العظماء... والنساء

روسو يتوسل لزوجته أن تتركه ونيتشه لم تقبل به أي امرأة

تولستوي
تولستوي
TT

العظماء... والنساء

تولستوي
تولستوي

هناك مثل شائع يقول: وراء كل رجل عظيم امرأة. بمعنى أن كل مبدع أو قائد سياسي بحاجة إلى امرأة تسند ظهره وتلهمه لكي يستطيع أداء المهمة التي خلق من أجلها على أكمل وجه. ولكن علاقة الرجال العظام بالمرأة مختلفة باختلاف الشخصيات والطباع. فمنهم من كانت علاقته بزوجته جيدة جداً على طول الخط كشارل ديغول مثلاً. فلم يخنها أبداً طيلة حياته كلها، ولم يشرك بها أي امرأة أخرى. وهذا شيء رائع ونادر جداً لدى القادة الكبار. هذا هو المثال النموذجي الأخلاقي الأعلى في الحياة. ولكن من يستطيع تحقيقه؟ هيهات! ومنهم من كانت له عشيقات وخيانات لا تحصى ولا تعد من أمثال فيكتور هيغو وآخرين عديدين.
كونت... الحب الولهان
ومنهم من كانت حياته العاطفية مضطربة جداً كالفيلسوف أوغست كونت الذي لم يستقر في النهاية إلا على حب عذري أفلاطوني بالخالص. وإليه رفع أعظم الابتهالات وخالص التحيات... ومحبوبته العذراء البتول التي ماتت شابة في الثلاثين من عمرها لها تمثال صغير في باريس يقع على منتصف الطريق بين ساحة الباستيل وساحة شاتليه. وكثيراً ما توقفت أمامه متأملاً خاشعاً عندما كنت أمر من هناك. وكثيراً ما مررت. ومعلوم أنها كانت متدينة جداً، بل وحتى متنسكة صوفية. ما أعظمك يا رابعة العدوية! وقد فجعت بالحياة قبل أن تبدأ الحياة ولم تعرف الرجال. ومنهم من كان يتنقل باستمرار من امرأة إلى أخرى بحثاً عن المزيد من المتع الشهوانية، دون أن يستقر بالضرورة على واحدة بعينها. وهذه هي القاعدة في الأغلب الأعم عند المبدعين الكبار. إنهم يحبون التنويع والتجديد. من كل بستان زهرة. وهؤلاء أخطر الناس. أبعدنا الله عنهم وأجارنا منهم. ومنهم من لم تكن لهم أي علاقة بأي امرأة ككانط مثلاً: أكبر فيلسوف في تاريخ الغرب الحديث. وبالتالي فلا تنطبق عليه تلك العبارة الشهيرة: «لا فتوحات فكرية من دون فتوحات غرامية». ومنهم من قتله الحب أو جننه كالشاعر الألماني الكبير هولدرلين. ولم يكن يخطر على باله إطلاقاً أن يعشق امرأة غيرها رغم أنها كانت متزوجة. كان يعتبر ذلك كفراً أو جريمة بالمعنى الحرفي للكلمة. ولم يكن يريد منها شيئاً: فقط أن يلمحها عن بعد وهو عابر تحت البلكون حتى دون أن تدري... وهو بذلك يشبه شعراءنا العذريين الكبار من أمثال مجنون ليلى أو جميل بثينة أو ذي الرمة ومي، إلخ... (بين قوسين: شخصياً أعتبر الحب العذري أرقى أنواع الحب، وأعتبر الشعراء العذريين بمثابة ملائكة فوق مستوى البشر).
روسو... حياة مستحيلة
ومنهم من سمح لزوجته أن تتركه بعد أن ازدادت عليه الضغوط، وأصبحت لا تحتمل ولا تطاق. وأكبر مثال على ذلك جان جاك روسو. فبعد أن احمرت عليه الأعين من عدة جهات، وشعر بأنه دخل في الدائرة الحمراء للخطر، شرح لها حقيقة الوضع وخيرها بين البقاء معه أو تركه لكي تنجو بنفسها من خطر ماحق. وقال لها بأنه سيتكفل بنفقتها عن بعد. وأفهمها أن الحياة الطبيعية معه صارت من رابع المستحيلات، بعد أن أصبحت كتبه تمزق وتحرق في عدة عواصم أوروبية من باريس إلى جنيف إلى أمستردام... فقد اتهموه بالزندقة والإلحاد والخروج على «صحيح الدين». وبالتالي فإذا ما وصلوا إليه فسوف يحرقونه هو الآخر أيضاً، وسوف يمزقونه إرباً إرباً. ولكنه لم يتراجع ولم ينبطح أمام الإخوان الأصوليين رغم قوتهم وجبروتهم. في تلك اللحظات الحاسمة يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود وتُعرف معادن الرجال. ويرى الكاتب الفرنسي أندريه موروا، أنه لا توجد قاعدة محددة بهذا الصدد. فرياح العبقرية قد تهب على الشخص المتزوج أو غير المتزوج. قد تهب على الشخص السعيد بزواجه، كما قد تهب على الأعزب أو على من لا يطيق زوجته أبداً.
تولستوي يهرب من جحيم زوجته
انظروا حالة تولستوي مثلاً. فالشجارات العنيفة بينه وبين زوجته صوفيا كانت متواصلة لاحقاً ومرعبة. نقول ذلك رغم أنهما تزوجا عن قصة حب كبيرة، وأقسما يميناً بالله على ألا يخونا بعضهما البعض طيلة الحياة. بل وأنجبت له المدام 13 طفلاً فقط! ولكنها اكتشفت لاحقاً أنه حبّل إحدى الفلاحات وأنجبت له طفلاً إضافياً أيضاً. (صاروا 14). ومعلوم أنه كان إقطاعياً أرستقراطياً كبيراً. ولكنه أراد التخلي عن كل ذلك لاحقاً لكي يعيش حياة الفلاحين الفقراء، بل وأراد توزيع معظم أملاكه عليهم. ولكن زوجته عارضته بشدة واحتدم الصراع. قالت له: هذه الثروة لعائلتك وأولادك وليست للآخرين. هل أصابك مسٌ من جنون؟ هل فقدت عقلك؟ أنت فعلاً مجنون. ولكن ما الفرق بين العبقرية والجنون؟ وهنا تكمن عظمة تولستوي، بالإضافة إلى كونه أديباً ضخماً. فنزعته الإنسانية كانت لا تضاهى. على أي حال لقد ساءت الأمور بينه وبين زوجته بعد السنوات الأولى وتدهورت وتفاقمت. وحل الزعيق والصراخ محل الوئام والانسجام. وقد وصل به الأمر إلى حد الهرب من البيت في أواخر أيامه والموت وحيداً على الطرقات والدروب... مات في محطة قطارات جنوب موسكو. لقد غادر المنزل بعد 50 سنة زواج مع صوفيا وهو في الثانية والثمانين من عمره. ما عاد يطيقها وما عادت تطيقه.
ولكن بشكل عام يمكن القول بأن العباقرة لا يتزوجون عادة. فديكارت لم يتزوج، وسبينوزا لم يتزوج، وقل الأمر ذاته عن فولتير وفلوبير وبودلير ورامبو ونيتشه وبيتهوفين وفان غوخ وعشرات غيرهم. هل يمكن أن تتخيلوا نيتشه متزوجاً أو رب عائلة؟ من رابع المستحيلات. لحسن الحظ فإن أي امرأة لم تقبل به، رغم كل محاولاته المتكررة والفاشلة. لماذا لا يتزوج هؤلاء المجانين المدعوون بالعباقرة؟ لأن العبقري بكل بساطة يتزوج عبقريته فقط. إنه مشغول بها إلى حد الهوس، إلى درجة أنه لا يستطيع أن يشرك بها شيئاً. إنه يعتقد أنه مكلف بمهمة في الحياة، وأن هذه المهمة أغلى عليه من روحه. وإذا ما خير في لحظة ما بين إبداعه وحياته الشخصية، فإنه سيضحي بالثانية دون تردد. (بين قوسين: العباقرة ليست لهم حياة شخصية ولا ينبغي أن تكون، خصوصاً في عصر الزلازل والاضطرابات الكبرى). وبالتالي فلا أحد ينصح المرأة بأن تتزوج من العباقرة أو القادة السياسيين الكبار المشغولين جداً برسالتهم، والذين قد يتعرضون للخطر الأعظم في أي لحظة. فالرجال العاديون الطبيعيون أفضل عادة للمرأة من العباقرة. ومع ذلك فإن هؤلاء هم الذين يجذبون النساء كثيراً لأن وهج الشهرة يعمي العيون.
ماركس: ليتني لم أتزوج
يبدو أن ماركس تأسف أكثر من مرة لأنه تزوج وأنجب. نقول ذلك رغم أنه تزوج عن قصة حب كبيرة وطويلة. وامرأته (جيني ماركس) كانت مثقفة رائعة ومن عائلة أرستقراطية عريقة. وكان متعلقاً بها جداً. ولكنه كان يقول ما معناه: من يريد أن يتنطح للقضايا الكبرى لا ينبغي أن يورط نفسه بعائلة وأولاد. حرام. خطأ كبير. فلو كان عازباً حراً لاستطاع مواجهة التحديات بقوة أكبر ولما خشي على عائلته من عواقب تصرفاته وانخراطاته ونضالاته. يضاف إلى ذلك أن تحمل نفقات العائلة ومسؤولياتها شيء مرهق فعلاً. يقال بأنه في بعض اللحظات ما كان قادراً على شراء علبة حليب صغيرة لطفلته الرضيعة. كان ذلك قبل أن يتعرف على إنغلز الذي أنقذه. ومعلوم أنه كان بلا عمل ولا مدخول طيلة حياته. ماركس كان عاطلاً عن العمل. من يصدق ذلك؟ كان أكبر «صعلوك متسكع» في أوروبا، كما وصفته الكاتبة الفرنسية المعروفة فرنسواز جيرو. وكانت تلاحقه كل أجهزة المخابرات دفعة واحدة. وفي الوقت ذاته كان عبقرياً ملأ الدنيا وشغل الناس. ولكنه عاش أياماً مرعبة وهو يرى عائلته تتخبط في البؤس على وشك المجاعة. عندئذ كفر بالحياة والحب والزواج، وقال بينه وبين نفسه: ليتني لم أتزوج قط. لماذا ورطت نفسي بكل هذه القصة؟ لماذا ورطتهم معي؟ ما ذنبهم؟ ولكن كل هذا لم يمنعه من أن يقيم علاقة مع الخادمة في ليلة ما فيها ضوء عندما كانت مدام ماركس غائبة عن البيت في زيارة لأهلها. بل أنجبت له ولداً غير شرعي مثلما فعل أستاذه ومعلمه هيغل مع مؤجرته. ولله في خلقه شؤون.



جاك لندن... من راوي المغامرة إلى شخصية تسكنها التناقضات

جاك لندن
جاك لندن
TT

جاك لندن... من راوي المغامرة إلى شخصية تسكنها التناقضات

جاك لندن
جاك لندن

تحلّ هذا العام الذكرى المائة والخمسون لميلاد جاك لندن الكاتب المعروف، فتعود إلى واجهة النقاش الأدبي والثقافي واحدة من أكثر الشخصيات الأميركية تعقيداً وإثارةً للجدل. وبهذه المناسبة تُبادر دور النشر الفرنسية والأميركية إلى إعادة إصدار أعماله، بينما تتسابق الصحف ذات الثقل الفكري إلى تقديم قراءات جديدة لإرثه.

والواقع أن هذه العودة ليست مجرد طقس احتفالي أو واجب ذكرى، بل هي دعوة ضمنية لمراجعة الصورة النمطية التي رسختها عقود من القراءات المبسِّطة، والسؤال المطروح الذي تناولته الكثير من المنابر الثقافية في هذه المناسبة هو: هل كان لندن حقاً كاتب المغامرة والطبيعة الجامحة أم أن في الأمر قراءة ناقصة، إن لم تكن خيانة أدبية صريحة؟

وقبل الإجابة، كان الإجماع هو أن لندن قد منح القراء حول العالم متعةً أدبية خالصة، فرواياته الكبرى عن ألاسكا وعن ذئاب اليوكون وعن قسوة الطبيعة التي تبتلع الضعفاء جعلت منه اسماً لا يُنسى في الأدب المكتوب بالإنجليزية، غير أن هذه الشهرة كانت في الوقت ذاته حجاباً سميكاً غط جانباً آخر من شخصيته وكتابته؛ لندن الآخر هو ذاك الذي نشأ في أحضان الفقر، وعمل في المصانع وعلى أرصفة الموانئ قبل أن يكتب، والذي انتسب إلى الحزب الاشتراكي الأميركي ولم يرَ في ذلك أي تناقض مع أدبه.

ولاحظت صحيفة «لوموند ديبلوماتيك» في موضوع نشر بمناسبة ذكرى ميلاده أن «لندن كثيراً ما يُربط بالمغامرة والفضاءات الواسعة والحياة البرية، في حين أن ما يميّزه فعلاً هو حسٌّ اجتماعي حاد جعل منه أديباً يلتقط ما تحجبه الأساطير من حقائق»، ويكشف هذا التصويب النقدي أن المجلة تدعو القارئ إلى إعادة النظر في لندن: لا كاتبَ المناظر الطبيعية بل المراقب الاجتماعي الذي يخترق المجتمع الأميركي من الداخل. وتعتبر رواية «شعب القاع» أو People of the Abyss الصادرة في 1903، تجسيد قوي لهذا التوجه، ففيها لا يقف لندن خارج المشهد لينقله، بل يرتدي ملابس العاطل ويقتحم أحياء الفقر في حي «إيست إند» اللندني ليعيش من الداخل ما كان يصفه غيره من الخارج: الجوع اليومي والسكن الرديء والبطالة المزمنة، وهو ما منحه طابعاً شبه وثائقي يجعله أقرب إلى الصحافة الاستقصائية منه إلى الرواية التقليدية. وقد أشارت قراءات فرنسية متعددة إلى هذه الخاصية بدقة لافتةً، مشيرة إلى أن جاك لندن لا يراقب البؤس بل «يعبره»، وأن هذا التماس المباشر مع العالم السفلي للمجتمع الصناعي هو ما يحوّل كتابته إلى فعل استقصاء حقيقي. فالأدب عنده لا يكتفي بتصوير الواقع، بل يُصبح أداة معرفية من الدرجة الأولى.

على أن هذه الذكرى قد منحت الصحافة الفرنسية فرصة أخرى لا تقل أهمية، وهي الإمساك بالتناقض الجوهري الذي يجعل لندن أغنى من أي تعريف أحادي. فقد اختارت صحيفة «لوفيغارو» بهذه المناسبة عبارة كاشفة، إذ وصفته بـ«المغامر صاحب الحيوات المتعددة»، وهي عبارة ذات وجهين، فهي تُضيء البعد الأسطوري في سيرته وتُجلّيه، لكنها في الوقت ذاته تُلمّح إلى رجل لا يمكن حبسه في هوية واحدة، ولا اختزاله في قناع بعينه، حيث كان العامل واليتيم والمتسكع والبحار والمستكشف والاشتراكي والمزارع والكاتب الأكثر مبيعاً. أما مجلة «ماريان»، فقد ذهبت أبعد وأجرأ، حين قدّمت لندن بوصفه «الكاتب الاشتراكي غير المفهوم» وهي صيغة تلتقط بدقة التوتر الكامن في مشروعه الأدبي والفكري. فهو من جهة منحاز بوضوح إلى الفقراء والمقهورين، حيث انتسب إلى الحزب الاشتراكي وخطب في التجمعات العمالية وكان أكثر الكتاب الأميركيين قراءة في الاتحاد السوفياتي، ومن جهة أخرى كان معجباً بالقوة الغريزية وفكرة الصراع وبأسطورة الإرادة الفردية، حتى إنه اقتنى مزرعة فارهة في كاليفورنيا ويخت خاص من النوع الفاخر، وكأنه يدين الرأسمالية بقلمه، لكنه يمتلك بيده ما تمنحه من امتيازات.

لا تختلف الصحافة الأميركية في مجملها عن نظيرتها الفرنسية في إعادة تقديم لندن بوصفه أعمق مما تسمح به الصورة الشائعة. ففي اليوم الذي يُصادف عيد ميلاده نشرت مجلة «ذا ساتردي إيفنينج بوست» وهي المجلة الأميركية العريقة التي نشرت «نداء البرية» أول مرة عام 1903 مقالةً بعنوان «جاك لندن في المائة والخمسين» تذكر فيها بأن كثيرين من القراء الأميركيين لم يعرفوا من لندن سوى كاتب المناهج المدرسية، فيما هو في حقيقته «صحافي حرب وكاتب مذكرات، وكاتب فضائح، ومحرّض اشتراكي، ومغامر متسلسل». وقد دعت المجلة إلى قراءة لندن كاملاً: خمسين كتاباً تتضمن الروايات ومجموعات القصص والمقالات والرحلات والشعر، لا مجرد روايتين عن الذئاب والثلج.

وفي الوقت ذاته نشر موقع «بيبلز وورلد» أبرز المنابر اليسارية في الصحافة الأميركية مقالاً تحليلياً للناقدة جيني فارِل بعنوان «جاك لندن في المائة والخمسين: الكعب الحديدي بوصفه أولى ديستوبيات عصر الإمبريالية». وفي هذا النص المطوّل الذي استقطب اهتماماً واسعاً تُقدّم فارِل رواية «االعقب الحديدية» (1908) بوصفها: «أكثر من مجرد رواية سياسية، بل نصاً تأسيسياً في الأدب الديستوبي»، مشيرة إلى أنها ظهرت قبل الفاشية الأوروبية بعقدين كاملين، وتُلاحظ الكاتبة أن لندن رسم في هذه الرواية معالم نظام أوليغارشي يسحق العمال بعنف منظّم، مستنداً إلى تحليله الماركسي لصعود الرأسمالية الاحتكارية في استباق أدبي لما سيشهده العالم بعده.

وتُشير فارِل إلى أن الرواية كانت مصدر إلهام لجورج أوروِل حين كتب «1984»، حسب اعترافه، وهو ما يمنحها موقعاً مركزياً في تاريخ الأدب السياسي الغربي.

أما مجلة «كاونتربنش» الأميركية Counter punch فقد اختارت، قُبيل الذكرى، نبرةً أكثر تعقيداً وأشد جرأة، إذ نشرت موضوع للناقد والمؤرخ الأدبي جوناه راسكين تحت عنوان «جاك لندن الاشتراكي المشهور في عمر المائة والخمسين»

وفي هذه المقالة التي أشعلت جدلاً واسعاً في المشهد الثقافي الأميركي، لم يتوانَ راسكين عن طرح السؤال المُحرج بصراحة: ما الذي يُبقي لندن راسخاً في المناهج الدراسية حين تتجاهل قراءات تلك المناهج جوانب مقلقة في إرثه، من العنصرية إلى التناقض بين خطابه الطبقي وحياته المرفّهة؟، وهنا يُذكّر راسكين بأن إيما غولدمان، الفوضوية الأميركية الروسية الشهيرة وصفته بأنه «الكاتب الثوري الوحيد في أميركا».

على صعيد مختلف، أصدرت «مكتبة أميركا» المرجعية الأكاديمية التي تُعدّ من أرفع مؤسسات التوثيق الأدبي في الولايات المتحدة، في الثالث عشر من يناير (كانون الثاني) 2026 مقالةً بعنوان «رماداً لا غباراً: جاك لندن المتمرد الأدبي في المائة والخمسين» تركز فيها على زوايا من شخصية لندن لا طالما أربكت قرّاءه: كيف يكون المرء ثورياً بالقلم ومترفاً بالسلوك في آنٍ واحد؟

مات جاك لندن عام 1916 وهو في الأربعين من عمره، تاركاً أكثر من خمسين كتاباً وأسطورة أضخم من الكتب. ولعل في رحيله المبكر، شيئاً من المنطق الداخلي لحياة احترقت في الاتجاهين، وفي هذا التوتر بين الجانبين، تكمن فرادة جاك لندن وتظل قراءته اليوم ضرورة لا رفاهية.


الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً

الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً
TT

الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً

الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً

في مجموعته القصصية «كل الألوان أزرق» الصادرة أخيراً عن دار العين بالقاهرة، لا يكتفي الكاتب والقاص المصري مجدي القشاوي باستلهام الفن التشكيلي كمرجعية جمالية للكتابة، بقدر ما يكتب من داخل عالمه البصري والحسيّ، بحيث لا يتحرك السرد وفقاً لمنطق الحكاية التقليدية بقدر ما يتحرك بمنطق اللوحة؛ الضوء، واللون، والكتلة، والفراغ، والعلاقات الدقيقة بين العناصر، لتبدو قصص المجموعة أقرب إلى تكوينات بصرية أو حالات انطباعية منها إلى نصوص تنهض على الحدث.

منذ عتبة القصة الأولى «طبيعة صامتة» يتشكل عالم البطلين كسطحٍ فني يُبنى تدريجياً، لتصبح استجاباتهما الشعورية نفسها أقرب إلى فعل تشكيلي، يقول السارِد عن البطلة: «وحدها من استطاعت، بضربة واحدة من فرشاتها، أن تفتح الدوائر المعتمة من حولي، فينساب الضوء كريماً وشوافاً»، لتسري العلاقة بين البطلين عبر تحوّلات رقيقة تشبه انعكاسات الضوء.

ولا تبدو «الفُرشاة» في عالم القشاوي مجرد أداة للرسم، بل أداة للكشف وإعادة الرؤية، بقدرتها على إعادة تشكيل المجالين البصري والنفسي معاً، ففي قصة «الخط الأبيض العريض» يبدو العالم وكأنه لوحة بصرية مراوغة إذ يقول البطل: «تحوّلت كل الصور إلى حالة شبحية، كأن هناك من أمسك بفرشاة ومرّ عليها حتى صنع فوقها خطاً عريضاً»، وفي الوقت نفسه تقوم بوظيفة كاشفة، حيث «الفرشاة كانت تُزيح أكثر مما تطمس»، وكأن الكتابة هنا تسعى إلى كشط تراكمات الواقع، للكشف عن هشاشته وتفاصيله الخفية

حساسية انطباعية

من هنا يمكن فهم اقتراب القشاوي من حساسية «الانطباعيين»، حيث النصوص لا تنشغل بالتقاط الأشياء في صورتها النهائية، بقدر ما تنشغل بالتقاط أثرها المتحوّل على الحسّ والوعي، وذلك بنوع من «تحييد المعنى» لصالح الإحساس العابر واللحظة الهاربة، فالضوء يتغير باستمرار، والضباب يُذيب الحدود، والألوان تتحوّل إلى خبرات شعورية، كما في قول بطل إحدى القصص المُغرم بالمدرسة الانطباعية «شاهدت لوحة لخمس تفاحات خضراء متجاورة فوق المنضدة، جميعها بدرجة لون واحدة، وحتى التركيز على الظلال لم يكن ظاهراً في اللوحة، والنتيجة كانت أنني أحسست الأخضر كما لم أحسه في المزارع الكبرى»، بل إن اللون نفسه لا يعود مجرد عنصر بصري، وإنما يتحوّل إلى حمولة حسية ووجدانية: «اللون وقد نجح أن يتحوّل إلى وزن»، وهي تمثيلات تُعزز طموح السرد لالتقاط الانطباعات السريعة قبل الزوال.

تبدو الحساسية الفنية هنا جزءاً عضوياً من بناء شخصيات المجموعة وطريقتها في فهم العالم، فأبطال القشاوي غالباً ما يمتلكون وعياً جمالياً فائقاً، أو يرتبطون بالفعل الفني بصورة مباشرة كما في قصة «أربعون غياباً على حوائط حجرة واحدة».

ففي أكثر من قصة يظهر البطل متأملاً لوحة صامتة، أو مشغولاً بطريقة تشكّل الضوء فوق الأشياء، ويبدو أحد الأبطال كما لو كان يتحدث بنبرة تستدعي رسائل «فان جوخ»، لا سيما في استنطاقه الألوان: «أيها الأصفر، أخبرني تاريخ صحراواتك وعبْر ما تشعر به».

شظايا وكولاج

لكن حساسية المجموعة لا تتوقف عند الانطباعية وحدها، بل تمتد إلى نوع من الجماليات القائمة على التشظي والترميم، ففي قصة «طبيعة صامتة» تصنع البطلة منضدة من قطع موزاييك وشظايا زجاج سيارتها بعد تهشمها في حادث قديم، ليصبح الكسر نفسه جزءاً من التجربتين الإنسانية والفنية معاً، يقول السارِد: «المذهل كان تكسيرها للقطع الصغيرة بمطرقة، الأمر الذي جعل لهشيم العالم مساحة واضحة داخل العمل»، وهي عبارة تكاد تختصر الرؤية الجمالية للمجموعة بأكملها، حيث العالم لا يُرمَّم عبر محو الشروخ، بل عبر إعادة ترتيبها داخل قالب جديد يسمح بالحياة فوق الندبة نفسها.

ويتجاوز التشظي مستوى الصورة إلى البناء السردي ذاته، خصوصاً في قصة «إحدى وعشرون رسالة عن فراشة سوداء فوق وجه عازفة الفلوت»، التي يستعين فيها القشاوي ببنية الرسائل القصيرة داخل الوسيط الرقمي «إنستغرام»، لتبدو الرسائل الشذرية التي يرسلها السارد إلى البطلة وحدات مستقلة تشارك معاً في تشكيل حالة كلية من القلق والهشاشة والزوال، ولذا يقول السارِد إن «الرسائل، على محدودية حجمها، قادرة على حمل فكرة أو دفقة شعورية مكتملة».

يظهر الفن في المجموعة بوصفه محاولة لإبطاء العالم وتدبّر اللحظات الهاربة، ففي قصة «الفراشة السوداء» يتأمل الكاتب اندفاعة الحياة البلهاء، ذلك التيار المتواصل الذي يدفع الأشياء والكائنات نحو الاستهلاك والزوال، بينما تبدو الكتابة نفسها محاولة يائسة للحاق بالأثر قبل اختفائه، كما في تلك المفارقة: «انتهى عمر الفراشة وأنا أكتب».

خبرة الحواس

تبدو العلاقات العاطفية داخل المجموعة نفسها قائمة على إعادة تشكيل الإدراك، لا على الحب بوصفه حكاية تقليدية، فالمرأة في القصص تبدو وسيطاً يُعيد من خلاله الرجل اكتشاف العالم والحواس والألوان، ففي «أربع علامات استفهام في حوار صباحي سريع» يُعبَّر عن الحب عبر تفاصيل صغيرة؛ وسادة طبية، سؤال عن مذاق الطعام، حتى المشاعر نفسها تتحوّل إلى تكوينات حسّية، فيقول البطل حينما باغته الحب أنه «شعر بإصبع حنون تضغط على المنطقة التي تقع بين عينيه».

تعتمد قصص المجموعة بدرجة كبيرة على الحواس بوصفها أدوات للمعرفة؛ الرائحة، والصوت، والملمس، ولا تُستخدم بوصفها فوائض وصفية بقدر ما تطمح إلى فهم العالم والتقاط أثره الداخلي، يقول أحد الأبطال: «الرائحة تحفر داخلي مساراً منفرداً»، وفي قصة أخرى يقول بطلها: «في جلستي التي طالت؛ رأيت خيوطاً من الصوف تخرج من بلوزتها ذات الرقبة المرتفعة، ورأيتني أنظر إليها بتركيز حتى اخترقت النسيج، وأحسست الوبر، وتشبعت مسامي بلون الصوف الأصفر الأدكن الذابل الذي يماثل، حد التطابق، لون أزهار الشجرة الضخمة الوحيدة»، وكأن الشخصيات تتنفس المعنى عبر خبرة الحواس البدائية التي تسبق اللغة ذاتها.

وهكذا، تبدو قصص المجموعة بمثابة زوايا مفتوحة على التأمل، وإعادة النظر في مفهوم الزائل، كما وردة الصحراء، أو الفراشة، أو قطعة زجاج، أو حتى الحب نفسه، عبر كتابة تتلمس النقص وتحتفي به، أو على حد تعبير أحد الأبطال: «عدم اكتمال اللوحة أغنانا».


صدور المجموعة الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم

صدور المجموعة  الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم
TT

صدور المجموعة الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم

صدور المجموعة  الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم

صدرت في بغداد المجموعة الشعرية الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم، ويعد صدور هذه المجموعة محطة بارزة في توثيق تجربة شعرية امتدت لأكثر من أربعة عقود، رافقت التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي عاشها العراق منذ النصف الثاني من القرن العشرين وحتى اليوم. وهي لا تعني مجرد إعادة نشر قصائد متفرقة في مجلد واحد، بل تمثل إعادة اكتشاف لمسيرة إبداعية متكاملة، وقراءة جديدة لصوت شعري ظل وفياً للإنسان والذاكرة والأسئلة الكبرى التي شغلت الأجيال العراقية المتعاقبة.

وحميد قاسم أحد الأصوات الشعرية التي سعت إلى بناء قصيدتها الخاصة بعيداً عن التقليد والتكرار، فقد اتسم مشروعه الشعري بالنزعة الإنسانية والاهتمام بالتفاصيل اليومية الصغيرة، إلى جانب حسّ تأملي عميق جعل من قصائده مرآة للقلق الوجودي والبحث الدائم عن معنى الحياة. ومن هنا تأتي أهمية صدور أعماله الكاملة، إذ تمنح القارئ فرصة لتتبع تطور تجربته الفنية والفكرية، والوقوف على التحولات الأسلوبية واللغوية التي مرت بها قصيدته عبر السنين.

لقد عكست قصائد حميد قاسم صورة العراق بكل ما فيه من جمال وألم، فكان شاعرًا قريبًا من الناس، منحازًا إلى البسطاء والمهمشين، ومؤمنًا بأن الشعر ليس ترفًا لغويًا، بل فعل مقاومة ضد القبح والنسيان. وفي نصوصه تتجاور صور الطفولة والمدينة والمنفى والحب والحرب، لتشكّل فسيفساء إنسانية تعبّر عن وجدان العراقيين في مختلف مراحلهم التاريخية. لذلك فإن إصدار المجموعة الشعرية الكاملة لا يمثل حدثاً شخصياً يتعلق بالشاعر وحده، بل يُعد إضافة نوعية إلى المكتبة العراقية والعربية، وحفظًا لذاكرة شعرية ترتبط بتاريخ وطن كامل.

وتكمن أهمية هذا الإصدار أيضاً في كونه يتيح للأجيال الجديدة الاطلاع على تجربة شعرية ربما لم تتح لها فرصة التعرف إليها بصورة شاملة من قبل. فالكثير من الدواوين القديمة كانت قد نفدت طبعاتها أو توزعت بين مجلات وصحف ودور نشر متباعدة، مما جعل الوصول إليها أمراً صعباً. أما اليوم، فإن جمع هذه النصوص في إصدار واحد يمنح الباحثين والقراء فرصة ثمينة لدراسة منجز الشاعر قراءة متكاملة، والكشف عن الروابط الداخلية بين نصوصه المختلفة، فضلاً عن متابعة تطور رؤيته الشعرية والإنسانية.

ومن المعروف أن الشعر العراقي الحديث يمتلك إرثاً غنياً صنعته أسماء كبيرة تركت أثراً واضحاً في الثقافة العربية، وقد جاء حميد قاسم ضمن هذا السياق الإبداعي الذي احتفى بالتجديد وكسر الأشكال التقليدية. لكنه في الوقت نفسه احتفظ بصوته الخاص، فلم يكن تابعاً لتيار بعينه، بل استطاع أن يخلق توازناً بين الحداثة والوضوح، وبين العمق والبساطة، وهو ما منح قصيدته قدرة على الوصول إلى القارئ دون أن تفقد بعدها الفني والجمالي.

إن صدور الأعمال الشعرية الكاملة لأي شاعر يُعد اعترافاً بقيمة تجربته ومكانته في المشهد الأدبي، وهذا ما ينطبق على حميد قاسم الذي استطاع عبر سنوات طويلة أن يرسخ حضوره بوصفه شاعراً يمتلك حساسية خاصة تجاه اللغة والحياة. فقصيدته لا تعتمد على الزخرفة اللفظية بقدر اعتمادها على الصدق الشعوري والقدرة على التقاط اللحظة الإنسانية بأبعادها المختلفة. ولهذا بقي شعره قريباً من القارئ، قادراً على إثارة التأمل وإعادة طرح الأسئلة المتعلقة بالوطن والهوية والإنسان.

كما أن هذا الإصدار يشكل خطوة مهمة في حفظ الإرث الثقافي العراقي، خصوصاً في ظل ما تعرضت له الثقافة العراقية من تشتت وضياع خلال العقود الماضية بسبب الحروب والهجرة والظروف السياسية الصعبة. فتوثيق أعمال الشعراء والمبدعين وإعادة نشرها يسهمان في حماية الذاكرة الثقافية من النسيان، ويعيدان الاعتبار للكلمة بوصفها جزءاً من هوية المجتمع وتاريخه.