عائشة الدرمكي: الرواية الخليجية تتطور بشكل كبير وتقدم أنماطاً سردية جديدة

الأكاديمية العمانية ترى أن الموروث الشفاهي لم يلقَ ما يستحق من الاهتمام

عائشة الدرمكي
عائشة الدرمكي
TT

عائشة الدرمكي: الرواية الخليجية تتطور بشكل كبير وتقدم أنماطاً سردية جديدة

عائشة الدرمكي
عائشة الدرمكي

للأكاديمية العمانية د.عائشة الدرمكي شغف خاص بقضايا التراث، وترى أنه محصلة خبرة وعلامات أنتجها الإنسان، وأسس من خلالها علاقته بمحيطه الاجتماعي والفضاء الخارجي، لذلك هو وثيق الصلة بعلم «السيمولوجيا». وهي كانت من أوائل من ربطوا بينه وبين التراث في عدد من أعمالها، إضافة إلى جهودها في توثيق الموروث الشفاهي الخليجي في نموذجه العماني، ولها أيضاً دراسات في فك شفرة الحنين بين المبدعين والأمكنة. انضمت أخيراً لمجلة «نزوى» الثقافية، كمستشارة لها، كما تشارك في لجان تحكيم المسابقات الأدبية. هنا حوار معها حول هذا المشوار وعلاقتها بقضايا الأدب والتراث:

> اندهش كثيرون حين أكدتِ أن شغفكِ بالتراث وأساطيره وحكاياته كان مدخلكِ للتخصص في علم «السيميائيات». كيف ترين العلاقة بين هذين العالمين اللذين قد يبدوان متناقضين للوهلة الأولى؟
- نعم قد تبدو «السيميائيات» بعيدة عن التراث لمن لا يعرف أنها نشأت في حضن المجتمع؛ فقد عرَّفها فرديناند دوسوسير بأنها (علم يدرس العلامات الاجتماعية)، ولهذا فإن التراث، وبخاصة الحكايات والأساطير حظيت باهتمام كبير من السيميائيات ودراساتها، إضافة إلى علوم اللغة الاجتماعية والجغرافية والنفسية وغيرها. ولهذا كان شغفي بدراسة التراث الثقافي منطلَقاً أساسياً لدراسة هذا العلم المهم الذي يدرس علاقة الإنسان بوصفه علامة بما ينتجه من علامات، وما يؤسسه منها، بل ما يحيطه منها في الفضاء الخارجي.
العلاقة بين التراث الثقافي والسيميائيات وطيدة جداً لأن التراث عبارة عن علامات أنتجها الإنسان ليستطيع تشكيل منظومته الاجتماعية الخاصة، ولهذا فإن تلك العلامات هي التي تشكل أساس الدراسات السيميائية المختلفة.
> العلاقة بين السيمائيات ولغة الجسد المصاحبة للكلام كانت موضع أطروحتكِ للدكتوراه. ما الذي جذبكِ لهذا الموضوع وما أبرز الخلاصات التي خرجتِ بها؟
- ما دفعني لاختيار هذا الموضوع أولاً أهمية علامات الجسد في التواصل الإنساني، فهو موضوع شائق من ناحية قدرة هذه العلامات على إرسال الرسائل وتأسيس التواصل في شتى الظروف بحيث تكون مصاحبة للكلام أحياناً، ومنفردة أحياناً أخرى، إضافةً إلى تميز المجتمعات ببعض هذه العلامات في حين يمكن اعتبار بعضها لغة عالمية موحدة. ثانياً لم يتم الاعتناء بهذه العلامات من علماء اللغة بشكل متخصص، بل لم تشكل أهمية في تفسير المدونة التي اعتمد عليها البحث.
أهم الخلاصات تتمثل في قصدية التواصل أو عدم قصديته في إشارات الجسد، وما يعنيه، وقيمة هُوية المرسل وقصده، والوضعية التي عليها المتلقي في معرفة خبايا الرسالة التي تبثّها علامات الجسد، وبالتالي إدراكها وتأويلها، إضافةً إلى أن هذه العلامات لا تشمل الحركات وحسب بل حتى الأزياء ونظام الموضة، وآداب التحية، وعادات الزواج، والميلاد والوفاة وغيرها، وأنظمة الطبخ، وإشارات المرور وعلامات الطرق، وغيرها من أنظمة الحياة والعلامات الإنسانية المختلفة.
> في كتابكِ «السلطة الخرساء» تدرسين علاقة المكان بالأديب كما ورد في السيرة الذاتية عند كل من الكاتبين العماني سيف الرحبي، والبحريني حسن مدن، لماذا اختيار هذين الكاتبين تحديداً، ولم تتطرقي إلى تجارب عربية أخرى؟
- في هذا الكتاب اخترت هاتين التجربتين لأنهما تشكلان بُعداً معرفياً مختلفاً بالنسبة لموضوع الكتاب؛ فلكل منهما تجربة مختلفة ومتخصصة، لأن سيف الرحبي تحدث عن ذكريات الطفولة، بينما اشتغل حسن مدن على الترحال والمدن التي سافر إليها. ولهذا فإن هذه التجارب ليست سيرة ذاتية كاملة، وإنما كتابة ذاتية وتداعيات اعتمدت على الصورة (الأيقون) التي اشتغلتُ عليها في هذا الكتاب. عربياً هناك تجارب متعددة، لكنني فضلت أن أكتب عن تجارب متقابلة ومن قُطر الخليج العربي.
> لكِ جهود معروفة في جمع التراث الشعبي والمرويات الشفاهية التي تعكس وجهاً من وجوه المخيلة الشعبية في سلطنة عمان، ما الذي جذبكِ لهذا الأمر، وهل يمكن أن يشمل هذا الجهد بقية دول الخليج مستقبلاً؟
- بدأتُ في هذا العمل خلال دراستي لأطروحة الماجستير التي اشتغلت فيها على (اللهجات)، وعندما كنت أعمل على جمع المادة ميدانياً، هالني ما اكتشفته من ثراء معرفي ضخم في التراث الثقافي، لربما لم نلتفت علمياً إلى أهميته في عُمان أو حتى في الخليج العربي، ولهذا اشتركت مع أحد الزملاء الباحثين في تأسيس مشروع (جمع التراث المرويّ) في وزارة التراث والثقافة حينها في عام 2006 عندما وقّعت سلطنة عمان وثيقة صون التراث الثقافي مع منظمة اليونيسكو، ومنذ ذلك الحين وأنا أعمل مع الفرق البحثية المختلفة لجمع التراث الثقافي في عُمان، وقد أسسنا البرنامج الاستراتيجي للتراث الثقافي في مجلس البحث العلمي سابقاً، وهو الآن تحت إشراف وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، وهو من البرامج البحثية الفاعلة حيث تم تمويل (10) فرق بحثية مهمتها جمع التراث الثقافي في محافظات عُمان المختلفة، وما يميز هذا البرنامج أننا لا نطمح إلى جمع التراث وتبويبه وحسب بل إلى توظيفه واستثماره ضمن مشروع يسهم في دعم الاقتصاد الوطني، اعتماداً على الصناعات الإبداعية والابتكار.
بالنسبة لدول مجلس التعاون فليس لديّ شخصياً مشروعات خارج عُمان، لكن نأمل أن نؤسس مشروعاً مشتركاً على غرار (مركز الموروث الشعبي) الذي كان في تسعينات القرن الماضي.
> تلعب مجلة «نزوى» العمانية دوراً بارزاً في المشهد الثقافي العربي، فهل لديكِ رؤية ما لتطوير هذا الدور مستقبلاً في ضوء انضمامكِ لأسرة المجلة كمستشارة للتحرير؟
- مجلة «نزوى» من المجلات الرائدة على المستوى العربي، وانضمامي لفريق التحرير أعدّه شرفاً لي، فاسم المجلة وارتباطها باسم الشاعر سيف الرحبي، وحده يحفّز على العمل مع الفريق المتميز الذي تكونه المجلة. ما أضيفه من تطوير سيكون ضمن العمل البحثي والاستفادة من التجارب البحثية الرائدة عربياً وعالمياً، من خلال الملفات أو الدراسات والمتابعات.
> يتخوف بعض المثقفين من تكريم الدولة لهم باعتبار أن ذلك قد يؤثر على قدرتهم على ممارسة النقد البنّاء للسلطة ببلادهم، كيف ترين الأمر في ضوء حصولكِ على وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى تكريماً لأنشطتك المتعددة في سلطنة عمان؟
- التكريم الذي تشرفت به من لدن حضرة السلطان هيثم بن طارق هو وسام رفيع بما يمثله لي شخصياً من تقدير من وطني، وحصولي عليه لا يعني أنني لا أستطيع الكتابة بحرية أو أن أقدم ما أراه من نقد بنّاء، فما زلت أكتب بذات الحرية، ولي في صحيفة «عمان» الرسمية مقال أسبوعي أكتب فيه بحرية تامة، حيث يتمتع الكاتب بحرية الرأي التي كفلها النظام الأساسي للدولة والقانون العماني.
> على مدار مسيرتكِ، كنتِ ولا تزالين رئيسة أو عضواً بالكثير من الهيئات واللجان والمجالس والروابط العمانية والعربية. هل يأتي ذلك ضمن مفهوم «المثقف الفاعل الإيجابي»، ألا تخشين أن يؤثر الأمر على تفرغك لمؤلفاتك العلمية؟
- في الحقيقة أنا أؤمن بأن دور المثقف يأتي في محورين أساسيين هما خدمة المجتمع ومنتجه الإبداعي أياً كان نوعه؛ ولهذا فإن تفاعل المثقف مع مجريات الأحداث والمؤسسات الثقافية في مجتمعه ينعكس إيجاباً على منتجه الثقافي، لكن أحياناً يأتي جانب على حساب آخر، لأن الانشغال مع المؤسسات الثقافية خصوصاً في مجالس الإدارة يجعل التفرغ للمؤلفات صعباً نوعاً ما، لكن دوماً ثمة محاولة للموازنة. على المستوى الشخصي نعم هناك تأثير بطبيعة الحال، وعلى سبيل المثال عندما كنت رئيسة مجلس إدارة النادي الثقافي بشكل خاص أثّر انشغالي بالإدارة والعمل في النادي والفعاليات على ما أنتجه من أعمال خاصة في مجال النقد، فلم أُنتج سوى بعض البحوث، لكني كنت أعوّض ذلك بما أكتبه من مقالات منتظمة.
> تطالبين كثيراً بـ«إعادة التخطيط الثقافي لمجتمع الصحراء» عربياً وخليجياً، ماذا تقصدين تحديداً، وما رأيكِ في بعض المثقفين الذين لا يرون في الصحراء سوى رمز للماضي ومعاداة الحداثة؟
- مجتمع الصحراء مجتمع غنيّ ثقافياً بل فكرياً وفلسفياً؛ ذلك لأن الإنتاج الحكائي والأسطوري استناد إلى ما تمتاز به المخيلة لدى الإنسان الذي يعيش في الصحراء، ومن هنا تأتي أهمية دراسة هذا المجتمع والتخطيط للاستفادة من هذه المخيلة من خلال تأسيس المبادرات والبرامج الثقافية الداعمة للتوثيق والرصد، إضافة إلى قدرة هذا المجتمع على إثراء المخيلة الروائية والفنية.
> شاركتِ كعضو بلجان التحكيم في بعض الجوائز الأدبية العربية الكبرى. كيف ترين النقد الذي يوجَّه أحياناً لبعض الجوائز من أنها لا تذهب دائماً إلى مستحقيها وتؤثر سلباً على قيمة هذا الأديب أو ذاك؟
- الحكم هنا لا يمكن أن يكون قاعدة لكل الجوائز، فلكل جائزة معاييرها وظروفها؛ لأن بعض الجوائز يتقدم إليها آلاف المبدعين، بينما يُحجم الكثير منهم عن التقديم في بعضها الآخر، وبالتالي فإن المقياس دائماً بين من هم ضمن القائمة لا خارجها، بالإضافة إلى أنني عندما حكَّمت في بعض الجوائز كان يُحجب اسم الكاتب، بحيث نقوم بتقييم الإبداع نفسه دون معرفة المبدع، وهو أمر يندرج ضمن سياسة الجائزة، ومعايير التقييم التي تنتهج المنهج العلمي الموضوعي.
الجوائز ظاهرة صحية إذا ما تمت ضمن ضوابط وسياسات مهنية عالية الموضوعية، لتسهم في دعم النص الأدبي وتطويره، وبالتالي دعم المثقفين.
> أخيراً، كيف ترين الرواية النسائية الخليجية بين ملامح الواقع ورهانات المستقبل؟
- إن كنت تقصدين (الرواية التي تنتجها النساء) فإن نصوصهن تشهد بالقيمة الأدبية والفنية التي تتميز بها، سواء من حيث الموضوعات المطروحة أو البناء الفني الذي يعتمدنه والتطوير في أشكاله وأنواعه، حيث لم تصبح هذه الروايات محلية أو إقليمية بل انتشرت على مستوى العالم، خصوصاً عندما فازت د. جوخة الحارثي بجائزة البوكر العالمية للرواية المترجمة. وما نشهده بعد ذلك من نتاجات روائية ذات بُعد فني يعتمد على تطوير القيمة الفنية من ناحية والاستفادة من المخزون الثقافي المجتمعي من ناحية أخرى.
أعتقد أن الرواية في منطقة الخليج تتطور فنياً بشكل كبير، ولهذا فإن النصوص التي تنتجها النساء تنتهج مسارات متنوعة، وتقدم أنماطاً سردية قادرة على فتح آفاق فكرية جديدة تستفيد من الواقع الكائن لبناء واقع ممكن اعتماداً على المخيلة الخصبة والإمكانات الفنية.



الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».