أميركا تحاول رسم دور إيران الإقليمي «المقبول»... وإسرائيل لضمان خلوه من «أسنان نووية»

استبعاد «اختراق» في محادثات فيينا... وتشكيك برغبة طهران في التوصل إلى اتفاق

أميركا تحاول رسم دور إيران الإقليمي «المقبول»... وإسرائيل لضمان خلوه من «أسنان نووية»
TT

أميركا تحاول رسم دور إيران الإقليمي «المقبول»... وإسرائيل لضمان خلوه من «أسنان نووية»

أميركا تحاول رسم دور إيران الإقليمي «المقبول»... وإسرائيل لضمان خلوه من «أسنان نووية»

لا توحي تسريبات المشاركين في جولة المفاوضات النووية السابعة التي انطلقت يوم الاثنين الماضي في العاصمة النمساوية فيينا، حتى اللحظة، بإمكانية تحقيق «اختراقات» سريعة، تعيد الطرفين الأميركي والإيراني المعنيين الأساسيين، إلى التزاماتهما في الاتفاق النووي الموقّع عام 2015.
المفاوضون الأوروبيون تحدثوا عن «مهلة» غير مفتوحة، إلا أنهم خفّفوا لاحقاً من ضغط المهل، مشيرين إلى «جولة مفتوحة» بشكل معقول، إلى حين حلّ كل الخلافات. بيد أن عوامل عدة تقف في وجه التفاؤل بإمكانية حصول هذا الاختراق. فمن ناحية، هناك التقدم الحاصل في البرنامج النووي الإيراني نفسه، منذ خرق طهران التزاماتها في الاتفاق، ومن ناحية مقابلة، الشروط الأميركية، التي يعود بعضها إلى معوقات دستورية لا يمكن لإدارة الرئيس الأميركي جو بايدن تجاوزها.
ثمة شبه إجماع على أن العودة إلى طاولة المفاوضات النووية في جولتها السابعة الحالية، ما كانت لتحصل، لو لم تقدم واشنطن تنازلاً لا يستهان به. وهذا، مع أنه لم يكُن من «كيسها»، وتعتقد بمحدوديته في نهاية المطاف، وتمثّل في قبولها باستبعاد البحث في برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، وبسياسات طهران المزعزعة في المنطقة.
البعض يتحدث عن قبول أميركي بدور «إقليمي ما» لإيران، مقابل تخلي الأخيرة عن طموحاتها الكبيرة في المنطقة، في حين تتعاون أطراف إقليمية ودولية - ولو بشكل غير مباشر مع واشنطن - على «تقليم أظافر» إيران، في ظل الضربات المتتالية التي تتلقاها، سواء من إسرائيل أو من الحراك السياسي والشعبي في دول «الهلال الشيعي»، وانتكاسات حربها في اليمن. ثم هناك أيضاً موقف الصين وروسيا، إذ على رغم دورهما المزدوج، في استخدام إيران في صراعهما مع واشنطن، فهما لن تهضما وجود «لاعب نووي» جديد على حدودهما.
لقد كان لافتاً على سبيل المثال، طرح مجموعة من النواب الديمقراطيين والجمهوريين الأميركيين يوم الأربعاء، مشروع قانون يدعو إلى فرض عقوبات على برنامج الطائرات الإيرانية المسيّرة وعلى المزوّدين، بصفتها «أكبر مصدر للإرهاب في العالم». بيد أن تمرير مجلس النواب للمشروع، كما هو متوقع، يرسل من ناحية، إشارة واضحة عن «حدود» الدور المقبول لإيران، وعن الأدوات التي تمتلكها واشنطن، لإجبار قادتها على «التواضع» في طموحاتهم، وتطمين دول المنطقة من ناحية أخرى.
- تشدّد طهران
من ناحية أخرى، تبدي إيران موقفاً متشدداً، عبر تمسكها برفع العقوبات التي أصابت اقتصادها بالشلل، والحصول على ضمانات بألا تلغي أي إدارة أميركية مقبلة الاتفاق الجديد، وبأن «مسوّدات التفاوض تخضع للتفاوض، وما لم يتم الاتفاق على كل شيء فإنه لن يتم الاتفاق على أي شيء»، بحسب كبير مفاوضيها علي باقري كني. لكن مراقبين يعتقدون أن تشددها هذا موجّه للداخل الإيراني فقط. والسبب أن تحقيق هذين الشرطين مرفوض من واشنطن، بل إن إيران تدرك ذلك.
ذلك أن العقوبات لن تُرفع قبل تعهّد طهران بالتراجع عن خطواتها بزيادة مستوى تخصيب اليورانيوم، الذي تواصله في منشآتها النووية، واحدة تلو أخرى. وهو ما تعتبره واشنطن مكافأة لسياسات التحدّي التي تمارسها القيادة الإيرانية، وتخشى أن تتحول نموذجاً لأطراف أخرى، وممارسة سياسات شبيهة، للحصول على تنازلات منها في ملفاتهم الخلافية معها.
إيران عادت إلى المفاوضات، متخلية عن الشروط المُسبقة لرئيسها الجديد إبراهيم رئيسي، وقبلت بمخرجات الجولات الست السابقة كأساس يبنى عليه، على ما أكده المنسق الأوروبي في المفاوضات، إنريكي مورا، وهذا في ظل تحذيرات إسرائيل من إمكانية «اتخاذ إجراء فردي» في حال جرى «تخفيف العقوبات من دون ضمانات بشأن البرنامج النووي الإيراني».
- إسرائيل لن تقف ساكنة
في هذه الأثناء، كان السيناتور الأميركي الجمهوري البارز جيم ريش، قد حذّر من أن إسرائيل «لن تقف ساكنة في حال اقتربت إيران من امتلاك سلاح نووي». وأردف: «أنا لا أتخوّف من إقدام إسرائيل على ضرب إيران، بل أنا واثق من أنها ستفعل». وتابع ريش، أنه تحدث مع إدارة الرئيس بايدن، ونصح البيت الأبيض بأن يكون مستعداً عندما يتلقى «الاتصال»، لإبلاغ الإدارة بأن إسرائيل ضربت إيران. ثم استطرد: «سألتهم ماذا ستفعلون عند تلقي الاتصال؟ هل ستقفون وراء إسرائيل متفرّجين؟ أم ستدعمونها في المعركة؟». ومن ثم، أكد السيناتور الجمهوري أن الكونغرس بحزبيه ملتزم بدعم إسرائيل.
وعليه، يرى البعض في واشنطن أن إسرائيل أوصلت رسالة واضحة، وجولات مسؤوليها على فرنسا وبريطانيا، قبيل بدء المفاوضات وخلالها، هي جزء من سياسة «رسم الخطوط» المقبولة من قبلها للدور الإيراني الإقليمي الذي يمكنها «التعايش» معه، شرط نزع «أسنانها النووية».
غنيٌّ عن القول، إن إدارة بايدن أعلنت منذ اليوم الأول لتسلّمها مفاتيح البيت الأبيض، أن العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، هو جزء من جهودها لإلغاء سياسات إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب، وتجديد تجربة الرئيس السابق باراك أوباما في «الشراكة الاقتصادية الإيجابية» معها، علّها تتحوّل إلى عنصر استقرار في المنطقة. غير أن هذه الإدارة تدرك، في المقابل، أن الطريق في واشنطن ليست معبّدة، في ظل اعتراضات الجمهوريين وبعض الديمقراطيين على حد سواء، وخلافاتهم مع الرئيس بايدن. وبايدن نفسه يدرك أن استثمار أي «إنجاز» في هذا المجال، لا يمكن توظيفه داخلياً مع توالي انتكاسات الديمقراطيين قبل أقل من سنة من موعد انتخابات التجديد النصفية، والتراجع الكبير في تأييد الأميركيين له في استطلاعات الرأي.
لقد حرصت إدارة بايدن على تقديم رسالة اطمئنان للأميركيين، بأنها «لن تفرّط» في تحقيق هدفها الرئيس، بمنع إيران «من امتلاك سلاح نووي وتقييد برنامجها والتصدّي لسلوكها المزعزع للاستقرار»، على حد قول المتحدثة باسم البيت الأبيض جين ساكي.
ورغم وصف وزارة الخارجية الأميركية الاختراقات النووية الأخيرة - وخصوصاً الكلام عن اقتراب طهران من تخصيب اليورانيوم بنسبة 90 في المائة من النقاء - بأنها «شائعات»، قالت الوزارة إن ذلك سيكون عملاً «استفزازياً». وحذّرت من أن مواصلة إيران التصعيد النووي «غير بناء»، فضلاً عن تعارضه مع هدف العودة إلى الامتثال للاتفاق النووي، ولا يوفر لها أي نفوذ تفاوضي. كذلك نبّهت غالينا بورتر، نائبة الناطق باسم الخارجية، أنه «إذا طلبت إيران أكثر من مجرد العودة المتبادلة إلى الاتفاق أو عرضت أقل من ذلك، فلن تنجح المفاوضات». وهو ما دفع مسؤولين أميركيين للتأكيد على أن «توقعاتهم منخفضة للغاية» من جولة المفاوضات الجارية، وأن الإيرانيين «ليسوا جاهزين بعد للتفاوض بجدية»، وأن «الخيارات» الأخرى ما زالت مطروحة على الطاولة.
- اعتراضات جمهورية تهدد أي اتفاق
في سياق متصل، رفع الجمهوريون من لهجتهم، وهدّدوا إدارة بايدن وإيران معاً، بأن حظوظ تمرير أي اتفاق جديد لا يستوفي شروطهم، ويدفع على الأقل بمدة الاتفاق الأول التي شارفت على الانتهاء، لن يمرّ في مجلسي الشيوخ والنواب. وقالوا إنهم سيعودون عنه، بمجرد تسلمهم مقاليد الحكم، سواء بعد انتخابات 2022 النصفية، أو بعد انتخابات الرئاسة عام 2024 خصوصاً، التي يثقون بأنها ستعيدهم إلى البيت الأبيض. وعلى الرغم من أنه لن تصدر مواقف «ديمقراطية» جديدة، باستثناء موقف السيناتور الديمقراطي بوب مينينديز، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، المعارض، مع بعض الديمقراطيين، فإن معارضته هذه تحمل مغزىً كبيراً. فهي تذكّر بايدن بالتوازن «الدقيق» في الكونغرس - حيث تتساوى مقاعد الديمقراطيين تماماً مع الجمهوريين - ناهيك عن غالبية «هشة» في مجلس النواب؛ حيث الولاء لصندوق الاقتراع ومزاج الناخبين.
وهنا، صبّ الجمهوريون جام غضبهم على بايدن، محذّرين من أنه استعاض عن سياسة «الضغوط القصوى» على إيران بسياسة «التنازلات القصوى». ودعا السيناتور الجمهوري بيل هاغرتي مجلس الشيوخ إلى التصويت على مشروع قانون طرحه لإلزام الإدارة الأميركية بالحصول على موافقة الكونغرس قبل أي رفع للعقوبات. وقال هاغرتي إنه تمكن من حشد الدعم لمشروعه هذا ليصل عدد الداعمين إلى 34 سيناتوراً. وهذا عدد كافٍ لعرقلة أي طرح للاتفاق النووي كمعاهدة في مجلس الشيوخ، لأن المعاهدات تتطلب غالبية ثلثي الأصوات من أصل 100 لإقرارها رسمياً.
وأضاف هاغرتي: «من المثير للغضب أن روب (روبرت) مالي، مفاوض بايدن، يريد أن يزايد على الاتفاق النووي، وأن يقدّم رشوة للنظام الإيراني من خلال رفع تام للعقوبات». وبالمناسبة، يحمّل الجمهوريون مالي، ومستشار بايدن لشؤون الأمن القومي الحالي جايك سوليفان، المسؤولية عن «هندسة» مسار المفاوضات مع إيران والنتائج التي ترتّبت عنها، منذ إدارة الرئيس السابق باراك أوباما. وهم يعتقدون أن خلفيات مالي «اليسارية»، ومواقفه السلبية من دول المنطقة، بما فيها إسرائيل، جعلته يتعامل مع إيران على أنها دولة يحكمها نظام «تحرّر وطني». ولقد حذّر السيناتور الجمهوري ماركو روبيو من أي رفع للعقوبات عن طهران قبل «أن يتخلى النظام الإيراني عن هدفه بتطوير أسلحة نووية لتهديد المنطقة وإسرائيل». وغرّد روبيو على «تويتر» قائلاً: «حملة الضغط القصوى كانت ناجحة».
أما في مجلس النواب، فقد وجّه 20 نائباً جمهورياً رسالة إلى البيت الأبيض لإبلاغ الرئيس بايدن بأنهم مستعدون لعرقلة أي مساعٍ لمساعدة إيران على إعادة مليارات الدولارات من الأموال التي سبق تجميدها في ظل حملة الضغط التي نفذتها إدارة ترمب. واتهمت الرسالة إدارة بايدن بتجنب وضع الكونغرس في صورة ما يجري بشأن العقوبات وترك النواب «في الظلام» فيما يتعلق بخططها لإضعاف إنفاذ العقوبات وتخفيفها عن إيران، على حد تعبيرهم.
- الصين لاعب أساسي
غير أن رفع العقوبات ليس التخوف الوحيد الذي يعبّر عنه الجمهوريون في واشنطن. فهم يتهمون إدارة بايدن بالتغاضي عن تطبيق العقوبات الموجودة، التي لم ترفع بعد، وبأن وزارتي الخزانة والخارجية تتجاهلان فرض العقوبات على كل من إيران والصين، رغم تجارتهما غير الشرعية بالنفط. ولقد كتب النواب الجمهوريون: «على الرغم من أن كثيراً من العقوبات التي فرضها الرئيس ترمب لا تزال موجودة تقنياً، لكن إدارتك امتنعت عمداً عن فرض هذه العقوبات على إيران ووكلائها. وبشكل خاص، فإن الصين تواصل بصورة غير قانونية استيراد النفط من إيران، من دون أي عقوبات على البلدين». وغرّد النائب الجمهوري بات فالون عن فحوى الرسالة التي كتبها مع زملائه قائلاً: «يجب ألا نكافئ إيران على اعتداءاتها الأخيرة من خلال استئناف المباحثات النووية. ولذا أنا فخور بكتابة هذه الرسالة مع 20 من زملائي لتسليط الضوء على قلقنا من تجديد المفاوضات». وقال النائب الجمهوري جيم بانكس، أحد موقّعي الرسالة: «إن تنازلات بايدن القصوى جعلت إيران أكثر عدائية. وعندما يستعيد الجمهوريون سيطرتهم على الأغلبية في الكونغرس سنحرص على أن يكون أي إعفاء للعقوبات عن إيران من قبل إدارة بايدن مؤقتاً».
ويشير الجمهوريون إلى أنه منذ بدء المفاوضات مع النظام الإيراني، فإن دعمه للإرهاب تزايد وتخصيبه لليورانيوم وصل إلى أعلى درجاته. وذكرت الرسالة: «على الرغم من الضعف في فرض العقوبات ورفع العقوبات عن عدد من المجموعات الإيرانية ووكلائها كالحوثيين في اليمن ونظام الأسد في سوريا، فإن النظام الإيراني لم يعدّل من تصرفاته، بل أصبح وكلاؤه أكثر عدائية».
لكن هناك من يقول إن المفاوضات لن تثمر عن أي تقدم فقط، بل إن السياسات التي اتبعتها كل الإدارات الأميركية المتعاقبة كانت قاصرة عن إجبار إيران على تغيير سلوكها وحساباتها. ويقول تقرير لـ«مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، المحسوبة على الجمهوريين، إنه بغضّ النظر عن مقدار الأموال التي ستطلقها واشنطن أو «الضغوط القصوى» التي فرضت عليها، فإن إيران «ستواصل إذلال الأميركيين، طالما أن الولايات المتحدة وإسرائيل استبعدتا مراراً وتكراراً عدم تعطيل البرنامج النووي الإيراني بالقوة. وهو ما قوّض خوف النظام من التعرض لهجوم، وسمح للمرشد الأعلى، علي خامنئي، بمزيد من المناورة».
ويضيف التقرير؛ لقد أرادت جميع الإدارات الأميركية بصدق، وفي بعض الأحيان بشدة، التوصل إلى اتفاق، لكن طهران التي تتظاهر بأنها مهتمة بالدبلوماسية، تدرك أن واشنطن، التي تخشى حرباً أخرى في الشرق الأوسط، ستقدم مزيداً من التنازلات.
ويشدد البعض على أن توجيه الولايات المتحدة لمواردها السياسية والاقتصادية والعسكرية «لمنافسة» الصين، قد يجعل من الأخيرة، طرفاً حاسماً في المساومات الجارية معها، لضبط سلوك إيران، مقابل حصولها على أثمان في ملفات أخرى من واشنطن. إذ إن الصين اليوم هي أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، بعدما ارتفعت مبيعاتها منه إلى نحو 1.2 مليون برميل، من 200 ألف برميل في العام الماضي.
ومع اختيار إدارة بايدن، غير المشكوك فيه، التغاضي عن هذا الارتفاع، على أمل أن تلعب الصين دوراً في إقناع إيران بالعودة إلى الاتفاق النووي، تحولت بكين إلى الشريان المالي الأساسي لطهران... وهو ما يمنحها القدرة على الضغط عليها، في حال قررت ذلك. لكن الرهان على هذه المقايضة قد لا يوحي بالضرورة على أن المنافسة مع الصين قد تأخذ مسارات إيجابية، في ظل تمسّك إدارة بايدن بسياسات ترمب تجاهها.
- إيران ولعبة الوقت لامتلاك القنبلة النووية
> منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في عهد الرئيس السابق دونالد ترمب في مايو (أيار) 2018 وفرضها عقوبات شاملة على طهران، وسّعت إيران تدريجياً نطاق أنشطتها النووية، واتخذت سلسلة من الخطوات الفنية الكبيرة، خلال هذا العام وحده، بما يمكّنها من استخدامها في برنامج أسلحة نووية، على الرغم من زعمها أن برنامجها النووي «مخصص للأغراض السلمية والمدنية فقط»! لقد راكمت إيران الآن مخزوناً من اليورانيوم المخصب أكثر من 11 ضعفاً للحدود التي حددها الاتفاق النووي عام 2015. واعتباراً من 6 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أنتجت 17.7 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، وفقاً لوكالة الأمم المتحدة للطاقة الذرية.
وفي 6 جولات من المفاوضات بين أبريل (نيسان) ويونيو (حزيران) في ظل الحكومة الإيرانية السابقة، حققت المباحثات حول كيفية عودة الولايات المتحدة وإيران إلى الامتثال للاتفاق تقدماً كبيراً، بحسب مسؤولين أوروبيين وأمميين. وتحدث هؤلاء عن صياغة الجانبين مسوّدة نص يغطي نحو 70 في المائة من نقاط الخلاف، على الرغم من وجود خلافات حول القضايا الرئيسة، مثل مدى تخفيف العقوبات الأميركية، وكمية أجهزة الطرد المركزي الإيرانية الأكثر تقدماً التي سيسمح لها بالعمل.
من جانبهم، الأوروبيون والروس والصينيون يدركون صعوبة رفع كل العقوبات الأميركية، وخصوصاً تلك المتعلقة بالإرهاب، التي لا يمكن إزالتها، إلا من قبل الكونغرس التي أقرها. وإذا كان الإيرانيون يراهنون على تقطيع الوقت، من أجل تحقيقهم اختراقاً لا يمكن ردّه في الحصول على القنبلة النووية، تصبح التساؤلات عن أسباب تعذر التوصل إلى اتفاق مشروعة. وبالذات، حول جدية إيران في التخلي أصلاً عن طموحاتها النووية، بما يؤمّن لها تحقيق هدفين رئيسيين؛ حماية النظام وديمومته، وحماية سياساتها التوسعية وتدخلاتها في المنطقة على حساب الدول العربية بالدرجة الأولى.



الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
TT

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري، وتعيق مسار الإصلاح والتنمية، مع محاولات لم تكتمل للتعافي والتقاط الأنفاس من صدمات جيوسياسية متلاحقة عصفت باقتصاد البلاد منذ جائحة «كوفيد - 19». وهكذا وجدت القاهرة نفسها في مواجهة أزمة طاقة عالمية دفعتها لإجراءات استثنائية، آملة أن تنجح في امتصاص الصدمة. لقد اندلعت الحرب الإيرانية بينما كانت مصر تعوّل على تدفقات استثمارية مستقرة، وموسم سياحي قوي، لا سيما مع تحقيق السياحة معدلات «غير مسبوقة»، باستقبالها نحو 19 مليون سائح خلال العام الماضي، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، ومع استقرار ملحوظ في قيمة العملة المحلية في مقابل الدولار تحت حاجز الخمسين جنيهاً. لكن حالة الاستقرار والتفاؤل التي دفعت رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في وقت سابق للتعهد بتخفيض الديون بنسب غير مسبوقة، تبدّلت مع أولى شرارات الحرب، لتتوالى التحذيرات الرسمية من تداعيات وخيمة للتصعيد على الأوضاع الاقتصادية. ولمواجهة الأزمة فعّلت الحكومة المصرية «غرفة الأزمات التابعة لمجلس الوزراء» بهدف ضمان استقرار شبكة الطاقة الكهربائية وأرصدة السلع الغذائية.

التحذيرات الرسمية المصرية من تداعيات وخيمة للتصعيد الحربي على الأوضاع الاقتصادية تزامنت مع ارتفاعات قياسية للعملة الأميركية لتقترب من حاجز الـ55 جنيهاً للدولار الواحد قبل أن يسترد الجنيه جزءاً من قيمته مع الإعلان عن وقف العمليات العسكرية لمدة أسبوعين (الدولار بـ53.15 جنيه). وكذلك استمر تراجع عائدات قناة السويس مع إعلان شركات شحن كبرى وقف العبور في الممر الملاحي.

الغاز في مقدمة الصدمات

مع بداية الحرب، أعلنت إسرائيل إغلاقاً مؤقتاً لبعض حقول الغاز كإجراء أمني، فأكدت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية تنفيذ حزمة من الخطوات الاستباقية، مستهدفة تأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلية من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية.

وتبعت ذلك قرارات وصفت بـ«الاستثنائية» لرفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، تزامناً مع إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، ورفع أسعار تذاكر القطارات والكهرباء.

وحقاً، «تعرّضت مصر لضغوط قوية نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المُسال، حيث تعتمد مصر على الاستيراد لتغطية نحو ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وتأتي نصف الواردات من إسرائيل»، بحسب ديفيد باتر، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس» - وهي مؤسسة فكرية بحثية بريطانية - كما أشار، في تقرير نشر أخيراً.

في تقريره الصادر في الأول من أبريل (نيسان)، أفاد «المجلس الوطني المصري للتنافسية» بأن «الحرب تحوّلت بالفعل إلى صدمة اقتصادية ذات طابع نظامي، تتمحور حول الطاقة، والشحن، والتأمين، والتضخم، وانتقال أثر الثقة، وليس مجرد مواجهة عسكرية إقليمية». وأضاف المجلس أن التقديرات تشير إلى احتياج مصر إلى نحو 3.75 مليار دولار لمشتريات طارئة من الغاز الطبيعي المسال، وأن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط قد تُفاقم عجز الحساب الجاري بنحو 2.5 مليار دولار.

بدوره، قال الدكتور نبيل زكي، أستاذ الاقتصاد الدولي والتمويل في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حالة عدم اليقين بشأن الأوضاع الإقليمية تهدد أي انفراجة اقتصادية»، لافتاً إلى ما وصفه بـ«سوء الحظ»، لكون حرب إيران جاءت بعد شهور من الاستقرار الاقتصادي النسبي في مصر لتعصف بالأوضاع وتوقف التقدم والنمو قبل اكتماله.

وأردف زكي أن «فاتورة استيراد الغاز والمنتجات البترولية في مصر بلغت نحو 20 مليار دولار في موازنة العام الماضي التي قدّرت سعر برميل النفط بـ69 دولاراً، ما يعني زيادة الفاتورة بنسبة كبيرة مع اقتراب سعره من 100 دولار للبرميل».

من جهته، صرّح الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة التجارة المصرية للبحوث الاقتصادية سابقاً، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «أزمة الغاز ومشاكل الطاقة ليست جديدة في مصر، لكنها تبدو أكثر وضوحاً في ظل الأزمات... وثمة ضرورة للتعامل معها عبر خطة طويلة الأمد بعيداً عن سياق معالجة الأزمة». واقترح «التوسع في استخدام الطاقة الشمسية، جنباً إلى جنب مع السير في مسار استكشاف حقول غاز جديدة».

حقل نفطي مصري في الصحراء الغربية (آجنزيا نوفا)

اقتصاد مصر ليس معزولاً عن العالم

من جهة ثانية، وفقاً لتصريحات رئيس البنك الدولي أجاي ‌بانجا، الأسبوع الماضي، فإن «الحرب ستؤدي إلى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وارتفاع التضخم بغض النظر عن سرعة انتهائها». والأمر ذاته أكدته مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا في تصريحات لـ«رويترز»، الأسبوع الماضي، موضحة أن «الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي».

صدمات متتالية

الواقع أنه دائماً ما تُرجع مصر أزماتها الاقتصادية إلى ظروف جيوسياسية، وهنا، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة لـ«الشرق الأوسط»، أن حرب إيران «فاقمت أزمات مصر الاقتصادية... وأن مصر منذ عام 2020 واجهت صدمات متكررة بدأت بجائحة (كوفيد – 19) التي أدت إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في العالم، ما أثر على حركة الاستثمار. وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الجائحة جاءت الحرب الروسية - الأوكرانية لتؤثر على السياحة وعلى فاتورة استيراد القمح».

ويضيف بدرة: «لقد تراكمت الأضرار الاقتصادية للأزمات الجيوسياسية حتى جاءت حرب غزة وأثرت على إيرادات قناة السويس، وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الأزمات المتتالية جاءت حرب إيران لتزيد من أزمات اقتصاد مصر».

عودة إلى الدكتور نبيل زكي، الذي أوضح أن «مصر شهدت أزمات متتالية منذ عام 2016 لتبدأ مسار إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي ركز على أسعار الصرف، وضبط أوضاع المالية العامة، مع محدودية التوسع في القدرة الإنتاجية، ما يفسر استمرار مصر في مواجهة أزمات سيولة متكررة واللجوء المتكرر إلى برامج الدعم المالي الدولي». واستطرد شارحاً أن «هيكل إيرادات مصر يعتمد بشكل كبير على مجموعة محدودة من مصادر الدخل الحساسة للعوامل الخارجية، بما يجعل اقتصادها عرضة للصدمات الخارجية، وحساساً للمخاطر الجيوسياسية، من بينها الأموال الساخنة والسياحة وقناة السويس».

جدير بالذكر هنا أن تقرير باتر تطرّق إلى «سحب استثمارات بقيمة 6 مليارات الدولار من سوق محافظ الاستثمار الأجنبية». وتعد «الأموال الساخنة» من مصادر التمويل التي تعتمد عليها مصر، وكان العملاء الأجانب يمتلكون نحو 45.7 مليار دولار من أذون الخزانة بالجنيه المصري في نهاية سبتمبر (أيلول)، بحسب النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي.

وفي نهاية الأسبوع الأول من مارس (آذار)، أعلنت البورصة المصرية بيع مستثمرين عرب وأجانب أذون خزانة محلية بقيمة 2.2 مليار دولار، في إطار اتجاه للمستثمرين الأجانب إلى الخروج من الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، بسبب استمرار حرب إيران.

لترشيد الاستهلاك بدأت الحكومة سلسلة إجراءات منها تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية التاسعة ليلاً

إجراءات حكومية

لترشيد الاستهلاك، بدأت الحكومة المصرية بنهاية الشهر الماضي تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً يومياً، باستثناء يومي الخميس والجمعة في الـ10مساءً، ما عدا المخابز ومحال البقالة والصيدليات، إضافة إلى المحال العامة والمنشآت السياحية في بعض المحافظات.

أيضاً، قررت تطبيق نظام العمل عن بُعد، يوم الأحد، بدءاً من أبريل الحالي لمدة شهر مع استثناء المصانع والمصالح الخدمية. وقال الدكتور عبد المطلب إن «هذه الإجراءات، وإن كانت قد وفرت في الاستهلاك اليومي للكهرباء ما نسبته 10 في المائة من واقع التصريحات الرسمية، فإن لها تداعيات سلبية تتمثل في تراجع الدخول والتأثير على القوة الشرائية والطلب الفعال». وتابع أن «حالة عدم اليقين بشأن التوترات الإقليمية تشكل عوامل ضغط على الاقتصاد وعلى إيرادات السياحة وقناة السويس».

وهنا نذكّر بأنه سبق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن حذّر مراراً من تداعيات التوتر الإقليمي على الملاحة بمنطقة البحر الأحمر. وأعلن، مطلع مارس الماضي، أن مصر «خسرت نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس إثر الحرب في غزة». وبالفعل، سجلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة لتحقق 3.9 مليار دولار مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023. وثمة تخوّفات الآن من تراجع عائدات السياحة التي سجّلت قفزة كبيرة في معدلات الإقبال والإشغال العام الماضي.

سبل التعافي

رغم ذلك، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن «مرونة سعر الصرف سمحت للعملة بأداء دور ممتص للصدمات لاحتواء جزء من الضغوط الخارجية، إلى جانب الحفاظ على احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي».

وأعلن البنك المركزي المصري، خلال الأسبوع الماضي، ارتفاع صافي ‌احتياطات البلاد من النقد الأجنبي إلى 52.831 مليار ‌دولار ‌في مارس من ‌52.746 مليار ‌خلال فبراير (شباط) الذي سبقه.

وبحسب «المجلس الوطني المصري للتنافسية»، فإن الاقتصاد المصري من أكثر الاقتصادات تضرراً في المنطقة، بسبب «ضغط عدة قنوات معاً؛ وهي تكلفة الطاقة المستوردة، تضخم الغذاء، هشاشة إيرادات قناة السويس، حساسية السياحة، ضغوط سعر الصرف، وتشدد شروط التمويل السيادي».

وخلص «المجلس» إلى أن «الخطر الأكبر على مصر لا يتمثل في صدمة منفردة، بل في تراكم عدة ضغوط تتحول مجتمعة إلى مشكلة أوسع في الاقتصاد الكلي وبيئة الأعمال والتنافسية».

هذا، وقد أكد الدكتور زكي أن «التعافي سيستغرق وقتاً يتجاوز الشهور الأربعة بعد توقف العمليات العسكرية تماماً»، وقال الدكتور بدرة إن «التعافي ليس سهلاً، وله آليات ومؤشرات من بينها تحسن قيمة العملة وعودة السياحة والتصدير والاستثمارات وتقليل التضخم وعجز الموازنة، وهذه أمور يتطلب تحقيقها قدراً من الاستقرار واليقين».

وبالتوازي، بينما تعوّل الحكومة على إجراءاتها الاستثنائية لمواجهة تداعيات الحرب واستكمال الإصلاح، يظل ملف الديون الخارجية أحد عوامل الضغط الرئيسة، حيث من المفترض أن تسدد مصر نحو 50.8 مليار دولار من ديونها الخارجية بنهاية سبتمبر المقبل، بحسب البنك الدولي، الذي أشار إلى ارتفاع الدين الخارجي بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025 ليسجل 163.7 مليار دولار.

الأزمات السياسية والجنيه المصري

على صعيد آخر، منذ أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، نذكر أن مصر تعرّضت لتقلبات سياسية وأزمات داخلية وخارجية، انعكست على حال الاقتصاد والظروف المعيشية للمواطنين، وواكبتها رحلة تراجع للجنيه المصري أمام الدولار بلغت ذروتها مع أزمة «شح الدولار»، بخروج نحو 20 مليار دولار بين يناير وسبتمبر 2022.

واليوم تتزايد أهمية «العملة الصعبة» بوصفها مؤشراً على الاقتصاد، مع اعتماد مصر على الاستيراد، حيث تجاوزت فاتورة الواردات في العام المالي 2024 - 2025 ما قيمته 91 مليار دولار، بارتفاع نسبته 29 في المائة عن العام المالي السابق، بحسب الإحصائيات الرسمية.

وتعرّضت العملة المحلية لصدمات عدة بدأت من حالة اللااستقرار التي أعقبت أحداث 2011، مروراً بالحرب على الإرهاب التي تجاوزت تكلفتها 120 مليار جنيه خلال عشر سنوات، وفق التقديرات الرسمية المصرية، ثم جائحة «كوفيد - 19» والحرب الروسية الأوكرانية و«حرب غزة»... وأخيراً الحرب الإيرانية.

أيضاً، سجلت الفترة اللاحقة لأحداث يناير 2011 بداية تراجع سعر صرف العملة المحلية، ليبلغ سعر الدولار 6.5 جنيه مقابل 5.8 في السنوات الخمس السابقة، لتبدأ رحلة صعود الدولار بنسب محدودة مع محاولات الحكومة تثبيت سعره الرسمي تحت الثمانية جنيهات للدولار الواحد. واستمرّ الحال كذلك حتى نهاية عام 2016 التي شهدت أول قرارات تحرير سعر الصرف. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قرر البنك المركزي «تعويم الجنيه»، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي. وهكذا، قفز الدولار من 7.8 جنيه إلى 18.7 جنيه، قبل أن يستقر ما بين 15 و16 جنيهاً.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021، أصدر البنك المركزي قراراً بالانتقال إلى سعر صرف مرن، لتتراجع قيمة الجنيه بشكل متسارع، ويتجاوز الدولار في يناير 2022 نحو 27 جنيهاً، قبل أن يرتفع مرة أخرى في مارس من العام نفسه. ويستقر سعره الرسمي في البنوك عند 30.85 جنيه للدولار الواحد، وإن ظل سعره يرتفع في السوق الموازية مع نقص النقد الأجنبي حتى تجاوز حاجز الـ70 جنيهاً للدولار.

وفي مارس 2024، أعلن البنك المركزي المصري «تحرير» سعر صرف الجنيه، والسماح بتحديده وفقاً لآليات السوق، ليتم تخفيض قيمة الجنيه مرة أخرى وتقترب قيمته من حاجز الـ50 جنيهاً للدولار، وتراجع العام الماضي إلى نحو 47 جنيهاً قبل أن ترتفع قيمة الدولار مرة أخرى جراء الحرب الإيرانية وتبلغ قيمة الدولار الواحد نحو 53.15.

صندوق النقد الدولي أفاد في تقرير صدر أخيراً، بأنه «يجب استكمال مرونة سعر الصرف في مصر بإطار أقوى للتدخل في سوق النقد الأجنبي، وبرنامج قائم على آليات السوق لتراكم الاحتياطيات بما يعزز كفايتها بشكل عام». وحقاً، تنخرط مصر حالياً في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي تم الاتفاق عليه في نهاية 2022، بقيمة ثلاثة مليارات دولار، قبل أن تزيد قيمته في مارس الماضي إلى ثمانية مليارات دولار، وتلتزم مصر في إطار البرنامج بخفض دعم الوقود والكهرباء.


صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
TT

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه» الذي عقده مئات النقابيين التونسيين أخيراً في المنطقة السياحية بمدينة المنستير، موطن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة وعدد كبير من كوادر الدولة التونسية الحديثة. بل جاء صعوده إلى الموقع الأول في واحدة من أكبر النقابات والأطراف السياسية التونسية والعربية وزناً وتأثيراً، ثمرة مسار طويل من التدرج داخل العمل النقابي، وتتويجاً لاحتكاك طويل بروّاد الحراك السياسي والنقابي في أكثر مستوياته التصاقاً بالقاعدة: المدرسة، والجهة، والقطاع، والمستوى المحلي، ثم القيادة الجهوية، وصولاً إلى المكتب التنفيذي الوطني، قبل أن ينتهي به المطاف إلى المقر المركزي، حيث تفاعل مبكراً مع «الجيل الثاني للرموز الثقيلة للاتحاد»، تلاميذ الزعيم النقابي السابق الحبيب عاشور، مثل عبد السلام جراد وعلي بن رمضان ومحمد بن سعد ثم نور الدين الطبوبي وفريقه.

لا يبدو صلاح الدين السالمي طارئاً على «الاتحاد العام التونسي للشغل» على الرغم مما عرف عنه من استقلالية عن الأحزاب العلنية والتنظيمات «السرّيّة» الماركسية والقومية والإسلامية، التي ازداد تأثيرها نقابياً منذ تسعينات القرن الماضي، بل هو ابن صريح من أبنائه التقليديين. إنه من صنف النقابيين الذين لا تصنعهم الأضواء بقدر ما تصنعهم الممرّات الداخلية، وتفاصيل اللوائح، والاشتباك الطويل مع الهياكل، والصبر على التراكم.

وهو ليس رجل اقتحام خاطف، بل هو رجل مسار؛ وليس ابن لحظة إعلامية، بل ابن مدرسة نقابية قديمة لا تزال تؤمن بأن الشرعية تُبنى من الأسفل إلى الأعلى، لا من القمة إلى القاعدة.

من منطقة قبائل أرياف القيروان

ينحدر السالمي من أرياف مدينة القيروان، العاصمة العربية الإسلامية الأولى لكامل شمال أفريقيا (170 كلم جنوب العاصمة تونس)، وتحديداً من منزل المهيري بمعتمدية نصر الله، وهذه خلفية ليست تفصيلاً جغرافياً في سيرته بقدر ما هي مفتاح أول لفهم صورته العامة. فالرجل يأتي من منطقة قبائل «الجلاص» الأمازيغية - العربية في «الداخل» التونسي، أي في المجال حيث ظل «الاتحاد العام التونسي للشغل» لعقود، منذ مرحلة بدء بناء الدولة الحديثة قبل 70 سنة، أكثر من مجرد منظمة نقابية. إذ لعب دور القناة النادرة للتعبير الاجتماعي، وللترقي الرمزي، وللدفاع عن الفئات التي لا تملك دائماً منفذاً مباشراً إلى المركز.

ولد السالمي يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1959، وحصل على شهادة البكالوريا في شعبة الرياضيات التقنية عام 1980، ثم التحق بالتدريس عام 1981، وفي عام 1982 انخرط في «الاتحاد»، ليبدأ بذلك علاقة لا تنقطع باتت ما يشبه القدر الشخصي.

محنة السجن والطرد

لم تكن بداياته سهلة، ولا محايدة. فالسالمي ينتمي إلى جيل من النقابيين الذين عرفوا مبكراً أن العمل النقابي في تونس لم يكن مجرد نشاط مطلبي محدود التكلفة، بل قد يتحول إلى سبب مباشر في السجن والطرد والتضييق. بالذات، في خضم أزمة الاتحاد مع السلطة إبان الصراعات القوية حول خلافة الحبيب بورقيبة منتصف الثمانينات.

وحقاً، سُجن النقابي والمعلم الشاب ستة أشهر بداية من نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، كما طُرد من عمله بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يعود إليه عام 1988 بعد إقالة بورقيبة وإعلان الرئيس التونسي الجديد زين العابدين بن علي عفواً عاماً على كل السجناء السياسيين والنقابيين السابقين. وهذا المُعطى، في سيرة الرجل، ليس مجرد تفصيل بطولي يضاف إلى السرد، بل هو عنصر تأسيسي في تكوينه: فقبل أن يصبح مسؤولاً في الهياكل، اختبر بنفسه معنى أن يدفع النقابي ثمن موقعه، وأن تتحول القناعة إلى عبء يومي لا إلى شعار.

التدرج داخل المدرسة النقابية

من هناك بدأ صعود السالمي، ففي يناير (كانون الثاني) 1990 تولّى أول مسؤولية نقابية له عند تأسيس النقابة الأساسية للتعليم الابتدائي في موطنه بمدينة نصر الله الصغيرة التابعة لمحافظة القيروان.

ثم توالت المحطات على نحو يكشف طبيعة تكوينه العميق داخل المدرسة التنظيمية للاتحاد: بعضو في هياكل نقابية جهوية، فكاتب عام نقابة جهوية للتعليم الابتدائي، ثم كاتب عام للاتحاد المحلي للشغل في منطقة نصر الله وبوحجلة والشراردة، قبل أن ينتخب عام 2009 كاتباً عاماً للاتحاد الجهوي للشغل بالقيروان، وهو المنصب الذي شغله قبله أستاذه في الدراسة وداخل «التيار اليساري القومي الوحدوي المعتدل» الناصر العجيلي. وكذلك سبقه إليه زميله السابق في قطاع التربية والتعليم حسين العباسي الذي تولّى ما بين 2011 و2011 منصب أمين عام وطني لاتحاد النقابات.

من «الجهوي» إلى المكتب الوطني

عام 2017 دخل صلاح الدين السالمي القيادة الوطنية لأول مرة خلال مؤتمر عقد في قمرت - قرطاج، بالضواحي الشمالية لتونس العاصمة، حيث انتخب عضواً بالمكتب التنفيذي الوطني مسؤولاً عن قسم الدواوين والمنشآت العمومية، أي المؤسسات الاقتصادية الكبرى التابعة للدولة. ثم جُددت له الثقة في الخطة نفسها خلال مؤتمر صفاقس عام 2022، وهذه المسؤولية أهلته للإشراف على عشرات آلاف العمال والموظفين الذين تمر مؤسّساتهم بصعوبات اقتصادية اجتماعية وأزمات.

هذه التجربة، أيضاً، وضعت السالمي بمواجهة واحدة من أعقد الملفات في الاقتصاد التونسي: المؤسسات العمومية، والمنشآت الوطنية المفلسة، والملفات التي تتقاطع فيها المطالب الاجتماعية مع حسابات الدولة والمالية العمومية والقرار السياسي. وفي هذه المنطقة تحديداً، تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني: ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً، بل بصفته رجل ملفات وتوازنات، وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة ورجال الأعمال ومتابعة القضايا الثقيلة في منطقة التماس بين الاتحاد والدولة.

مناخ فكري سياسي خاص

لكن مسار السالمي لا يمكن فهمه على نحو كامل إذا اقتصرنا على تسلسل المناصب. فالرجل لم يتشكل فقط داخل الهياكل، بل داخل مناخ فكري ونقابي وسياسي خاص بجهة القيروان، وفي قلب هذا المناخ يبرز اسم الناصر العجيلي بوصفه أحد أبرز الوجوه التي تركت أثراً عميقاً في أجيال من النقابيين واليساريين والقوميين العرب في الجهة ثم على الجانب الوطني.

هنا بالذات يكتسب الحديث عن «تتلمذ» السالمي على العجيلي معناه الأعمق: لا بصفته علاقة مدرسية ضيقة، بل بصفته انتماءً إلى مدرسة كاملة في النظر إلى النقابة ودورها ووظيفتها الوطنية.

الناصر العجيلي كان بالنسبة للسالمي والعباسي وجيل من الحقوقيين والسياسيين والنقابيين أكثر من أستاذ في المعهد الثانوي أو مسؤول نقابي جهوي. بل كان شخصية مركّبة تجمع بين النقابي والسياسي والحقوقي والثقافي الفكري، وتختصر سيرة جيل كامل من المناضلين الذين مرّوا من التعليم إلى الاتحاد، ومن الاتحاد إلى المجال العام الواسع.

وكان العجيلي الذي ولد عام 1939، ودرس بين القيروان وتونس، تابع تعليمه العالي في سوريا مثل مجموعة من مثقفي تونس ونخبها وقتها، وحصل على الإجازة فيها. ولقد تأثر السالمي وزملاؤه بأستاذهم العجيلي، خصوصاً بعد تعرضه لمضايقات ثم سجنه لمدة ثمانية أشهر بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يبرز وطنياً بأنشطته داخل «الاتحاد العام التونسي للشغل» وفي الفضاء السياسي اليساري والعروبي الوحدوي.

مدرسة كاملة لا مجرد اسم

في مدينة القيروان، وفي هذا المناخ السياسي الحقوقي، تشكل النقابي صلاح الدين السالمي وعدد من رموز النخبة المحلية والجهوية التي ستلعب لاحقاً دوراً وطنياً.

من بين الأسماء التي يلتقي عندها هذا الخيط القيرواني بوضوح، يبرز زميل قديم لصلاح الدين السالمي هو حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بين 2011 و2017، وأحد أبرز الوجوه النقابية في تونس المعاصرة.

العباسي، هو الآخر، خرج من الفضاء النقابي القيرواني نفسه، وصعد من الجهة إلى المركز، حتى أصبح في مرحلة ما بعد الثورة من أبرز شخصيات النقابية والسياسية في البلاد.

كما يسجل أن وصول صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لم يكن مجرد تتويج لسيرة شخصية، بل جاء أيضاً في سياق صراعات معقدة مع السلطات وأخرى داخلية بين المستقلين و«اليساريين الراديكاليين» الذين نظموا آلاف الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات في القطاعين العام والخاص خاصة منذ يناير 2011.

واستفحلت هذه الأزمات خلال السنوات القليلة الماضية وإعلان نوع من «القطيعة» بين السلطات وقيادة النقابات بزعامة نور الدين الطبوبي ونائبيه سامي الطاهري وسمير الشفي.

وتطورت هذه الأزمات إلى خلافات داخلية شلت عمل اتحاد الشغل خلال العامين الماضيين، فبرز اسم صلاح الدين السالمي ضمن ما عرف بـ«مجموعة الخمسة». وهي المجموعة «المعارضة» التي دفعت باتجاه التعجيل بعقد مؤتمر وطني في مارس (آذار) 2026، عوض يوليو (تموز) 2027. ورفع السالمي وأنصاره شعار إصلاح المنظمة وتحديثها، في مواجهة اتجاهات أخرى كانت تميل إلى التأجيل وإدارة الأزمة بالتمديد والتسويف. ومع تصاعد الخلافات، تحول السالمي من شخصية تنظيمية ثقيلة داخل الجهاز إلى أحد وجوه المعركة على مستقبل «الاتحاد» نفسه. لم يعد مجرد أمين عام مساعد يتحرّك في حدود اختصاصه، بل صار فاعلاً مباشراً في الصراع حول هوية المنظمة، وأولوياتها، وطبيعة قيادتها المقبلة.

شرعية تنظيمية بدل «الكاريزما» الصاخبة

وحين انتخب أميناً عاماً، لم يصل السالمي بصفته زعيماً شعبوياً يراهن على البلاغة العالية، بل بصفته رجلاً تراه الهياكل قادراً على الإمساك بالمنظمة من الداخل. وهنا بالتحديد تكمن خصوصيته. فالسالمي لا يبدو في صورته العامة كاريزمياً بالمعنى الذي تستسيغه الشاشات، لكنه يبدو صاحب ما هو أكثر أهمية داخل جهاز مثل الاتحاد: الشرعية التنظيمية، والخبرة الهادئة، والمعرفة الدقيقة بالجهات، والقدرة على التحرك داخل التعقيد دون استعراض.

ومع ذلك، فإن ما قد يمثل مصدر قوته قد يتحول أيضاً إلى امتحانه الأصعب. فالرجل يتولى القيادة في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ البلاد و«الاتحاد». ووسط أزمة ثقة داخلية، تراجعت صورة العمل النقابي لدى جزء من الرأي العام، واضطربت العلاقة مع السلطة مثقلة بملفات اجتماعية صعبة، وأوضاع اقتصادية شديدة الهشاشة.


قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)
TT

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي الجديد. وهذه نتيجة عكست في ظاهرها حسماً انتخابياً واضحاً، لكنها في عمقها كشفت عن إعادة تركيب موازين القوى داخل «الاتحاد»، وعن سعي واسع إلى إنتاج تسوية داخلية جديدة، تستوعب جزءاً مهماً من معارضي القيادة السابقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين أنصار الأمين العام السابق نور الدين الطبوبي وخصومه، من دون أن تنهي تماماً التناقضات الحادة التي ظلت تتفاعل داخل المنظمة خلال السنوات الأخيرة.

النتيجة هذه لم تكن تفصيلاً عابراً. فهي تعني، أولاً، أن جزءاً مهماً من النقابيين اختار تجاوز منطق الصدام المفتوح داخل البيت النقابي، وفضّل الذهاب نحو تسوية تنظيمية واسعة تضمن الاستمرارية وتمنع الانقسام. وكذلك تعني أن «الاتحاد»، وهو يدخل مرحلة جديدة، قرر أن يعيد بناء مركز قيادته على أسس أكثر مرونة وأقل ارتهاناً للاستقطابات الآيديولوجية الحادة التي حكمت بعض مفاصله في السنوات الماضية.

مع هذا، كشف المؤتمر أيضاً عن عمليات إقصاء وإعادة فرز داخلية، لا سيما مع فشل القائمة المنافسة التي قادها «اليسار الراديكالي» بزعامة فاروق العياري، والتي كانت مدعومة من شخصيات نقابية بارزة قاطعت المؤتمر، مثل سامي الطاهري وسمير الشفي، وهما من أبرز الوجوه التي مثّلت تيارات اليسار الراديكالي والقومية العربية المتشددة في الاتحاد والبلاد خلال العقود الماضية.

نور الدين الطبوبي (رويترز)

لقد بدا واضحاً أن مؤتمر المنستير لم يكن فقط مناسبة لانتخاب قيادة جديدة، بل كان أيضاً مناسبة لإعادة تعريف «الكتلة المهيمنة» داخل «الاتحاد». فالمكتب التنفيذي الجديد يضم غالبية من النقابيين المستقلين عن الأحزاب، إلى جانب شخصيات من اليسار النقابي المعتدل، كما يضم وجوهاً محسوبة على اتجاهات سياسية متباينة، من بينها نقابي قريب من التيار الإسلامي المحافظ ومن حركة النهضة، وآخر عُرف بقربه سابقاً من شبكات الحزب الحاكم في العهد السابق ثم من محيط حزب «نداء تونس» لاحقاً. وهذا التنوع لا يعكس انفتاحاً آيديولوجياً بالمعنى النظري فقط، بل يشير أيضاً إلى أن الاتحاد اتجه، تحت ضغط أزماته الداخلية وأزمات البلاد، نحو منطق «براغماتي» في بناء القيادة يقوم على جمع شبكات النفوذ القطاعية والجهوية والتنظيمية في «سلة واحدة»، أكثر مما يقوم على التجانس الفكري أو السياسي الصارم.

هنا تتجاوز أهمية المؤتمر مسألة الأسماء والأرقام. إذ تكمن المسألة الجوهرية في طبيعة المرحلة التي جاء فيها هذا التحوّل. وتونس اليوم ليست بصدد أزمة عابرة في ملف الأجور أو مفاوضات دورية بين الحكومة والنقابات، بل تعيش أزمة مركبة تمس بنية الاقتصاد، ووظائف الدولة، وتوازنات النظام السياسي، وثقة المجتمع في النخب والمؤسسات.