مآسي الإنسانية بلغة الرسوم الساخرة في ملتقى القاهرة الدولي للكاريكاتير

جسدها 285 فنانًا يمثلون 60 دولة.. وإيطاليا ضيف الشرف

كاريكاتير الإيراني حاميد صوفي عن القطع الجائر للأشجار، وكاريكاتير السوري موفق قات عن معاناة اللاجئين السوريين
كاريكاتير الإيراني حاميد صوفي عن القطع الجائر للأشجار، وكاريكاتير السوري موفق قات عن معاناة اللاجئين السوريين
TT

مآسي الإنسانية بلغة الرسوم الساخرة في ملتقى القاهرة الدولي للكاريكاتير

كاريكاتير الإيراني حاميد صوفي عن القطع الجائر للأشجار، وكاريكاتير السوري موفق قات عن معاناة اللاجئين السوريين
كاريكاتير الإيراني حاميد صوفي عن القطع الجائر للأشجار، وكاريكاتير السوري موفق قات عن معاناة اللاجئين السوريين

دعوة إلى الابتسام في وجه أخطر القضايا التي تؤرق كوكبنا، هي ما قدمه الفنانون المشاركون من 60 دولة في ملتقى القاهرة الدولي الثاني للكاريكاتير، الذي احتضنه قصر الفنون بدار الأوبرا المصرية على مدار 5 أيام واختتم الجمعة.
سلط الملتقى الضوء على أهمية فن الكاريكاتير؛ تلك الأداة الصحافية النافذة التي تكشف سوءات المجتمعات وتعريها بشكل ساخر لتدق ناقوس الخطر تارة، أو لتبرز الحلول تارة أخرى. استطاع الملتقى أن يذكرنا بأهمية ذلك الفن المعبر عن هموم الإنسان ولا تخلو منه أي جريدة أو موقع يعنى بتطورات الأحداث. وقد كان من الرائع اختيار اللجنة المنظمة تيمة واحدة هي «الصحة» لتندرج تحتها جميع أفكار وإبداعات 285 فنانا. وفضلا عن موضوع «الصحة؛ شارك الفنانون بموضوع حر ناقشوا فيه القضايا التي تؤرقهم بطريقة ساخرة، حيث تنوعت الموضوعات ما بين الإرهاب، والتحرش الجنسي بالمرأة، والحروب، والقهر، والحرية، والتعليم، والتطور التكنولوجي وسيطرته على الإنسان. كما شاركت مجموعة من ألمع رسامي البورتريه في مصر والعالم، مقدمين وجبة كاريكاتيرية دسمة، من خلال رسمهم لأهم وأشهر نجوم الفن ورجال السياسية.
اعتمدت اللوحات المشاركة على المفارقات البصرية في توصيل رسالتها وطرح القضايا الشائكة الدولية والمحلية، دون كلمات أو تعليقات، وهو الأمر الذي ينم عن براعة رسام الكاريكاتير وثقافته واطلاعه الموسوعي.
التجول بين لوحات المعرض التي بلغ عددها 850 لوحة؛ أظهر التماهي وتطابق مشكلات الدول النامية وبعضها من جانب، في مقابل مشكلات الدول المتقدمة. والمتأمل في تلك الرسومات سيجد أن مأساة الإنسان واحدة بغض النظر عن هويته وجنسيته وديانته، لكنه كشف عن مدى الانغلاق والتحفظ الذي بات يقمع الإبداع في عالمنا العربي في مقابل الانفتاح والتحرر الذي يحرك الفنانين الأجانب، بل أظهر مدى التراجع في تحرر الفنانين العرب من قيود التابوهات الثلاثة، عن القرن الماضي. وكان من بين اللوحات اللافتة التي تناولت قضية «الصحة» ما طرحه الفنان الهندي إليهو دوايار حول مشكلة أكياس الدم الملوثة، حيث يرقد المريض وحوله أسراب من البعوض. بينما طرح البرازيلي مشكلة الانتحار بين الشباب، وتناول الفنان الإيراني إسماعيل بابي الإهمال الطبي في المستشفيات بشكل مؤثر، حيث جسد الموت بهيئة رجل يرتدي عباءة سوداء وينظر إلى ساعة في يديه وممسكا ببلطة كبيرة ليسطلها على المريض الراقد في استسلام، فيما تناول مواطنه الإيراني حاميد صوفي قضية القطع الجائر للأشجار وقد وضع رقبة الإنسان مربوطة بحبل إلى جذع أحد الأشجار في غابة قطعت جميع جذوع أشجارها، فكأنما أراد ببساطة يوصل رسالة مفادها أن الإنسان بما يفعله في البيئة يقضي على حياته بشكل مأساوي. وأبرز الفنانون العرب الحياة المأساوية التي يعيشها قطاع كبير من الشعوب العربية، حيث طغت الحروب والصراعات والثورات العربية وقضايا اللاجئين على لوحاتهم. وببراعة جسد الفنان السوري موفق قات، معاناة اللاجئين السوريين، موضحا كيف يصلهم الفتات من المعونات ورمز لتلك المعونات بثمرة بطيخ كاملة يتم تناقلها عبر عدد من الأشخاص ليتبقى منها النصف ثم يصل منها ربعها إلى مخيم اللاجئين. أما الفنان العراقي خضير الحميري فقد جسد إنسانا يحاول تخليص جسد إنسان آخر من بعض الأشواك أو الشظايا.
وجسدت الفنانة الأوكرانية مايكولا كابوستا قضية الأدوية الفاسدة بشكل مثير حيث يظهر في لوحتها صيدلي يحاول رسم وجه باسم ومرح على أقراص الدواء. وعبر مواطنها الفنان أوليسكي كوستوفيسكي عن قضية التدخين برسم بارع لسيجار يحترق أوله وحشر فيه مجموعة من البشر المرضى والفقراء أمام مجموعة من رجال الأعمال مدخني السيجار. كما قدم الأوكراني أوليج جوستول قضية إدمان الأطفال للإنترنت بشكل لافت، مجسدا طفلا أمام طبيب عيون كل ما يراه هو علامة «@».
ومن أستراليا رسم الفنان بيمان ميرزاي طبيبا ممسكا بكماشة لخلع الأسنان وملفوف حول رقبته عشرات الأضراس السليمة في عقد، معبرا عن قضية انعدام الضمير لدى الأطباء. وأثار الفنان الروسي فلاديمير سيميرنوكو القضية ذاتها من منظور مقارب مجسدا 3 جراحين ينتظرون وصول المريض وبدلا من سرير الجراحة يوجد اللوح الخشبي الخاص بتقطيع اللحوم!.
يقول رئيس الملتقى وفنان الكاريكاتير المصري جمعة فرحات، لـ«الشرق الأوسط»: «شهدت الدورة الثانية من الملتقى إقبالا كبيرا من فناني الكاريكاتير حول العالم، إذ وصلتنا مشاركات من 80 دولة، ونحو 2870 لوحة، ووقع الاختيار على 850 لوحة فقط لكي تناسب مكان العرض بقصر الفنون وهو أكبر فضاء لعرض الأعمال الفنية في مصر»
وأضاف رئيس الجمعية المصرية للكاريكاتير: «حل فن الكاريكاتير الإيطالي هذا العام كضيف شرف للملتقى، كما استضفنا فنانا من الكويت، و4 فنانات من إيطاليا، وفنانة من الإمارات، وفنانين من المغرب» وحول تقييمه للمشاركات هذا العام، يوضح فرحات: «الكاريكاتير لغة عالمية وهدفنا عبر الملتقى أن نضع أمام الجمهور المصري والعربي تجارب فنية تعكس ثقافات مختلفة، وقد اخترنا موضوع الصحة ليكون الموضوع الرئيسي للمشاركين في الملتقى، شريطة ألا يتضمن الرسم أي كلمات وبالطبع هو أمر يوضح كيف أن فنان الكاريكاتير يستطيع أن يوصل رسالته سواء كان إنجليزيا أو مصريا أو عربيا، عبر رسومه بأساليب تتنوع بين الجدة والطرافة لكنها تلفت النظر إلى قضية الصحة عبر كل الثقافات».
وأوضح قوميسيير الملتقى الفنان فوزي مرسي أن «لجنة اختيار الأعمال المكونة من الفنانين نبيل صادق، وإبراهيم حنيطر، عمرو سليم، وتامر يوسف، اختارت أكثر من 850 عملا فنيا لنحو 285 فنانا من 60 دولة، بينها أوكرانيا، وروسيا، وإسبانيا، وكوبا، والبرازيل، وإيطاليا، ورومانيا، وتركيا، والهند، وإيران، وبولندا، واليابان، والصين، والمغرب، والكويت، والسعودية، والبحرين، والإمارات، وذلك من أصل 452 رساما كاريكاتيريا، للمشاركة في الملتقى. وقال الفنان التشكيلي محمد عبلة، مؤسس أول متحف للكاريكاتير في العالم العربي، وأحد المنظمين لـ«الشرق الأوسط»: «سعدت جدا بنجاح الدورة الثانية ومن الرائع تبادل الخبرات بين الفنانين من مختلف دول العالم، وأن يروا أعمال بعضهم البعض، خصوصا وأن جميع الأعمال تناقش فكرة واحدة عن (الصحة) لكن تم تناولها من وجهات نظر مختلفة». وأضاف: «أرى الملتقى فرصة لاستعادة فن الكاريكاتير أهميته، وأعتقد أن افتتاح متحف الكاريكاتير المصري في الفيوم قد أعاد له رونقه، خصوصا وأن مصر كانت تنافس إيطاليا وإنجلترا وفرنسا وكانت من بين أوائل من قدموا فن الكاريكاتير في العالم، لذا تستحق مصر وجود مثل هذا الملتقى بهذا المستوى الدولي. مشيرا إلى أن «متحف الكاريكاتير سيقتني مجموعة منتقاة من أعمال الفنانين المصريين».
تضمن برنامج الملتقى عدة ندوات تقف على آخر تطورات فن الكاريكاتير في العالم، ودار نقاش جاد حول «التجربة العربية للكاريكاتير»، وعقدت ورشة للرسم بعنوان «تواصل» مع الفنان شكري إمام. وقد احتفت تلك الدورة من الملتقى بفن الكاريكاتير وجذوره الإيطالية، حيث خصص الملتقى ندوة خاصة عن فن الكاريكاتير الإيطالي. فقد ظهر هذا الفن في عام 1590 حينما أطلق الفنان الإيطالي أنيبالي كاراتشي وشقيقه أغوستينو كلمة «كاريكير» والتي تعني بالإيطالية «يبالغ» على رسومات البورتريه، التي رسماها على نحو مبالغ فيه. ثم انتشر ذلك الفن في إيطاليا ونقله إلى فرنسا الفنان الإيطالي جيان لورينزو برنيني Gian Lorenzo Bernini، وهو مثال ورسام كاريكاتيري ماهر، حين ذهب إلى فرنسا، عام 1665.
كما احتفت بعمالقة فن الكاريكاتير المصريين الفنانين الراحلين مصطفى حسين وأحمد طوغان، حيث عقدت ندوة لتأبينهما، تناولت أهم إسهاماتهما في النهوض بفن الكاريكاتير العربي، وكرم الملتقى الفنان العالمي جورج بهجوري، صاحب البصمة الفنية المميزة في فن البورتريه، وأحد أهم فناني الكاريكاتير في العالم، وأحد مؤسسي رابطة فناني الكاريكاتير العرب مع الفنان ناجي العلي.
يذكر أن الملتقى الثاني قد نظمته الجمعية المصرية للكاريكاتير واتحاد منظمات الكاريكاتير «فيكو» مصر، بالتعاون مع قطاع العلاقات الثقافية الخارجية، وقطاع الفنون التشكيلية، وصندوق التنمية الثقافية، والهيئة العامة لقصور الثقافة، ومشروع التحرير «لاونج جوته»، ومتحف الكاريكاتير. وشارك في تنظيمه الفنانون محمد عفت، وسمير عبد الغني، وياسر عبيدو، وخضر حسن، وشكري إمام، وعمرو عبد العاطي، وأحمد سمير فريد. وقوميسيرا الملتقى هذا العام هما الفنانان: فوزي مرسي، وعماد عبد المقصود.



أحمد قعبور وأحمد دحبور... جناس ناقص وعذوبة كاملة

أحمد قعبور
أحمد قعبور
TT

أحمد قعبور وأحمد دحبور... جناس ناقص وعذوبة كاملة

أحمد قعبور
أحمد قعبور

كان مقدّراً لهذه المقالة أن تكون مخصصة بالكامل للحديث عن أحمد قعبور الذي لم يكن رحيله، وسط الدخان الكثيف الذي يغطي سماء لبنان والمنطقة، شأناً من شؤون المصادفات المجردة، بل بدا بمنزلة احتجاج صارخ على فساد العالم ووحشيته المطلقة، أو نزول متعمد عن خشبة المسرح الفظ الذي يسمى الحياة. غير أن ما عدّل في وجهة الكتابة لتشمل الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور، هو خلطٌ بينه وبين المغني اللبناني، غالباً ما تسبب فيه التشابه في الأسماء. وهو ما حدث للشاعر الفلسطيني عبد السلام العطاري، حين ظل يخلط دون قصد بين الاسمين، في حوار أجرته معه إحدى الفضائيات، بما حوّل الحوار برمته إلى تأبين للشاعر والمغني على حد سواء.

وقد قادتني الحادثة تلك إلى التذكير بأن مثل ذلك الخلط لم يكن غائباً عن بال قعبور ذاته، وهو الذي أخبرنا في إحدى جلسات المقهى التي واكبت فترة مرضه القاسية، بأن العديد من أصدقائه قد اتصلوا به مستنكرين وفاته دون إعلامهم، إثر رحيل الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور! ثم تابع على طريقته في الدعابة بأن زوجته إيمان بكداش قد اضطرت إلى نفي نبأ رحيله عبر أكثر من مكالمة هاتفية، وقد ظن البعض أنه هو نفسه المتوفى، ليضيف مبتسماً أن ما حدث له ذكّره برائعة جورج أمادو الروائية «كانكان العوام الذي مات مرتين».

أحمد دحبور

وإذا كان الكلام عن أحمد قعبور يستدعي مروحة واسعة من الأفكار والذكريات، فإن أكثر ما ميّزه عن سواه هو نقاء سريرته، وصدقه مع نفسه في كل ما يفعل، بحيث نستطيع أن نرى أي نغمة حزن أو لمعة فرح وهي تتلألأ في مياه أعماقه المشمسة. ولم تكن سمات أحمد الأخلاقية، التي ورثها عن والديه العصاميين، لتقتصر على البشاشة وخفة الظل والقدرة اللامتناهية على الحب فحسب، بل إنه اشتغل بدأب المحاربين على ألا يكون التواضع عنده اتضاعاً، والحاجة تضحيةً بالكرامة، محاولاً في الوقت ذاته أن يوائم قدر استطاعته بين صلابة الموقف وليونة التعبير عنه.

وقد بذل أحمد الشاب، وهو نجل عازف الكمان البيروتي محمود قعبور، جهوداً حثيثة لجعل الفن خط تماس شديد الحساسية بين الحياة والتعبير، ومحاولة شاقة للتوفيق بين الالتزام بشروط الواقع، والالتزام بشروط الجمال. إضافة إلى محاولات مماثلة لتكييف موسيقاه مع روح العصر وإيقاعه المتسارع، دون أن يقطع الصلة في المقابل مع الجذور الأم للموروث الموسيقي العربي. كما أن إلحاحه الدؤوب على أن يستقي أعماله وأغانيه من الهموم اليومية للبشر العاديين، وتحويل المناسبات الاجتماعية والدينية إلى أغنيات وأهازيج، لم يقلل من حرصه الموازي على إيلاء الجوانب الفنية في أعماله ما تستحقه من الاهتمام.

وقد تكون المزايا والسمات التي وفرت لتجربة قعبور سبل البقاء والانتشار الواسع، هي نفسها التي وفرت لتجربة مرسيل خليفة، على ما بين التجربتين من اختلاف، عناصر توهجها الداخلي وثرائها الخلّاق، في حين أن معظم التجارب المماثلة قد آلت إلى الوهن والضمور. كما أن ما منح أحمد قدرته الملحوظة على ردم الهوة مع الجمهور، هو ذلك الدفء الإنساني المنقوع بالألم الذي كانت تبثه حنجرته الراعشة في أوصال مستمعيه، لتصلهم رغم نحول الصوت بما أضاعوه من حيواتهم على غير انتباه. كما أن ذلك الدفء بالذات، متحداً مع ذكاء فطري وبراءة طفولية المنشأ، قد مكّن قعبور من شد انتباه الأطفال وملامسة قلوبهم اليانعة.

وحيث كان قعبور قادراً على تحويل كل ما يقاربه من يوميات العيش وتفاصيله إلى فن حقيقي، فإن الكثيرين يذكرون كيف أنه صنع من بعض «الفلاشات» والبرقيات الدعائية السريعة التي كانت تُبث في تلفزيون «المستقبل» في تسعينيات القرن المنصرم، مثل «لعيونك» و«البلد ماشي»، برقيات ولقى ذكية حفظها الناس عن ظهر قلب، وتجاوزت بُعدها السياسي الضيق لتدمغ بظُرفها اللماح مرحلة بكاملها. ولعل أكثر ما آلم أحمد يومذاك هو تلك السهام السياسية الحادة التي سددها نحوه الكثير من المتربصين به، وبينهم أقرب أصدقائه، والتي تركت في قلبه جراحاً عصيّة على الاندمال.

على أن من الصعب الحديث عن أحمد قعبور دون الإشارة إلى أن النجاح غير العادي الذي أصابته أغنيته «أناديكم»، التي كتبها الشاعر الفلسطيني توفيق زياد، كان المحصلة الطبيعية للتحالف الوثيق بين جمال النص وبراعة اللحن، مضافاً إليهما الصوت الخارج من الأحشاء، بكامل حرقته وتمرده ونشيجه. كما أن الهوة الفاصلة بين صوت المنادي، الشبيه بما تبقى من صارية سفينة غارقة، وبين أسماع البشر المعنيين بالنداء، هي التي منحت الأغنية طابعها الطقوسي، وحوّلتها إلى تعويذة رمزية في وجه الموت.

أما أحمد دحبور، فلعل أكثر ما يتشاركه مع قعبور هو الصدق والعذوبة واقتطاع التعبير من المنابت التراثية الجمعية، التي أعاد كل منهما تجديدها على طريقته. وهو ما عكسه عند دحبور إلحاحه الدائم على محاورة الماضي واستنهاضه، كمثل قوله: «أضاعوني وأيَّ فتى أضاع الأهل والخلانْ». إضافة إلى استخدام صيغ النداء نفسها التي استخدمها المغني؛ إذ تتكرر عبارات من مثل: «يا كربلاء تلمّسي وجهي بمائكِ تلمسي عطش القتيل»، أو «ويا جَمل المحاملِ دربنا شوكُ»، وغير ذلك. كما تفصح البساطة واللغة الأليفتان عن نفسَيهما، عبر قول دحبور في إحدى قصائده الغزلية:

تبدأ القصة بالوجه المضيء الساحليْ

شعرها الأسود من ليل المخيمْ

فُتْحةُ العينين «يا دين النبيْ»!

والواقع أن هذه الميزة لدى الشاعر أكثر ما بدت واضحة في أعماله الأولى «حكاية الولد الفلسطيني» و«طائر الوحدات» و«بغير هذا جئت»، قبل أن تخلي مكانها في وقت لاحق لخلطة أكثر تعقيداً من الكتابة الحرَفية والحذق التأليفي. ففي تلك الأعمال بالذات بدا دحبور وكأنه يشحذ لغته على سكين الألم والمكابدة والانبثاق التلقائي من باطن الذات، كقوله في إحدى قصائده:

حين يكتمل الحزن تكتمل القنبلة

والدم المتربصُ يفتح ذاكرةً في الحجارةِ:

إن فلسطين ممتدةٌ من دمٍ عالقٍ بقماطي

إلى حقل رزٍّ يقاوم في عمق «فيتنام»

لكنها حين ينقصني خبزها تتجمّع في سنبله

كما أن أكثر ما ميّز دحبور في مختلف أعماله هو أسلوبه الجدلي الدرامي الحافل، الذي كان يشحن اللغة بطاقة عالية من الحيوية والتوتر. ومع أنه كان يعدّ شاعراً غنائياً بامتياز، فإنها ليست الغنائية الرخوة التي تتوسل التطريب الصوتي سبيلاً لدغدغة المشاعر، بل الغنائية المشحونة بقلق النفس، وأسئلة الهوية المحاصرة، والجموح العاصف للكلمات.

ولم تكن فلسطين وحدها هي التي وفرت لدحبور ما يحتاجه من مناجم الكتابة ومساقط الحنين إلى المكان الأول، بل إن نشأته وإقامته في حمص، مسقط رأس ديك الجن الحمصي وحبيبته ورد، قد زودتاه من جهتهما بقدر غير قليل من الرقة، حيث الهبوب المتواصل للرياح المحيطة بالمدينة لم يجبر الشجر وحده على الانحناء، بل تعهد بأنينه المكسور قصائد الحب، وقلوب العشاق، وبحة الأسى الدهري.

ولن تفوتني الإشارة، أخيراً، إلى أن ما جمع بين الطرفين من تشابهات لم يكن يقتصر على الجناس الناقص بين الاسمين، ولا على المزايا الإبداعية والإنسانية فحسب، بل إن من المفارقات الغريبة أن يكون أحمد دحبور المولود عام 1946 والمتوفى عام 2017م، وأحمد قعبور المولود عام 1955 والمتوفى عام 2026م، قد تقاسما العمر ذاته، بحيث أمكن لكل منهما المكوث واحداً وسبعين عاماً لا أكثر، فوق سطح الأرض. كما أن المفارقات نفسها قد تدخلت مرة أخرى لتجعل من موعد نشر هذه المقالة في «الشرق الأوسط»، اليوم الثامن من نيسان (أبريل) الحالي، هو الموعد نفسه الذي رحل فيه أحمد دحبور، أحد أكثر الأصوات الفلسطينية براءة ونقاء، عن هذا العالم.


تقاسيم زخرفية أموية من «قصر الحير الشرقي»

3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية
3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية
TT

تقاسيم زخرفية أموية من «قصر الحير الشرقي»

3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية
3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية

ازدهرت خلال الحقبة الأموية حِرَف الزينة المعمارية، وشكّل نتاجها المبتكر أساساً لجمالية الفن الإسلامي بأقاليمه المتعدّدة على مدى قرون من الزمن. تجلّت هذه الحِرَف بنوع خاص في اعتماد تقنية الجص الجيري المنحوت في تزيين العناصر المعمارية الخاصة بالمباني التي عُرفت بـ«قصور البادية»، كما في صناعة لوحات مستقلّة داخل هذه المباني بأشكال مختلفة. تجلّى هذا الفن في مجموعات من اللقى عُثر عليها بين أطلال هذه القصور، منها مجموعة صغيرة خرجت في السنوات الأخيرة من مبنى كبير، شكّل ملحقاً من ملحقات قصر، ويُعدّ أكبر المنشآت الأموية وأضخمها في البادية السورية، ويُعرف بـ«قصر الحير الشرقي».

جال عالم الآثار الأميركي جورج فورسيث خلال عام 1956 في نواح عدة من الشرق الأوسط لاختيار مواقع جديرة بالمسح، ورافقه في هذه الجولة زميله الفرنسي أوليغ غرابار المختص في الفنون الإسلامية. شملت هذه الجولة موقع «قصر الحير الشرقي» الذي جذب غرابار، فقصده ثانية عام 1962 في مهمة تمهّد لاستكشافه، وعاد إليه في 1964 على رأس بعثة ضمت عدداً من كبار العلماء، وأشرف على حملة مسح وتنقيب استمرت شهرين. تجددت هذه الحملة في 1966، وتبعتها حملة ثالثة بين عامي 1967 و1968، ثم حملة رابعة في 1969، وخامسة في 1970، وكانت خاتمتها حملة سادسة في 1971. شملت هذه الحملات الميدانية المعمّقة مجمل مساحة «قصر الحير الشرقي»، ورافقها صدور تقارير توثيقية خاصة بها تناولت نتائج أبحاثها. تُوّج هذا العمل المتواصل أخيراً في 1978 بنشر كتاب شكّل دراسة جامعة لهذه الأبحاث، حمل عنوان «مدينة في الصحراء».

شيّد هذه المدينة التي تقع إلى الشمال الشرقي من تدمر، الخليفة هشام بن عبد الملك عامي 728 و729 كما يؤكّد نقش عُثر عليه في الموقع، ويقابلها قصر آخر، شيّده كذلك هذا الخليفة في عام 727، ويقع إلى الجنوب الغربي من تدمر، ويُعرف باسم «قصر الحير الغربي». يتكوّن «القصر الشرقي» من مجمّعين مربّعين متجاورين يُعرفان بـ«القصر الكبير» و«القصر الصغير»، في إشارة إلى حجميهما. ويتميّز في المقام الأوّل بطابعه المعماري الضخم، وتبدو أطلاله أكبر من أطلال نظيره «الغربي». في المقابل، يتميّز «القصر الغربي» بثراء حلله الزينية، وتبدو حلل نظيره «الشرقي» متواضعة للغاية أمام هذا الثراء الاستثنائي.

لم تشكّل الحملات الأميركية نهاية لاستكشاف «القصر الشرقي»؛ إذ توسّعت الدائرة خارج حدود الحرمين المتجاورين، وبلغت سلسلة من المساكن تقع في شمال هذا الموقع، أهمها مسكن ضخم يحمل طابعاً أميرياً كما تشهد اللقى التي خرجت منه، خلال سلسلة جديدة من الحملات أجرتها بعثة سويسرية - سورية مشتركة بين عامَي 2007 و2010. يتألف هذا المسكن الضخم من مجمّعين متلاصقين تتوسّط كلاً منهما ساحة داخلية، ويمتدّان على مساحة يبلغ طولها 65.5 متر، وعرضها 44.5 متر. يبدو هذا البناء معاصراً للحرمين الرئيسيين اللذين يتكوّن منهما الموقع، ويمكن القول إن تشيّيده مهّد في الأصل لبناء هذه المدينة، أو أنّه شكّل ملحقاً توسّعياً لها.

حافظ هذا المسكن على بعض من حلله المنقوشة، وبدت مشابهة من حيث التكوين والأسلوب لما نراه في حرمَي «القصر الشرقي» المجاورين. هنا وهناك، نقع على عواميد تزينها نقوش منجزة بتقنية الجص المنحوت. تعلو هذه العواميد تيجان كبيرة، تشكّل أساساً لأقواس منقوشة تتبنى أطرزة شاعت في العالم المتوسّطي، تجمع بين التقاليد الرومانية والساسانية، وتشكّل امتداداً لميراث محلّي انتشر في بقاع واسعة من بلاد الشام.

إلى جانب هذه الشواهد المعمارية، تحضر مجموعة من الألواح تعتمد كذلك تقنية الجص المنقوش، وصلت للأسف بشكل مجتزأ. يصعب تحديد وظيفة هذه الألواح الأصلية بدقّة، غير أن ما بقي من مكوّناتها يشهد لرهافة بالغة في تأليف الشبكات الزخرفية المتنوّعة. تعتمد هذه الشبكات صياغة تجريدية شاملة، إلا إنها لا تمنع ظهور العناصر التصويرية ضمن هذه القوالب، وأبرزها العناصر النباتية المحوّرة. تظهر هذه العناصر في شواهد كثيرة، منها 3 ألواح تختزل هذا النسق الذي طبع الميراث الفني الأموي بشكل واسع. عُثر على أحد هذه الألواح عام 2008، ويبلغ طوله في الأصل على الأرجح 64 سنتيمتراً، وعرضه 42 سنتيمتراً، وقوامه مساحة مزخرفة يحدها إطار مستطيل بسيط. تبدو هذه المساحة لأول وهلة هندسية بشكل خالص، غير أن التأمل فيها يُظهر تبنيها عنصراً وحيداً جامعاً يتمثل في زهرة ذات 6 بتلات طويلة متساوية، تلتفّ حول ثقب دائري يشكّل برعماً لتفتّحها. تستقرّ هذه الزهرة داخل إطار يتكوّن من 6 أضلاع، وتؤلّف وحدة هندسية ثابتة، تتشابك وتتداخل مع أطر مماثلة لها. ويشكّل هذا التشابك مساحة زخرفية متناسقة متقنة ومحكمة تعتمد تأليفاً هندساً صارماً.

يتغيّر هذا النسق في لوح ثانٍ يعود اكتشافه إلى عام 2010، طوله في الأصل تقديرياً 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. ما تبقّى من هذا اللوح يُظهر مجموعة من 6 ورود متماثلة، تحضر وسط أغصان لولبية مورقة تلتفّ من حولها بشكل دائري. تتألف كل وردة من 6 بتلات صغيرة، تحيط بقرص مماثل لها من حيث الشكل والحجم. تحيط بهذه الورود أغصان تخرج منها أوراق، يظهر بعضها بشكل جانبي، ويظهر البعض الآخر بشكل منبسط ومواجه. في القسم الأسفل من هذا اللوح، تظهر أغصان مورقة أخرى تمتد عمودياً بشكل حر، واللافت أن وريقات هذه الأغصان تخرج عن القالب الجامع؛ إذ تختلف في الحجم والتكوين. في قطعة صغيرة تشكّل جزءاً من هذا التأليف، موقعها على الأرجح الطرف الأيسر من اللوح، نقع على وردة كبيرة تتلاحم بتلاتها الكثيفة، وتبدو أشبه بعنقود من العنب.

يتكرّر هذا القالب الزخرفي الحر في لوح ثالث يصعب تقدير حجمه الأصلي، وفيه تحضر أغصان نباتية من الفصيلة التي تُعرف باسم «الأقنثا»، وتبدو أوراق هذه الأغصان المحوّرة هندسياً أشبه بكوز يتكوّن من 4 مساحات هلالية. يشكّل كل من هذه الأكواز كتلة دائرية تلتف من حولها أغصان لولبية، تخرج منها أوراق جانبية مسنّنة، يمتد بعض منها عمودياً، ويمتدّ البعض الآخر أفقياً. ينصهر هذا التأليف في قالب منفلت، يُسبِغ على هذه الشبكة الزخرفية طابعاً حياً.


دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ
TT

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

يشير لفظ الحرافيش إلى دلالات لغوية واجتماعية تتعلق بـ«المهمشين» وسط الجموع، وهو اسم جمع ومفرده «حرفوش» المنحدر من الجذر اللغوي لفعل «حرفش» الذي يعني، حرفياً، الغلظة وقلة تهذيب والخروج عن اللائق، كما يدل أحياناً على المصارع والمقاتل.

وظهر لفظ «الحرافيش» في بداية عصر المماليك، حيث أطلقه المؤرخون على المصريين سكان القاهرة من الطبقات الشعبية التي يملك الواحد فيها صنعة أو حرفة.

هذا ما تلاحظه الباحثة حنان راضي محمود في كتابها «صور التقابل في رواية الحرافيش»، الصادر ضمن سلسلة «كتابات نقدية» عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، مشيرةً إلى أن «ملحمة الحرافيش» تعد واحدة من روائع نجيب محفوظ، تسلط الضوء على تلك الفئة من الشعب ليس باعتبارها طبقة كادحة فحسب بل طبقة ذات طابع إنساني، حيث أكسبتها المعيشة القاسية صفات من الغلظة والخشونة.

ويتناول محفوظ هؤلاء البشر باعتبارهم «المستضعفين من الناس»، فحياتهم الفقيرة لم تحرمهم من الحلم والسعي وراء العدالة والحرية التي ينتظرون أن تأتي مع البطل الملحمي القادر على أن يملأ الأرض عدلاً بعد أن امتلأت ظلماً. هذا ما تجسد بالفعل في أحداث «ملحمة الحرافيش» على يد عاشور الناجي الجد مروراً بـ«الفتوات» الذين ساروا على نهجه، وصولاً إلى عاشور الحفيد الذي اختتم الملحمة.

وتعتقد الكاتبة أن المشهد الأول في الرواية يحظى بأهمية خاصة حيث يوثق بداية ظهور البطل عاشور الناجي من خلال العثور عليه رضيعاً وسط المقابر، وقد عثر عليه الشيخ «عفرة زيدان» وأخذه لزوجته، وقاما على تربيته رغم عدم معرفة أصله، ثم تتطور الأحداث حين ينمو ويكبر عاشور ويصبح شاباً ثم يتزوج وينجب ثلاثة أبناء.

يأتي الحدث الثاني، وهو الحدث الفاصل في بلورة الأحداث التالية في الرواية، وهو حدث «الشوطة»، أو الوباء، الذي حل على الحارة وأخذ الأخضر واليابس، كما اكتسح الموت كل معالم الحياة. وتكتمل وحدة الحدث بإحدى «كرامات عاشور» الناجي برحيله عن الحارة قبل أن تصيبه «الشوطة» عبر حلم تحول به مصيره، فقد نجا من الوباء هو وزوجته «فلة» و«شمس الدين»، نجله، ومنذ ذلك الوقت لُقّب بـ«الناجي»، وأصبح اسمه «عاشور الناجي» وكأن أسرته التي كونها قبل الوباء لم تكن.

وتشير المؤلفة إلى سمة فنية تتجلى في معظم نهايات أحداث الحكايات الأخرى من «الحرافيش» وتشكلت معها جماليات أسلوبية في الحكي عبر النهايات الحزينة ذات الطابع المأساوي، التي يأتي فيها الموت مصيراً محتوماً، وهي نهاية تشير إلى طبيعة الاتجاه الرومانسي الذي تغلب عليه مشاعر الحزن والقلق ومشاهد الضعف الإنساني.

وعلى سبيل المثال، نجد في الحكاية الثالثة «شمس الدين» أن النهاية تعلن عن رحيله، فقد عاش خائفاً من الضعف والمرض أكثر من الموت نفسه، فلُقّب بـ«قاهر الشيخوخة»، كما تحل النهاية المأساوية مجدداً عبر الحكاية السادسة «شهد الملائكة» بمقتل «زهيرة» على يد طليقها في مشهد صادم.