سيمون دي بوفوار وجان بول سارتر... العقل طريقاً إلى القلب والكلمات سبيلاً إلى الإغواء

رفضا الخضوع لكل أشكال التدجين ودفنا في قبر واحد

سيمون دي بوفوار وسارتر
سيمون دي بوفوار وسارتر
TT

سيمون دي بوفوار وجان بول سارتر... العقل طريقاً إلى القلب والكلمات سبيلاً إلى الإغواء

سيمون دي بوفوار وسارتر
سيمون دي بوفوار وسارتر

يندر أن يعثر المرء على علاقة عاطفية جمعت بين كاتبين مميزين، كما هو حال العلاقة الوثيقة و«المعقدة» التي جمعت بين جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار. وإذا كانت هذه العلاقة لا تندرج في خانة الثنائيات الزوجية التقليدية التي تصدت لها هذه السلسلة من المقالات المتعلقة بزواج المبدعين، فإن ما جمع بين الكاتبين من روابط وثيقة لم يكن يقتصر على الحب المألوف والوله العاطفي فحسب، بل كان يتعدى ذلك ليتصل بالإبداع والانسجام الفكري وتشاطُر الرؤية إلى العالم. والأرجح أن ذلك الانسجام بالذات هو الذي سمح للعلاقة بين الطرفين أن تظل، رغم ما اعتورها من مخاطر وعثرات، عصية على الوهن والانهيار لخمسة عقود من الزمن.
على أن كلا من سارتر ودي بوفوار اللذين عرفا بموهبتهما العالية وذكائهما المتوقد كيف يدمغان القرن العشرين ببصمتهما الخاصة ونتاجهما الفكري الغزير والجريء، لا يدينان بالشهرة التي أصاباها لنتاجهما الفكري والفلسفي بمفرده، والذي تحتل الفلسفة الوجودية منه موقع القلب، بل لذلك التناغم التام بين دعوتهما النظرية إلى اعتناق الحرية كقيمة إنسانية مطلقة، وبين تمثلاتها التطبيقية على أرض الواقع، حيث لم يصغيا لأي صوت سوى ذلك النابع من رغباتهما المحتدمة، ومن ولعهما المشترك بكل ما تقدمه الحياة لهما من أسباب التوهج الجسدي والروحي. ولعل أكثر ما يلفت القارئ في هذا السياق، هو أن كليهما معاً لم يحرصا على إحاطة حياتهما الصاخبة بالكتمان، ولم يتسترا أبداً على كل ما اقترفاه من «زلات» الجسد ونزواته الرعناء.
ورغم وفرة المصادر التي تناولت سيرة سارتر ودي بوفوار الشخصية بالتدوين، فضلاً عما توليا كتابته بنفسيهما دونما حرج أو تمويه، فإن السيرة التي وضعها الكاتب البريطاني هازل رولي، تحت عنوان «سيمون دي بوفوار وجان بول سارتر وجهاً لوجه\ الحياة والحب»، هي واحدة من أكثر السير جرأة وشمولاً وتعقباً لحياة الكاتبين الشهيرين، حيث تتوزع بالتساوي بين النزق العارم للجسد الدنيوي وبين الفوران الذي لا يهدأ لأتون اللغة وجموح التخييل. وإذا كانت هذه المعادلة الذهبية تنطبق على الطرفين معاً، فإنها بالنسبة للمؤلف تتخذ مع سارتر، ذي الجسد الهزيل والوجه الأقرب إلى الدمامة، بُعدها الاستثنائي، وهو الذي اعترف لإحدى صديقات المراهقة بأنه عانى بسبب شعوره بالقبح من أعراض الكآبة، مقرراً أن يعوض عن نقصه ذاك بقوة الموهبة، «فهو إن لم يستطع إغواء النساء بواسطة مزاياه الجسدية، فسوف يغويهن بسطوة الكلمات».
قد تكون الصدفة المجردة هي التي وفرت لسارتر ودي بوفوار سبل اللقاء، حيث كانا يحضران نفسيهما لنيل شهادة الأستاذية في الفلسفة التي تؤهلهما لمهنة التدريس. لكن ما تلا ذلك من لقاءات كان ثمرة الكيمياء المشتركة التي لم تذبل بتقادم السنين، إضافة إلى طريقتيهما المتطابقتين في فهم العالم، ونزوعهما الفطري إلى التمرد وتعلقهما الدائم بالحرية. وإذا كانت سيمون قد كتبت في يومياتها المبكرة «ما أضيق عالمي الصغير إذا ما قيس بعالم سارتر الغني»، فإن ذلك لا يعني أن الأخير هو من لقنها دروس التعلق بالحرية والاحتجاج على التسلط الذكوري، بل إن شغفه بها عائد بالدرجة الأولى إلى ما لمسه عندها من نزوع تحرري وخروج على التقاليد. وإذ بدأت علاقتهما تتوطد على مر السنين اللاحقة، كان الفيلسوف المعروف بتعدد علاقاته مستعداً لأن يقدم للمرأة التي يحب كل ما يستطيعه، «باستثناء شخصه بالذات، لأن ما يحتاجه على الدوام هو أن يكون حراً».
وإذا كان يحلو لسارتر في بعض الأحيان أن يخاطب دي بوفوار بقوله «يا زوجتي الصغيرة»، ويحلو لها أن تناديه بالمقابل «يا زوجي الصغير العذب»، فإن تلك المناداة المتبادلة لم تكن سوى ضرب من ضروب الدعابة والتحبب. أما في العمق فقد كان إحساس دي بوفوار بالحرية ونزوعها الفطري إلى التمرد، موازياً تماماً لنزوع سارتر إلى ذلك. فهما لم يشآ الانضواء تحت راية المؤسسة التقليدية التي رفضا الإذعان لمتطلباتها المرهقة، حماية لجذوة الإبداع التي تمور في داخلهما من جهة، وحماية للعلاقة من التأسن والانحلال من جهة أخرى. وهو ما تمت ترجمته من جانبهما عبر لاءات ثلاث: لا للإقامة في منزل واحد إلا بشكل متقطع وعند الضرورة الملحة، لا لإنجاب الأطفال، ولا للاكتفاء بشريك واحد على المستويين العاطفي والجسدي، مع الحرص على ربط اللا الأخيرة بتجنب الشعور المرضي بالغيرة، وبالتخلي عن غريزة الامتلاك.
والواقع أن من يتتبع سيرة حياة الكاتبين البارزين، لا بد أن يكتشف مدى انسجام كل منهما مع أفكاره وطروحاته النظرية، بمعزل عن الصوابية «الأخلاقية» لمثل هذه التجربة الغريبة والنادرة، والتي تعيد إلى الأذهان علاقات النساء بالرجال في العصور المشاعية الأكثر قِدماً. واللافت في هذا السياق، هو إيثارهما المتبادل للصراحة والصدق، بحيث لم يكتف كل منهما بإطلاع الآخر على مغامراته العاطفية والجنسية، بل لطالما جرت هذه المغامرات بمعرفة الآخر وبتشجيع منه في الكثير من الأحيان.
وإذا كانت دي بوفوار قد أسرت لزميلتها في التدريس كوليت أودري بأن ما يجمعها بسارتر هو «عقد مبني على الحقيقة لا العاطفة»، فإن هذه الأخيرة قد رأت في تلك العلاقة قدْراً غير قليل من الحنان والحب، إلى حد «أنها جعلت الآخرين حزانى بسبب افتقارهم إلى مثْلها». ومع ذلك فإن سارتر لم يتردد في خوض مغامرة عابرة مع صديقة صديقته. أما أولغا كوزاكيفيتش التي شغف بها صاحب «الوجود والعدم» منذ كانت في سن العشرين، والتي لم تلبث بعد فترة قصيرة من علاقتها به، أن وقعت في غرام الكاتب جاك لوران بوست، فلم يجد سارتر طريقة للاقتصاص منها سوى إغواء أختها واندا، ذات الحضور المميز والجاذبية الآسرة، والتي دفعت دي بوفوار، وقد وقعت فريسة الغيرة، إلى وصفها ذات مرة بأنها «الضيفة التي أطالت المكوث». ولما كان سارتر مولعاً بالسفر إلى حد بعيد، فقد كان يربط بين افتتانه الدائم بالمرأة، وبين افتتانه بالأرض الجديدة وغير المكتشفة، وهو ما جعله يقع في غرام المذيعة الأميركية دولوريس فانيتي، أثناء زيارته إلى نيويورك، وفي غرام مرافقته الحسناء لينا زونينا أثناء زياراته المتكررة إلى الاتحاد السوفياتي في مطالع ستينيات القرن المنصرم، إضافة إلى مرافقته اليابانية في وقت لاحق. وقد اعترفت زونينا فيما بعد، بأنها لم تستجب لعرض سارتر بالزواج منها، لا لأنها لم تغرم به، بل لأنها ظلت تعتقد بأن علاقته بسيمون هي الأوثق والأبقى.
لم تقصر دو بوفوار من جهتها في نسج علاقات عاطفية وجسدية مع العديد من المثقفين والكتاب، ومن بينهم بوست نفسه، ومن ثم الكاتب الأميركي نيلسون ألغرين، الذي تراوحت علاقتها به بين المد والجزر، واستمرت لفترة طويلة. كما وقعت في غرام الكاتب الشاب والمشارك في هيئة تحرير «الأزمنة الحديثة» كلود لانزمان، رغم أنه يصغرها بسبعة عشر عاماً، تاركة لسارتر أن «يغرر» بأخته إيفلين، التي ما لبثت أن انتحرت فيما بعد بجرعة زائدة من المخدرات. وفي حين لم يُظهر سارتر أي ميل واضح للعلاقات الجنسية المثلية، فإن الأمر لم ينسحب على رفيقة دربه التي ارتبطت بعلاقات مثلية مع غير واحدة من صديقاتها، وبينهن من لم تتورع عن توزيع نفسها بالتساوي بين الشريكين المقبلين على الحياة بشراهة لا تعرف القيود. ومع ذلك فإن دي بوفوار تقر في مذكراتها، بأن تلك العلاقات لم تكن سوى بديل هزيل عن المتعة الحقيقية التي كان يوفرها لها حضور سارتر السخي في حياتها. لكنها إذ تعترف بأنها كانت أكثر تطلباً من شريكها على مستوى الرغبات، وأن علاقتهما الجسدية كانت «هزيلة جداً، وأقرب إلى الحنان منها إلى الشهوة الخالصة»، ما تلبث أن تضيف بأن علاقتها بالنساء ليس مردها الاشتهاء وحده، بل لأنها أرادت التماهي التام مع صاحب «الغثيان»، بحيث كانت «كانت تظن نفسها سارتر» وتتعقب حركات أصابعه على أجسادهن.
لا يعني ما تقدم ذكْره بأي حال أن العلاقة بين سارتر وسيمون دي بوفوار، ومهما بلغ حجم تعلقهما بالحرية الفردية، كانت خالية من المنغصات، وبخاصة من جهة سيمون التي عصفت بها الغيرة غير مرة، ولكنها آثرت ولو بكلفة عالية، أن تحافظ على التزامها بفكرة الحرية، وبالرجل العبقري الذي رأت فيه ضوءها في العتمة ورفيق دربها الأمثل. والواضح أن دي بوفوار التي اتُهمت من قبل الكثيرين بالمروق والتحلل الأخلاقي، لم تكن من صنف النساء الرومنسيات اللواتي يستسلمن بسهولة للعواطف المجردة، خصوصاً أنها لم تتوان في كتابها «وانتهى كل شيء» عن القول: «لا أحب الشعر أبداً، ولا يوقظ الشعر الحديث أي صدى في داخلي». ولعل نزوعها الدائم إلى «عقلنة» مشاعرها، هو الذي يكشف بوضوح عن تحول علاقتها بسارتر إلى نوع من الصداقة الفكرية الطويلة التي عمقتها رؤيتهما المشتركة إلى الوجود كما إلى الكتابة، وهي التي اعتبرت أن أياً من الكتب التي قرأتها، لم يوفر لها المتعة والفائدة اللتين وفرهما لها سارتر في كتاب «الكلمات».
لم يغب عن بال دي بوفوار بالطبع، أن الرجل الذي ارتبطت به ليس واحداً من الذين يمرون على الأرض مرور الكرام، وأن بقاء اسمها عبر الزمن لا يعود إلى نتاجها الفكري فحسب، بل هو ثمرة ارتباطها ولو بكلفة عالية، بصاحب «الأدب الملتزم» الذي لم يقتصر دوره في القرن الفائت على التنظير الفلسفي وحده، بل بات بالنسبة للكثيرين رمزاً ساطعاً لكل ما يتعلق بالدفاع عن العدالة والحرية وكرامة الإنسان. وبقدر ما استطاعت علاقة الثنائي الشائكة والفريدة أن تصمد في وجه الأعاصير، حرصت صاحبة «الجنس الآخر» كل الحرص، على أن يكون سارتر حاضراً كمفكر ورجل معشوق، في معظم ما أصدرته من أعمال. وهو ما بدا جلياً في كتابها الضخم «مراسم الوداع»، الذي تتبعت من خلاله، يوماً بيوم وساعة بساعة، السنوات العشر الأخيرة من حياة سارتر المترنحة تحت ضربات المرض والكهولة والوهن الجسدي. ومع أنه ظل حتى سنيه الأخيرة محاطاً بالعديد من نسائه القدامى والجدد، فقد باتت سيمون رفيقة رحلاته ومستودع أسراره، والصديقة التي اختارت بشكل طوعي أن تقرأ على مسامعه، وقد شارف على العمى الكامل، ما يحب من الكتب. كما كانت المرأة التي لفظ في كنف رعايتها له أنفاسه الأخيرة، قبل أن تتشارك معه، بعد مرور سنوات ست على رحيله، القبر نفسه والتراب إياه.



«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار
TT

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى. ليست سيرة فرد منعزل، بل سيرة تتشكّل داخل شبكة من العلاقات الأولى، حيث العاطفة لا تنفصل عن النَّسَب، والرغبة لا تنفصل عن الخوف، والذاكرة لا تنفصل عن الجسد. منذ الصفحات الأولى، لا يقدّم نبيل سليمان نفسه بوصفه شاهداً على ماضٍ مكتمل، بل بوصفه كائناً لا يزال يرى، ويختبر، كأن السيرة لا تُكتب بعد انقضاء التجربة، بل في أثناء تشكّلها من جديد.

يتجلى الأسلوب السردي هنا كأن الروائي ممسك بكرة زجاجية يشوبها الضباب، مثل الساحرات أو البصّارات، لا تزعم رؤية صافية، بل تكتفي بإيماءة مترددة: «أنا أرى... أرى». هذه الرؤية لا تُنتج صوراً حادة ولا مشاهد مغلقة، بل لقطات مغبشة، غير مكتملة، تتبدل ملامحها كلما أُديرت الكرة قليلاً. لذلك لا يستقر الزمن في «أوشام» على فصل محدد أو حالة نهائية: لم يكن شتاءً، ولا صيفاً، لا ليلاً ولا نهاراً كامليْن. الزمن هنا حالة إدراك، وليس تأريخاً وتقويماً. ما يُروى ليس ما حدث وانتهى، بل ما لا يزال يتشكّل في الذاكرة، وما لم يُحسم بعد.

من هنا تبدأ السيرة بالحب، ليس بوصفه قصة مكتملة، بل بوصفه ارتباكاً أول، نظرة من نافذة، جسداً يكتشف جسداً آخر، وخسارة مبكرة تتحوّل إلى أثر دائم. قصص الحب التي يستعيدها نبيل سليمان ليست عظيمة ولا استثنائية، بل بسيطة، مراهِقة، عارية من البلاغة. وهذه البساطة هي ما تمنحها قيمتها. أن يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته، علناً، أمام قرائه، لا ليجمّلها ولا ليسخر منها، بل ليضعها في قلب سيرته، فهو فعل مراجعة نادر. هنا يتبدى أسلوب سردي جديد، أسلوب لا يتكئ على المسافة العمرية ليعلو فوق التجربة، بل ليعيد الدخول إليها بعينها المرتبكة نفسها.

النساء في هذا الكتاب يحضرن بوصفهن نقاط تشكّل في الوعي وهي درجة أقل من شخصيات روائية واضحة متجسدة. سعاد، شفيقة، زلفى، ثم غنوة، لسن صوراً متطابقة، ولا نسخاً متكررة، بل تحولات لجرح واحد، ينتقل من الواقع إلى التخييل، ثم يعود إلى السيرة. زلفى، تحديداً، تكشف عن البنية العميقة للمشروع الروائي كله: امرأة تُفقد في الواقع، فتُستعاد في الرواية، ثم تُسترجع في السيرة بوصفها أصلاً هشّاً لكل ذلك التخييل. لا ينفي الكاتب رواياته السابقة، بل يكشف عن كيف كانت المخيلة تعمل كآلية تعويض، وكيف كانت الشخصيات تحمل آثاراً حقيقية جرى تفكيكها وإعادة تركيبها.

غير أن «أوشام» لا تقف عند الحب الفردي، بل تتسع لتصبح سيرة عائلة. الأب الدركي، التنقل الدائم، المخافر، البيوت المؤقتة، الأم التي تتحمل الفقدان والانتقال والصمت، الجد الذي ينهر، الأطفال النيام في الغرف... كل ذلك يُكتب بلغة نثرية مشبعة بالشعر، غير تجميلية، بل لإبقائه في حالته المعلّقة. استخدام الفعل المضارع في السرد ليس خياراً شكلياً، بل قرار بنيوي. لا يقول الكاتب: كان الضباب، بل يقول: يُظلمُ الضباب. بهذا التحول البسيط، يضع القارئ داخل المشهد، وليس خارجه. الذاكرة لا تُعرض بوصفها ماضياً مكتملاً، بل حادثاً يُبنى أمامنا الآن، لحظة بلحظة، كأن كاميرا تتحرك ببطء، تكشف عن الغرف، والأجساد النائمة، والأصوات المكتومة، والعلاقات كما لو أنها تحدث للمرّة الأولى.

هذا الأسلوب يبلغ ذروته في المقاطع التي تتقاطع فيها السيرة العائلية مع سيرة الكتب. في العلاقة مع الأم، لا يعود الكتاب موضوعاً ثقافياً، وإنما وسيلة حياة. فجأةً يصعُب النطقُ عليك مثل البلع، والطبيب الذي نصح بالاستئصال كالطبيب الذي حذَّر منه، ينذران بالخنق، فيما الأم تبتسم وتتحشرج وتطلب حكاية. هنا تتحول القراءة إلى فعل رعاية، إلى محاولة إنقاذ أخيرة عبر السرد.

يبدأ الكاتب من «كان يا ما كان»، لا بوصفها صيغة طفولية، بل بوصفها ما تبقَّى حين يعجز الطب. يستحضر كتباً عن الأم، من غوركي إلى غسان كنفاني، من بيرل باك إلى بريخت، ومن بودلير إلى إيزابيل الليندي، كأن الأدب كلّه يتقاطر في هذه اللحظة ليصير درعاً هشة في مواجهة الفقدان. الأم هنا ليست موضوعاً للرثاء والحنين، بل كيانٌ حيٌّ داخل اللغة، ولذلك يرفض الكاتب صيغة الموت المكتمل. يستحضر كامو وعبارته الشهيرة عن موت الأم، لا ليكرر برود شخصيته الرئيسية «ميرسو»، بل ليقلبه: أنا أردد العبارة لأنني على يقين أن حبيبتي «شفيقة بنت علي نصور لا تموت».

بهذا المعنى، تنتهي السيرة حيث بدأت: عند الحب. حب المرأة الأولى، حب الأم، حب العائلة، حب الكتب، حب الحياة بوصفها حكاية تُروى كي لا تختنق. «أوشام» لا تكتفي بأن تكون سيرة تُغلق الماضي، بل نصاً يتركه مفتوحاً، مغبشاً، قيد التشكّل. الضباب لا ينقشع، لكنه يصير مرئياً. والكرة الزجاجية لا تعطينا يقيناً، لكنها تسمح لنا بأن نرى مع الكاتب، لا بعده، وأن نشاركه اكتشاف ذاكرة لا تزال تحدث الآن.

إلى جانب هذا النسيج العائلي والوجداني، تتسع «أوشام» لتضم ذاكرة الصداقة والرفقة الثقافية، حيث يظهر الكاتب محاطاً بوجوه صنعت زمناً كاملاً من الحياة السورية. في هذا الحقل، تحضر علاقة نبيل سليمان بعمر حجو بوصفها خبرة إنسانية معيشة، علاقة تقوم على القرب اليومي، على الصوت والضحكة والحضور الجسدي، وعلى تفاصيل عابرة اكتسبت مع الزمن وزنها الرمزي. الصداقة هنا تُروى كما تُروى بقية عناصر الذاكرة: مشهد يتحرك، صورة تتكاثف ثم تخفّ، إحساس يمرّ في الجملة من دون أن يُحبس في تعريف. والأسماء السورية التي يستدعيها نبيل سليمان في «أوشام» تدخل النص بالطريقة نفسها، كجزء من نسيج عيش مشترك، من حوارات وسهرات وتقاطعات فكرية وعاطفية، كوّنت ما يشبه عائلة ثانية، عائلة اختارت نفسها عبر التجربة. هكذا تمتد السيرة من فضاء الفرد إلى فضاء الرفقة، ومن الذاكرة الخاصة إلى ذاكرة جيل، حيث تأخذ الصداقة مكانها بوصفها أحد أشكال الحب الهادئة، المستقرة، التي لا تحتاج إلى إعلان لكي تكون حاضرة.

وفي استعادة نبيل سليمان لعلاقته بحجو، تنفتح الذاكرة على طبقة سمعية شديدة الحضور، حيث تتقدّم الأغاني بوصفها لغة مشتركة بين الصديقين. الغناء الذي كان يجمعهما يمرّ كاستذكار عابر، كجزء من نسيج العيش اليومي، من السهرات، ومن لحظات الانفراج القليلة داخل زمن مثقل. عبْر حجو وذكراه، يفتح نبيل سليمان للقارئ باباً على عالمه الموسيقي، على الأغاني التي كانا يتقاسمانها، يرددانها، ويتركانها تملأ الفراغ بين الكلام والكلام. الصوت هنا هو خلفية أساس سردي، وهو أيضاً طريق للدخول إلى حساسية الكاتب، إلى طريقته في الإصغاء قبل الكتابة. الغناء يتحوّل إلى جسر؛ لا بين شخصين فقط، بل بين السرد والنبرة، بين الذاكرة والنص، كأن الموسيقى كانت أحد الوسائط التي عبَرت منها الحياة إلى الكتابة، ومنحت السيرة إيقاعها الداخلي، ذلك الإيقاع الذي سيستمر لاحقاً في الروايات، حيث تتسلل الأغنية إلى الجملة، وتعمل بوصفها ذاكرة موازية لا تقل كثافة عن الصورة والكلمة.

أنْ يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته علناً أمام قرائه لا ليجمّلها ولا ليسخر منها بل ليضعها في قلب سيرته فهو فعل مراجعة نادر

هذا الفصل من «أوشام» يقدّم الغناء بوصفه سيرة سمعية موازية للسيرة الحياتية والروائية، ويكشف عن أن الموسيقى ليست عنصراً مرافقاً في تجربة نبيل سليمان، بل إحدى آليات تشكّل الذاكرة والكتابة معاً. الغناء هنا يتحرك من المشهد الحيّ إلى النص، من سهرة حلبية مع جمال الغيطاني وأصابع أيمن الجسري، إلى غرف الفنادق في القاهرة، إلى مقهى الزوزو في جبلة، إلى البيت العائلي حيث الأب يفتح باب الغناء العراقي بوصفه طقساً يومياً، ثم إلى الرقة التي تتكثف فيها هذه السلالة السمعية، قبل أن تستقر داخل الروايات نفسها مادةً بنيوية.

ما يفعله سليمان في هذا الفصل أنه يثبّت مصدر الصوت في المكان واللحظة، ثم يتركه يهاجر إلى السرد، فيغدو الغناء إيقاعاً داخلياً للجملة، وأحياناً منطقاً كاملاً لبناء الفصول، كما في استخدامه للأهازيج والقدود والموشحات وأغاني الفرات والمدينة بوصفها مفاتيح زمنية ودلالية داخل «مدارات الشرق» وسواها. الجملة السردية تتمدّد مع التقاسيم والارتجال، ثم تنكمش لتلتقط ملاحظة حساسة عن تغيّر المزاج التاريخي للأغنية، كما في قراءته لتحوّل أداء «أهواك» من نعومة رومانسية إلى صرامة تعكس زمناً آخر، فيتحوّل الغناء إلى جهاز رصد دقيق لتحولات الحساسية الاجتماعية والسياسية من دون خطاب مباشر. الفصل يكشف أيضاً عن منطق السلالة: صوت الأب يُورَّث، ثم يُنمّى، ثم يتشابك مع أصدقاء ومثقفين عرب، ثم يُعاد إنتاجه داخل الرواية، بحيث لا يبدو الغناء مستخدماً من الخارج، بل معيشاً من الداخل. صحيح أن كثافة الأسماء والأغاني تخلق فائضاً سمعياً قد يبدو إغراقياً، لكنه فائض مقصود، يشبه سهرة طويلة لا تريد أن تنتهي، ويفرض على القارئ أن يسمع بقدر ما يقرأ. قيمة هذا الفصل أنه يفتح مدخلاً مختلفاً لقراءة مشروع نبيل سليمان الروائي من زاوية الإيقاع، والتراث السمعي بوصفه خلفية للأحداث، وأيضاً بوصفه لحماً لغوياً وآلة توقيت سردية، ويضيف إلى «أوشام» وشماً إضافياً: وشم الصوت، وشم النبرة، وشم ما يدخل من الأذن ليستقر في الجملة.

* كاتب سوري.


تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
TT

تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.

تضمّ بادية الأردن سلسلة من القصور الأموية، أكبرها قصر «المَشتى» في لواء الجيزة. سلّط العلماء المستشرقون الضوء على هذا الموقع في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ونجحت بعثة ألمانية في نقل واجهته الجنوبية الضخمة إلى برلين في مطلع القرن العشرين بعدما أهداها السلطان عبد الحميد إلى حليفه ملك بروسيا غليوم الثاني، فدخلت «متحف القيصر فريديريك» في عام 1903، ثم نُقلت إلى «متحف الفن الإسلامي» في 1932. ويُعد هذا المتحف أقدم وأكبر متحف مخصّص للفن الإسلامي في أوروبا وأميركا. تحتلّ واجهة «المَشتى» الحيز الأكبر في هذا الصرح الأوروبي، وتحضر إلى جوارها مجموعة صغيرة مستقلّة من التماثيل المهشّمة شكّلت في الأصل جزءاً من أثاث هذا القصر. تشهد هذه المجموعة لتقليد نحتي أموي خاص، اتّضحت هوّيته الفنيّة بشكل جليّ من خلال مجموعات مشابهة خرجت من قصور أموية أخرى تمّ استكشافها في ثلاثينات القرن الماضي.

تُعرض تماثيل قصر «المَشتى» على منصّات مستطيلة بيضاء في ركن من أركان القاعة المخصّصة لواجهة القصر الضخمة في «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتبدو للوهلة الأولى أشبه بكتل حجرية مهشّمة على هامش هذه الواجهة المزينة بزخارف محفورة في الحجر الجيري، حافظت على معالمها بشكل شبه كامل. تبرز في هذا الركن قطعة حافظت وحدها على الجزء الأكبر من تكوينها، وتتمثّل بكتلة من حجر كلسيّ منحوت ومصقول، تجسّد أسداً رابضاً على قاعدة بيضاء، يبلغ طوله 72 سنتيمتراً، وعرضه 122 سنتيمتراً. يبدو هذا الأسد جاثياً بثبات على قائمتيه الخلفيتين المطويتين فوق قاعدة مستطيلة رقيقة مجرّدة من أي زخرفة، باسطاً قائمتيه الأماميتيّن، وتبدو معالم تكوينه واضحة وجليّة، على الرغم من ضياع الجزء الأكبر من رأسه وطرفي قائمتيه الأماميتين. سقطت عناصر ملامح الوجه، وبات من الصعب تحديدها، وتشير وضعيّته إلى رأس منتصب وملتصق بالصدر، تحيط به لبدة كثيفة تتكوّن من خصلات شعر متراصّة ومتوازية، تمتدّ وتشمل اللحية، فتشكّل معها عقداً يلتفّ حول كتلة الذقن البيضاوية.

الجسم طويل وأملس، وأعضاؤه محدّدة بشكل جليّ يحاكي المثال الواقعي، كما يشهد التجسيم الدقيق والمحكم لمفاصل البدن. يبرز هذا الأسلوب في تكوين القائمتين الخلفيتين، ويتجلّى في نتوء المخالب الناتئة التي تحدّ طرفيها. تجدر الإشارة هنا إلى وجود قطعة منحوتة صغيرة خرجت من قصر «المَشتى»، تحضر فيها هذه المخالب بشكل مماثل. ولا ندري إن كانت هذه القطعة تعود في الأصل إلى هذا التمثال، أم إلى تمثال مماثل شكّل تأليفاّ ثنائياً معه، وفقاً لتقليد فني ساد في أقاليم الإمبراطورية الساسانية. انقضت هذه الإمبراطورية مع الفتح الإسلامي لبلاد فارس، إلا أنَّ نتاجها الثَّقافي ظلَّ حياً، وطبع مجمل ميادين الفن الأموي، ويشكّل أسد «المَشتى» شاهداً من شواهد هذا التلاقح.

تقابل هذا الليث قطع منحوتة مهشّمة، يشكّل كل منها جزءاً بسيطاً من تمثال أنثوي بات من الصعب تحديد شكل تكوينه الأصلي. تُمثّل إحدى هذه القطع رأساً بقي من ملامحه محجرا العينين الواسعين، والطرف الأسفل للأنف، وشفتا الثغر المطبقتان على ابتسامة خفيّة. الوجنتان عريضتان، وتوحيان بأن هذا الوجه النضر يعود إلى امرأة تعلو رأسها كتلة من الشعر الكثيف، تبلغ مساحتها العليا ضعف مساحة الوجه. في المقابل، تكشف قطعتان منحوتتين عن صدر أنثوي ممتلئ ومكتنز. كما تكشف قطعة ثالثة عن فخذَي ساقين متلاصقتين، تتميّزان كذلك بهذا الطابع المكتنز. حافظت هذه القطعة على قماشتها المصقولة، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طولها 70 سنتيمتراً، وعرضها 50 سنتيمتراً، مما يوحي بأنها تعود لتمثال يحاكي في حجمه المثال الطبيعي. حافظت هذه الكتلة الثلاثية الأبعاد على تفاصيل تكوينها، وتُظهر هذه التفاصيل رداءً رقيقاً ينزاح عن الردفين، بقي طرفه حاضراً عند أعلى الفخذ اليسرى. تظهر على هذه الفخذ بقايا كتابة منقوشة بالخط الكوفي، تتجه من الأعلى إلى الأسفل. للأسف، لم يتمكّن أهل الاختصاص من فكّ نص هذه الكتابة، وترى إحدى القراءات الافتراضية أنها تذكر اسم صاحبة هذا التمثال.

يحتفظ متحف الآثار الأردني بقطعة مشابهة، كشفت عنها أعمال الترميم والتنظيف التي أجرتها دائرة الآثار العامة خلال عام 1962 في قصر «المشتى». صيغت هذه القطعة كذلك وفقاً للقياس الطبيعي، ويبلغ طولها 75 سنتيمتراً، وعرضها 52 سنتيمتراً، وتمثّل الحوض وأعلى الساقين. يظهر هنا الرداء الذي ينسدل على الفخذ اليمنى، كاشفاً عن الفخذ اليسرى، وتظهر ثناياه المحدّدة وفقاً للطراز اليوناني الكلاسيكي. فقد هذا التمثال ذراعيه، غير أن ما بقي من طرفيهما الأسفل يشير إلى يدين تحمل كلّ منهما أداة ما، بات من المستحيل تحديد هوّيتها.

تشهد هذه المنحوتات لمثال أنثوي أموي، ظهرت خصائصه تشكيلياً عند دراسة جداريات موقع أموي من مواقع البادية الأردنية يُعرف بقصير عمرة، كشف عنه العالم التشيكي ألوييس موزيل في مؤلف ضخم نُشر في جزأين عام 1907. وتأكّدت هذه الخصائص في مجال النحت مع ظهور منحوتات أنثوية مشابهة، خرجت من قصر أموي يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، خلال أعمال التنقيب التي أجرتها بعثة تابعة لدائرة الآثار البريطانية في منتصف الثلاثينات.

يتميّز هذا المثال بجسد مكتنز وممتلئ، يميل إلى شيء من البدانة، كما يتميّز بوجوه تعكس هذا الطابع. يتكرّر هذا الطراز في قوالب مختلفة، تكشف دراسة هذه القوالب عن اعتماد تسريحات شعر وحلل زينية متعدّدة الأشكال، شكّلت مفردات لقاموس فني يوازي القاموس الأدبي الذي عُرف به هذا العصر الزاخر بالعطاء.


رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه
TT

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه»، وهو من تأليف الشاعر والمسرحي الإسباني فديريكو غارثيا لوركا، وترجمه عن الإسبانية المترجم والشاعر حسين نهابة.

يقول المترجم إن هذا الكتاب «هو عبارة عن مجموعة من المراسلات الشخصية التي كتبها لوركا إلى عائلته وأصدقائه من الفنانين والأدباء»، مضيفاً أن هذه الرسائل تكشف جوانب عميقة من شخصية لوركا، ولا سيما ما يتعلق بأقرب المقرّبين إليه، وما كان يتمتع به من روابط إنسانية وفنية مهمة ووثيقة.

ويسلط الكتاب الضوء، كما يضيف، «على العلاقات العائلية والصراعات الشخصية، إذ يكتب لوركا لوالديه عن رحلاته إلى الأديرة، مثل دير سانتو دومينغو دي سيلوس، واستمتاعه بالهدوء والفن المعماري، كما يعبّر في رسائله عن رغبته في الاستقلال، ولا سيما في مخاطبته لوالده، حيث يدافع بشدة عن خياره الفني، مطالباً بتركه في مدريد لمتابعة عمله الأدبي بدلاً من العودة إلى غرناطة، معتبراً أن الفن هو معركته الحقيقية.

وبعض الرسائل خُصصت لتوضيح علاقاته بالوسط الفني ومجايليه، حيث يشير الكتاب إلى العلاقة القوية التي جمعته بالفنان السوريالي سلفادور دالي، وانتظاره لزيارة دالي إلى منزله، وتخطيطه لإقامة حفلة غجرية على شرفه، فضلاً عن رسائل أخرى وجّهها إلى شخصيات بارزة مثل أدريانو ديل فايي، وأنخيل باريوس، وأدولفو سالاثار، يناقش فيها مشاريعه الموسيقية، وقصائده، وتطلعاته الفنية.

وتبين الرسائل تأمّلات لوركا في فلسفة الشعر، حيث يصف نفسه بأنه «شاب فقير، شغوف وصامت»، يحمل في داخله زنبقة مستحيلة الري، ويعبّر عن حزنه الدائم الذي يشكّل جوهر شعره، معتبراً أن الشعر هو «مملكة الكآبة». فضلاً عن تأمّلاته في الفن والواقع، إذ ناقش لوركا رسوماته الفنية، مؤكداً ضرورة ربط التجريد بالواقع، وواصفاً عملية الرسم بأنها تمنحه شعوراً بالحرية والنقاء. وبين أن الرسائل تكشف عن شغفه الكبير بالموسيقى، ولا سيما الموسيقى الشعبية الغرناطية، وتعاونه مع الموسيقي مانويل دي فايا في مشاريع فنية، من بينها «مسرح الدمى». وتطرّق لوركا أيضاً إلى تجاربه في السفر، حيث تناول رحلته الشهيرة إلى أميركا الشمالية، واصفاً حياته على متن السفينة العابرة للمحيطات، وتأثره بالأشخاص الذين التقاهم، مثل الطفل المجري الذي ألهمه إحدى قصائده.