محللون: بايدن يدير «قمة للديمقراطية» في حين تتهاوى الديمقراطية في بلاده

محللون: بايدن يدير «قمة للديمقراطية» في حين تتهاوى الديمقراطية في بلاده

السبت - 29 شهر ربيع الثاني 1443 هـ - 04 ديسمبر 2021 مـ رقم العدد [ 15712]
مراقبون ينتقدون بايدن على استضافته «قمة الديمقراطية» خلال فترة أعياد الميلاد (رويترز)

دعا الرئيس الأميركي جو بايدن 110 من دول العالم إلى المشاركة في «القمة من أجل الديمقراطية»، وقد أثارت الدعوات الكثير من الجدل فيما يتعلق بالدول المدعوة والتزامها الفعلي بالديمقراطية، وأيضاً ما يخص الديمقراطية الأميركية نفسها، وما تمر به في الداخل. ويرى بول بيلر، الخبير والمحلل السابق لدى وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط وجنوب آسيا، في تقرير نشرته مجلة «ناشونال إنتريست»، إن القمة الافتراضية، المقررة يومي التاسع والعاشر من الشهر الجاري، تأتي في موعدها للتعبير عن التأييد لهذه القيمة السياسية الأساسية. ويقول بيلر إن مدى قدرة المواطنين على اختيار حكامهم أو رفضهم، بحرية وبشكل سلمي، من خلال منافسة عادلة، يؤكد تقريباً جميع الأمور الأخرى التي تحدد ما إذا كانت الحكومات تعمل من أجل مصالح المحكومين. ويشكل التأكيد الدولي على دعم هذه القيمة، الأمر الأكثر أهمية في ظل تراجع الديمقراطية في شتى أنحاء العالم على مدى الأعوام الخمسة عشر الماضية. ويرى بيلر أنه أمرٌ طيب أن الولايات المتحدة هي التي تتولى دفة القيادة من خلال دبلوماسية واسعة النطاق. وليست مناصرة أميركا للديمقراطية بالأمر الجديد، ولكن تصورات باقي العالم قد تشكّلت في جزء كبير منها من خلال أوجه التباين فيما يتعلق باتساق سياسات الولايات المتحدة مع الخطاب الأميركي، وكذلك بسبب جهود أميركا الخاطئة لغرس الديمقراطية في دول أخرى عبر فوهة البندقية. وربما تساعد قمة الديمقراطية في الحد، ولو على نحو هامشي، على الأقل، من السخرية المتفشية بشأن أهداف أميركا. وأثارت القائمة الطويلة للدول المدعوة للقمة، دهشة لا مفر منها، حيث إن أوجه القصور فيما يتعلق بالديمقراطية، صارخة لدى الكثير منها، وبينها دول ضمن الفئة الأدنى (ليست حرة)، وهي أنغولا والعراق وجمهورية الكونغو الديمقراطية، حسب تصنيف منظمة «فريدوم هاوس». وهناك دول أخرى (حرة جزئياً)، تَحرم الجماعات المقهورة بها من حقوقها السياسية على أساس العرق أو الدين، رغم أن هذه الدول تستخدم بعض الأشكال والإجراءات الديمقراطية. وترسم أي ممارسة دبلوماسية، مثل تلك القمة، خطوطاً توضح أن تلك الدول التي لم تتم دعوتها للمشاركة فيها مثيرة للانقسام. وقد عبّر بيان لسفيري الصين وروسيا في أميركا مؤخراً عن هذه التصورات، رغم أن محاولاتهما المضنية لرسم صورتين لبلديهما كدولتين ديمقراطيتين، يمكن تفنيدها بسهولة.
ولقد حظيت قضية الديمقراطية بمكانة بارزة في المناقشات الخاصة بالاستراتيجية الكبرى، فيما يتعلق بالسياسة الخارجية لأميركا. وغالباً ما تثير هذه المناقشات، بشكل مبسط للغاية، موقفاً يركز على القيمة ويؤكد الديمقراطية الليبرالية في مقابل تلك المواقف التي تركز السلطة والتي تُعرف عادةً بأنها واقعية. وبعيداً عن المبالغة في التبسيط، أقرت جميع الإدارات الأميركية تقريباً -وبينها تلك التي تعد واقعية، مثل إدارة جورج دبليو بوش- بأهمية الديمقراطية في شتى أنحاء العالم، وكيف يمكن للسياسات الأميركية التأثير عليها. وكان دونالد ترمب، وهو أقل رئيس أميركي في الذاكرة الحية، لديه مبادئ سياسية، استثناءً بما كان يملك من عشق صريح للحكام المستبدين، وباحتقاره للديمقراطيات الغربية العريقة. والنقطة الصارخة في إطار دعوة الرئيس بايدن للقمة هي أن الدولة المضيفة نفسها تشهد تدهوراً سيئاً في ديمقراطيتها. ومن بين أوجه القصور في النظام السياسي الأميركي أن أحد الحزبين الأساسيين في البلاد لم يعد يؤمن بالديمقراطية. ولقد حاول هذا الحزب لبعض الوقت قمع حق المواطنين في التصويت، وهو الآن يدير ظهره لأحد الأسس الجوهرية للديمقراطية ألا وهو احترام نتائج الانتخابات النزيهة. ويقود هذا الحزب رئيس سابق خسر الانتخابات، ولا يزال يرفض نتائج الانتخابات الأخيرة التي شهدتها البلاد، ويدّعي كذباً حدوث تزوير. كما صوّت معظم نواب الحزب في مجلس النواب برفض النتائج. ويعكس السجل الذي أعدته منظمة «فريدوم هاوس»، جزئياً، الحالة المزرية للديمقراطية الأميركية، حيث تأتي الولايات المتحدة خلف 69 دولة أخرى فيما يتعلق بالحقوق السياسية، وإلى جانب ذلك، فإن مسار الديمقراطية الأميركية يبدو قاتماً، في ظل الكثير من التطورات التي حدثت منذ وصول ترمب إلى السلطة، وهو ما شكّل تحذيراً من أن الديمقراطية الأميركية تُحتضر. ويرى بيلر أنه في ظل هذه الخلفية، يتعين على الرئيس بايدن توخي أقصى درجات الحذر، والإحجام عن ذكر أي شيء قد يُفهم على أنه تصدير للسياسات الأميركية الداخلية إلى الساحة الدولية. كما يتعين على بايدن أن يتصف بالأمانة التامة فيما يتعلق بالمشكلات التي تعانيها الديمقراطية في بلاده. فلن ينخدع أحد إذا فعل غير ذلك. ومثل هذه المُباشرة في التطرق لمشكلات النظام السياسي الأميركي من شأنها أن توضح أن الدول التي تكافح من أجل الديمقراطية، وكذلك الديمقراطيات الراسخة، عليها دور يجب أن تؤديه من أجل توسيع نطاق الديمقراطية، والحفاظ عليها في أنحاء العالم. كما ستؤكد أنه يجب تطبيق المعايير الديمقراطية على الجميع، وأن الأمر ليس مجرد مفردات يستخدمها الأقوياء لإلقاء محاضرات على الضعفاء. وغالباً ما كان يُنظر إلى دور الديمقراطية في العلاقات الخارجية للولايات المتحدة على أن أميركا تقدم الإلهام والدعم إلى من يكافحون من أجل إقامة الديمقراطية، أو الحفاظ عليها، في دول أخرى.
ويقول بيلر، في ختام تقريره إن «القمة من أجل الديمقراطية» قد تسهم في تحقيق ذلك، ولكن يفضّل أن يتم ذلك بصورة ملموسة وقابلة للقياس. أما بالنسبة للأميركيين، فالأمر المفيد هو أن يتدفق الإلهام والدعم في الاتجاه العكسي -من الديمقراطيين الحقيقيين في الخارج، إلى من يكافحون للحفاظ على الديمقراطية في الداخل الأميركي. ولن يتأثر من هم أكثر عزماً على إسقاط الديمقراطية في أميركا، ولكن الدعم القائم على المبادئ والقادم من الخارج، قد يرفع الروح المعنوية لمن يكافحون للحيلولة دون أن يحدث ذلك.


أميركا أخبار أميركا

اختيارات المحرر

فيديو