أميركا تحاول رسم دور إيران الإقليمي «المقبول»... وإسرائيل لضمان خلوه من «أسنان نووية»

استبعاد «اختراق» في محادثات فيينا... وتشكيك برغبة طهران في التوصل إلى اتفاق

أميركا تحاول رسم دور إيران الإقليمي «المقبول»... وإسرائيل لضمان خلوه من «أسنان نووية»
TT

أميركا تحاول رسم دور إيران الإقليمي «المقبول»... وإسرائيل لضمان خلوه من «أسنان نووية»

أميركا تحاول رسم دور إيران الإقليمي «المقبول»... وإسرائيل لضمان خلوه من «أسنان نووية»

لا توحي تسريبات المشاركين في جولة المفاوضات النووية السابعة التي انطلقت يوم الاثنين الماضي في العاصمة النمساوية فيينا، حتى اللحظة، بإمكانية تحقيق «اختراقات» سريعة، تعيد الطرفين الأميركي والإيراني المعنيين الأساسيين، إلى التزاماتهما في الاتفاق النووي الموقّع عام 2015.
المفاوضون الأوروبيون تحدثوا عن «مهلة» غير مفتوحة، إلا أنهم خفّفوا لاحقاً من ضغط المهل، مشيرين إلى «جولة مفتوحة» بشكل معقول، إلى حين حلّ كل الخلافات. بيد أن عوامل عدة تقف في وجه التفاؤل بإمكانية حصول هذا الاختراق. فمن ناحية، هناك التقدم الحاصل في البرنامج النووي الإيراني نفسه، منذ خرق طهران التزاماتها في الاتفاق، ومن ناحية مقابلة، الشروط الأميركية، التي يعود بعضها إلى معوقات دستورية لا يمكن لإدارة الرئيس الأميركي جو بايدن تجاوزها.
ثمة شبه إجماع على أن العودة إلى طاولة المفاوضات النووية في جولتها السابعة الحالية، ما كانت لتحصل، لو لم تقدم واشنطن تنازلاً لا يستهان به. وهذا، مع أنه لم يكُن من «كيسها»، وتعتقد بمحدوديته في نهاية المطاف، وتمثّل في قبولها باستبعاد البحث في برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، وبسياسات طهران المزعزعة في المنطقة.
البعض يتحدث عن قبول أميركي بدور «إقليمي ما» لإيران، مقابل تخلي الأخيرة عن طموحاتها الكبيرة في المنطقة، في حين تتعاون أطراف إقليمية ودولية - ولو بشكل غير مباشر مع واشنطن - على «تقليم أظافر» إيران، في ظل الضربات المتتالية التي تتلقاها، سواء من إسرائيل أو من الحراك السياسي والشعبي في دول «الهلال الشيعي»، وانتكاسات حربها في اليمن. ثم هناك أيضاً موقف الصين وروسيا، إذ على رغم دورهما المزدوج، في استخدام إيران في صراعهما مع واشنطن، فهما لن تهضما وجود «لاعب نووي» جديد على حدودهما.
لقد كان لافتاً على سبيل المثال، طرح مجموعة من النواب الديمقراطيين والجمهوريين الأميركيين يوم الأربعاء، مشروع قانون يدعو إلى فرض عقوبات على برنامج الطائرات الإيرانية المسيّرة وعلى المزوّدين، بصفتها «أكبر مصدر للإرهاب في العالم». بيد أن تمرير مجلس النواب للمشروع، كما هو متوقع، يرسل من ناحية، إشارة واضحة عن «حدود» الدور المقبول لإيران، وعن الأدوات التي تمتلكها واشنطن، لإجبار قادتها على «التواضع» في طموحاتهم، وتطمين دول المنطقة من ناحية أخرى.
- تشدّد طهران
من ناحية أخرى، تبدي إيران موقفاً متشدداً، عبر تمسكها برفع العقوبات التي أصابت اقتصادها بالشلل، والحصول على ضمانات بألا تلغي أي إدارة أميركية مقبلة الاتفاق الجديد، وبأن «مسوّدات التفاوض تخضع للتفاوض، وما لم يتم الاتفاق على كل شيء فإنه لن يتم الاتفاق على أي شيء»، بحسب كبير مفاوضيها علي باقري كني. لكن مراقبين يعتقدون أن تشددها هذا موجّه للداخل الإيراني فقط. والسبب أن تحقيق هذين الشرطين مرفوض من واشنطن، بل إن إيران تدرك ذلك.
ذلك أن العقوبات لن تُرفع قبل تعهّد طهران بالتراجع عن خطواتها بزيادة مستوى تخصيب اليورانيوم، الذي تواصله في منشآتها النووية، واحدة تلو أخرى. وهو ما تعتبره واشنطن مكافأة لسياسات التحدّي التي تمارسها القيادة الإيرانية، وتخشى أن تتحول نموذجاً لأطراف أخرى، وممارسة سياسات شبيهة، للحصول على تنازلات منها في ملفاتهم الخلافية معها.
إيران عادت إلى المفاوضات، متخلية عن الشروط المُسبقة لرئيسها الجديد إبراهيم رئيسي، وقبلت بمخرجات الجولات الست السابقة كأساس يبنى عليه، على ما أكده المنسق الأوروبي في المفاوضات، إنريكي مورا، وهذا في ظل تحذيرات إسرائيل من إمكانية «اتخاذ إجراء فردي» في حال جرى «تخفيف العقوبات من دون ضمانات بشأن البرنامج النووي الإيراني».
- إسرائيل لن تقف ساكنة
في هذه الأثناء، كان السيناتور الأميركي الجمهوري البارز جيم ريش، قد حذّر من أن إسرائيل «لن تقف ساكنة في حال اقتربت إيران من امتلاك سلاح نووي». وأردف: «أنا لا أتخوّف من إقدام إسرائيل على ضرب إيران، بل أنا واثق من أنها ستفعل». وتابع ريش، أنه تحدث مع إدارة الرئيس بايدن، ونصح البيت الأبيض بأن يكون مستعداً عندما يتلقى «الاتصال»، لإبلاغ الإدارة بأن إسرائيل ضربت إيران. ثم استطرد: «سألتهم ماذا ستفعلون عند تلقي الاتصال؟ هل ستقفون وراء إسرائيل متفرّجين؟ أم ستدعمونها في المعركة؟». ومن ثم، أكد السيناتور الجمهوري أن الكونغرس بحزبيه ملتزم بدعم إسرائيل.
وعليه، يرى البعض في واشنطن أن إسرائيل أوصلت رسالة واضحة، وجولات مسؤوليها على فرنسا وبريطانيا، قبيل بدء المفاوضات وخلالها، هي جزء من سياسة «رسم الخطوط» المقبولة من قبلها للدور الإيراني الإقليمي الذي يمكنها «التعايش» معه، شرط نزع «أسنانها النووية».
غنيٌّ عن القول، إن إدارة بايدن أعلنت منذ اليوم الأول لتسلّمها مفاتيح البيت الأبيض، أن العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، هو جزء من جهودها لإلغاء سياسات إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب، وتجديد تجربة الرئيس السابق باراك أوباما في «الشراكة الاقتصادية الإيجابية» معها، علّها تتحوّل إلى عنصر استقرار في المنطقة. غير أن هذه الإدارة تدرك، في المقابل، أن الطريق في واشنطن ليست معبّدة، في ظل اعتراضات الجمهوريين وبعض الديمقراطيين على حد سواء، وخلافاتهم مع الرئيس بايدن. وبايدن نفسه يدرك أن استثمار أي «إنجاز» في هذا المجال، لا يمكن توظيفه داخلياً مع توالي انتكاسات الديمقراطيين قبل أقل من سنة من موعد انتخابات التجديد النصفية، والتراجع الكبير في تأييد الأميركيين له في استطلاعات الرأي.
لقد حرصت إدارة بايدن على تقديم رسالة اطمئنان للأميركيين، بأنها «لن تفرّط» في تحقيق هدفها الرئيس، بمنع إيران «من امتلاك سلاح نووي وتقييد برنامجها والتصدّي لسلوكها المزعزع للاستقرار»، على حد قول المتحدثة باسم البيت الأبيض جين ساكي.
ورغم وصف وزارة الخارجية الأميركية الاختراقات النووية الأخيرة - وخصوصاً الكلام عن اقتراب طهران من تخصيب اليورانيوم بنسبة 90 في المائة من النقاء - بأنها «شائعات»، قالت الوزارة إن ذلك سيكون عملاً «استفزازياً». وحذّرت من أن مواصلة إيران التصعيد النووي «غير بناء»، فضلاً عن تعارضه مع هدف العودة إلى الامتثال للاتفاق النووي، ولا يوفر لها أي نفوذ تفاوضي. كذلك نبّهت غالينا بورتر، نائبة الناطق باسم الخارجية، أنه «إذا طلبت إيران أكثر من مجرد العودة المتبادلة إلى الاتفاق أو عرضت أقل من ذلك، فلن تنجح المفاوضات». وهو ما دفع مسؤولين أميركيين للتأكيد على أن «توقعاتهم منخفضة للغاية» من جولة المفاوضات الجارية، وأن الإيرانيين «ليسوا جاهزين بعد للتفاوض بجدية»، وأن «الخيارات» الأخرى ما زالت مطروحة على الطاولة.
- اعتراضات جمهورية تهدد أي اتفاق
في سياق متصل، رفع الجمهوريون من لهجتهم، وهدّدوا إدارة بايدن وإيران معاً، بأن حظوظ تمرير أي اتفاق جديد لا يستوفي شروطهم، ويدفع على الأقل بمدة الاتفاق الأول التي شارفت على الانتهاء، لن يمرّ في مجلسي الشيوخ والنواب. وقالوا إنهم سيعودون عنه، بمجرد تسلمهم مقاليد الحكم، سواء بعد انتخابات 2022 النصفية، أو بعد انتخابات الرئاسة عام 2024 خصوصاً، التي يثقون بأنها ستعيدهم إلى البيت الأبيض. وعلى الرغم من أنه لن تصدر مواقف «ديمقراطية» جديدة، باستثناء موقف السيناتور الديمقراطي بوب مينينديز، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، المعارض، مع بعض الديمقراطيين، فإن معارضته هذه تحمل مغزىً كبيراً. فهي تذكّر بايدن بالتوازن «الدقيق» في الكونغرس - حيث تتساوى مقاعد الديمقراطيين تماماً مع الجمهوريين - ناهيك عن غالبية «هشة» في مجلس النواب؛ حيث الولاء لصندوق الاقتراع ومزاج الناخبين.
وهنا، صبّ الجمهوريون جام غضبهم على بايدن، محذّرين من أنه استعاض عن سياسة «الضغوط القصوى» على إيران بسياسة «التنازلات القصوى». ودعا السيناتور الجمهوري بيل هاغرتي مجلس الشيوخ إلى التصويت على مشروع قانون طرحه لإلزام الإدارة الأميركية بالحصول على موافقة الكونغرس قبل أي رفع للعقوبات. وقال هاغرتي إنه تمكن من حشد الدعم لمشروعه هذا ليصل عدد الداعمين إلى 34 سيناتوراً. وهذا عدد كافٍ لعرقلة أي طرح للاتفاق النووي كمعاهدة في مجلس الشيوخ، لأن المعاهدات تتطلب غالبية ثلثي الأصوات من أصل 100 لإقرارها رسمياً.
وأضاف هاغرتي: «من المثير للغضب أن روب (روبرت) مالي، مفاوض بايدن، يريد أن يزايد على الاتفاق النووي، وأن يقدّم رشوة للنظام الإيراني من خلال رفع تام للعقوبات». وبالمناسبة، يحمّل الجمهوريون مالي، ومستشار بايدن لشؤون الأمن القومي الحالي جايك سوليفان، المسؤولية عن «هندسة» مسار المفاوضات مع إيران والنتائج التي ترتّبت عنها، منذ إدارة الرئيس السابق باراك أوباما. وهم يعتقدون أن خلفيات مالي «اليسارية»، ومواقفه السلبية من دول المنطقة، بما فيها إسرائيل، جعلته يتعامل مع إيران على أنها دولة يحكمها نظام «تحرّر وطني». ولقد حذّر السيناتور الجمهوري ماركو روبيو من أي رفع للعقوبات عن طهران قبل «أن يتخلى النظام الإيراني عن هدفه بتطوير أسلحة نووية لتهديد المنطقة وإسرائيل». وغرّد روبيو على «تويتر» قائلاً: «حملة الضغط القصوى كانت ناجحة».
أما في مجلس النواب، فقد وجّه 20 نائباً جمهورياً رسالة إلى البيت الأبيض لإبلاغ الرئيس بايدن بأنهم مستعدون لعرقلة أي مساعٍ لمساعدة إيران على إعادة مليارات الدولارات من الأموال التي سبق تجميدها في ظل حملة الضغط التي نفذتها إدارة ترمب. واتهمت الرسالة إدارة بايدن بتجنب وضع الكونغرس في صورة ما يجري بشأن العقوبات وترك النواب «في الظلام» فيما يتعلق بخططها لإضعاف إنفاذ العقوبات وتخفيفها عن إيران، على حد تعبيرهم.
- الصين لاعب أساسي
غير أن رفع العقوبات ليس التخوف الوحيد الذي يعبّر عنه الجمهوريون في واشنطن. فهم يتهمون إدارة بايدن بالتغاضي عن تطبيق العقوبات الموجودة، التي لم ترفع بعد، وبأن وزارتي الخزانة والخارجية تتجاهلان فرض العقوبات على كل من إيران والصين، رغم تجارتهما غير الشرعية بالنفط. ولقد كتب النواب الجمهوريون: «على الرغم من أن كثيراً من العقوبات التي فرضها الرئيس ترمب لا تزال موجودة تقنياً، لكن إدارتك امتنعت عمداً عن فرض هذه العقوبات على إيران ووكلائها. وبشكل خاص، فإن الصين تواصل بصورة غير قانونية استيراد النفط من إيران، من دون أي عقوبات على البلدين». وغرّد النائب الجمهوري بات فالون عن فحوى الرسالة التي كتبها مع زملائه قائلاً: «يجب ألا نكافئ إيران على اعتداءاتها الأخيرة من خلال استئناف المباحثات النووية. ولذا أنا فخور بكتابة هذه الرسالة مع 20 من زملائي لتسليط الضوء على قلقنا من تجديد المفاوضات». وقال النائب الجمهوري جيم بانكس، أحد موقّعي الرسالة: «إن تنازلات بايدن القصوى جعلت إيران أكثر عدائية. وعندما يستعيد الجمهوريون سيطرتهم على الأغلبية في الكونغرس سنحرص على أن يكون أي إعفاء للعقوبات عن إيران من قبل إدارة بايدن مؤقتاً».
ويشير الجمهوريون إلى أنه منذ بدء المفاوضات مع النظام الإيراني، فإن دعمه للإرهاب تزايد وتخصيبه لليورانيوم وصل إلى أعلى درجاته. وذكرت الرسالة: «على الرغم من الضعف في فرض العقوبات ورفع العقوبات عن عدد من المجموعات الإيرانية ووكلائها كالحوثيين في اليمن ونظام الأسد في سوريا، فإن النظام الإيراني لم يعدّل من تصرفاته، بل أصبح وكلاؤه أكثر عدائية».
لكن هناك من يقول إن المفاوضات لن تثمر عن أي تقدم فقط، بل إن السياسات التي اتبعتها كل الإدارات الأميركية المتعاقبة كانت قاصرة عن إجبار إيران على تغيير سلوكها وحساباتها. ويقول تقرير لـ«مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، المحسوبة على الجمهوريين، إنه بغضّ النظر عن مقدار الأموال التي ستطلقها واشنطن أو «الضغوط القصوى» التي فرضت عليها، فإن إيران «ستواصل إذلال الأميركيين، طالما أن الولايات المتحدة وإسرائيل استبعدتا مراراً وتكراراً عدم تعطيل البرنامج النووي الإيراني بالقوة. وهو ما قوّض خوف النظام من التعرض لهجوم، وسمح للمرشد الأعلى، علي خامنئي، بمزيد من المناورة».
ويضيف التقرير؛ لقد أرادت جميع الإدارات الأميركية بصدق، وفي بعض الأحيان بشدة، التوصل إلى اتفاق، لكن طهران التي تتظاهر بأنها مهتمة بالدبلوماسية، تدرك أن واشنطن، التي تخشى حرباً أخرى في الشرق الأوسط، ستقدم مزيداً من التنازلات.
ويشدد البعض على أن توجيه الولايات المتحدة لمواردها السياسية والاقتصادية والعسكرية «لمنافسة» الصين، قد يجعل من الأخيرة، طرفاً حاسماً في المساومات الجارية معها، لضبط سلوك إيران، مقابل حصولها على أثمان في ملفات أخرى من واشنطن. إذ إن الصين اليوم هي أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، بعدما ارتفعت مبيعاتها منه إلى نحو 1.2 مليون برميل، من 200 ألف برميل في العام الماضي.
ومع اختيار إدارة بايدن، غير المشكوك فيه، التغاضي عن هذا الارتفاع، على أمل أن تلعب الصين دوراً في إقناع إيران بالعودة إلى الاتفاق النووي، تحولت بكين إلى الشريان المالي الأساسي لطهران... وهو ما يمنحها القدرة على الضغط عليها، في حال قررت ذلك. لكن الرهان على هذه المقايضة قد لا يوحي بالضرورة على أن المنافسة مع الصين قد تأخذ مسارات إيجابية، في ظل تمسّك إدارة بايدن بسياسات ترمب تجاهها.
- إيران ولعبة الوقت لامتلاك القنبلة النووية
> منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في عهد الرئيس السابق دونالد ترمب في مايو (أيار) 2018 وفرضها عقوبات شاملة على طهران، وسّعت إيران تدريجياً نطاق أنشطتها النووية، واتخذت سلسلة من الخطوات الفنية الكبيرة، خلال هذا العام وحده، بما يمكّنها من استخدامها في برنامج أسلحة نووية، على الرغم من زعمها أن برنامجها النووي «مخصص للأغراض السلمية والمدنية فقط»! لقد راكمت إيران الآن مخزوناً من اليورانيوم المخصب أكثر من 11 ضعفاً للحدود التي حددها الاتفاق النووي عام 2015. واعتباراً من 6 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أنتجت 17.7 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، وفقاً لوكالة الأمم المتحدة للطاقة الذرية.
وفي 6 جولات من المفاوضات بين أبريل (نيسان) ويونيو (حزيران) في ظل الحكومة الإيرانية السابقة، حققت المباحثات حول كيفية عودة الولايات المتحدة وإيران إلى الامتثال للاتفاق تقدماً كبيراً، بحسب مسؤولين أوروبيين وأمميين. وتحدث هؤلاء عن صياغة الجانبين مسوّدة نص يغطي نحو 70 في المائة من نقاط الخلاف، على الرغم من وجود خلافات حول القضايا الرئيسة، مثل مدى تخفيف العقوبات الأميركية، وكمية أجهزة الطرد المركزي الإيرانية الأكثر تقدماً التي سيسمح لها بالعمل.
من جانبهم، الأوروبيون والروس والصينيون يدركون صعوبة رفع كل العقوبات الأميركية، وخصوصاً تلك المتعلقة بالإرهاب، التي لا يمكن إزالتها، إلا من قبل الكونغرس التي أقرها. وإذا كان الإيرانيون يراهنون على تقطيع الوقت، من أجل تحقيقهم اختراقاً لا يمكن ردّه في الحصول على القنبلة النووية، تصبح التساؤلات عن أسباب تعذر التوصل إلى اتفاق مشروعة. وبالذات، حول جدية إيران في التخلي أصلاً عن طموحاتها النووية، بما يؤمّن لها تحقيق هدفين رئيسيين؛ حماية النظام وديمومته، وحماية سياساتها التوسعية وتدخلاتها في المنطقة على حساب الدول العربية بالدرجة الأولى.



الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».