«غرام المبدعين»... عربيات وأجنبيات تركن آثارهن على السيرة والكتابة

أيمن الحكيم يكتب عن قصص حب معروفة وأخرى غامضة و«سرية»

يوسف إدريس - نجيب محفوظ - محمود درويش
يوسف إدريس - نجيب محفوظ - محمود درويش
TT

«غرام المبدعين»... عربيات وأجنبيات تركن آثارهن على السيرة والكتابة

يوسف إدريس - نجيب محفوظ - محمود درويش
يوسف إدريس - نجيب محفوظ - محمود درويش

يتناول الكاتب والناقد السينمائي أيمن الحكيم قصص حب غريبة و«مجنونة» في كتابه «غرام المبدعين... حكايات حب العشاق المجانين» الصادر حديثا عن مركز إنسان للدراسات والنشر والتوزيع بالقاهرة.
ما بين النجاح والفشل تتقلب هذه القصص التي خاضها عديد من الكتاب والشعراء المصريين والعرب مع نساء عربيات وأجنبيات، وشكلت جزءا من مسيرة حياتهم، وأثرت بشكل أو بآخر فيما قدموه من أعمال إبداعية، منها ما اشتهر واكتنفه الكثير من الغموض مثل قصة الشاعر الفلسطيني محمود درويش والفتاة اليهودية تامار باهي «ريتا»، التي ولدت لأب بولندي وأم روسية في حيفا عام 1943، وقصة روث المكسيكية ابنة فنان الجداريات المكسيكي الشهير دييجو ريفييرا التي تزوجها يوسف إدريس، ومنها ما عرف واستغربه البعض ورفضته عائلة طرف من أطراف العلاقة مثلما حدث في قصة زواج الشاعر المصري أمل دنقل بالكاتبة عبلة الرويني، والروائي إحسان عبد القدوس وزوجته لواحظ عبد المجيد المهيلمي «لولا».
أما الشاعر فاروق شوشة فقد رفض هو نفسه التقدم لطلب زوجته هالة الحديدي ما دام والدها على رأس الإذاعة المصرية، وانتظر حتى أحيل للتقاعد وعندما تقدم لها اشترط والدها أن يكون لقاؤه الأول مع شوشة في مكان محايد بعيداً عن بيته، فالتقاه في حديقة جروبي وسط القاهرة، وهناك اتفقا على كل شيء.
تضمن الكتاب 19 قصة وحكاية، كشفت جوانب من الحياة العاطفية لهؤلاء الكتاب والشعراء، ونظرة كل منهم إلى الآخر سواء كان امرأة أو رجلا، وقد روى بعض هذه الحكايات أصحابها بأنفسهم مثل الشاعر فاروق شوشة، والروائي جمال الغيطاني، والروائية هالة البدري، ورجاء الرفاعي زوجة الأديب يوسف إدريس، والشاعر إبراهيم داود، والكاتبة عبلة الرويني زوجة الشاعر أمل دنقل، وهناك قصص حكاها أبناء المبدعين مثل قصة إحسان عبد القدوس الذي تحدى والدته ملكة الصحافة في زمانها، وصاحبة مؤسسة روز اليوسف، وتزوج رغما عنها، وقد حكى الحكاية بتفاصيلها الكاتب الصحافي محمد عبد القدوس نجل إحسان.
وفي الكتاب أشار الحكيم إلى ما رشح عن تلك الحكايات والقصص من إبداعات، فكانت رواية «البيضاء» تجليا لعلاقة يوسف إدريس بامرأة أجنبية، البعض يقول إنها اليونانية الجميلة «ماريا بابادوبلو»، وآخرون يجزمون أنها نتجت عن قصة زواجه العجيبة من «روث» الفنانة المكسيكية وابنة الفنان العالمي «دييجوا ريفييرا» وقد وثقها الأديب إيمان يحيى في روايته «الزوجة المكسيكية»، أما الشاعر فاروق شوشة فقد كانت هالة الحديدي ملهمته خلال سنوات زواجه الأولى، وقد كانت حاضرة في قصائد ديوانه «لؤلؤة في القلب»، وهو الثالث في ترتيب دواوينه، واعتبره النقاد ديوانا استثنائيا، لأن قصائده كانت مليئة بالسعادة، والبهجة والحب وحب الحياة.
وعن بحثه في «الملف العاطفي لنجيب محفوظ» لم يعثر المؤلف أيمن الحكيم سوى على قصة غرام كبيرة وزيجة واحدة وبعص العلاقات السريعة والمؤقتة، فقد كان نجيب محفوظ حسب ما كان معروفا عنه «مستعداً لأن ينتزع قلبه من صدره إذا أحس أنه سيعطله عن الكتابة، وقرر طواعية أن يمنحها حياته كلها، ويضحي بمتع الحياة ومسراتها من أجلها، ومن هنا يمكن تفسير تأخره في الزواج حتى بعد سن الأربعين من عمره، وقد جاء زواجه مصادفة وبلا تخطيط، وتم في وقت ركود إبداعي، وفي ظرف وصفه هو بنفسه بأنه كان «غريباً وعجيباً».

ملهمات نجيب محفوظ

ويشير الحكيم إلى أن نجيب محفوظ حين كان يسكن وأهله في حي «العباسية» كان على موعد مع قصة حب حقيقية، وهي تجربة تركت أثرها في قلبه وفي رواياته، كانت الحبيبة جارة له وابنة عائلة ثرية، تسكن في «سرايا» لوالدها تقع في شارع «حسن عيد» الذي يربط بين شارعي العباسية و«الملكة نازلي»، كان أيامها على أعتاب مرحلة المراهقة، في الثالثة عشرة من عمره، أما هي فكانت في العشرين، وكان وجهها «أشبه بلوحة «الجيوكندا»، لم تكن فتاة تقليدية، بل كانت تميل إلى الطابع الأوروبي في مظهرها وتحركاتها، وهو طابع لم يكن مألوفاً آنذاك».
«وظل حبه لها قائماً وصامتا عاما كاملا حسب ما جاء في كتاب «نجيب محفوظ... صفحات من مذكراته وأضواء جديدة على أدبه وحياته» لرجاء النقاش»، وقد حالت الفوارق الطبقية والعمرية دون أن تكتمل العلاقة، التي كانت مجرد حب من طرف واحد، وهي التي جسدها محفوظ في روايته «قصر الشوق» وفي شخصية «عايدة شداد التي وقع «كمال عبد الجواد» في غرامها وسحرها، ولم يكن كمال عبد الجواد سوى نجيب محفوظ، ولم تكن «عايدة شداد» سوى حبيبته «فاتنة العباسية»، حسب قسم من النقاد.
وقد عاد نجيب محفوظ ليستلهم قصتها ويكتب عنها في «المرايا»، وسماها «صفاء» الفتاة الجميلة ذات العشرين ربيعاً التي تسكن «سرايا الكاتب»، والتي أحبها نجيب الصبي الصغير ابن الخامسة عشرة وملكت قلبه، وقد كان حبه لها حسب ما وصفه في الرواية بلا مواقع ولا مواقف ولا تاريخ يذكر، وقد اعترف نجيب محفوظ للأديب جمال الغيطاني أنه عاش مأساة وجدانية بعد أن فارقته هذه الفتاة، ولم ينس ليلة زفافها في قصر أبيها حيث حرص على أن يذهب ليراها لآخر مرة.

زواج سري

ظل لسنوات طويلة يهرب من الزواج ويعتبره خطراً على مستقبله الأدبي، أما كيف تزوج، فيذكر «الحكيم» أن القرار كان محسوبا وبمواصفات عقلية بحتة، وقد اختار زوجة مناسبة لظروفه وشخصيته ولمهمته الكبرى في الحياة، وقد اعترف لرجاء النقاش وهو يروي سيرته، قائلا «كنت في حاجة إلى زوجة تساعدني على الكتابة، تفهم أنني لست كائنا اجتماعيا، ولا أحب أن أزور أحداً أو يزورني أحد، وأنني وهبت حياتي كلها للأدب».
وفي الإسكندرية كان محفوظ على موعد مع مبتغاه وقد وجد ضالته في «عطية الله»، قابلها مصادفة، كانت صغيرة، ربما لم تبلغ بعد الثامنة عشرة من عمرها، رآها حين كان يزور صديق له، أعجبه هدوؤها ورزانتها ورجاحة عقلها، وبحساباته العقلية وجد فيها الزوجة التي يبحث عنها، وأدرك أنها فرصته الأخيرة للزوج، كانت العقبة الكبرى هي فارق العمر الكبير بينهما، كان يكبرها بنحو ربع قرن، لكنه فوجئ بموافقتها، وهكذا تزوج العازب الشهير من «عطية الله إبراهيم رزق» في العام 1954، ولم يستطع أن يخبر أمه بأمر زواجه، وكان الحل الوحيد هو أن يكون زواجه سريا، وأن يتكتم خبره حتى لا يتسرب لها، ولذلك لم يعرف به إلا إخوته.
وظل زواج محفوظ سريا، إلى أن انكشف بعد نحو عشر سنوات، وبمصادفة بحتة، فقد تشاجرت ابنته «أم كلثوم» في المدرسة الابتدائية مع زميلة لها، وقد كشفت المشاجرة عن هويتها، ووصل الخبر بالصدفة إلى الشاعر صلاح جاهين، وما هي إلا ساعات حتى كان الخبر يتصدر جلسات النميمة.

نساء درويش وقصائدهن

وفي الفصل الذي خصصه الحكيم للحديث عن الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش ونسائه العابرات والساكنات في قلبه، جاءت اليهودية «تمارا باهي» الشهيرة بـ«ريتا» في صدارة المشهد، كانت تعمل راقصة، والتقى بها درويش لأول مرة، وهي في السادسة عشرة من عمرها، بعد انتهائها من الرقص، خلال حفل للحزب الشيوعي الإسرائيلي، كان درويش أحد أعضائه، وقد ربط الحب بينهما، واستمرت علاقة درويش بها لفترة من الزمن، ولكن نشوب حرب يونيو (حزيران) 1967 عجل بالفراق بينهما بعد أن علم درويش أنها التحقت بسلاح البحرية الإسرائيلي.
ولم يظهر لدرويش قصائد تشير لعلاقته بريتا إلا في عام 1967، نعم أرسل لها الكثير من الخطابات العاطفية، لكن نصيبها من الشعر بدأ بقصيدة «ريتا والبندقية»، ثم قصائد «ريتا أحبيني»، و«تقاسيم على الماء» و«الحديقة النائمة»، وقد تكرر اسم ريتا في دواوين درويش «آخر الليل»، و«العصافير تموت في الجليل»، و«حبيبتي تنهض من نومها»، و«أحبك أو لا أحبك»، و«أعراس». كما ظهرت أيضاً في قصيدة «شتاء ريتا الطويل» بديوان «أحد عشر كوكباً» الذي صدر عن دار العودة في 1993، ولم يتوقف ظهور «ريتا» عند الإبداع الشعري لكنها ظلت تتردد أيضاً في أعمال درويش النثرية حتى رحيله.
حاول الحكيم خلال رحلته في حياة محمود درويش رصد ما قاله أصدقاؤه من حكايات وأسرار ظلت خافية حتى رحيله، وقد كانت أكثرها قوة وضجيجا ما كشفه الكاتب سليم بركات، حين تحدث عن وجود ابنة غير شرعية لدرويش من علاقة أو نزوة مع امرأة غامضة، كما تحدث الحكيم عن زواج درويش السريع من رنا قباني ابنة شقيق الشاعر السوري نزار قباني، والمصرية حياة الحيني التي وافقت بلا تردد على الزواج منه، وأحبته بصدق وأحبها درويش كذلك.



رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية
TT

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين، وهي شاعرة وكاتبة مسرحية ويلزية حائزة على جوائز، تكتب باللغة الويلزية، وتُرجمت أعمالها إلى أكثر من ثماني عشرة لغة. نشرت أربعة عشر مجموعة شعرية، وروايات للأطفال، ونصوصاً أوبرالية لملحنين بريطانيين وأميركيين، بالإضافة إلى مسرحيات للتلفزيون والإذاعة. أحدث مجموعاتها ثنائية اللغة هي: «بوندو» (2017) و«مورمور» (2012)، الصادرتان عن دار «بلوداكس بوكس»، وقد اختيرت الأخيرة ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر في خريف 2012، لتكون بذلك أول مجموعة شعرية ويلزية مترجمة إلى الإنجليزية تُختار لهذا الغرض.

* حصلت على جائزة أنيما إنترانزا الدولية للشعر الأجنبي عام 2009، وعلى العديد من الجوائز، منها جائزة كتاب العام عن مجموعتها الشعرية «أديرين باخ ميون لاو» (عصفور في اليد) عام 1990، كما وصلت إلى القائمة النهائية للجائزة نفسها عن مجموعتها «قبلة الرجل الأعمى» (كوسان دين دال) عام 2001، واختيرت مختاراتها الشعرية التي شاركت في تحريرها مع جون رولاندز ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر عام 2003).

وبرزت مينا إلفين كواحدة من أكثر الشخصيات الأدبية الويلزية تميزاً وأهمية. وهي من الشخصيات البارزة. ويطرح عملها رؤية ثاقبة لقضايا الهوية واللغة والانتماء، تمثل مزيجاً نادراً من القومية اللغوية والاتزان الشعري، خالقةً شعراً يتردد صداه على المستويين الشخصي والسياسي.

لا تقتصر مكانة إلفين الشعرية في ويلز، بل لعبت أيضاً دوراً محورياً في الشعر البريطاني على نطاق أوسع.

وُلدت مينا إلفين في ويلز عام 1952، وهي أمة غنية بتقاليدها الشفوية وتاريخها العريق في التعبير الشعري. وتشكل الثقافة الويلزية، بتأكيدها العميق على الأغنية والشعر والحفاظ على الهوية من خلال اللغة، الركيزة الأساسية لأعمال إلفين الأدبية.

ومنذ نعومة أظفارها، انغمست إلفين في إيقاعات اللغة الويلزية وجمالها. وقد أثَّر هذا الأساس اللغوي في حياتها وشعرها. في شبابها، انخرطت في النضال من أجل تكريس اللغة الويلزية في الحياة العامة، والشعر بالنسبة لها ليس مجرد جمالية، بل هو فعل مقاومة وبقاء وتأكيد على الذات.

ترجمة القصائد إلى العربية روان سكر، ولارا متّى.

ضمت هذه المختارات 31 قصيدة اختيرت من مجموعات سابقة نشرتها دار «بلوداكس بوكس». وكتبت أصلاً باللغة الويلزية، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية، وتتُرجم لأول مرة إلى العربية.

من الكتاب:

حلقات النمو

أبصر كيف يتفتح الأطفال

بعناية الأشجار

وكيف تتفشى الاستعارات

من البني والأخضر

الجذع مركب

يحملهم على التوهج

والفرع معبر

لاقتحام السفينة

بساط الثوم البري

بحر فوار، والقراّص

ينحشر في مبرد الريح

وبرحمة،

تنحني الأغصان لرتق التداعي

لتستلّ بلسماً لتكوي اللحاء

من التقرحات تسيل الدماء،

وفي تخطو الصبية

راغبة عن المرج

ترتد الاستعارات

إلى كينونة الأشجار

وفي المقابل

تفري العوارض بصيرتنا النافذة.


«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر
TT

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

في روايته «ترف الانكفاء» (دار الآداب - بيروت)، يقدّم الكاتب والروائي السعودي وائل هادي الحفظي بطله بوصفه نتاجاً لقوى متقاطعة؛ فهو ابن الصدمة المبكرة، والوعي المفرط، وعالمٍ تحكمه الكليشيهات، والرأسمالية المُتغوّلة.

منذ البداية، لا يضع الكاتب بطله في مسارٍ حكائي تقليدي، بل يقدّمه وقد اتخذ قراراً ثورياً بهجر عمله المكتبي، والاعتزال طوعاً داخل شقته التي لا تتجاوز تسعين متراً لمدة أسبوعٍ كامل، ليجد نفسه في مواجهة اختبارٍ شاقٍ لعلاقته بنفسه وبالعالم.

في هذا الفضاء المغلق، لا يتحرّك البطل عبر أحداث، بقدر ما يتحرّك داخل وعيه نفسه، وعلاقته بالأشياء والقيم، فيقرّر أن يتخلّى عن مُنبّهه الذي «يصرخ» كل صباحٍ، بالتوازي مع تخليه عن وظيفته المكتبية، في محاولةٍ للانسحاب من إيقاعٍ قسريٍ يشبه في بنيته «عجلة الهامستر»، حيث يصبح الركض شرطاً للبقاء، ويغدو التوقف عنه مجازفةً بالحياة.

وعبر ضمير المتكلم الذي يُلازم النص، يتكشف عالم هذا البطل المشحون ضد الخارج؛ إذ يحمل داخله رفضاً متراكماً يتحول إلى نفورٍ صامت يدفعه إلى الانسحاب داخل قوقعته. وهكذا لا يواجه العالم بالتصادم معه، بل بالابتعاد عنه، حين يقرّر ترك وظيفته الآمنة، باحثاً عن أخرى وراء شاشةٍ تكفل له الحد الأدنى من البقاء. غير أن هذا الانسحاب لا يخفّف وطأة التجربة، بل يزجّ به في اختباراتٍ أكثر صخباً مع ذاته.

يُطوّع الكاتب لغة السارد بوصفها أداةً لهذا الاختبار، في محاولةٍ لضبط إيقاع وعيه المتسارع، الذي يتحول إلى مختبرٍ لتصفية الأفكار وفق منطق فرزٍ حادٍ لا يخلو من غضبٍ، يميّز بين ما يستحق البقاء وما يمكن الاستغناء عنه. ويعكس عنوان الرواية هذا المنطق بدوره، حيث يتبدّى «الانكفاء» كتعبيرٍ مشحونٍ بحساسيةٍ شعرية، تماثل حركة بطلٍ يختار الانكفاء والاكتفاء على السواء، وهو يعيد تموضعه خارج العالم، نشداناً للخلاص عبر العزلة والكتابة.الإنسان المعاصر والحجري

يترك السرد للبطل سجيته عبر تداعٍ حرٍ طليق، وفي الوقت نفسه يتخذ من التلكؤ إيقاعاً يحاكي ضيق المكان الذي يضع فيه نفسه طواعية. في هذا التوتر بين الانسياب والبطء، تبدو حمولة البطل المعرفية عبئاً عليه، إذ تمرّ عبر وعيه مصطلحات مثل «الاحتراق الوظيفي»، الذي يُشخَّص به، محمّلةً بدلالاتها المجازية والنمطية، كواحدة من سجون اللغة المُعلّبة التي نتعاطى معها، أو تعبير «سيكولوجية الإنسان الحداثي»، بوصفه محاولةً لإعادة تسمية التجربة دون فهمها. في المقابل، يصك البطل لغته الخاصة، كما في تعبير «حداً ائتمانياً للتحمّل»، حيث تُفهم المشاعر عبر قاموسٍ اقتصادي، في إشارة إلى تغلغل منطق السوق حتى في إدراك الذات.

في هذا السياق، يُجادل البطل «ماسلو» وهرمه الشهير، متسائلاً عن معنى الاحتياجات الإنسانية، بينما يحاصر نفسه داخل شقته لمدة أسبوعٍ كاملٍ، مختبراً مفهوم الاحتياج ذاته لا بوصفه نظرية مُجردة بل تجربة معاشة.

ومن هنا، يمدّ النص خيطاً بين هذا الوعي بمنطق الاستهلاكية، وصراع الإنسان الأبدي مع البقاء، فيقول: «أظن أنني، عندما أقوم بهذا الفعل الاستهلاكي، لا أفرق كثيراً عن إنسان العصر الحجري»، ليضع الإنسان المعاصر والحجري في كفتي ميزان؛ فكما كان الأول يصطاد بدافع البقاء، يبدو البطل وكأنه يعيش داخل منظومة صيدٍ من نوعٍ آخر، لا يقوم به بل يُمارس عليه. يتجلّى ذلك عبر ومضاتٍ يومية: «تساءلت إن كان اليوتيوب يعرف عن آلام ظهري وحالتي النفسية أكثر مني؟»، حيث تتحوّل الخوارزميات إلى صيادٍ حديث، يلتقط الإشارات الدقيقة للاحتياج، ويعيد توجيهها في صورة منتجات، كأن البطل بانسحابه من العالم، يُحاكي إنسان الكهف، لكن في مفارقة لافتة؛ فبينما كان الأول يصطاد ليبقى، يحاول البطل أن ينجو من كونه هدفاً للصيد داخل منظومته المعاصرة.

ماكينة خياطة

يُطل بنا النص على طفولة البطل، فتتبدّل معها اللغة والنبرة؛ حيث يستعيد العالم عبر حواس طفلٍ في الثامنة؛ من خلال صوت ماكينة خياطة الأم، ورائحة السدر، وكوب اللبن الصباحي الذي يكشف غيابه ذات صباحٍ عن موت الأم، فيصير تدريباً أول على التماهي مع لغة الأشياء، فيقول: «ما أعرفه حقاً، أنا وآلة الخياطة، هو أن أمراً ما قد حدث»، بينما يتجلّى وراء صدمة الفقد منطق التعلّق لدى الطفل في أبسط صوره: «ما أعرفه أن الأطفال لا يستطيعون العيش بدون أمهاتهم».

لا يطرح النص هنا الفقد كحدث، بل باعتباره اختلالاً كاملاً في النظام، يكفي وحده لإعادة تشكيل العلاقة بالعالم في ضوء الاستسلام لمنطقها، حيث «الحياة لا تكترث لجاهزيتك» كما يقول البطل، الذي تبدو حياته ومنطقه في الاستغناء ردّ فعلٍ لذلك الاكتشاف المبكر.

وتكشف لغة السرد تشبّعه بمحاولات فهم حياته عبر نظرياتٍ كـ«أثر الفراشة» و«الدومينو»، حيث يكفي سقوطٌ واحدٌ حتى يتبعه كل شيءٍ، ليقوده هذا الإدراك إلى سخريةٍ واعية، ومحاولاتٍ للتكيّف مع عالمٍ محكومٍ بمنطق القسوة والسوق، تجعله «يفكر بجيبه».

لا يفقد النص، الذي يحتفظ بتداعيه الحر، خيطه الداخلي بل يعيد تشكيل إيقاعه تدريجياً مع بدء تواصل البطل مع طبيبة نفسية إلكترونياً، ومن خلال مجادلاته المتقطعة معها، تبدأ ملامح أعمق للبطل في التشكل، كاشفةً عن تصوراته للحب والحياة والفقد.

غير أن هذا الانفتاح لا يكسر الدائرة، بل يعمّقها؛ فمنذ تصدير الرواية ببيت المعري: «تعبٌ كلّها الحياة، فما أعجبُ إلا من راغبٍ في ازدياد»، يتبدّى البؤس بنية وجودية مستمرة، يُعاد إنتاجها داخل الوعي، فلا تخرج المشاعر عن مدارها، بل تعود إليه في كل مرة، حيث يتجاور الحزن مع ما يبدو نقيضه، ويصدران عن المصدر نفسه: «ولا نحزن إلا من حيث نسعد».

هكذا، لا يبدو الاستغناء في النص اختياراً بسيطاً بقدر ما ينكشف بوصفه «ترفاً» له تكلفته الباهظة، على نحو ما يُحيل إليه عنوان الرواية نفسه. فكما أن الانخراط في العالم له ثمنه، فإن الانسحاب منه لا يخلو من خسائر، وبين هذين الحدّين، لا يسعى السرد إلى تبرير هذا الاختيار بقدر ما يضعه موضع مساءلة: «فكم من الخسائر كان عليك أن تتجنب حتى تعيش؟».