سيمون دي بوفوار وجان بول سارتر... العقل طريقاً إلى القلب والكلمات سبيلاً إلى الإغواء

رفضا الخضوع لكل أشكال التدجين ودفنا في قبر واحد

سيمون دي بوفوار وسارتر
سيمون دي بوفوار وسارتر
TT

سيمون دي بوفوار وجان بول سارتر... العقل طريقاً إلى القلب والكلمات سبيلاً إلى الإغواء

سيمون دي بوفوار وسارتر
سيمون دي بوفوار وسارتر

يندر أن يعثر المرء على علاقة عاطفية جمعت بين كاتبين مميزين، كما هو حال العلاقة الوثيقة و«المعقدة» التي جمعت بين جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار. وإذا كانت هذه العلاقة لا تندرج في خانة الثنائيات الزوجية التقليدية التي تصدت لها هذه السلسلة من المقالات المتعلقة بزواج المبدعين، فإن ما جمع بين الكاتبين من روابط وثيقة لم يكن يقتصر على الحب المألوف والوله العاطفي فحسب، بل كان يتعدى ذلك ليتصل بالإبداع والانسجام الفكري وتشاطُر الرؤية إلى العالم. والأرجح أن ذلك الانسجام بالذات هو الذي سمح للعلاقة بين الطرفين أن تظل، رغم ما اعتورها من مخاطر وعثرات، عصية على الوهن والانهيار لخمسة عقود من الزمن.
على أن كلا من سارتر ودي بوفوار اللذين عرفا بموهبتهما العالية وذكائهما المتوقد كيف يدمغان القرن العشرين ببصمتهما الخاصة ونتاجهما الفكري الغزير والجريء، لا يدينان بالشهرة التي أصاباها لنتاجهما الفكري والفلسفي بمفرده، والذي تحتل الفلسفة الوجودية منه موقع القلب، بل لذلك التناغم التام بين دعوتهما النظرية إلى اعتناق الحرية كقيمة إنسانية مطلقة، وبين تمثلاتها التطبيقية على أرض الواقع، حيث لم يصغيا لأي صوت سوى ذلك النابع من رغباتهما المحتدمة، ومن ولعهما المشترك بكل ما تقدمه الحياة لهما من أسباب التوهج الجسدي والروحي. ولعل أكثر ما يلفت القارئ في هذا السياق، هو أن كليهما معاً لم يحرصا على إحاطة حياتهما الصاخبة بالكتمان، ولم يتسترا أبداً على كل ما اقترفاه من «زلات» الجسد ونزواته الرعناء.
ورغم وفرة المصادر التي تناولت سيرة سارتر ودي بوفوار الشخصية بالتدوين، فضلاً عما توليا كتابته بنفسيهما دونما حرج أو تمويه، فإن السيرة التي وضعها الكاتب البريطاني هازل رولي، تحت عنوان «سيمون دي بوفوار وجان بول سارتر وجهاً لوجه\ الحياة والحب»، هي واحدة من أكثر السير جرأة وشمولاً وتعقباً لحياة الكاتبين الشهيرين، حيث تتوزع بالتساوي بين النزق العارم للجسد الدنيوي وبين الفوران الذي لا يهدأ لأتون اللغة وجموح التخييل. وإذا كانت هذه المعادلة الذهبية تنطبق على الطرفين معاً، فإنها بالنسبة للمؤلف تتخذ مع سارتر، ذي الجسد الهزيل والوجه الأقرب إلى الدمامة، بُعدها الاستثنائي، وهو الذي اعترف لإحدى صديقات المراهقة بأنه عانى بسبب شعوره بالقبح من أعراض الكآبة، مقرراً أن يعوض عن نقصه ذاك بقوة الموهبة، «فهو إن لم يستطع إغواء النساء بواسطة مزاياه الجسدية، فسوف يغويهن بسطوة الكلمات».
قد تكون الصدفة المجردة هي التي وفرت لسارتر ودي بوفوار سبل اللقاء، حيث كانا يحضران نفسيهما لنيل شهادة الأستاذية في الفلسفة التي تؤهلهما لمهنة التدريس. لكن ما تلا ذلك من لقاءات كان ثمرة الكيمياء المشتركة التي لم تذبل بتقادم السنين، إضافة إلى طريقتيهما المتطابقتين في فهم العالم، ونزوعهما الفطري إلى التمرد وتعلقهما الدائم بالحرية. وإذا كانت سيمون قد كتبت في يومياتها المبكرة «ما أضيق عالمي الصغير إذا ما قيس بعالم سارتر الغني»، فإن ذلك لا يعني أن الأخير هو من لقنها دروس التعلق بالحرية والاحتجاج على التسلط الذكوري، بل إن شغفه بها عائد بالدرجة الأولى إلى ما لمسه عندها من نزوع تحرري وخروج على التقاليد. وإذ بدأت علاقتهما تتوطد على مر السنين اللاحقة، كان الفيلسوف المعروف بتعدد علاقاته مستعداً لأن يقدم للمرأة التي يحب كل ما يستطيعه، «باستثناء شخصه بالذات، لأن ما يحتاجه على الدوام هو أن يكون حراً».
وإذا كان يحلو لسارتر في بعض الأحيان أن يخاطب دي بوفوار بقوله «يا زوجتي الصغيرة»، ويحلو لها أن تناديه بالمقابل «يا زوجي الصغير العذب»، فإن تلك المناداة المتبادلة لم تكن سوى ضرب من ضروب الدعابة والتحبب. أما في العمق فقد كان إحساس دي بوفوار بالحرية ونزوعها الفطري إلى التمرد، موازياً تماماً لنزوع سارتر إلى ذلك. فهما لم يشآ الانضواء تحت راية المؤسسة التقليدية التي رفضا الإذعان لمتطلباتها المرهقة، حماية لجذوة الإبداع التي تمور في داخلهما من جهة، وحماية للعلاقة من التأسن والانحلال من جهة أخرى. وهو ما تمت ترجمته من جانبهما عبر لاءات ثلاث: لا للإقامة في منزل واحد إلا بشكل متقطع وعند الضرورة الملحة، لا لإنجاب الأطفال، ولا للاكتفاء بشريك واحد على المستويين العاطفي والجسدي، مع الحرص على ربط اللا الأخيرة بتجنب الشعور المرضي بالغيرة، وبالتخلي عن غريزة الامتلاك.
والواقع أن من يتتبع سيرة حياة الكاتبين البارزين، لا بد أن يكتشف مدى انسجام كل منهما مع أفكاره وطروحاته النظرية، بمعزل عن الصوابية «الأخلاقية» لمثل هذه التجربة الغريبة والنادرة، والتي تعيد إلى الأذهان علاقات النساء بالرجال في العصور المشاعية الأكثر قِدماً. واللافت في هذا السياق، هو إيثارهما المتبادل للصراحة والصدق، بحيث لم يكتف كل منهما بإطلاع الآخر على مغامراته العاطفية والجنسية، بل لطالما جرت هذه المغامرات بمعرفة الآخر وبتشجيع منه في الكثير من الأحيان.
وإذا كانت دي بوفوار قد أسرت لزميلتها في التدريس كوليت أودري بأن ما يجمعها بسارتر هو «عقد مبني على الحقيقة لا العاطفة»، فإن هذه الأخيرة قد رأت في تلك العلاقة قدْراً غير قليل من الحنان والحب، إلى حد «أنها جعلت الآخرين حزانى بسبب افتقارهم إلى مثْلها». ومع ذلك فإن سارتر لم يتردد في خوض مغامرة عابرة مع صديقة صديقته. أما أولغا كوزاكيفيتش التي شغف بها صاحب «الوجود والعدم» منذ كانت في سن العشرين، والتي لم تلبث بعد فترة قصيرة من علاقتها به، أن وقعت في غرام الكاتب جاك لوران بوست، فلم يجد سارتر طريقة للاقتصاص منها سوى إغواء أختها واندا، ذات الحضور المميز والجاذبية الآسرة، والتي دفعت دي بوفوار، وقد وقعت فريسة الغيرة، إلى وصفها ذات مرة بأنها «الضيفة التي أطالت المكوث». ولما كان سارتر مولعاً بالسفر إلى حد بعيد، فقد كان يربط بين افتتانه الدائم بالمرأة، وبين افتتانه بالأرض الجديدة وغير المكتشفة، وهو ما جعله يقع في غرام المذيعة الأميركية دولوريس فانيتي، أثناء زيارته إلى نيويورك، وفي غرام مرافقته الحسناء لينا زونينا أثناء زياراته المتكررة إلى الاتحاد السوفياتي في مطالع ستينيات القرن المنصرم، إضافة إلى مرافقته اليابانية في وقت لاحق. وقد اعترفت زونينا فيما بعد، بأنها لم تستجب لعرض سارتر بالزواج منها، لا لأنها لم تغرم به، بل لأنها ظلت تعتقد بأن علاقته بسيمون هي الأوثق والأبقى.
لم تقصر دو بوفوار من جهتها في نسج علاقات عاطفية وجسدية مع العديد من المثقفين والكتاب، ومن بينهم بوست نفسه، ومن ثم الكاتب الأميركي نيلسون ألغرين، الذي تراوحت علاقتها به بين المد والجزر، واستمرت لفترة طويلة. كما وقعت في غرام الكاتب الشاب والمشارك في هيئة تحرير «الأزمنة الحديثة» كلود لانزمان، رغم أنه يصغرها بسبعة عشر عاماً، تاركة لسارتر أن «يغرر» بأخته إيفلين، التي ما لبثت أن انتحرت فيما بعد بجرعة زائدة من المخدرات. وفي حين لم يُظهر سارتر أي ميل واضح للعلاقات الجنسية المثلية، فإن الأمر لم ينسحب على رفيقة دربه التي ارتبطت بعلاقات مثلية مع غير واحدة من صديقاتها، وبينهن من لم تتورع عن توزيع نفسها بالتساوي بين الشريكين المقبلين على الحياة بشراهة لا تعرف القيود. ومع ذلك فإن دي بوفوار تقر في مذكراتها، بأن تلك العلاقات لم تكن سوى بديل هزيل عن المتعة الحقيقية التي كان يوفرها لها حضور سارتر السخي في حياتها. لكنها إذ تعترف بأنها كانت أكثر تطلباً من شريكها على مستوى الرغبات، وأن علاقتهما الجسدية كانت «هزيلة جداً، وأقرب إلى الحنان منها إلى الشهوة الخالصة»، ما تلبث أن تضيف بأن علاقتها بالنساء ليس مردها الاشتهاء وحده، بل لأنها أرادت التماهي التام مع صاحب «الغثيان»، بحيث كانت «كانت تظن نفسها سارتر» وتتعقب حركات أصابعه على أجسادهن.
لا يعني ما تقدم ذكْره بأي حال أن العلاقة بين سارتر وسيمون دي بوفوار، ومهما بلغ حجم تعلقهما بالحرية الفردية، كانت خالية من المنغصات، وبخاصة من جهة سيمون التي عصفت بها الغيرة غير مرة، ولكنها آثرت ولو بكلفة عالية، أن تحافظ على التزامها بفكرة الحرية، وبالرجل العبقري الذي رأت فيه ضوءها في العتمة ورفيق دربها الأمثل. والواضح أن دي بوفوار التي اتُهمت من قبل الكثيرين بالمروق والتحلل الأخلاقي، لم تكن من صنف النساء الرومنسيات اللواتي يستسلمن بسهولة للعواطف المجردة، خصوصاً أنها لم تتوان في كتابها «وانتهى كل شيء» عن القول: «لا أحب الشعر أبداً، ولا يوقظ الشعر الحديث أي صدى في داخلي». ولعل نزوعها الدائم إلى «عقلنة» مشاعرها، هو الذي يكشف بوضوح عن تحول علاقتها بسارتر إلى نوع من الصداقة الفكرية الطويلة التي عمقتها رؤيتهما المشتركة إلى الوجود كما إلى الكتابة، وهي التي اعتبرت أن أياً من الكتب التي قرأتها، لم يوفر لها المتعة والفائدة اللتين وفرهما لها سارتر في كتاب «الكلمات».
لم يغب عن بال دي بوفوار بالطبع، أن الرجل الذي ارتبطت به ليس واحداً من الذين يمرون على الأرض مرور الكرام، وأن بقاء اسمها عبر الزمن لا يعود إلى نتاجها الفكري فحسب، بل هو ثمرة ارتباطها ولو بكلفة عالية، بصاحب «الأدب الملتزم» الذي لم يقتصر دوره في القرن الفائت على التنظير الفلسفي وحده، بل بات بالنسبة للكثيرين رمزاً ساطعاً لكل ما يتعلق بالدفاع عن العدالة والحرية وكرامة الإنسان. وبقدر ما استطاعت علاقة الثنائي الشائكة والفريدة أن تصمد في وجه الأعاصير، حرصت صاحبة «الجنس الآخر» كل الحرص، على أن يكون سارتر حاضراً كمفكر ورجل معشوق، في معظم ما أصدرته من أعمال. وهو ما بدا جلياً في كتابها الضخم «مراسم الوداع»، الذي تتبعت من خلاله، يوماً بيوم وساعة بساعة، السنوات العشر الأخيرة من حياة سارتر المترنحة تحت ضربات المرض والكهولة والوهن الجسدي. ومع أنه ظل حتى سنيه الأخيرة محاطاً بالعديد من نسائه القدامى والجدد، فقد باتت سيمون رفيقة رحلاته ومستودع أسراره، والصديقة التي اختارت بشكل طوعي أن تقرأ على مسامعه، وقد شارف على العمى الكامل، ما يحب من الكتب. كما كانت المرأة التي لفظ في كنف رعايتها له أنفاسه الأخيرة، قبل أن تتشارك معه، بعد مرور سنوات ست على رحيله، القبر نفسه والتراب إياه.



العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة
TT

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

قد يبدو السؤال عن سرديات الاقتصاد مفارقاً، ومثيراً، وباعثاً على الجدل حول علاقته بتسويق فرضية تقويض الأنماط المهيمنة للاقتصاد، والسياسات الساندة لها، وبطبيعة تغيراتها في التعاطي مع مفاهيم السوق والاستهلاك والإعلان، فضلاً عن علاقتها بمظاهر القوة والسيطرة المصرفية والمعلوماتية، فما حدث بعد الصدمة الأميركية عام 2001 أفقد العالم كثيراً من مألوفيته واطمئنانه، وجعله مكشوفاً على صراعات معقدة، انهارت معها الاقتصادات التقليدية، وبرزت الشركات العابرة للقارات كتمثيل استحواذي لـ«الزمن الأميركي» وتداعياتها على مستوى اختلاط التاريخ بالآيديولوجيا، والسياسة بالأمن، على نحوٍ جعلهما مهيئين للدخول إلى صياغة «تاريخ جديد»، بدا وكأنه معادل ثقافي وآيديولوجي لتمثلات الليبرالية الجديدة.

هذا التمثيل كان أكثر وضوحاً من التعبير عن نشوء تشكلات ثقافية معقدة، وتناقضات جيوسياسية صادمة، أثارت أسئلة فارقة حول توصيف الثنائيات القديمة لـ«الغرب والشرق» أو «الشمال والجنوب»، إذ كشفت هذه المفارقات عن معطيات بدا بعضها مصنوعاً، وبعضها الآخر مُصمَّماً في مختبرات سرية، تتعامل مع الأفكار مثلما تتعامل مع الفئران، لكن غاياتها تكمن بالخروج بنتائج تتوخى تحويل القوة إلى أدوات قاهرة، مقبولة وخادعة، وإلى أسواق غاوية للاستهلاك، وإلى انقلابات أو حركات أو أدلجات يمكن استعمالها في تكريس مفهوم الهيمنة في السوق والجغرافيا والآيديولوجيا، فضلاً عن توظيفها على طريقة «فوكوياما» في الترويج لإشاعة «الإنسان الأخير» بوصفه تمثيلاً آيديولوجياً لفكرة هيمنة المشروع العالمي للمركزية الأميركية.

ما حدث في العراق بعد عام 2003 ليس بعيداً عن ذلك، فسرديات الدولة الكبرى قد تقوضت، واقتصاد «القطاع العام» فقد قاعدته الإنتاجية، مثلما تعرضت سرديات آيديولوجيا المعسكر والحزب والقائد الرمز إلى انهيار كبير، لتصعد عبرها «سرديات صغيرة» وأدلجات غائمة ومضللة للجماعة والطائفة والهوية، على نحوٍ أعطاها زخماً وعنفاً ضاغطين، لم تعد فيهما توصيفات اليسار واليمين، والاشتراكية والقومية فاعلة، وما برز فيها تبدى عبر صعود سريع وحادّ لقوى لا وضوح طبقي لها، ولا تاريخ لها مع السلطة، فانشغلت بنزعات شعبوية، استغرقها كثير من مظاهر العنف والامتلاك والاستحواذ، لتصعد معها رساميل صغيرة عشوائية، تغذت عبر واقع اقتصادي وسياسي طفيلي وملتبس، لم تصنع منه «الدولة الجديدة» قوة فاعلة، لها برامجها ومشاريعها، ونظرتها لمفاهيم الحرية والديمقراطية والعدل الاجتماعي. فرغم فشل تلك الرساميل في أن تتحول إلى رساميل كبرى، أو إلى شركات عابرة للقارات، فإن هامشيتها جعلت منها قوة عنيفة، تسلل كثير منها إلى منظومات السلطة الرسمية، لتدخل في نظامها الاقتصادي والأمني، وفي أدلجتها، ولتكوّن وجودها عبر فاعليات ضاغطة، أسهمت في تغيير كثير من سياسات الدولة، ومسارات اقتصادها الرخو. وهذا ما جعلها تلعب دوراً في صناعة الاقتصادات الطارئة، وفي تعطيل عجلة برامج التنمية البشرية والثقافية والمستدامة، وفي فشل نظامها المؤسسي، فضلاً عن تعرّض جهازها الإداري إلى التضخم والترهل والتشوه البنيوي.

استبدال السرديات القديمة بإعادة صياغة مفهومية لمركزيات الأمة والقومية والتاريخية أفرز أشكالاً هجينة لتلك السرديات الصغيرة، ولمظاهر عنفها واضطرابها في تمثيل المجال التداولي للمفاهيم المجاورة التي تخص الدولة والديمقراطية والحرية والعدالة والهوية والقانون، باتجاهٍ جعل من الاجتماع السياسي مخترقاً من خلال انتهاكات عميقة، فقد معه تمثيله «الوطني» مقابل تحول بعض الجماعات إلى قوى فاعلة وضاغطة، لا تجمعها سوى مصالح الاستملاك، ونزعات الاستهلاك الكبيرة، أي أن وجودها ظل رهيناً بنزعات تشييد مظاهر إدامة هذا الاستهلاك، من خلال تشييد مؤسسات أهلية عائمة، غير خاضعة إلى رقابة الدولة، ولا علاقة لها بالحاجات التنموية، بقدر ارتباطها بهيمنة الأنماط؛ مستشفيات أهلية، جامعات أهلية، مدارس أهلية، مولات، الشركات، نوادٍ، مقاولات، غيرها. وهذا ما أسهم في تمهيد الطريق إلى تضخم قوة هذه المؤسسات، وتحويل علاماتها التجارية إلى علامات رمزية في صناعة «المجتمع الظل» الذي يتغذى من خلال جماعات الفساد الكبير، والتمثلات الإيهامية للإشباع الرمزي، حتى من خلال التلويح بفرضية العنف الاقتصادي. تلك التي تكرست عبرها نزعات الانفلات عن النظام العام، وتغولت مظاهر التفرد بالاستهلاك، مقابل تعطيل فاعلية أدوات تشكيل الدول الناجحة، عبر ربطها بالسياسات الناجحة والإدارة المهنية الناجحة، وببرامج وخطط التنمية والأمن الاقتصاديين.

تضخم مظاهر الاستهلاك كشف عن كثير من مظاهر رثاثة التأسيس، وترسيم حدود التقدم والبناء الدولتي، فرغم أنها ارتبطت بنشوءات طارئة، وبتشوهات صنعها الاقتصاد الطفيلي، فإن تغولها ارتهن إلى ثقافات هشة، على نحو أسهم بجعل المجتمع العراقي أكثر استعداداً للانقسام الطبقي الداخلي، بين قوى نفعية تتمترس بمظاهر الاقتصاد الزائف، وحيازة رساميل غامضة، وعبر تشكلات طبقية غائمة، وسياسات مكرسة لحمايتها، حتى عبر أدلجات جعلت من العنف جزءاً من أنساقها الحاكمة، فبدت وكأنها طاردة ومتعالية على جماعات تعيش التهوين الطبقي والضآلة الاجتماعية، لكنها غارقة في صراعاتها وفي أوهامها النخبوية والشعبوية، ما أسهم في تحوير موضوع الاستهلاك ليبدو مضللاً، بعشوائية حيازة الثروة ونزعات الاستملاك.

سرديات الاستهلاك

تاريخ العراق مع الاقتصاد الريعي يرتبط بتاريخ التشوهات الآيديولوجية للدولة العراقية منذ قرار تأميم «الصناعة العراقية» عام 1964. فمع صعود الدولة القومية، وأنموذج حكمها الديكتاتوري، تحول هذا الاقتصاد إلى مظاهر للهيمنة، وإلى الخضوع لسياسات الدولة المركزية، وإدارتها المركزية، ليسهم في صناعة وتكريس دولة الاقتصاد، عبر تسميات زائفة، مثل «الاقتصاد الاشتراكي» أو «القطاع العام» فتعطلت معها أي ممارسات للاقتصاد الحر، ولفاعليات الاستثمار.

التلازم ما بين الدولة القومية المركزية وبين الاستحواذ المركزي على الإنتاج أسهم في تأطير أشكال معقدة للهيمنة، وصناعة نوع من رأسمالية الدولة، المحكومة بمركزية الأنموذج الآيديولوجي المتعالي للخطاب القومي، الذي يتغذى عبر شعار «الثروة ملك الشعب والأمة»، حيث القطاع العام أو «الاشتراكي» يكون هو المجال الناظم لمصالح القوى النافذة في الحكومة والحزب والمعسكر، بما فيها قطاعات التعليم والصحة والتجارة والثقافة.

مع تقويض هذه المركزية الديكتاتورية بعد الاحتلال الأميركي تقوض كثير من تلك المفاهيم، وكذلك تعثرت معها السياسات الناظمة، و«القوانين» التي فرضتها لتيسير أعمال القطاعات الاقتصادية والتجارية والتعليمية والصحية، ما أسهم في تحويل البيئة السياسية والاقتصادية العراقية إلى مجال للتشظي، وخلخلة موازين وسياقات العمل، إذ تحولت الدولة الى «مصرف» بعد أن انهارت القطاعات التقليدية الأهلية والعامة، ليبرز «الاقتصاد الاستيرادي» السهل، بوصفه مجالاً تعويضياً، لكنه كان من أكثر مظاهر الاقتصاد تشوهاً، على مستوى رثاثته، واغترابه عن استحقاقات التنمية والبناء، وعلى مستوى إدارته من قبل جماعات هامشية، لها علاقة بالجهاز السياسي، لا بالجهاز الاقتصادي، ولا بفكرة الدولة واستحقاقاتها.

كما أن صعود نوع من «الزبائنية» المتمردة على النظام، كرّس بنية الاقتصاد العراقي الهشّ، وأفقد الموازنات العامة قيمتها الإجرائية، فأكثر من ثلثي هذه الموازنة يذهب إلى «الموازنة التشغيلية»، أي يسهم في تغطية المعاشات، وتغذية الطفيلية العائمة في القطاع العام، فضلاً عن تعطيل واضح في «الموازنة الاستثمارية» التي تكرست عبرها مظاهر غير فاعلة في التنمية، وفي توسيع الإنتاج المحلي، ولا سيما مجال الاستثمارات التكنولوجية والبشرية والمعرفية، فكانت السياسة الاقتصادية مؤسَّسة على أساس برامج محدودة التأثير، في مجال القروض المصرفية، ودعم المشاريع الصغيرة، مع غياب أي دعم واضح لمشاريع الاستثمار الثقافي، ولا سيما مجالي السينما والمسرح، وفي دعم اقتصاديات المعرفة والبحث العلمي.

لقد كرست هذه المظاهر كثيراً من سرديات النمط الاستهلاكي للاقتصاد العراقي، فتتحول المخيلة الشعبية إلى أداة لتبرير وهم التقوّض الطبقي، ولإشباع غرائز الامتلاك، ليكون دافعاً عشوائياً لتوسيع الثروة، عبر العمل الطفيلي، وعبر الفساد غير المُراقب، وعبر صناعة الجماعة السياسية وتمثلاتها فيما سمّي بـ«المكاتب الاقتصادية». بالمقابل، فإن الاقتصاد الريعي تحول إلى مجال لتغذية ذلك الفساد والضآلة الاقتصادية، ما يعني تحجيم البحث عن أي تعظيم لموارد الدولة، لتنمية سياقات عمل الإدارة الناجحة، والسعي إلى توظيف التدفقات المالية في إطار بنية الاقتصاد العام، بما يجعل الطبقة السياسية أكثر انهماماً بتطوير فاعلية الدولة وخطابها من خلال النجاعة الاقتصادية، ليكون الاقتصاد هو الوجه التمثيلي للسياسة، والتقليل من المديونية، على نحوٍ تتقوض معه مركزية الاقتصاد الريعي المشوه.

التوصيف الثقافي للاقتصاد

ليس الاقتصاد الحرّ والسوق الحرة بدعتين، بعيدتين عن التخطيط وعلم الإدارة، وثقافات النظم الاجتماعية والتعليمية، فغياب الوعي بأهمية هذا التخطيط، وبجعل الاقتصادات خاضعة إلى سياسات الدولة، وإلى حرية الاستثمار، والجدية العلمية بتوظيف الثروات، وبمصادرها، وبقواها الفاعلة، تفقد الدولة كثيراً من مشروعيتها، ومن أهليتها في إدارة الشأن العام، وفي تطبيق العدالة الاجتماعية، وفي تنمية ذلك الاستثمار وتوسيع حلقاته، ليكون جزءاً من فاعليات التنمية المستدامة، ومن هوية الدولة الحديثة، فتوصيف الدولة الناجحة يكمن في قدرتها على التنمية، وفي صيانة مشاريعها الاستراتيجية، بما فيها المشروع الاقتصادي، وتطبيق السياسات التي من شأنها أن تمنح الاقتصاد قوة خلاقة، تربط تنمية الاقتصاد بمراكز متخصصة في الأكاديمية العراقية، وبمؤسسات الرقابة الوطنية، وبالجهازين المالي والمصرفي، لأن صياغة التوصيف الثقافي للاقتصاد يسهم في توطيد أركان بناء الدولة الحديثة، ويُعطي لاقتصاديات الثقافة أدواراً مهمة في تثبيت «القيم السيادية» للاستقرار والأمن والإشباع، ولمواجهة الأزمات والتحديات التي يواجهها العالم في ظل التحولات الكبرى، حتى الجاهزية إزاء التحديات الإقليمية ذات الأبعاد الجيوسياسية المعقدة.

لا تعني اقتصاديات الثقافة الاهتمام بصناعتها فقط، بقدر ما تعني الاهتمام العميق بعلاقة هذه الصناعة، وبفاعليتها الإجرائية، وبالأطر العملياتية والاستراتيجية التي تجعل من الثقافة عنصراً بارزاً وفاعلاً في الأمن الثقافي، وفي برامج التنمية، وفي مجال دعم برامج الموازنات العامة الخاصة بالمشاريع الثقافية، بوصفها مصدراً فاعلاً لإسناد مشروع الدولة الناجحة، وتوسع مساحات إنتاج مصادر المعرفة، وبالاتجاه الذي يجعلها تكتسب قوة الفعل من خلال إدامة فاعليات الاجتماع والثقافة والاقتصاد، عبر أطر تشريعية وقانونية تكفل التوصيف الثقافي وديمومته، من خلال ضمان الحقوق، بما فيها حقوق الملكية، وإنشاء الصناديق السيادية لدعم العمل الثقافي، وإدماج الثقافة بالنظام التعليمي والتنموي، على مستوى الموازنات العامة، أو على مستوى عمل الوزارات، وباتجاهات يعضدها القانون، بعيداً عن مزاج السلطة وفهمها للثقافة ومرجعياتها الآيديولوجية والفقهية.


الحرب... اختفاء الجبهات


مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»
مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»
TT

الحرب... اختفاء الجبهات


مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»
مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»

لم تعد الحرب تُفتتح كما اعتدنا، لا لحظة إعلان، ولا انتقال واضح من السلم إلى الصراع. ما يحدث اليوم أقرب إلى انزلاق بطيء داخل حالة مستمرة، تتراكم فيها الأفعال دون أن تتكوَّن منها صورة واحدة واضحة. نحن لا نشهد بداية يمكن الإشارة إليها، ولا نعيش ذروة يمكن الاتفاق عليها، بل نتحرك داخل توتُّر ممتد، يتخذ أشكالاً متعددة دون أن يستقر على هيئة واحدة. هذا التحول لا يغير فقط طريقة اندلاع الحرب، بل يبدل أيضاً إدراكنا لها، ويجعل التمييز بينها وبين غيرها من حالات التوتر أمراً أكثر تعقيداً، وأقل قابلية للحسم أو التعريف المباشر.

في النموذج القديم، كانت الحرب تُفهم من خلال نقطة ارتكاز واضحة، جبهة يمكن تحديدها مكانياً، وخط يفصل بين من يقاتل ومن لا علاقة له بالمواجهة. هذا الشكل منح العالم قدرة على التمييز، حتى في أقسى الظروف، بين الداخل والخارج، بين منطقة القتال وبقية الحياة. كان بالإمكان أن يعيش الإنسان خارج الحرب، أو على الأقل أن يتوهَّم ذلك، لأن هناك حدوداً تفصل بين الفعل العسكري وبقية أنماط الوجود. هذه الحدود لم تكن دائماً صلبة، لكنها كانت كافية لإنتاج معنى واضح للحرب بوصفها حالة استثنائية، لها بداية ونهاية يمكن تصورهما.

في الحرب التي جسَّدها فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»، تتجلَّى هذه البنية بوضوح، خنادق متقابلة، مسافة مرئية بين الطرفين، وزمن للحرب يمكن تمييزه عن زمن الحياة اليومية. حتى العنف كان محصوراً داخل هندسة مكانية قابلة للفهم، وكان بالإمكان أن يُروى وأن يُفهم ضمن سياق محدد. الجبهة هنا ليست مجرد موقع، بل بنية تنظّم التجربة وتمنحها شكلاً يمكن إدراكه، وتضع حدوداً واضحة لما هو داخل الصراع وما هو خارجه.

لكن هذا الإطار لم يعد يعمل بالطريقة نفسها. ما كان يُفهم بوصفه جبهة تحوَّل إلى تداخل ممتد بين مستويات متعددة من الفعل. لم يعد هناك فصل واضح بين الضربة والرد، أو بين الفعل العسكري وبقية البنى الاقتصادية والسياسية المحيطة به. الأحداث لم تعد تتتابع في خط زمني يمكن تتبعه بسهولة، بل تتشابك في شبكة من التأثيرات التي يصعب فصل بعضها عن بعض. بهذا المعنى، لم تختفِ الحرب، بل فقدت شكلها القابل للرؤية، وأصبحت أقرب إلى بنية خفية تعمل من تحت السطح.

حين تتحرك الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، لا يبقى الصراع محصوراً في نقطة واحدة يمكن متابعتها بصرياً أو جغرافياً. الأثر ينتقل عبر مستويات متعددة، تتداخل فيها البنية العسكرية مع المالية والتقنية والإعلامية، بحيث يفقد الحدث وحدته الأولى. ما يبدو فعلاً محدوداً في مكان معيَّن، يمتد تأثيره عبر مساحات واسعة من النظام العالمي، ويعيد تشكيل توازنات لا ترتبط مباشرة بموقع الفعل نفسه، بل بتداعياته غير المباشرة. بهذا المعنى، لا تختفي الجبهة لأنها أزيلت، بل لأنها تفككت إلى عناصر صغيرة تعمل في مسارات متفرقة. لم يعد هناك خط واحد يمكن رسمه، بل مجموعة علاقات متغيرة لا تستقر على شكل ثابت. الجبهة لم تعد مكاناً، بل أصبحت نمطاً من التداخل، يتغيَّر بحسب السياق ويتشكَّل وفقاً لتفاعل قوى متعددة، لا يمكن اختزالها في صورة واحدة.

هذا التحوُّل يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالحرب. لم يعد بالإمكان الوقوف خارجها بوصفها حدثاً منفصلاً. حتى من لا يعيش في منطقة المواجهة المباشرة، يتأثَّر عبر تدفقات الاقتصاد، وأسعار الطاقة، وحركة الأخبار، وتبدُّل التوقعات السياسية. التجربة لم تعد مكانية فقط، بل أصبحت ممتدة داخل الحياة اليومية نفسها. الحرب لم تعد تقع في مكان بعيد، بل أصبحت جزءاً من الإيقاع العام للحياة، ومن تفاصيلها الصغيرة أيضاً.

في هذا السياق، لا يعود الأمان حالة مستقرة، بل يصبح نتيجة مؤقتة لتوازن قابل للاهتزاز في أي لحظة. الاستقرار لم يعد وضعاً قائماً بذاته، بل وضعاً مستمراً في التكوين. ما يبدو هدوءاً ليس نهاية للتوتر، بل شكلاً من أشكاله المؤجَّلة، التي يمكن أن تنقلب في أي وقت إلى تصعيد، أو إلى تحوُّلات غير متوقعة.

كما أن فكرة القرار الحاسم تتراجع. لم تعد الحرب تُدار من نقطة واحدة أو لحظة واحدة، بل عبر سلسلة أفعال جزئية، لا يبدو أي منها كافياً لتعريف الحالة ككل. هذا ما يجعل تتبع بدايتها أو نهايتها أمراً غير ممكن بالمعنى التقليدي، لأن الحرب لم تعد حدثاً يبدأ وينتهي، بل عملية تتغير باستمرار، وتعيد إنتاج نفسها.

في مواجهة هذا الواقع، تصبح الحرب الحديثة أقرب إلى نمط إدارة مستمر للتوتر، لا إلى مواجهة تنتهي بانتصار أو هزيمة واضحين. هي حالة تتغير صفتها أكثر مما تنقطع، وتعيد تشكيل نفسها وفقاً للظروف التي تمر بها، وتفرض إيقاعها الخاص على الجميع.

ومن هذا المنظور، فإن وعي هذا التحول ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة وطنية، خصوصاً لدول مثل المملكة العربية السعودية التي أدركت مبكراً طبيعة هذا التغير. فتعزيز الاستقلال الاستراتيجي، وتنويع مصادر القوة، وبناء منظومات اقتصادية وتقنية متماسكة، ليس إلا استجابة واعية لحرب لم تعد تُخاض على جبهة واحدة، بل في كل اتجاه.

في النهاية، لم يعد السؤال عن موقع الجبهة ذا معنى، لأن الجبهة لم تعد بنية مكانية أصلاً. السؤال الأعمق يتعلق بطريقة تشكُّل الصراع نفسه، حين يفقد شكله المتماسك ويتحوَّل إلى شبكة من التأثيرات المتبادلة. وعند هذه النقطة، لا يعود الإنسان خارج الحرب كما كان يُفترض سابقاً، بل داخل امتدادها، حتى في اللحظات التي يظن فيها أنه بعيد عنها، أو قادر على تجاهلها.

* كاتب سعودي


رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

 فيليب سادجروف
فيليب سادجروف
TT

رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

 فيليب سادجروف
فيليب سادجروف

غيّب الموت الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز، الدكتور فيليب سادجروف، عن 82 عاماً بعد صراع طويل مع المرض.

بعد إكماله دراسته الجامعية كدارس للغة العربية، عمل سادجروف في السلك الدبلوماسي وخدم في السعودية ومصر ولبنان قبل أن يترك الدبلوماسية ويتفرغ للدراسة الأكاديمية، متخصصاً في التاريخ والثقافة العربية. أحب سادجروف العرب وثقافتهم وجال على وطنهم من مشرقه إلى مغربه.

شغل الراحل منصب رئيس قسم الدراسات الشرقية في جامعة مانشستر وكان المحاضر الأول فيها.

كما درّس اللغة العربية في جامعتي دورهام وأدنبرة، والترجمة في جامعة هيريوت- وات بأدنبرة، وخلال مسيرة الدكتور سادجروف الأكاديمية الزاخرة تتلمذ على يديه المئات من الطلبة العرب والأجانب.

المسرح العربي كان الشغل الشاغل للدكتور سادجروف، ويُعرف بتوثيقه الدقيق لتاريخ المسرح العربي، خاصة كتابه الشهير «المسرح المصري في القرن التاسع عشر (1799-1882)» الذي يؤرخ لبدايات المسرح منذ الحملة الفرنسية ودور الفرق الشامية والأجنبية. يعتبر كتاب «المسرح المصري في القرن التاسع عشر» التوثيقي مرجعاً أساسياً لدراسات المسرح العربي.

استخدم الدكتور سادجروف في الكتاب مصادر لم يتم استغلالها من قبل ليقدم تاريخاً شاملاً للمسرح في مصر، منذ وقت الحملة الفرنسية عليها عام 1798، وحتى الاحتلال البريطاني عام 1882، متفحصاً الأشكال التقليدية من الدراما العربية المحلية، ومراحل نمو وتطور المسرح الأوروبي في مصر، في باكورة العقد الثامن من القرن التاسع عشر. يتناول الكتاب أيضاً مشروع إنشاء مسرح قومي في مصر، ويروي قصة الفرق المسرحية المهاجرة التي لعبت دوراً حاسماً في تدشين تقاليد مسرحية جديدة، ويورد التجارب الأولى في الدراما العربية، ومنها مسرح يعقوب صنوع، وكذلك المسرح العربي السوري في مصر ويركز على نشاط الجاليات الأجنبية والفرق السورية وتأثيرها على الحركة المسرحية المصرية.

كما ينسب إلى الراحل الفضل في اكتشافات بحثية تتعلق بنصوص مسرحية عربية مبكرة، بما في ذلك أبحاثه حول أول نص مسرحي عربي جزائري كتبه إبراهيم دانينوس بعنوان «نزاهة المشتاق وغصَّة المشتاق في مدينة طرياق في العراق» باليد، وبخطٍّ مغربي - جزائري، طبع على الآلة الحجرية عام 1847 وذلك في 62 صفحة من القياس الصغير.

إلى جانب المسرح، اهتم الدكتور سادجروف بجوانب أخرى من الثقافة العربية، لا سيما الصحافة المكتوبة في مصر وغيرها من الدول العربية، وكانت له مساهمات في إثراء المعرفة في هذا المجال عبر أبحاث ومحاضرات ومقالات أصبحت مرجعاً مهماً للمتخصصين فيه.