رئيس سابق للحكومة: لبنان أمام امتحان استرداد الثقة عربياً ودولياً

TT

رئيس سابق للحكومة: لبنان أمام امتحان استرداد الثقة عربياً ودولياً

أتاح الاتصال الذي تلقاه رئيس الحكومة نجيب ميقاتي من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وولي العهد السعودي نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان، في أثناء اجتماعهما في مدينة جدة في المملكة العربية السعودية، الفرصة للبنان للعمل من أجل استعادة ثقة المجتمع الدولي به، واسترداده لمصداقيته المفقودة بسبب الفلتان السياسي الذي يتخبط فيه، والذي كان وراء تدهور علاقاته بدول الخليج العربي لخروجه عن سياسة النأي بالنفس، وتحييده عن النزاعات الدائرة في المنطقة، وإقحامه في لعبة المحاور -كما يقول رئيس حكومة سابق لـ«الشرق الأوسط»- التي أوصلته إلى عزلة عربية ودولية كان في غنى عنها.
فالاتصال الذي تلقاه ميقاتي ما هو إلا خطوة أولى ضمن مسار طويل لإعادة بناء الثقة التي من دونها لا يستطيع لبنان أن يستعيد دوره المميز في الحاضنة العربية، بعد أن جنح بعيداً نحو محور الممانعة بقيادة إيران، بضغط من حليفها «حزب الله» الذي شكل -كما يقول رئيس حكومة سابق فضل عدم ذكر اسمه- منصة لاستهداف بعض الدول العربية، ومنها الخليجية، بأمنها وسلامة مواطنيها وزعزعة استقرارها، بتدخله في شؤونها الداخلية.
ومع أن ماكرون تمكن، في ختام جولته الخليجية، من فتح كوة في جدار أزمة العلاقات اللبنانية - الخليجية التي بدأت تتصدع على نطاق واسع منذ أن انتخب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية في 31 أكتوبر (تشرين الأول) 2016، فإن مجرد تقريبه لوجهات النظر بين لبنان والسعودية يضع لبنان أمام مسؤوليته لمعالجة الأسباب التي أدت إلى تدهور هذه العلاقات، فيما لم يتمكن من أن يستعيد ثقة المجتمع الدولي به الذي يأخذ على الحكومات المتعاقبة إخلالها بتعهداتها التي التزمت بها للعبور به إلى بر الأمان.
فتقريب وجهات النظر لا يعني أبداً أن لبنان تجاوز تداعيات ومفاعيل الأزمة التي تحاصر علاقاته بدول الخليج بمقدار ما أنها تمهد الطريق أمام التواصل بها، ويبقى على الحكومة أن تُحسن التصرف حيال المضامين اللبنانية التي وردت في البيان المشترك الفرنسي - السعودي، بصفتها تشكل خريطة الطريق ليس لإنهاء الأزمة فحسب، وإنما لاستعادة لبنان للدعم الدولي، وهذا ما يسعى إليه رئيس الحكومة الذي بادر لالتقاط الفرصة من خلال الاتصال الذي تلقاه من الرئيس ماكرون والأمير محمد بن سلمان.
ويتطابق موقف رئيس الحكومة السابق مع مصدر وزاري بارز، بقولهما إنه سبق للبنان الرسمي أن التزم بهذه المضامين التي كانت قد صدرت بمعظمها عن الأمم المتحدة، لكنه أضاع الفرصة بسبب امتناعه عن وضع آلية لتطبيقها، مع أن أبرز ما فيها موجه إلى «حزب الله»، وتحديداً بالنسبة إلى ترسيم الحدود ومراقبتها، وحصرية السلاح بيد الدولة، ونزع سلاح المجموعات غير الشرعية.
ويعترف المصدر الوزاري بأن لبنان يقف حالياً أمام مرحلة سياسية جديدة غير تلك المرحلة التي كانت قائمة، وأدت إلى تصدع العلاقات اللبنانية - الخليجية، ويبقى عليه أن يستفيد منها، وأن يوظفها لفتح صفحة جديدة مع دول الخليج، وطي الصفحة التي تسببت بتدهور العلاقات. ويقول إن الدور الأول لإخراجها من التأزم يقع على عاتق رئيس الحكومة الذي لن يتهرب من مسؤوليته، وسيبذل قصارى جهده لتأمين شبكة أمان سياسية لقطع الطريق على من يحاول التفريط بالفرصة المواتية لتصحيح العلاقات وتنقيتها من الشوائب.
ويقول المصدر نفسه إن ميقاتي سيتحرك على خطين: الأول يتعلق بوقف تعطيل جلسات مجلس الوزراء لأنه من غير الجائز أن تتحول الحكومة في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها البلد إلى حكومة تتولى تصريف الأعمال، مع أن الاتصالات لم تنقطع من دون أن تؤدي حتى الساعة إلى معالجة الأسباب التي كانت وراء مقاطعة الوزراء المحسوبين على الثنائي الشيعي لجلساته، مشترطين الفصل بين التحقيق القضائي والتحقيق الآخر الذي يسمح بملاحقة الرؤساء والوزراء أمام المجلس الأعلى لمحاكمتهم.
ويلفت إلى أن وقف تعطيل الجلسات لا يكفي من دون أن يؤمن ميقاتي لحكومته الخطوط الدفاعية لترجمة ما التزم به لبنان إلى خطوات ملموسة تقود حتماً إلى تجاوز أزمة العلاقات اللبنانية - الخليجية، وصولاً إلى خلق المناخ السياسي المواتي لفتح صفحة جديدة مع دول الخليج، لأنه من المفروض على الحكومة أن تلاقي الأمير محمد بن سلمان بدعوته إلى طي صفحة الماضي في منتصف الطريق، وإلا فإن الفرصة ستضيع على لبنان.
ويرى أن الخط الثاني الذي يستعد ميقاتي للتحرك عليه لتوفير شبكة الأمان لتوظيف الفرصة التي أُتيحت له في المكان الذي يُنهي أزمة لبنان الخليجية، ويضعه على سكة الإفادة من الدعم الخليجي له، يقضي بالتواصل مع «حزب الله» لقطع الطريق على استهدافه للمضامين اللبنانية الواردة في البيان الختامي، لأن الالتزام به فعلاً لا قولاً يعني حكماً أن على الحزب أن يقرر منذ هذه اللحظة التكيُّف معها، وعدم إعاقته للدور الموكل للحكومة للوفاء بالتزاماتها لئلا تبقى حبراً على ورق.
ولا يبدو، من خلال تجاهل محطة «المنار» التابعة لـ«حزب الله» في نشرتها الإخبارية التي بثتها بعد ساعات قليلة من انتهاء المحادثات الفرنسية - السعودية وصدور البيان المشترك، أن الحزب سيتعامل بإيجابية مع الخطوط العريضة الواردة فيه التي لا تنحصر في الخطوات الواجب تنفيذها لإنهاء أزمة لبنان مع دول الخليج، وإنما بكل ما يسمح له بأن يستعيد عافيته، خصوصاً أن الشق اللبناني الوارد في البيان يعد بمثابة خطوة متقدمة، قياساً على ما أورده ماكرون في مبادرته لإنقاذ لبنان ووقف انهياره.
فـ«حزب الله»، بتجاهله لهذه المحادثات، يخفي انزعاجه من تشديد البيان المشترك على دعم سيادة لبنان ووحدته واستقراره، بما يتوافق مع القرارات الدولية وضرورة تنفيذها، لأنها تعيد إحياء مشروع الدولة، وتسترد منه تفرُّده بقرار الحرب والسلم.
لكن تسليط الضوء على رد فعل «حزب الله» حيال الشق اللبناني من البيان المشترك يجب ألا يحجب الأنظار عن التدقيق لاحقاً في موقف رئيس الجمهورية ميشال عون، بعد أن استثني من اتصال ماكرون والأمير محمد بن سلمان بميقاتي، خصوصاً أنه لا يمكن تحييد هذا الاستثناء عن موقف السعودية منه، والتعامل معه على أنه لم يلعب الدور المطلوب منه لوقف اجتياح «حزب الله» للدولة.
وفي هذا السياق، ينظر رئيس الحكومة السابق إلى استثناء عون من الاتصال، على خلفية أنه يحمل في طياته رسالة مفادها أنه لم يتصرف كما يجب، وكان في مقدوره، بصفته الحامي للدستور ورمزاً لوحدة الوطن، أن يتصرف على هذا الأساس، بدلاً من أن يتحول إلى طرف يوفر الغطاء السياسي لحليفه «حزب الله».
وعليه، فإن الدعم الاقتصادي السعودي للبنان لن يكون في متناول اليد ما لم تبادر الحكومة إلى الالتزام عملياً بالشق اللبناني من البيان المشترك، وإن كانت على استعداد لتقديم المساعدات للبنانيين لتمكينهم من أن يلتقطوا أنفاسهم، وإن كانت جهات رسمية تُبدي تفاؤلاً بمبادرة السعودية إلى إعادة النظر في الإجراءات التي اتخذتها بخصوص منع الاستيراد من لبنان.
لذلك، فإن الاتصال الذي تلقاه ميقاتي يحمل أكثر من دلالة سياسية يراد منه إعادة التوازن إلى المعادلة الداخلية في لبنان من جهة، واعتماد رئيس الحكومة رأس حربة للمضي قدماً في الفرصة التي أُتيحت للبنان لإعادة الروح إلى علاقاته الخليجية، وصولاً إلى تطبيعها بالتزامه بخريطة الطريق لفتح صفحة جديدة، مع أن ميقاتي يبدي انفتاحاً حيال تشكيل لجان مشتركة لمعالجة كل الأمور انطلاقاً من تأكيده أن أمن السعودية وأمن دول الخليج هما من أمن لبنان، وإن كان يتوقع عودة السفراء إلى بيروت، لما لعودتهم من مؤشر يدعو للتفاؤل، ويرفع من منسوب القدرة على إنهاء الأزمة، شرط أن تكون الطريق سالكة أمام رئيس الحكومة لتصحيح الخلل الذي أصاب هذه العلاقات.



مصر والعراق... تنسيق متصاعد في مواجهة توترات المنطقة

رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي يستقبل رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن رشاد (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي)
رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي يستقبل رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن رشاد (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي)
TT

مصر والعراق... تنسيق متصاعد في مواجهة توترات المنطقة

رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي يستقبل رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن رشاد (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي)
رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي يستقبل رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن رشاد (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي)

وسط تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد التحديات الأمنية والسياسية التي يواجهها العراق في ظل استمرار الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران منذ فبراير (شباط) الماضي، تكتسب المحادثات المصرية-العراقية أهمية متزايدة، في ضوء مساعي البلدين لتعزيز التعاون والتنسيق في مواجهة تداعيات الأزمات الإقليمية، ودعم الاستقرار في المنطقة.

وتحمل الزيارة التي قام بها رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن رشاد إلى بغداد، الخميس، دلالات مهمة بحسب خبراء من مصر والعراق تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»؛ كونها تؤشر إلى زيادة التنسيق الأمني في ضوء التحضيرات لانسحاب قوات التحالف الدولي في 30 سبتمبر (أيلول) المقبل، إلى جانب تدشين مشروعات اقتصادية مشتركة لتوفير بدائل للمنافذ التقليدية لتصدير الطاقة عبر مضيق هرمز.

وأفاد مجلس الوزراء العراقي بأن رئيس المجلس علي الزيدي استقبل رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن محمود رشاد، الذي نقل إليه رسالة من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أشاد فيها بعمق العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، واستعداده الدائم لمساندة جهود تحقيق تطلعات الشعبين الشقيقين في جميع المجالات.

رسالة القاهرة

وتضمنت الرسالة، بحسب البيان العراقي الصادر مساء الخميس، توجيه الدعوة إلى رئيس مجلس الوزراء لزيارة مصر «انطلاقاً من الحرص المشترك للمضي بتعزيز مسار التعاون بين العراق ومصر، والمحافظة على مصالح البلدين وتدعيم السلم والاستقرار الإقليمي والدولي».

كما شهد اللقاء بحث «عدد من القضايا والملفات ذات الاهتمام المشترك، والتأكيد على أهمية تنسيق المواقف وتبادل المعلومات والخبرات، بما يعزز المصالح الثنائية، ولما فيه خير الشعبين الشقيقين والمنفعة المشتركة».

مصر والعراق لمزيد من التعاون والتنسيق الأمني والاقتصادي (مكتب رئيس الوزراء العراقي)

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، يعتقد مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير المصري الأسبق لدى العراق شريف شاهين، أن التقارب المصري-العراقي استراتيجي فرضته التطورات الإقليمية وأهمية العراق المحورية، مشيراً إلى أن زيارة رئيس المخابرات المصرية الأخيرة لبغداد تكتسب أهمية بالغة في إطار بناء علاقات متطورة ترتكز على التنسيق السياسي والأمني والاقتصادي، وأن القاهرة تنظر للعراق باعتباره دولة محورية في معادلة الأمن العربي.

صناعة غرف أمنية

ويرى المحلل السياسي والأمني «رئيس مركز العراق للدراسات» علي فضل الله، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن زيارة رئيس جهاز المخابرات المصرية للعراق لها أهمية كبيرة بحكم تبادل المعلومات والعمل على صناعة غرف أمنية مشتركة من أجل التعاون ومعالجة كل التحديات، خاصة في ملف الإرهاب في ظل الخبرة المتراكمة لدى الجيش والأجهزة الأمنية المصرية.

زخم تعاون يتصاعد

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد زار بغداد في يونيو (حزيران) 2021، في أول زيارة لرئيس مصري إلى العراق منذ عقود ضمن آلية التعاون الثلاثي التي جمعت مصر والعراق والأردن، واستهدفت تعزيز التنسيق السياسي والاقتصادي والأمني بين الدول الثلاث.

وانطلق المسار الثلاثي بين مصر والعراق والأردن في 14 مارس (آذار) 2019، عبر أول قمة ثلاثية استضافتها القاهرة، بحضور رئيس وزراء العراق آنذاك عادل المهدي.

وشهدت الفترة الأخيرة زخماً في الزيارات؛ إذ استقبل السيسي في 27 أغسطس (آب) 2024 رئيس الوزراء العراقي السابق محمد شياع السوداني، في ثالث زيارة له إلى مصر، بعد زيارتين في مارس ويونيو 2023، تناولت بحث تعزيز التعاون في مجالات الطاقة والتجارة والاستثمار وإعادة الإعمار، والاستفادة من خبرات الشركات المصرية في مشروعات البنية التحتية العراقية، إضافة إلى اتصالات على مستوى وزراء الخارجية في البلدين لبحث التهدئة في المنطقة بعد اندلاع حرب إيران، خاصة في ظل قرب بغداد من طهران.

وفي ضوء ذلك أوضح السفير المصري الأسبق لدى العراق شريف شاهين أن المرحلة الراهنة تشهد تحولات رئيسية في مجالات الطاقة عبر مشروعات استراتيجية تجمع بين مصر والعراق والأردن، لإنشاء شبكات لتصدير النفط تعيد توجيه مسارات الطاقة، وتوفير بدائل لمنافذ التصدير التقليدية عبر مضيق هرمز، مشدداً على أن هذه المشروعات الاقتصادية الطموحة تتطلب ترتيبات وتنسيقاً أمنياً على أعلى مستوى لحمايتها.

أولوية الأمن

وأضاف أن الشأن الأمني يحتل أولوية في المباحثات المشتركة، لا سيما في ضوء التحضيرات لانسحاب قوات التحالف الدولي في 30 سبتمبر المقبل، مما يستدعي تعزيز قدرات الجيش العراقي لضبط الحدود ومواجهة مخاطر الجماعات الإرهابية والخلايا النائمة لتنظيم «داعش»، بالإضافة إلى دعم جهود الدولة العراقية لحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية.

وشدد شاهين على أن استقرار بغداد لا يتجزأ من استقرار المنطقة وأمنها القومي العربي، لافتاً إلى أن مصر تمتلك إمكانات وخبرات فنية عالية تُمكّنها من تقديم الدعم والمساندة للجيش العراقي في مجالات متعددة، وفي مقدمتها الدفاع الجوي وتأمين الأجواء والمجال الأمني الإقليمي.

وأشار المحلل السياسي والأمني العراقي علي فضل الله إلى أن التعاون الأمني العراقي-المصري «ليس مستغرباً بحكم التحديات المشتركة التي تعصف بالمنطقة؛ فهناك تهديدات إسرائيلية باتجاه مصر، وباتجاه العراق، وباتجاه دول المنطقة عموماً، كما أن هناك تهديدات باتجاه الدول العربية التي من المفترض أن تشهد تنسيقاً وتعاوناً».


«زيارة شي» للقاهرة... اختبار للتوازن المصري بين الصين وأميركا

احتفاء مصري يسبق زيارة الرئيس الصيني للقاهرة (الرئاسة المصرية)
احتفاء مصري يسبق زيارة الرئيس الصيني للقاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

«زيارة شي» للقاهرة... اختبار للتوازن المصري بين الصين وأميركا

احتفاء مصري يسبق زيارة الرئيس الصيني للقاهرة (الرئاسة المصرية)
احتفاء مصري يسبق زيارة الرئيس الصيني للقاهرة (الرئاسة المصرية)

مع اقتراب زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ، إلى مصر، تبرز تساؤلات حول كيفية قدرة القاهرة على المواءمة بين علاقاتها مع بكين وواشنطن في ظل تباين وتجاذبات الطرفين.

ويعتقد دبلوماسيون مصريون سابقون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن مصر تنتهج في مسار علاقاتها الخارجية «الاتزان الاستراتيجي»، بما يسمح لها بموازنة علاقاتها على أساس المصالح المشتركة، من دون الانحياز إلى سياسات تتعارض مع مصالح حلفائها في المنطقة.

و«الاتزان الاستراتيجي»، عده الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال حفل إفطار الأسرة المصرية في شهر أبريل (نيسان) 2014، الإطار الرئيسي الحاكم للسياسة الخارجية المصرية، حتى بات هذا المفهوم كتاباً جديداً لوزارة الخارجية المصرية أصدرته في نهاية 2025، أكد أنه أحد المرتكزات الأساسية للسياسة الخارجية المصرية، في ظل تحولات إقليمية ودولية متسارعة.

وتشهد العلاقات المصرية الصينية محطة تاريخية بارزة تعكس عمق الشراكة الاستراتيجية التي تجمع بين القاهرة وبكين، حيث تأتي الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر لتتوج مساراً طويلاً من التعاون المتنامي بين البلدين، بحسب ما ذكرته «الهيئة العامة للاستعلامات المصرية» الرسمية، الخميس.

ويتوجه الرئيس الصيني، الأحد، إلى قرغيزستان بدءاً لجولته التي تستمر إلى الثالث من سبتمبر (أيلول)، للمشاركة في قمة «منظمة شنغهاي للتعاون» في العاصمة بيشكيك، حيث يقوم بزيارة دولة، تعقبها زيارة أخرى إلى مصر، وفقاً لما أعلنته وزارة الخارجية الصينية في بيان، الأربعاء.

صون السلام

وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان، أن المحادثات في مصر تهدف إلى «الإسهام الإيجابي في صون السلام والاستقرار في المنطقة»، لافتاً إلى أن زيارة شي هي «الأولى إلى مصر منذ 10 سنوات، كما تحمل أهمية خاصة لتطوير العلاقات الثنائية».

السيسي والرئيس الصيني في حديث ودي خلال المشاركة في احتفالات عيد النصر بالعاصمة الروسية موسكو يوم 9 مايو 2025 (الخارجية المصرية)

واحتفت وسائل إعلام مصرية مبكراً بالزيارة حيث نشرت صحيفة «الأهرام» الحكومية الخميس، مقالاً للكاتب أحمد ناجي قمحة بشأن الزيارة، قائلاً: «اتجاه مصر شرقاً لا يتعارض مع سياسة الاتزان الاستراتيجي، وإنما يمثل إحدى أدواتها؛ فالاتزان لا يعني الوقوف على مسافة واحدة من جميع القوى، وإنما امتلاك أكبر قدر ممكن من البدائل والشراكات، بما يزيد قدرة الدولة على الحركة والمناورة، ويحافظ على استقلال قرارها».

وأضاف: «لهذا تتعاون مصر مع الصين في مجالات، ومع الولايات المتحدة وأوروبا في مجالات أخرى، وتنفتح في الوقت نفسه على الهند واليابان وكوريا الجنوبية ودول آسيا الوسطى، والدلالة الأهم أن التوجه شرقاً أصبح مرتبطاً مباشرة بأولويات التنمية المصرية».

وفي 30 مايو (أيار) 1956، أصبحت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع الصين، قبل أن تشهد عام 2014 اتفاق الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره الصيني، شي جين بينغ على إقامة «الشراكة الاستراتيجية الشاملة» بين البلدين، وبعد عامين زار شي القاهرة لأول مرة.

وعام 2024 بلغ حجم التجارة المصرية - الصينية نحو 17.38 مليار دولار، ثم ارتفع في عام 2025 إلى نحو 19.52 مليار دولار، بزيادة تقارب 12.3 في المائة، وتعد الصين من أكبر 5 شركاء استثماريين لمصر، حسب تصريحات وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، حسن الخطيب، في مايو 2025.

اختبار للعلاقات

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، مساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر تأتي في لحظة إقليمية ودولية بالغة الحساسية، وتتجاوز في دلالاتها حدود العلاقات الثنائية بين القاهرة وبكين، مؤكداً أن مفهوم «الاتزان الاستراتيجي» المدخل الأوضح لفهم الزيارة.

ويمثل هذا المفهوم، وفق حجازي، أحد المرتكزات الأساسية في السياسة الخارجية المصرية، التي تقوم على بناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية، من دون النظر إلى الشراكة مع الصين بوصفها بديلاً عن العلاقات مع الولايات المتحدة أو غيرها.

وعلى هذا الأساس، يشير حجازي إلى أنه لا ينبغي تفسير الحفاوة المصرية باستقبال الرئيس الصيني بوصفها انحيازاً إلى بكين في مواجهة واشنطن، مؤكداً أن العلاقات المصرية الصينية تطورت على مدى 7 عقود، حتى بلغت مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، بالتوازي مع حرص القاهرة على الحفاظ على علاقاتها وشراكاتها مع الولايات المتحدة وسائر القوى الدولية.

الرئيس الصيني يستقبل نظيره المصري عبد الفتاح السيسي في بكين يوم 29 مايو 2024 (الرئاسة المصرية)

ومع ذلك، تفرض الزيارة اختباراً فعلياً لقدرة مصر على الحفاظ على هذا الاتزان، بحسب حجازي، مؤكداً أن المسألة لا تتعلق بالاختيار بين الصين والولايات المتحدة، بقدر ما ترتبط بواقع أن التنافس بين القوتين امتد إلى مجالات الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا والأمن الدولي، الأمر الذي يجعل هامش المناورة أكثر تعقيداً وتكلفة.

وأكد أن القاهرة لا تسعى إلى المفاضلة بين شركائها، بل إلى إدارة علاقاتها معهم وفقاً لأولوياتها ومصالحها، مشدداً على أن تعزيز الشراكة المصرية الصينية لا يعني تلقائياً تراجع الشراكة المصرية الأميركية.

بدوره، يرى سفير مصر الأسبق لدى الصين، نائب رئيس «جمعية الصداقة المصرية – الصينية»، السفير علي الحفني، أن الزيارة تحمل تقديرا كبيراً لجهود مصر ومواقفها في إرساء دعائم السلم والأمن الإقليمي والدولي بالتنسيق مع المنظمات الأممية، إلى جانب التقدير لمسيرة التنمية الشاملة التي تشهدها البلاد، مؤكداً أن مصر تتتبع سياسة الانفتاح والشراكة المتوازنة مع مختلف الأطراف الدولية منذ عام 2014، حرصاً منها على توفير أفضل الفرص لدعم أجندة التنمية الوطنية «مصر 2030».

وشدد على أن القاهرة تمتلك علاقات استراتيجية وثيقة وممتدة مع الولايات المتحدة، والاتحاد الروسي، والصين، والاتحاد الأوروبي، مبنية على العمل الجماعي والشراكات التنموية الفاعلة على أرض الواقع بدلاً من الشعارات التقليدية، والاتزان في العلاقات وهو ما يجعل القاهرة تنجح في الاستفادة من زيارة الرئيس الصيني دون أزمات مع دول أخرى.


مصر تدعم «عملية سياسية دون تدخلات خارجية» في السودان

وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني خلال لقاء سابق في القاهرة (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني خلال لقاء سابق في القاهرة (الخارجية المصرية)
TT

مصر تدعم «عملية سياسية دون تدخلات خارجية» في السودان

وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني خلال لقاء سابق في القاهرة (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني خلال لقاء سابق في القاهرة (الخارجية المصرية)

أكدت مصر دعمها تدشين «عملية سياسية ذات ملكية سودانية ودون تدخلات خارجية»، بما يُسهم في إنهاء الأزمة الراهنة واستعادة الأمن والاستقرار.

وأجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالَين هاتفيين، الجمعة، مع نظيره السوداني محيي الدين سالم، وكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، تناولا الأوضاع الجارية في السودان وسبل إنهاء الأزمة، حسب بيانين منفصلين لـ«الخارجية المصرية».

وجاء اتصال عبد العاطي وسالم، في إطار «متابعة تطورات العلاقات الثنائية في مختلف المجالات، وتطورات الأوضاع الميدانية في السودان»، وجدّد عبد العاطي تأكيد دعم وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية.

وذكر البيان أن وزير الخارجية المصري أكد أهمية «وجود عملية سياسية ذات ملكية سودانية ودون تدخلات خارجية، بما يُسهم في إنهاء الأزمة واستعادة الأمن والاستقرار في السودان».

كما تبادل الوزيران الرؤى بشأن التطورات في منطقة القرن الأفريقي وأمن البحر الأحمر، وأكدا أهمية تعزيز التنسيق بين الدول المشاطئة، وضرورة الحفاظ على أمن وسلامة الملاحة البحرية، فضلاً عن دعم الجهود الرامية إلى ترسيخ السلم والأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، بما يحفظ مصالح دول المنطقة وشعوبها.

بينما تناول اتصال عبد العاطي وبولس «الجهود الإقليمية والدولية المبذولة لدعم الأمن والاستقرار في السودان الشقيق، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود لدعم سيادته، والتوصل إلى حل سياسي يضمن إنهاء معاناة المدنيين ويصون للسودان وحدته وسلامة أراضيه»، وفقاً لبيان «الخارجية المصرية».

وكان رئيس مجلس السيادة والقائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، قد وافق على مبادرة تقدمت بها مجموعة من السودانيين لتشكيل آلية وطنية مستقلة تتولى التمهيد لحوار شامل. وتعهد البرهان بعدم تدخل الدولة في تنظيم الحوار، أو تحديد أطرافه، وأجندته، ومخرجاته.