عبد اللطيف وهبي... محامٍ قاد ثورة في «الأصالة والمعاصرة» المغربي

يساري يترأس حزباً ليبيرالياً

عبد اللطيف وهبي... محامٍ قاد ثورة في «الأصالة والمعاصرة» المغربي
TT

عبد اللطيف وهبي... محامٍ قاد ثورة في «الأصالة والمعاصرة» المغربي

عبد اللطيف وهبي... محامٍ قاد ثورة في «الأصالة والمعاصرة» المغربي

سيظل يوم 26 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي يوماً مشهوداً في مسار عبد اللطيف وهبي، الأمين العام لحزب «الأصالة والمعاصرة» المغربي الليبرالي المشارك في حكومة عزيز أخنوش، ففي ذلك اليوم أكمل وهبي ملامح عهد قيادته للحزب من خلال الإعلان عن أعضاء مكتبه السياسي لدى اجتماع مجلسه الوطني (برلمان الحزب) في مدينة مراكش.
وبعد مرور نحو 21 شهراً على وصوله إلى قيادة الحزب، التي تولاها يوم 9 فبراير (شباط) 2020 في ظروف غير مريحة البتة، اتسمت بوطأة جائحة «كوفيد – 19» وتداعياتها، والإعداد لخوض «ماراثون» انتخابات 8 سبتمبر (أيلول) الماضي، ها هو وهبي يطوي فصلاً من كتاب مساره. إذ استطاع تجاوز الأنواء والعبور بسفينة حزبه إلى بر الأمان، والمحافظة على مكانته في المشهد السياسي، بل إنه كان قاب قوسين أو أدنى من الظفر برئاسة الحكومة. وهكذا، دخل في تحالف مع غريمه اللدود أخنوش، وحصل على مقاعد حكومية معتبرة.
لم يكن تعيين عبد اللطيف وهبي، الأمين العام لحزب «الأصالة والمعاصرة»، وزيراً للعدل في حكومة عزيز أخنوش يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي إلا تتويجاً لمسار رجل سياسي له ماضٍ حافل بالنضال السياسي والحقوقي. فمنذ انتخابه أميناً عاماً للحزب، دشّن وهبي مساراً جديداً له، ورسم هدف إخراجه من حالة الصراع والجمود، معلناً عن طموحه بأن يكون جزءاً من الحكومة المقبلة، وهو ما تحقق على أرض الواقع.
- تارودانت والمقاومة
ولد وهبي عام 1961 في مدينة تارودانت (شرق أغادير)، وأصبح منذ سبتمبر الماضي عمدة لها، وممثلاً لها في البرلمان، وفتح عينيه وسط أسرة مقاومة ضد الاستعمار.
والده كان أمازيغياً ينتمي لمنطقة سوس (وسط المغرب) وأم تنحدر من منطقة الريف (شمال). وروى وهبي في تصريحات صحافية سابقة أن والده كان تاجراً ميسور الحال قبل زواجه بوالدته. وانخرط في حركة المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي في مدينة الدار البيضاء، قبل أن ينتقل إلى شمال البلاد (المحتل آنذاك) من طرف إسبانيا، وهناك تعرف على زوجته الريفية التي أنجبت له عبد اللطيف.
وبعد استقلال المغرب، انخرط والد وهبي، في حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ثم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي خرج من عباءة الحزب الأول. وكانت تربطه علاقات مع قياداته مثل عبد الرحيم بوعبيد ومحمد اليازغي، وكان هؤلاء يزورونه كلما حلوا بتارودانت.
وفي مسقط رأسه، تدرج وهبي دراسياً حتى حصل على شهادة البكالوريا (الثانوية العامة). قبل أن ينتقل إلى الرباط لدراسة القانون في جامعة محمد الخامس ويحصل على شهادة الإجازة. ولأنه كان مهووساً بمهنة المحاماة، بدأ تدريبه في مكتب المحامي الراحل أحمد بنجلون، أحد قيادات حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي (حزب انشق عن الاتحاد الاشتراكي في عقد الثمانينات). بيد أن ميول عبد اللطيف اليسارية كانت بادية عليه قبل تجربة المحاماة ولقائه بنجلون. فهو انخرط مبكراً في شبيبة حزب الاتحاد الاشتراكي. وعام 1989 انضم للجمعية المغربية لحقوق الإنسان (جمعية حقوقية يسارية)، كان يتابع أنشطتها منذ كان تلميذاً في تارودانت، كما انخرط لاحقاً في حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي اليساري.
- محامٍ لامع
عام 1996 غادر وهبي حزب الطليعة، وتوقف عن ممارسة العمل الحزبي لسنوات، واهتم بمهنته، وطوّر نفسه ليصبح محامياً ناجحاً وذائع الصيت في الرباط. وبقي على هذه الحال إلى أن انخرط في حزب «الأصالة والمعاصرة» عام 2010.
عام 2011 ترشح للانتخابات البرلمانية، بيد أن التحول الكبير في مساره سجله حين قاد في 2019 حركة تصحيحية لتغيير مسار الحزب وتبوء قيادته، إلى جانب حصول حزبه في انتخابات 8 سبتمبر على 87 مقعداً نيابياً، وحلوله ثانياً بعد حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي حصل على 102 مقعد. وتلك الانتخابات عرفت تقهقر حزب العدالة والتنمية (مرجعية إسلامية) بحصوله على 13 مقعداً بدل 125 مقعداً في اقتراع 2016.
اشتهر وهبي بدفاعه عن الطلبة المعتقلين في أحداث الجامعة خلال عقد التسعينات من القرن الماضي. واعتبر الأحكام التي صدرت في حقهم أنها «قاسية»، كما اشتهر بمرافعاته لصالح رجال الأعمال المعتقلين في حملة التطهير التي قادها وزير الداخلية الراحل إدريس البصري عام 1995، وجرى تبريرها بمحاربة التهريب والحد من الممارسات المنافسة للاقتصاد الوطني.
- «الأصالة والمعاصرة»... التأسيس
عام 2008، أسس حزب «الأصالة والمعاصرة» عدد من الشخصيات تنتمي لمشارب سياسية مختلفة (رسميون ويساريون ويمينيون وأعيان) أبرزهم فؤاد عالي الهمة، الذي سرعان ما انسحب من الحزب، وعُين مستشاراً للملك محمد السادس. ونجح الحزب بسرعة في تصدر المشهد السياسي، حين حصد المرتبة الأولى في الانتخابات المحلية عام 2009، وكان يراهن على الفوز في الانتخابات التشريعية لعام 2016.
وخلال الولاية التشريعية 2011 – 2016، برز وهبي، كرئيس لفريق الحزب في مجلس النواب، وشكل محور المعارضة ضد حكومة عبد الإله ابن كيران. وترأس فيما بعد لجنة العدل والتشريع في مجلس النواب، كما انتخب نائباً لرئيس مجلس النواب. لكن التحول الكبير حصل حين أعلن عام 2019 عن تأسيس «تيار المستقبل» في «الأصالة والمعاصرة»، وتجمع حوله عدد من قياداته في مواجهة التيار الذي كان يقوده حكيم بنشماش، الأمين العام السابق للحزب.
وبعد نتائج انتخابات 2016، التي حل فيها «الأصالة والمعاصرة» ثانياً، قدّم إلياس العماري، الأمين العام الأسبق استقالته، وعُقد مؤتمر استثنائي انتُخب خلاله بنشماش أميناً عاماً جديداً، بدعم من وهبي، لكن سرعان ما برزت الخلافات بينهما، وسط تهم إهمال الديمقراطية داخل الحزب، والبقاء رهينة لدى الأمين العام الأسبق. وهو ما دفع وهبي إلى الدعوة لعقد مؤتمر للإطاحة به، رافعاً شعار مراجعة توجهات الحزب، واعتماد الديمقراطية في اتخاذ القرارات. وفعلاً، عُقد مؤتمر صاخب في مدينة الجديدة (جنوبي الدار البيضاء) في فبراير 2020، جرى خلاله انتخاب وهبي أميناً عاماً جديداً للحزب، الأمر الذي أحدث تحولاً بارزاً في مساره.
- نقد ذاتي... ورياح منعشة
أعلن وهبي استعداده لإجراء نقد ذاتي جريء لمسار حزبه وتغيير توجهه. إذ التصقت بالحزب تهمة «حزب الدولة» و«حزب التعليمات» تبعاً بظروف تأسيسه، لكن وهبي أتى لإنهاء هذه الحالة، وجعل «الأصالة والمعاصرة» حزباً طبيعياً عادياً، مشدداً على ضرورة القطع مع ربط الحزب بالدولة، وتحاشي «الاستقواء بالسلطة»، والخضوع للالتزامات التي ينص عليها دستور المملكة.
ووعد وهبي أيضاً بإعادة هيكلة الحزب ليكون منفتحاً على الشباب وعلى عموم المواطنين، وضمان «استقلالية القرار الحزبي». وكان دائماً يردد أن «أحزاب الدولة فشلت في الدول العربية مثل تونس وسوريا والعراق».
وثمة نقطة لا يجب نسيانها هي أن «الأصالة والمعاصرة» رفع منذ تأسيسه شعار «محاربة الإسلاميين»، لكن وهبي قلب المعادلة، معتبراً حزب «العدالة والتنمية» «حزباً وطنياً» يعمل في إطار الدستور، ومعلناً استعداده للحوار والتعاون معه، بل إنه ذهب بعيداً حينما اعتبر أن «إمارة المؤمنين ووزارة الأوقاف أيضاً تعبير عن الإسلام السياسي»، وأن ما يجب رفضه هو «التوظيف السياسي للدين»، وأثار هذا التصريح في إبانه جدلاً كبيراً.
رفع وهبي أيضاً شعار تحقيق انفراج سياسي من خلال إطلاق سراح معتقلي أحداث الريف، التي اندلعت عقب وفاة بائع سمك طحناً في عربة لتدوير النفايات، ونادى باحترام الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهو خطاب أعطى دينامية سياسية جديدة لـ«الأصالة والمعاصرة»، وبدا أن رياحاً منعشة تهب على هذا الحزب.
- مواقف وتصريحات مثيرة
مواقف وتصريحات وهبي المثيرة جعلته محط أنظار المتتبعين، خاصة حين يثير ملفات ساخنة بجرأة غير معهودة، آخرها إعلانه في برنامج تلفزيوني، وهو وزير للعدل أنه يعتزم رفع ملتمس إلى الملك محمد السادس بقصد العفو عن معتقلي حراك الريف، الأمر الذي أثار لغطاً، بين مشيد بالخطوة ومنتقد لها. والمعروف أن العفو يبقى من صلاحيات الملك، ولا دخل لوزير العدل فيه.
وفي الآونة الأخيرة، أشار وهبي، في جلسة برلمانية، إلى أنه طلب من رئيس الحكومة تخصيص موازنة لاقتناء سيارات فاخرة لفائدة المسؤولين القضائيين، لأنهم، حسب قوله، يركبون سيارات لا تليق بهم. ووعد بالاهتمام بأبنية المحاكم، وتخصيص أماكن لراحة القضاة والمحامين، ومطاعم، قائلاً: «لا يعقل ألا يجد القضاة والمحامون أماكن لأخذ قسط من الراحة».
أيضاً، كان وهبي - قبل استيزاره - من المبادرين إلى تشكيل لجنة استطلاعية برلمانية لدراسة أوضاع العالقين في سوريا والعراق ممن التحقوا بتنظيم داعش. وترأس اللجنة التي عملت لأشهر، وأصدرت تقريراً بعدما استمعت لأفراد من عائلات العالقين ومنهم عائدون من بؤر القتال، قضوا عقوبات في السجون المغربية قبل الإفراج عنهم.
وإبان الحملات الانتخابية الممهدة لانتخابات 8 سبتمبر، كان وهبي يردد بثقة بأن حزبه يتجه للحصول على المرتبة الأولى في الانتخابات. وحين كان يُسأل «هل أنت مستعد لتكون وزيراً في حكومة يرأسها حزب التجمع الوطني للأحرار؟»، يرد قائلاً: «إما أن أتصدر النتائج وأكون رئيساً للحكومة، وإلا فلن أكون وزيراً في حكومة يرأسها حزب آخر»، وبرر ذلك بأنه أمين عام حزب سياسي، ولا يمكن لأمين عام حزب آخر أن يرأسه في الحكومة.
كرر وهبي هذا التصريح أكثر من مرة. وحين ظهرت نتائج الانتخابات التي أسفرت عن فوز «التجمع الوطني للأحرار»، وُجه إليه السؤال ذاته، فكرر جوابه السابق، لكن اجتماعاً للمجلس الوطني للحزب (أعلى هيئة تقريرية فيه بعد المؤتمر)، أعلن قرار المشاركة في الحكومة، وطلب من وهبي شخصياً المشاركة فيها، ليتبين أن للسياسة إكراهاتها.
على صعيد آخر، من مواقف وهبي قبيل انتخابات 8 سبتمبر، دعوته إلى حل مجلس المستشارين (الغرفة الثانية في البرلمان)، معتبراً إياه مجلساً «يهدر الزمن التشريعي»، كما انتقد تمثيل النقابات ورجال الأعمال في المجلس لأنهم يتصرفون «بمنطق المصالح». ويتكون مجلس المستشارين من 120 عضواً ينتخبون من طرف هيئات ناخبة تمثل الجماعات المحلية (البلديات)، والجهات، والنقابات، ورجال الأعمال، وله نفس الصلاحيات التشريعية لمجلس النواب، رغم أن الحسم يكون لهذا الأخير.
وسبق لوهبي أن وجه انتقادات لاذعة لحزب «التجمع الوطني للأحرار» ولرئيسه وزير الفلاحة السابق (رئيس الحكومة الحالي) أخنوش لتوزيعه مساعدات قبل الانتخابات من خلال جمعية خيرية تسمى «جود»، وهو سلوك اعتبره وهبي آنذاك «فضيحة سياسية». لكنه عاد وتحالف مع أخنوش بعد ظهور نتائج الانتخابات. وبعدما صارا معاً في الحكومة، قال وهبي عن أخنوش: «اختلفت معه كثيراً خلال الانتخابات... وكان الصراع انتخابياً... صراع وجود، وصراع موقع وتموقع، لكن حينما عملنا مع بعض في الحكومة، اكتشف كل واحد منا الآخر، وأصبح أخنوش صديقاً قريباً مني... وكثيراً ما نفتح الحوارات بيننا، وعلاقتنا جيدة جداً».
- العلاقة مع الملك
لا يجد عبد اللطيف وهبي حرجاً في التحدث عما دار بينه وبين الملك محمد السادس حين استقبله بعد انتخابه أميناً عام للحزب، إذ قال، في أحد حواراته الصحافية، إن «الملك بطبيعته يجعلك مرتاحاً في الحديث إليه، بل يشعرك بالاطمئنان والراحة لتتحدث إليه بصراحة ووضوح». وأضاف أنه تحدث مع الملك محمد السادس عن كل شيء... من السياسة إلى تارودانت. وأوضح أن العاهل المغربي له «طموحات كبيرة جداً ومتتبع وملم بكل تفاصيل الأمور وقضايا البلد».
وكشف وهبي أن لقاءه مع الملك محمد السادس دام 20 دقيقة، وقال إنه «يحسن الاستماع، وعندما يعقب عليك فهو يطرح أسئلة دقيقة، ويكن احتراماً كبيراً للجالس أمامه».
وحين أصدر حزب «الأصالة والمعاصرة» كتابا حول تجربته، حرص وهبي على بعث نسخة منه هدية إلى الملك محمد السادس، فتلقى رسالة شكر منه، نشرها على موقع الحزب.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».