشروع سجين، لكن رفض رفيق الحريري ذلك أنقذني من السجن.
* كيف حصل ذلك؟
- في عهد الرئيس الراحل إلياس الهراوي بسبب رسم كاريكاتيري، لزوجة الرئيس الهراوي يظهرها في محطة وقود وأبناؤه يريدون شراء البنزين، فاعتبر ذلك اعتداء على السيدة منى، وكان المدعي العام منيف عويدات، اتصل بي وسألني لماذا قمت بعمل يزعج فخامة الرئيس، وجاءت مذكرة من الأمن العام لإقفال الجريدة، وتوقيفي. لم يقبل الحريري بذلك، أنا كنت مستعدا للمحاكمة، لكن لا يجوز حبسي قبل المحاكمة، وحصلت مصالحة ولم يتم سجني.
* ما المطبوعات التي تصدر عن «الشرق»؟
- غير «الشرق» كان هناك 6 امتيازات في مجلات فنية لدعم الجريدة، نادين، ونادين الأم والطفل، ونادين مود، وعالم الساعات والوقت، وأوتوموبيل، والدكتور، وتكون مدخولا ثانيا، لأن الجرائد خسارة مادية. عدا عن المطبعتين اللتين أملكهما من أجل الحصول على أرباح تعويضا عن خسائر الجريدة. المجلات منها ما يربح كثيرا والبعض الآخر يربح القليل، وبشكل عام على الأقل لديك شركة كبيرة ومؤسسات.



«ثورة تكنولوجية» إخبارية حقيقية في آسيا

شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)
شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)
TT

«ثورة تكنولوجية» إخبارية حقيقية في آسيا

شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)
شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)

تعكف آسيا اليوم، على إعادة كتابة قواعد التلفزيون بهدوء. وفي خضم هذا التغيير، يتلاشى تدريجياً النمط القديم المتمثل في «تشغيل جهاز التلفزيون في تمام التاسعة مساءً لمتابعة الأخبار»، ليحل محله نبض رقمي، حيث يحدد الهاتف الذكي - وليس القناة - موعد وصول الأخبار. وبدلاً عن ضبط التلفزيون في وقت محدد، أصبح المشاهدون يتصفّحون وينقرون ويمررون الشاشة بأي وقت.

ومع انطلاقنا عبر عام 2026، باتت آسيا الساحة الرئيسة لعالم «ما بعد التلفزيون». وبفضل التحوّل المتواصل إلى منصات البث عبر الإنترنت (OTT) والطلب المتزايد على المعلومات «في أي وقت»، لم تعد آسيا مجرد مشارِكة في التحول العالمي نحو الاستهلاك عبر الهاتف المحمول، بل أصبحت تقوده.

إعادة هيكلة جذرية

في الواقع، إننا نعاين اليوم تحولاً هائلاً، وتشير التوقعات الصناعية الحديثة إلى أن انتشار منصات البث عبر الإنترنت في آسيا، سيصل إلى 62.5 في المائة بحلول عام 2029. في الوقت ذاته، نشهد في الوقت الراهن انتقال مئات الملايين من المشاهدين من أنظمة «الكايبل» والأقمار الاصطناعية التقليدية إلى البث عبر الإنترنت.

وكذلك، لا تقل التداعيات الاقتصادية المترتبة على هذا التحول ضخامة؛ ففي الوقت الذي تشير تقديرات إلى تراجع عائدات قنوات التلفزيون التقليدي في المنطقة بنحو 8 مليارات دولار خلال السنوات القليلة المقبلة، تشهد عائدات الفيديو عبر الإنترنت ارتفاعاً صاروخياً؛ إذ من المتوقع أن ترتفع من 70 مليار دولار عام 2025 إلى 89 مليار دولار بحلول نهاية العقد. ويكشف ذلك عن أن هذا ليس مجرد تغيير في الميول والتفضيلات، وإنما إعادة هيكلة شاملة لاقتصاد الإعلام. وحقاً، أصبح من النادر اليوم، أن تكون الشاشة التي يتابعها المشاهدون التلفزيون الكبير، بل أصبحت الجهاز الصغير الذي يحمله المرء باستمرار بيده. ومع أن محطات البث لا تزال حريصة على عرض نشرة الساعة التاسعة مساءً، فإنها تبدو بشكل متزايد وكأنها «ملف مصدر»، يجري تقسيمه إلى أجزاء صغيرة لتوزيعها عبر التطبيقات والموجزات ومنصات التواصل الاجتماعي.

البث عبر الإنترنت ونهاية الجداول الثابتة

من جهة ثانية، ما عادت منصات البث عبر الإنترنت مجرّد مستودعات للترفيه؛ بل تحوّلت هذه التطبيقات ساحات الأخبار الجديدة. ومع انحسار اعتماد المشاهدين على «الكايبل» التقليدي، استعاض المشاهدون عن التنقل بين القنوات، بالتصفح بين التطبيقات.

داخل الأسواق الناضجة مثل اليابان وكوريا الجنوبية، تُضاف خدمات البث عبر الإنترنت إلى أنظمة التلفزيون التقليدية. أما في الهند وإندونيسيا وفيتنام، فيُمثل البث المباشر تجربة الفيديو المنظمة الأولى لملايين المشاهدين. ومن جانبها، تستجيب شركات الاتصالات وشركات تشغيل القنوات التلفزيونية، من خلال إعادة تسمية تطبيقاتهم لتصبح «مجمّعات OTT فائقة»، مع تجميع البث التلفزيوني المباشر والرياضة والأخبار في تطبيقات واحدة. ومع انتقال جميع قنوات المحتوى إلى تطبيقات الهواتف المحمولة، يبدأ مفهوم «وقت الذروة» في التلاشي.

التوجّه الرقمي أولاً

قادة قطاع الإعلام في جميع أنحاء القارة، يدركون اليوم أن المؤسسات التقليدية أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التكيف أو الزوال. في هذا الإطار، قال مانوج دوبال، الرئيس التنفيذي لشركة «ديش تي في الهند»، إن التلفزيون لن يبقى محورياً، إلا إذا اندمج تماماً مع منصات البث عبر الإنترنت والتطبيقات. وبالمثل، أعرب راسموس كليس نيلسن، مدير «معهد رويترز» والباحث الخبير، عن اعتقاده بأن الاعتماد على المنصات للاطلاع على الأخبار، يُقوّض بشكل جذري النماذج التقليدية المتمركزة حول التلفزيون.

وفي الوقت نفسه، تتردد أصداء هذا الرأي داخل الصين. وكمثال، ذكرت «جمعية الصحافيين لعموم الصين»، في تقريرها السنوي، أن قطاع الإعلام في طور التحول من نموذج البث التقليدي، إلى نموذج المنّصات، وأن تقنيات الذكاء الاصطناعي والبيانات تتولى صياغة عملية التوزيع.

وهكذا، أصبح لدى شركات عملاقة في مجال الإعلام، مثل «تنسنت فيديو» و«يوكو»، دور محوري في كيفية استهلاك الأجيال الشابة للأفلام الوثائقية والأخبار. وبات المشاهدون الصينيون يعتمدون على البث المباشر حسب الطلب، باعتباره شاشتهم الرئيسة، متجاهلين برامج التلفزيون الحكومية.

بل، واللافت أنه حتى في اليابان، حيث لطالما كانت ظلت سوقها الإعلامية محافظة، أفاد «معهد أبحاث الصحافة الياباني» بأن عدد الذين يطلعون على الأخبار عبر الإنترنت يومياً، بات يفوق عدد من يتابعونها عبر التلفزيون أو الصحف المطبوعة. مثلاً، في صحيفة «أساهي شيمبون الرقمية»، يصل أكثر من 70 في المائة من القراء إلى المحتوى عبر الهواتف الذكية؛ ما يُشير إلى نقطة تحول حاسمة في اعتماد استهلاك المحتوى عبر الهواتف المحمولة.

أمام المقر الرئيس لشركة تنسنت الصينية العملاقة (رويترز)

تكنولوجيا متطورة... واعتبارات اقتصادية

في الهند، كذلك، ثمة ثورة تعتمل في هدوء داخل الاستوديوهات على صعيد عملية الإنتاج. إذ لم يعد يجري التخطيط للتقارير لبثها في فقرة واحدة مدتها 30 دقيقة. بل بدلاً من ذلك، يُصمِّم المحرّرون المحتوى مع مراعاة «خيارات متعددة»: نسخة تلفزيونية أطول للأرشيف، مقطع فيديو مُختصر للهواتف المحمولة للاستهلاك السريع، فيديو عمودي لوسائل التواصل الاجتماعي، تنبيه نصي قصير لتطبيقات المراسلة، مثل «واتساب».

بالتالي، نحن نشهد راهناً ليس التخلي عن الحنين إلى الماضي فحسب، وإنما نشهد ثورةً شاملة في الإيرادات تُغير وجه اقتصاديات الإعلام في جميع أنحاء آسيا. ومن المتوقع أن تنمو سوق خدمات الفيديو حسب الطلب (SVoD) من قرابة أربعة مليارات دولار أميركي إلى 20 مليار دولار بحلول عام 2029. ومن المتوقع كذلك أن ترتفع سوق خدمات الفيديو حسب الطلب المدعومة بالإعلانات (AVoD)، من 9 مليارات دولار إلى 24 مليار دولار خلال الفترة نفسها، مع تحول المعلنين والمستهلكين على حدٍ سواء من التلفزيون التقليدي، إلى منصات تعتمد على الخوارزميات وتُركز على الهواتف المحمولة.

فيما مضى، كانت الهيمنة من نصيب قنوات البث من خلال بيع فترات بث ثابتة. أما اليوم، فتُقدم الأخبار والبرامج الترفيهية في الوقت الفعلي عبر محركات التوصيات، مدعومةً بانتشار الهواتف الذكية بنسبة 90 في المائة تقريباً في معظم أنحاء منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وزيادة بنسبة 15 في المائة في وقت مشاهدة الفيديو عبر الهواتف المحمولة منذ عام 2023. ومن المنظور الاقتصادي، بالذات، يُعيد هذا التحول توجيه قيمة الإعلانات والاشتراكات من فترات البث التلفزيوني المجدولة، إلى أنظمة بيئية غنية بالبيانات تتمحور حول المنصات، حيث يمكن تتبع وقت النقر والتمرير والمشاهدة وتسعيرها وجني أرباح منه.

داخل سوق الإعلام الهندية المزدحمة، أصبحت شركة «ريلاينس جيو» نموذجاً لهذا التحول؛ فقد أدى اندماج «ريلاينس جيو» و«هوتستار» عام 2025، إلى ظهور عملاق في مجال البث المباشر يضم قرابة 300 مليون مشترك، ويحقق ما يقارب ملياري دولار أميركي سنوياً، من بث مباريات الكريكيت في الدوري الهندي الممتاز، والمسلسلات الدرامية الإقليمية، وخدمات الترفيه حسب الطلب. ويأتي ذلك في ظل توقّعات تشير إلى وصول الإيرادات إلى 5 مليارات دولار بحلول عام 2029.

في المقابل، نجد التحوّل داخل الصين أشد سطوعاً؛ حيث حوّلت شركات التكنولوجيا العملاقة في بكين منصات البث عبر الإنترنت، إلى منظومة إخبارية وترفيهية تُقدّر قيمتها بـ10 مليارات دولار، تجذب منصات مثل «تنسنت فيديو» وحدها قرابة 137 مليون مستخدم يومياً، يشاهدون المسلسلات القصيرة والبث المباشر ومقاطع الأخبار، ضمن بيئة تخضع لرقابة صارمة، لكنها تُراعي المحتوى المحلي. وتُضيف iQIYI أربعة مليارات دولار سنوياً من عائدات الاشتراكات والإعلانات، بفضل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، التي تُقدّم «تحديثات فورية» تصل في الغالب إلى الجمهور قبل البث التلفزيوني التقليدي.

وبحلول عام 2029، يتوقع أن تستحوذ الصين على قرابة 39 في المائة من إيرادات خدمات البث عبر الإنترنت في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، مدعومةً بالمحتوى القصير، والأخبار المُعتمدة على الخوارزميات، والتوسع في تجارة البث المباشر التي تبلغ قيمتها 500 مليار دولار أميركي، مع تحقيق الربح من كل مقطع فيديو جذاب عبر الإعلانات، أو الاشتراكات، أو عمليات الشراء المباشرة عبر الإنترنت.

في المقابل، يصاحب التحوّل في اليابان ضجيج أقل، لكنّه لا يقلّ أهمية. إذ تشير التوقعات إلى اتساع حجم سوق البثّ عبر الإنترنت في البلاد، من نحو 5 مليارات دولار إلى 7 مليارات دولار بحلول عام 2029، أي بنموّ سنويّ مركّب يبلغ قرابة 6.5 في المائة، في ظل تقديم منصّات مثل «أبيما تي في» نماذج هجينة تجمع بين البثّ المجانيّ والبثّ المباشر، والتي تحقق عائدات بنحو مليار دولار أميركيّ من الإعلانات عبر نشرات الأخبار السريعة، المصمّمة خصيصاً للهواتف المحمولة.

كما تُقدّم خدمة «دي تي في»، من «إن تي تي دوكومو»، باقةً من القنوات المميّزة وخدمات البثّ حسب الطلب ضمن نظام دفع واحد؛ ما يجذب قرابة 10 ملايين مشترك، ويُدمج تنبيهات فورية تُمكّن المستخدمين من متابعة الأخبار العاجلة فور حدوثها.

بالتالي، نجد في شتى أرجاء آسيا أن الأمر لم يعد مجرّد قصة تتعلّق بالتكنولوجيا أو الراحة؛ وإنما تتمحور القصة حول الإيرادات والبيانات والتحكم في دورة الأخبار اليومية، في وقت يُمثّل الهاتف الذكي محور نظام إعلامي وتجاري جديد.

وبالتزامن مع ذلك، غدت بيانات الهاتف المحمول في آسيا رخيصة للغاية؛ ففي الهند وجنوب شرق آسيا، تُقدّم شركات الاتصالات باقات بيانات متعددة الغيغابايت مقابل بضعة دولارات فقط؛ ما يجعل تشغيل تطبيقات متعددة أكثر اقتصادية، مقارنة بتكلفة صيانة جهاز استقبال الكايبل التقليدي.

المستقبل: عالم في حالة اتصال دائم

مع هذا، رغم كل ما سبق، من غير المرجح أن تختفي ساعة الأخبار المُجدولة بين عشية وضحاها؛ بل سيظل التلفزيون التقليدي عنصراً أساسياً بالنسبة لكبار السن وسكان المناطق الريفية. ولكن بمرور الوقت، سيصبح «وقت الأخبار» أقل ارتباطاً بالساعة وأكثر ارتباطاً بالهاتف المحمول. وبدلاً من التساؤل «ماذا ستعرض قناة الأخبار الساعة التاسعة؟»، سيفكر الناس «ماذا شاهدتُ بالفعل على هاتفي اليوم؟».

وأخيراً، فإن ريادة آسيا في هذا التحول ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج التركيبة السكانية الشابة، والتوسع السريع لشبكات الجيل الخامس، والطلب المتزايد على المحتوى المحلي المُخصّص. لم تختفِ «ساعة الأخبار»، بل امتدت لتشمل كل ساعة من ساعات اليوم. ولم يعُد التحكم حكراً على عدد قليل من المحطات، بل أصبح منتشراً عبر مليارات الشاشات والتطبيقات والمستخدمين. الآن، تُروى قصة آسيا في الوقت الفعلي، عبر تحديثات فورية.


تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)
TT

تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)

عززت شركة «غوغل» تطبيق «غوغل فيدز» المعنيّ بإنتاج الفيديو بأدوات جديدة من شأنها تشجيع الناشرين وصُناع المحتوى على إنتاج مزيد من المحتوى المرئي باحترافية أعلى ووقت وجهد أقل. وبينما عدّ خبراء هذه الخطوة «تحولاً جذرياً في آليات عمل غرف الأخبار»؛ فإنهم حذَّروا من أن «طمس الحدود بين المحتوى البشري والتقني قد يضع مصداقية المؤسسات على المحكّ ما لم تُحكَم بضوابط تحريرية صارمة».

«غوغل» كانت قد ذكرت في أبريل (نيسان) الجاري أن «التحديثات التي شهدها التطبيق تشمل توليد فيديوهات بجودة أعلى عبر أدوات لإنتاج الموسيقى المخصصة، بالإضافة إلى شخصيات افتراضية مدعومة بالذكاء الاصطناعي». وتسمح هذه «الحزمة للناشرين بتحويل المحتوى الصحافي إلى مادة مرئية في دقائق ودون الحاجة لفريق عمل ضخم».

وحقاً يرى مراقبون أن «غوغل» تسعى لتعزيز مكانتها في ظل منافسة محتدمة مع منصات مثل «تيك توك»، التي تطوّر تقنيات مشابهة تشمل ممثلين رقميين للترويج والبيع.

الدكتور حسن مصطفى، أستاذ التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في فرع جامعة روتشستر للتكنولوجيا بدبيّ، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الإشكالية الجوهرية تكمن في تصاعد التوتر بين السرعة والدقة... إذ إن التحديثات الجديدة تضاعف الضغط على هذه المعادلة؛ لأن الأدوات باتت أسرع من قدرة الإنسان على التفكير النقدي في اللحظة ذاتها».

وحذر مصطفى «من تعامل غرف الأخبار مع التقنية على أنها بديل للعملية التحريرية وليس بوصفها مُسرعاً لها... ذلك أن الحل يكمن في نموذج واضح، فالأداة تنتج مسودة والصحافي يعتمدها مع الالتزام بمراجعة إلزامية للأسماء والأرقام والتواريخ والمصادر». وشدد، من ثم، على أن «دور الصحافي (اليوم) أصبح أكثر عمقاً، حيث ينتقل من مجرد كاتب خبر إلى مراجع للسياق وضابط للنبرة البصرية لمنع التضليل... والذكاء الاصطناعي قد يكون دقيقاً في المعلومة، لكنه قد يضلل في العرض».

وعن الجدوى الاقتصادية، أشار الدكتور مصطفى إلى أن هذه الأدوات تحقق ثلاثة مكاسب رئيسية هي: «إنتاج أسرع، وتحويل سهل للمحتوى إلى عدة صيغ، وتقليل التكلفة التشغيلية». لكنه نبه إلى مخاطر «الاعتماد الزائد» الذي قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على التوزيع، وتشابه المحتوى بين المؤسسات، والتبعية التقنية الكاملة لمنصات «غوغل».

وحسب الدكتور مصطفى فإن «التقنية الجديدة محايدة، والثقافة المؤسسية هي التي تُحدد نتائجها، والمؤسسات الإعلامية التي ستنجح ليست تلك التي تتبنى أدوات الذكاء الاصطناعي بأكبر سرعة، بل تلك التي تُطور نهجا تحريرياً ناضجاً يعرف متى يستخدم الأداة، وكيف، ومتى يضع الإنسان في المقدمة... فالصحافي الذي يفهم ما تستطيع التقنية فعله -وما لا تستطيعه- هو الأصل الحقيقي لأي مؤسسة إعلامية في هذا العصر».

من جهة ثانية، خلال حوار مع «الشرق الأوسط» رأى رامي المليجي، مستشار الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي، أن العلاقة بين «غوغل» والناشرين «تكاملية»، موضحاً أن «غوغل سيرش» لا يزال يعتمد في جزء كبير منه على محتوى الناشرين، لذا تهتم المنصة بإطلاق أدوات مخصصة لهم.

وأضاف المليجي أن المؤسسات الإعلامية أصبحت ملزمة بتطوير محرريها لمواكبة مبدأ «الإغراق» الذي تحكمه خوارزميات التواصل الاجتماعي، إذ إن «من يُنتج أكثر يظهر أكثر». ولفت إلى أنه «في ظل الضغوط الاقتصادية، تتيح هذه الأدوات إنتاجاً غزيراً بأقل طاقة بشرية؛ لكن الاستخدام يجب أن يكون محوكماً وفق ضوابط أخلاقية». وحدد، من ثم، ثلاثة محاور لهذه الحوكمة، هي: احترام الحقوق الأدبية والامتناع عن انتهاك ملكية المحتوى، والشفافية المطلقة عبر الإفصاح للجمهور عن استخدام الذكاء الاصطناعي، وتحديد نوعية المحتوى المناسب.

المليجي رأى أن «الذكاء الاصطناعي يصلح للمحتوى السريع والقصص البسيطة، بينما تظل التحقيقات المعمقة والقصص الإنسانية والمقابلات العميقة بحاجة إلى العنصر البشري في مراحلها كافة».


البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.