مآسي الإنسانية بلغة الرسوم الساخرة في ملتقى القاهرة الدولي للكاريكاتير

جسدها 285 فنانًا يمثلون 60 دولة.. وإيطاليا ضيف الشرف

كاريكاتير الإيراني حاميد صوفي عن القطع الجائر للأشجار، وكاريكاتير السوري موفق قات عن معاناة اللاجئين السوريين
كاريكاتير الإيراني حاميد صوفي عن القطع الجائر للأشجار، وكاريكاتير السوري موفق قات عن معاناة اللاجئين السوريين
TT

مآسي الإنسانية بلغة الرسوم الساخرة في ملتقى القاهرة الدولي للكاريكاتير

كاريكاتير الإيراني حاميد صوفي عن القطع الجائر للأشجار، وكاريكاتير السوري موفق قات عن معاناة اللاجئين السوريين
كاريكاتير الإيراني حاميد صوفي عن القطع الجائر للأشجار، وكاريكاتير السوري موفق قات عن معاناة اللاجئين السوريين

دعوة إلى الابتسام في وجه أخطر القضايا التي تؤرق كوكبنا، هي ما قدمه الفنانون المشاركون من 60 دولة في ملتقى القاهرة الدولي الثاني للكاريكاتير، الذي احتضنه قصر الفنون بدار الأوبرا المصرية على مدار 5 أيام واختتم الجمعة.
سلط الملتقى الضوء على أهمية فن الكاريكاتير؛ تلك الأداة الصحافية النافذة التي تكشف سوءات المجتمعات وتعريها بشكل ساخر لتدق ناقوس الخطر تارة، أو لتبرز الحلول تارة أخرى. استطاع الملتقى أن يذكرنا بأهمية ذلك الفن المعبر عن هموم الإنسان ولا تخلو منه أي جريدة أو موقع يعنى بتطورات الأحداث. وقد كان من الرائع اختيار اللجنة المنظمة تيمة واحدة هي «الصحة» لتندرج تحتها جميع أفكار وإبداعات 285 فنانا. وفضلا عن موضوع «الصحة؛ شارك الفنانون بموضوع حر ناقشوا فيه القضايا التي تؤرقهم بطريقة ساخرة، حيث تنوعت الموضوعات ما بين الإرهاب، والتحرش الجنسي بالمرأة، والحروب، والقهر، والحرية، والتعليم، والتطور التكنولوجي وسيطرته على الإنسان. كما شاركت مجموعة من ألمع رسامي البورتريه في مصر والعالم، مقدمين وجبة كاريكاتيرية دسمة، من خلال رسمهم لأهم وأشهر نجوم الفن ورجال السياسية.
اعتمدت اللوحات المشاركة على المفارقات البصرية في توصيل رسالتها وطرح القضايا الشائكة الدولية والمحلية، دون كلمات أو تعليقات، وهو الأمر الذي ينم عن براعة رسام الكاريكاتير وثقافته واطلاعه الموسوعي.
التجول بين لوحات المعرض التي بلغ عددها 850 لوحة؛ أظهر التماهي وتطابق مشكلات الدول النامية وبعضها من جانب، في مقابل مشكلات الدول المتقدمة. والمتأمل في تلك الرسومات سيجد أن مأساة الإنسان واحدة بغض النظر عن هويته وجنسيته وديانته، لكنه كشف عن مدى الانغلاق والتحفظ الذي بات يقمع الإبداع في عالمنا العربي في مقابل الانفتاح والتحرر الذي يحرك الفنانين الأجانب، بل أظهر مدى التراجع في تحرر الفنانين العرب من قيود التابوهات الثلاثة، عن القرن الماضي. وكان من بين اللوحات اللافتة التي تناولت قضية «الصحة» ما طرحه الفنان الهندي إليهو دوايار حول مشكلة أكياس الدم الملوثة، حيث يرقد المريض وحوله أسراب من البعوض. بينما طرح البرازيلي مشكلة الانتحار بين الشباب، وتناول الفنان الإيراني إسماعيل بابي الإهمال الطبي في المستشفيات بشكل مؤثر، حيث جسد الموت بهيئة رجل يرتدي عباءة سوداء وينظر إلى ساعة في يديه وممسكا ببلطة كبيرة ليسطلها على المريض الراقد في استسلام، فيما تناول مواطنه الإيراني حاميد صوفي قضية القطع الجائر للأشجار وقد وضع رقبة الإنسان مربوطة بحبل إلى جذع أحد الأشجار في غابة قطعت جميع جذوع أشجارها، فكأنما أراد ببساطة يوصل رسالة مفادها أن الإنسان بما يفعله في البيئة يقضي على حياته بشكل مأساوي. وأبرز الفنانون العرب الحياة المأساوية التي يعيشها قطاع كبير من الشعوب العربية، حيث طغت الحروب والصراعات والثورات العربية وقضايا اللاجئين على لوحاتهم. وببراعة جسد الفنان السوري موفق قات، معاناة اللاجئين السوريين، موضحا كيف يصلهم الفتات من المعونات ورمز لتلك المعونات بثمرة بطيخ كاملة يتم تناقلها عبر عدد من الأشخاص ليتبقى منها النصف ثم يصل منها ربعها إلى مخيم اللاجئين. أما الفنان العراقي خضير الحميري فقد جسد إنسانا يحاول تخليص جسد إنسان آخر من بعض الأشواك أو الشظايا.
وجسدت الفنانة الأوكرانية مايكولا كابوستا قضية الأدوية الفاسدة بشكل مثير حيث يظهر في لوحتها صيدلي يحاول رسم وجه باسم ومرح على أقراص الدواء. وعبر مواطنها الفنان أوليسكي كوستوفيسكي عن قضية التدخين برسم بارع لسيجار يحترق أوله وحشر فيه مجموعة من البشر المرضى والفقراء أمام مجموعة من رجال الأعمال مدخني السيجار. كما قدم الأوكراني أوليج جوستول قضية إدمان الأطفال للإنترنت بشكل لافت، مجسدا طفلا أمام طبيب عيون كل ما يراه هو علامة «@».
ومن أستراليا رسم الفنان بيمان ميرزاي طبيبا ممسكا بكماشة لخلع الأسنان وملفوف حول رقبته عشرات الأضراس السليمة في عقد، معبرا عن قضية انعدام الضمير لدى الأطباء. وأثار الفنان الروسي فلاديمير سيميرنوكو القضية ذاتها من منظور مقارب مجسدا 3 جراحين ينتظرون وصول المريض وبدلا من سرير الجراحة يوجد اللوح الخشبي الخاص بتقطيع اللحوم!.
يقول رئيس الملتقى وفنان الكاريكاتير المصري جمعة فرحات، لـ«الشرق الأوسط»: «شهدت الدورة الثانية من الملتقى إقبالا كبيرا من فناني الكاريكاتير حول العالم، إذ وصلتنا مشاركات من 80 دولة، ونحو 2870 لوحة، ووقع الاختيار على 850 لوحة فقط لكي تناسب مكان العرض بقصر الفنون وهو أكبر فضاء لعرض الأعمال الفنية في مصر»
وأضاف رئيس الجمعية المصرية للكاريكاتير: «حل فن الكاريكاتير الإيطالي هذا العام كضيف شرف للملتقى، كما استضفنا فنانا من الكويت، و4 فنانات من إيطاليا، وفنانة من الإمارات، وفنانين من المغرب» وحول تقييمه للمشاركات هذا العام، يوضح فرحات: «الكاريكاتير لغة عالمية وهدفنا عبر الملتقى أن نضع أمام الجمهور المصري والعربي تجارب فنية تعكس ثقافات مختلفة، وقد اخترنا موضوع الصحة ليكون الموضوع الرئيسي للمشاركين في الملتقى، شريطة ألا يتضمن الرسم أي كلمات وبالطبع هو أمر يوضح كيف أن فنان الكاريكاتير يستطيع أن يوصل رسالته سواء كان إنجليزيا أو مصريا أو عربيا، عبر رسومه بأساليب تتنوع بين الجدة والطرافة لكنها تلفت النظر إلى قضية الصحة عبر كل الثقافات».
وأوضح قوميسيير الملتقى الفنان فوزي مرسي أن «لجنة اختيار الأعمال المكونة من الفنانين نبيل صادق، وإبراهيم حنيطر، عمرو سليم، وتامر يوسف، اختارت أكثر من 850 عملا فنيا لنحو 285 فنانا من 60 دولة، بينها أوكرانيا، وروسيا، وإسبانيا، وكوبا، والبرازيل، وإيطاليا، ورومانيا، وتركيا، والهند، وإيران، وبولندا، واليابان، والصين، والمغرب، والكويت، والسعودية، والبحرين، والإمارات، وذلك من أصل 452 رساما كاريكاتيريا، للمشاركة في الملتقى. وقال الفنان التشكيلي محمد عبلة، مؤسس أول متحف للكاريكاتير في العالم العربي، وأحد المنظمين لـ«الشرق الأوسط»: «سعدت جدا بنجاح الدورة الثانية ومن الرائع تبادل الخبرات بين الفنانين من مختلف دول العالم، وأن يروا أعمال بعضهم البعض، خصوصا وأن جميع الأعمال تناقش فكرة واحدة عن (الصحة) لكن تم تناولها من وجهات نظر مختلفة». وأضاف: «أرى الملتقى فرصة لاستعادة فن الكاريكاتير أهميته، وأعتقد أن افتتاح متحف الكاريكاتير المصري في الفيوم قد أعاد له رونقه، خصوصا وأن مصر كانت تنافس إيطاليا وإنجلترا وفرنسا وكانت من بين أوائل من قدموا فن الكاريكاتير في العالم، لذا تستحق مصر وجود مثل هذا الملتقى بهذا المستوى الدولي. مشيرا إلى أن «متحف الكاريكاتير سيقتني مجموعة منتقاة من أعمال الفنانين المصريين».
تضمن برنامج الملتقى عدة ندوات تقف على آخر تطورات فن الكاريكاتير في العالم، ودار نقاش جاد حول «التجربة العربية للكاريكاتير»، وعقدت ورشة للرسم بعنوان «تواصل» مع الفنان شكري إمام. وقد احتفت تلك الدورة من الملتقى بفن الكاريكاتير وجذوره الإيطالية، حيث خصص الملتقى ندوة خاصة عن فن الكاريكاتير الإيطالي. فقد ظهر هذا الفن في عام 1590 حينما أطلق الفنان الإيطالي أنيبالي كاراتشي وشقيقه أغوستينو كلمة «كاريكير» والتي تعني بالإيطالية «يبالغ» على رسومات البورتريه، التي رسماها على نحو مبالغ فيه. ثم انتشر ذلك الفن في إيطاليا ونقله إلى فرنسا الفنان الإيطالي جيان لورينزو برنيني Gian Lorenzo Bernini، وهو مثال ورسام كاريكاتيري ماهر، حين ذهب إلى فرنسا، عام 1665.
كما احتفت بعمالقة فن الكاريكاتير المصريين الفنانين الراحلين مصطفى حسين وأحمد طوغان، حيث عقدت ندوة لتأبينهما، تناولت أهم إسهاماتهما في النهوض بفن الكاريكاتير العربي، وكرم الملتقى الفنان العالمي جورج بهجوري، صاحب البصمة الفنية المميزة في فن البورتريه، وأحد أهم فناني الكاريكاتير في العالم، وأحد مؤسسي رابطة فناني الكاريكاتير العرب مع الفنان ناجي العلي.
يذكر أن الملتقى الثاني قد نظمته الجمعية المصرية للكاريكاتير واتحاد منظمات الكاريكاتير «فيكو» مصر، بالتعاون مع قطاع العلاقات الثقافية الخارجية، وقطاع الفنون التشكيلية، وصندوق التنمية الثقافية، والهيئة العامة لقصور الثقافة، ومشروع التحرير «لاونج جوته»، ومتحف الكاريكاتير. وشارك في تنظيمه الفنانون محمد عفت، وسمير عبد الغني، وياسر عبيدو، وخضر حسن، وشكري إمام، وعمرو عبد العاطي، وأحمد سمير فريد. وقوميسيرا الملتقى هذا العام هما الفنانان: فوزي مرسي، وعماد عبد المقصود.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.