من نحن؟ سؤال يجب ألا نتأخر في البحث عن جواب له

عن معضلة زحام الهويات في عصرنا الحاضر

صموئيل هنتنغتون
صموئيل هنتنغتون
TT

من نحن؟ سؤال يجب ألا نتأخر في البحث عن جواب له

صموئيل هنتنغتون
صموئيل هنتنغتون

هناك أسئلة لا تخطر على البال ردحاً من الزمن، ثم إذا حضرت أثارت هلع الإنسان وجلبت له قلقاً وجودياً داخل ذاته وبيته ومجتمعه، وهذا النوع من أصعب وأخطر الأسئلة، ومنها سؤال: «من أنا ؟» أو عندما نفكّر بشكل جمعي «من نحن؟»، هذه التساؤلات الوجودية التي تبحث عن إجابة كي تفسّر معنى الكينونة لذواتنا في عالم شديد التغير والتشكل والسيولة، أصبحت أهم الأسئلة على طاولة الحكومات اليوم، وتبنى عليها طبيعة العلاقات المجتمعية والتحالفات السياسية وتتأسس عليها جملة من التصورات بالغة التعقيد. ولعلي أعلّق على هذه الظاهرة ببعض الرؤى على النحو الآتي:
أولاً: أي فرد في العالم هو جزء من عدة دوائر تحكم علاقته بالوجود الذي يعيشه، وأهمها من الناحية المادية؛ وطنه الذي يحمل جنسيته ويعيش على ترابه ويتبادل مع غيره جملة من المصالح الحاجية، والدائرة الثانية؛ قوميته التي تحدد نوعه وعنصره ولغته التي يتحدث بها، وثالثها؛ ديانته التي يتعبد بها، ومن خلالها تُصاغ رؤيته للعالم والكون والمعاد، هذه الهويات الثلاث التي ترسم هوية الكثير من البشر اليوم وتحدد أهم معالم شخصيتهم وسماتهم الفارقة عن غيرهم، تصنّف أيضاً أنها من الهويات الصلبة لوضوح التمايز والالتفاف حولها، كما أنها تحقق منافع عظيمة يجنيها الفرد أو المجتمع من هذا الانتماء.
وفي عصرنا الحاضر؛ إذا أخذنا الهوية الوطنية للشخصية العربية - على سبيل المثال - فإن أزماته الراهنة المتراكمة منذ عقود تتعمق في البحث عن وظيفة ومسكن ومشفى؛ ثم لا يجد ذلك إلا بصعوبة فائقة، بالإضافة إلى انعدام العدالة الاجتماعية وعدم المساواة في توزيع الثروة والفرص بين أبناء هويته الوطنية؛ مما يؤدي بهذا المواطن إلى مزيدٍ من الإحباط واليأس، فأي مواطنة يمكن أن يفخر بها ويعتز بالانتماء لها واحتياجاته الطبيعية ناقصة أو منعدمة، وكرامته في إهانة وإذلال مستمر، وأصبحت أعظم أحلام الشباب العربي هي في الهجرة أو اللجوء خارج الحدود، وفي إحصائية للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين أن عدد اللاجئين حتى 2021 بلغ 82.4 مليون شخص جلهم من دول عربية، هذه الحالة أدت مع الوقت إلى ذوبان الهويات الوطنية في الهويات القومية الصغيرة والطائفيات الضيقة، وهذا النزوع نحو هويات القبيلة والحزب وميليشيات الحرب؛ قد أدى إلى انقسام العراق والسودان والصومال وسوريا ولبنان وليبيا واليمن، وهو فشل كبير ومتفجر؛ يعود في أصله إلى فشل تلك الدول في ترسيخ هذه الهوية وحمايتها من الغرق في مستنقع الهويات المفخخة، ولا ننسى أيضاً أن حال الهويات القومية والدينية ليس حالاً يبعث بالفأل؛ بل هو غارق في وحل التمزق والشتات. ومن هنا ندرك حقاً أن أزمة فشل بناء الهويات الصلبة ليس أزمة عابرة؛ بل هو المهدد الوجودي لكل مجتمعاتنا العربية الراهنة.
ثانياً: إن سؤال: «من نحن ؟» رغم سذاجته عند الاقتصادي والأمني؛ هو السؤال الذي لا يجب أن نتأخر في البحث عن جواب له؛ حسب ما سبق من معطيات واقعية تمر بها بلادنا العربية على وجه الخصوص، كما يجب إثارته في كل وقت وتُفحَص نتائجه على مستوى الأفراد والمجتمع.
ففي عدد من الدول العظمى بات هذا السؤال (من نحن؟) يشكل أكبر تحدٍ لتوصيف الهوية الجامعة للمجتمع، ويتحرك هذا السؤال فوق رمال ساخنة تهب فوقها رياح عاتية من المتغيرات، فقد أثاره صامويل هنتغتون عام 2004 في كتابه المثير الذي يحمل عنوانه هذا السؤال: «من نحن؟» ليجادل عن الهوية القومية الأميركية، ويشدد أن الأثر البروتستانتي هو العامل الأقوى في الهوية، وهو من يحدد القيم الأميركية الكبرى، وليست القوميات المختلطة وأعراف المهاجرين، وفي الضفة الأخرى من الأطلسي لا يختلف الحال عنه في الاتحاد الأوروبي، فحسب إيريك هوبزباوم المؤرخ البريطاني المعروف؛ يؤكد أنه ليست هناك هوية أوروبية موحدة، وبتعبيره «ليس سوى رد فعل عابر على حروب القرن العشرين الكبرى»، والهوية التي يمكن أن تجمع الأوروبيين اليوم، هو وجودهم في نادٍ جغرافي مسيحي، وهذا بالطبع لم يعدّ رابطاً وجدانياً يوحد الأوروبيين؛ بل الملاحظ هو الغوص أكثر بحثاً عن هويات قومية وثقافية تزيد من تمايزهم في أطياف أوسع، هذا التأزم الهوياتي لم تنج منه اليوم أهم الدول الكبرى كالصين والهند وروسيا، والمفاجئ أن تلك الدول قد اختطت هوياتها بشكل عنيف وملزم، مما جعل الإبقاء عليها هو الطريق المعبّد نحو التلاشي والفناء، فتطلب الأمر تدخلاً جراحياً في بناء هويات جديدة تحقق قدراً من القوة أكثر من القبول، ومن السيطرة أكثر من الاندماج، ولو كان على حساب الأقليات المتعددة فيها، ففي روسيا هناك أزمة هوية كبرى في وجود 70 في المائة من السكان متحدرين من أوروبا، و70 في المائة من مساحتها في آسيا، في ظل اختلال داخلي كبير تقوده نخب ليبرالية وتشوهات رأسمالية؛ كانت نتيجة ذلك التزاحم؛ البحث عن هوية جديدة بملامح قومية قيصرية أرثوذكسية أقرب إلى القرون الوسطى، هذا المعطى بحدّ ذاته قد يفجّر صراعا هوياتياً كبيراً في هذا الجزء من العالم، في داخله ومع جيرانه.
ما أردت التأكيد عليه في هذه المسألة؛ هو أن مسألة الهوية اليوم ليست مجالاً للتأجيل أو اللامبالاة؛ بل إن اللعب غير المدروس في هندستها هو لعب بالنار.
ثالثاً: يمكن أن نخص خليجنا العربي؛ تلك الواحة الوادعة في عالمنا العربي؛ بحديث حول هوياته الصلبة والناعمة، فالشعوب الخليجية تشعر بهويتها الوطنية بوضوح، والاعتزاز بها ظاهر في صور من التعبير التلقائي وغير المتكلف، وهذه الفضيلة الواقعية أسهمت فيها عوامل عدة؛ من أهمها الاستقرار الأمني والعيش الكريم وقدر كبير من الاحترام والتوافق بين السلطة والشعب، كما أن الهوية العربية والإسلامية لم تتذبذب كثيراً في نفوس الأفراد، ولكن هناك مؤشرات مقلقة تدعو تلك المجتمعات الخليجية لليقظة والتحوط من مآلاتها على هوياتهم الصلبة، وهي تلك الهويات السائلة والعابرة نحو مجتمعاتهم، أقصد أن الخليجيين بدأوا يشعرون بأن الهوية الإسلامية السنية الغالبة بينهم تهددها أقلية شيعية ذات ميول إيرانية واستقطاب آيديولوجي شديد، وهي أقلية حزبية لا تمثل مجموع الطائفة الشيعية ذات الولاء الوطني لمجتمعها الخليجي، ومع هذا لا ينبغي التساهل بهذه الجيوب التي قد تسمم المناخ الوطني كما حصل في اليمن ولبنان وسوريا، كما أن تهوين الهوية الدينية بتمرير العقائد السائلة والعابرة لا يخدم حاجة المجتمع لهوية راسخة هي امتداده الروحي والقيمي، ولا ينبغي المراهنة على إضعاف هذا الرسوخ الذي بات احتياجاً عالمياً وإنسانياً، ومن المغالطة العقلية إنكاره.
كما أن سيولة الهويات الاستهلاكية والجندرية من موضات وعادات أجنبية متقلبة وممسوخة من ثقافات مختلفة جداً عن الطبيعة الخليجية قد أثر بشكل كبير في أنماط الانتماء للهوية العربية والدينية، فالمجتمعات الخليجية لم تعد تحفل باستعمال اللغة العربية في تعليمها واقتصادها، وباتت اللغات الأجنبية المختلطة لغات ثالثة ورابعة للتفاهم داخل الدول الخليجية، كما أن حجم العمالة الأجنبية حسب بيانات رسمية في 2018 تقدّر بـ17 مليون عامل، أكثر من ثلثي هؤلاء العمال بنسبة 69.3 في المائة هم عمالة أجنبية وافدة.
أختم بعد هذا العرض بالتأكيد أن مسألة الهوية لم تعد موضة ثقافية باردة، أو ظاهرة جدلية تتمحور في أطروحات المفكرين؛ بل أعتقد أنها جوهر المستقبل الذي نسعى لنعيشه في أوطاننا بعيداً عن الفوضى والفتن، ومن المغامرة أن يُحصر هذا الموضوع المركب من عناصر مؤثرة (الدين واللغة والقومية والقبيلة والأرض...) في لجنة اقتصادية أو خبراء أجانب لتقديمه للمسؤولين في ملفات فاخرة وعروض أنيقة، فاختزال قضايا الهوية بتمييعها وتفريق دمها بين اللجان، أشبه بتعاطي مخدّر يصيب صاحبه في مقتل وهو في قمة الانتشاء.
* باحث وأكاديمي سعودي



«الانفصال»... صورة أميركا عام 2045

كورت أندرسن
كورت أندرسن
TT

«الانفصال»... صورة أميركا عام 2045

كورت أندرسن
كورت أندرسن

لا تقتصر الروايات التي تدور أحداثها في المستقبل على أدب الخيال العلمي؛ فالأوقات العصيبة والمشحونة بالقلق غالباً ما تولّد أعمالاً أدبية تصوّر عوالم مستقبلية قاتمة (ديستوبيا) تتسم بالقلق والتحذير - ومتى كانت آخر مرة شعرت فيها بالاطمئنان التام؟ لقد حفلت حقبة القرن العشرين، على وجه الخصوص، بمثل هذه الرؤى؛ وقد أثبتت بعض الأعمال مثل «حكاية الجارية» (The Handmaid’s Tale) لمارغريت آتوود، أو «عالم جديد شجاع» (Brave New World) لألدوس هكسلي، التي نُشرت عام 1932، وتزداد أحداثها إثارةً للرعب يوماً بعد يوم - أنها كانت أكثر دقة في استشراف المستقبل مقارنة بغيرها. ومع ذلك، فإن أفضل طريقة لفهم هذه الأعمال ليس باعتبارها تنبؤات حقيقية لمستقبلنا، بل كإطلاقٍ لجام المخاوف الراهنة - التي تشبه أحلام اليقظة - بشأن التقلبات العمياء التي تميز لحظتنا الحالية.

غلاف الرواية

في روايته الجديدة «الانفصال» (The Breakup)، يقدم كورت أندرسن شيئاً نادراً ما نراه في هذا النوع من الكتب (وتتبادر إلى الذهن هنا رواية جون رايموند الممتازة الصادرة عام 2022 حول الكوارث المناخية، وهي «الإنكار» Denial)؛ فهو لا يختار مسرحاً لأحداثه في قرن بعيد حيث تصبح مشاكلنا الحالية مجرد جزء من التاريخ، بل يختار وقتاً لا يبعد سوى 19 عاماً من الآن، وهي فترة من المرجح أن يعاصرها معظم قرائه.

وفي محاولة لاستشراف الحالة الانتقالية المقلقة للحياة الأميركية في عام 2026، يرسم الكاتب صورة لعام 2045 - بعد مرور سنوات على حرب أهلية أميركية ثانية قصيرة وقذرة ومصوّرة ببراعة لافتة، حيث انقسمت البلاد إلى كيانين منفصلين بشكل فوضوي ولكنهما لا يزالان رسميين: «الولايات المتحدة الأميركية» (التي تقلصت لتضم 39 ولاية فقط) و«الجمهورية الأميركية الحرة» (Free American Republic)، وهي كيان يغلب عليه السكان البيض والمسيحيون، ويمثل عودة إلى أفكار رجعية نألفها جميعاً - ونشعر بالأسى تجاهها - في واقعنا الحالي.

ومع حلول السلام، يُسمح لسكان الولايات المتحدة السابقة بأسرهم التصويت لتحديد الكيان الذي يرغبون في الانضمام إليه. وهكذا، لا نجد هذه المرة حدوداً فاصلة مرتبة جغرافياً أو متخيلة بوضوح كما كان الحال مع «خط ميسون - ديكسون»؛ فعلى سبيل المثال، نرى المسافرين عبر الولايات الجنوبية - حيث لا ترغب المناطق الحضرية في الانضمام إلى «الجمهورية الأميركية الحرة» (F.A.R)، تماماً كما أن الجمهورية نفسها لا ترغب في ذلك... - نراهم يعبرون الحدود «الوطنية» ذهاباً وإياباً طوال الوقت. إنها ليست حالة انفصال تام (secession)، بل «تفكك للوحدة» (disunion)؛ ورغم أن هذا الحل يمثل فوضى عارمة، فإنه أوقف على الأقل هجمات الطائرات المسيرة الإرهابية ونشر الجيش للروبوتات - كرد فعل - لقتل مواطنين أميركيين متمردين في الشوارع. هذا في الوقت الراهن على الأقل.

يأخذنا المؤلف في جولة عبر هذه الحياة الأميركية الجديدة عبر عائلة «زيمباليست»، التي تعكس خطوط التصدع فيها ما تعيشه الأمة بأسرها، وهو أمر تدركه العائلة تماماً. ففي عام 2044، انتقلت العائلة من ولاية تينيسي إلى سان فرانسيسكو ليتولى «آشر زيمباليست» إدارة «معهد» غامض المهام نيابةً عن شخص قد يمثل أندر الكائنات وجوداً: الملياردير المُحب للخير. لكن زوجته «ناتالي» لم تتحمل الصدمة الثقافية؛ فهي شاعرة - من بين كل المهن - وقد اكتسبت سمعة مثيرة للجدل (أو «سيئة السمعة» ثقافياً) لكونها صريحة ومباشرة في انتقاد المسلمات الليبرالية، بأسلوب يذكّرنا بالكاتبة ليونيل شرايفر؛ ونتيجة لذلك، عادت ناتالي إلى تينيسي قبل ستة أشهر.

إذن، هل انفصلا نهائياً؟ وهل السياسة هي السبب؟ لا أحد منهما متأكد (ولا حتى طفلاهما)، والآن يجدان نفسيهما أمام أمر واقع يفرض عليهما التحرك: اقتراب موعد جولة - خُطط لها منذ فترة طويلة - لزيارة جامعات محتملة لابنهما الأصغر «لوغان». ستأخذهم هذه الجولة عبر قلب أميركا الذي أعيد تشكيله حديثاً.

إنها بداية موفقة للقصة. لكن الأمر المحير هو انقضاء أكثر من 300 صفحة من الرواية قبل أن يدور محرك سيارة عائلة زيمباليست - وبالتالي محرك حبكة الرواية نفسها - وتبدأ أخيراً تلك الرحلة البرية التي طال الحديث عنها. فقبل ذلك، نواجه قسماً ضخماً وساكناً درامياً مما يمكن أن يطلق عليه أصحاب الخيال التأملي (أو التكهني) مصطلح «بناء العالم» (world-building)؛ وهو تصوير شامل ومبتكر ومفصل للغاية لرؤية الكاتب «أندرسن» للسنوات الـ19 المقبلة من التاريخ الأميركي. ورغم ذلك، فإن القراءة ممتعة، لا سيما أنها تتضمن تخيلات لمصائر العديد من المشاهير المعاصرين. (من بين عشرات الظهورات الخاطفة لشخصيات حقيقية، وبالتأكيد لن يضر الكشف عن تفصيل واحد: يموت إيلون ماسك إثر جرعة زائدة أثناء رحلته إلى المريخ).

بصفته روائياً، يُعد أندرسن - الذي تشمل أعماله غير الروائية «أرض الخيال: كيف فقدت أميركا صوابها» (Fantasyland) و«العباقرة الأشرار: تقويض أميركا» (Evil Geniuses) - فيلسوفاً أكثر منه صانعاً للحبكات القصصية. فالدراما العائلية التي تدور حول علاقة الزوجين «زيمباليست» - وما إذا كانت ستستمر أم ستنتهي - تفتقر إلى التشويق بمجرد أن تبدأ الأحداث فعلياً؛ إذ تشبه إلى حد كبير قضاء أسبوع في سيارة مع ثلاثة أشخاص يضحكون على سلسلة من النكات الخاصة بهم، ثم يشرحون لك لاحقاً سبب كون تلك النكات مضحكة.

ولكن، ما المشكلة في ذلك؟ الأعمال الأدبية التي تتناول الدراما العائلية منتشرة بكثرة في الأدب الأميركي. وما سيجذب قراء رواية «الانفصال» (The Breakup) في هذه اللحظة التي تتسم باستقطاب وغضب يبدوان غير قابلين للاستمرار، وبانتهاك صارخ للمؤسسات والمبادئ المدنية الأميركية، هو تقديم رؤية لمستقبلنا القريب؛ رؤية تتسم بالعنف والتحذير، وهي مروعة لدرجة تمنح شعوراً بالتفريغ العاطفي (التطهير)، ومع ذلك تظل قابلة للنجاة منها بطريقة ما. وفي هذا الجانب، ينجح أندرسن في تقديم تلك الجرعة من الإثارة والمتعة التي جعلت أعماله السابقة ضمن قائمة الكتب الأكثر مبيعاً.

* جوناثان دي هو مؤلف ثماني روايات، أحدثها رواية «شارع السكر» (Sugar Street)، وهو يشغل منصب مدير برنامج الدراسات العليا في الكتابة بجامعة سيراكيوز

*خدمة: «نيويورك تايمز»


«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية
TT

«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

تُطلق «دار رفّ للنشر»، الذراع المتخصصة في قطاع النشر والتابعة للمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)، كتاب «مذكرات عبد الحليم خدّام»، وهو كتاب في مجلد واحد مستمد من الأرشيف الشخصي والسياسي لنائب الرئيس السوري الأسبق الراحل عبدالحليم خدّام، الذي أمضى أكثر من ثلاثة عقود داخل دوائر الحكم في سوريا قبل إعلان انشقاقه في باريس عام 2005.

ويضع هذا الكتاب، الذي جمع مادته وحرّره إبراهيم حميدي، رئيس تحرير «المجلة» بين أيدي القارئ أرشيفاً سياسياً بُني على مدى عقود في قلب النظام السوري السابق، ويضم آلاف الوثائق، والمذكرات المكتوبة بخط اليد، والمراسلات الخاصة، والملفات الشخصية، والروايات المباشرة التي تغطي فترة حكم حافظ الأسد، وصعود بشار الأسد، وحقبة الأسدين في لبنان، وصولاً إلى العلاقات الإقليمية والدولية وانعكاساتها على منطقة الشرق الأوسط. ومن خلال ذلك، يكشف الكتاب عن مواد غير معروفة للمرة الأولى، وروايات جديدة من قلب دوائر السلطة.

ويعدّ الكتاب نافذة على الشؤون الداخلية لسوريا وصراعات القوة داخل النظام السوري السابق، فضلاً عن علاقاتها مع لبنان، والمملكة العربية السعودية، ومصر، إلى جانب الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا، حيث يسلط الكتاب الضوء على أكثر الأحداث تعقيداً وجدلاً في المنطقة خلال الحقبة الماضية.

ويتضمن الكتاب أيضاًً شهادة خدّام حول أحداث كبرى متعددة في المنطقة، بينها، أحداث الأشهر التي سبقت حادثة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، بما في ذلك تحذيره الأخير للحريري قبل ستة أيام من الاغتيال، مدعوماً بتفاصيل ولقاءات جرت بينهما. كما يغطي صراعات القوة الداخلية التي تلت وفاة حافظ الأسد، والادعاءات المحيطة بالإدارة المالية للنظام السوري السابق، وإبعاد شقيق حافظ الأسد، رفعت، من سوريا إثر صراع الأخوين على السلطة في أوائل الثمانينات. ويكشف الكتاب كذلك، وللمرة الأولى، عن مراسلات دبلوماسية مع قادة إقليميين ودوليين.

في تعليقه على إطلاق الكتاب، يقول إبراهيم حميدي: «تكمن أهمية هذا الأرشيف في كونه نابعاً من داخل المنظومة ذاتها. فهو ليس مجرد سرد استرجاعي من الهوامش، بل سجل توثيقي مبني على مستندات ومراسلات وشهادة مسؤول رفيع المستوى، كان حاضراً خلال بعض أهم اللحظات المفصلية في تاريخ سوريا الحديث».

ويضيف: «لا يسعى هذا الكتاب إلى طي صفحة التاريخ لتلك المرحلة، بل يفتح باباً أوسع لمزيد من القراءة والفهم؛ حيث يقدم للقراء والصحافيين والباحثين وصنّاع القرار مادة جديدة لدراسة الشأنين السوري واللبناني، والنظام الإقليمي الأوسع الذي أحاط بهما».

يُشكّل كتاب «مذكرات عبد الحليم خدّام» جزءاً من سلسلة كتب سياسية مرتقبة تُركز على منطقة الشرق الأوسط، ستصدرها «دار رفّ للنشر» بالتعاون مع حميدي. وسيكون متاحاً ابتداءً من 31 أغسطس (آب) 2026 على منصات «أمازون» (Amazon)، و«أبل بوكس» (Apple Books)، و«جوجل بوكس» (Google Books)، بالإضافة إلى توفره في مكتبات مختارة.


التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم
TT

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

صدر حديثاً، عن بيت الحكمة للثقافة في القاهرة، كتاب «صنع الله إبراهيم: سردية التحوُّلات الاجتماعية في مصر» للناقد المصري الدكتور محمد ماهر بسيوني، منطلقاً من أن الروائي الراحل، الذي تحل ذكرى رحيله الأولى هذه الأيام، قد امتلك وعياً حاداً بالتحولات الاجتماعية العميقة في مصر، وحساسية فائقة لانعكاساتها القاسية على أفراد المجتمع وطبقاته، مما جعله ينتقي شخصيات رواياته من الشعب المصري، ليحلل من خلال حيواتهم ومصائرهم بنية المجتمع وتغيراته الحادة، وجسَّد تحليله في شكل روائي معبراً عن الحقيقة، وإن اصطدم مع وجهة النظر السائدة، التي تفرضها قوة السلطة وغواية الدعاية.

ويؤكد الكتاب أن الواقع حاضر بقوة في روايات صنع الله، وأنه تناول قضاياه تناولاً جماليّاً، بعيداً عن ابتذال الالتزام السياسي الآيديولوجي، مهتمّاً بإنسان الحياة اليومية، الذي لا يتزين بالسياسة، ولا يتغنى بأناشيدها، ولا يؤمن بأساطيرها؛ إنسان البيوت والشوارع والعمل غير المجزي، ذو الآمال العريضة المجهضة دائماً، والآلام السائدة، والأفراح المختلسة. مشيراً إلى أن النظر العميق في واقع الإنسان المصري يكشف المأساة في كل تفاصيل حياته، التي لا تنفصل عن مأساة مجتمعه في عالمه الثالث، الذي صار عرضة لكل أشكال الاستغلال، فما إن تحرر من الاستعمار التقليدي حتى وقع في براثن استعمار أشد وأنكى، هو الاستغلال السلعي.ويقول المؤلف في مقدمته للكتاب إن صنع الله «يعد واحداً من أصحاب المشروعات الروائية المتكاملة التي تعمل على مقاربة المرجع الاجتماعي/ التاريخي دون أن يتنازل في سبيل ذلك عن القيمة الجمالية للنص السردي، بل نجده في تجريب مستمر يتجاوز نفسه دائماً ويضع لنصه سمات فريدة تدل على تصور خاص حول الإبداع الروائي، ويستنطق التاريخ الاجتماعي والسياسي مقترحاً تأويله الخاص لتحولات بنية المجتمع المصري المتسارعة والعنيفة في ستة عقود فحسب».

يتكون الكتاب من تمهيد يتناول تاريخ الدراسة الاجتماعية للأدب، ثم ثلاثة فصول، بعناوين «المنهج والمصطلح»، و«الإجراء السردي»، و«التأويل السردي»، ثم خاتمة عن أهم ما توصلت إليه الدراسة.

واعتمد المؤلف منهجياً على علم اجتماع النص، كما تقدمه مقولات بيير زيما، بغرض استخلاص رؤية العالم للجماعة التي يعبر عنها الروائي، وركز على دراسة عنصري الشخصية واللغة، اللذين كانا محل اهتمام الروائي في تبيان الأثر العميق للتحولات الاجتماعية المتباينة والمتسارعة على المجتمع المصري وأفراده. واستبعد بعض روايات صنع الله التي تناقش مجتمعات أخرى عربية وعالمية. وكان قد صدر لمحمد ماهر بسيوني من قبل كتابان: «الصين في 65 عاماً»، و«المكان في الرواية العربية (دراسة ثقافية تطبيقية)».