جاك أماتييس السالسي يوثّق كواليس شعراء «قصيدة النثر»

محاضر جلسات «خميس مجلة شعر» في كتاب يصدر غداً

من اليسار في الصف الأمامي: شوقي أبي شقرا ومحمد الماغوط ويوسف الخال وفؤاد رفقة وأدونيس ولورا غريب وخالدة سعيد... وفي الصف الخلفي: جورج صيدح ونازك الملائكة وبدوي الجبل وسلمى خضراء الجيوسي وقد جمعتهم إحدى جلسات {خميس مجلة شعر} في يناير 1960
من اليسار في الصف الأمامي: شوقي أبي شقرا ومحمد الماغوط ويوسف الخال وفؤاد رفقة وأدونيس ولورا غريب وخالدة سعيد... وفي الصف الخلفي: جورج صيدح ونازك الملائكة وبدوي الجبل وسلمى خضراء الجيوسي وقد جمعتهم إحدى جلسات {خميس مجلة شعر} في يناير 1960
TT

جاك أماتييس السالسي يوثّق كواليس شعراء «قصيدة النثر»

من اليسار في الصف الأمامي: شوقي أبي شقرا ومحمد الماغوط ويوسف الخال وفؤاد رفقة وأدونيس ولورا غريب وخالدة سعيد... وفي الصف الخلفي: جورج صيدح ونازك الملائكة وبدوي الجبل وسلمى خضراء الجيوسي وقد جمعتهم إحدى جلسات {خميس مجلة شعر} في يناير 1960
من اليسار في الصف الأمامي: شوقي أبي شقرا ومحمد الماغوط ويوسف الخال وفؤاد رفقة وأدونيس ولورا غريب وخالدة سعيد... وفي الصف الخلفي: جورج صيدح ونازك الملائكة وبدوي الجبل وسلمى خضراء الجيوسي وقد جمعتهم إحدى جلسات {خميس مجلة شعر} في يناير 1960

قد تكون المرة الأولى التي ينتقل فيها الكلام حول ولادة قصيدة النثر، وتحولات الشعر العربي الحديث، من طور الجدل الشفاهي وتراشق الادعاءات، إلى التوثيق، من خلال كتاب جمع، عشرات من محاضر جلسات، «خميس مجلة شعر»، التي ناقش خلالها كبار أدباء العرب في تلك المرحلة، دواوين ستصبح في كثير منها، من بين الأشهر والأهم في القرن العشرين.
تمكن الأب جاك أماتييس السالسي، بفضل إحاطته بتلك المرحلة، وعميق معرفته بيوسف الخال، أن يضيف إلى المحاضر التي تغطي الفترة من 1957 إلى 1964 دراسات وصوراً وتحاليل وفهارس، تزود القارئ برؤية واضحة عن الجو الأدبي في خمسينات وستينات القرن الماضي، من خلال أدباء المرحلة أنفسهم.
سيصدر الكتاب في أكثر من 500 صفحة عن «دار نلسن» في بيروت، تحت عنوان «خميس مجلة شعر»، ويتكون من أربعة أقسام، تحتل المحاضر نحو نصف الكتاب. يكتشف القارئ، كم كانت النقاشات جادة، والأحكام مدروسة، والمتابعة الأدبية حثيثة، كل يدلي بدلوه، وكأنه يصنع التاريخ. فالجلسات الأسبوعية كانت إضافة إلى جماعة «مجلة شعر»، تستضيف أدباء لبنانيين وعرباً، من بينهم سلمى الخضراء الجيوسي، وفدوى طوقان، وبدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، ونذير العظمة، وكثر آخرون.
بدأت «ندوة الخميس» كملتقى شعراء جاءوا لإلقاء قصائدهم والإصغاء إلى نقدها، ناقشوا مفهوم الشعر، وأساليب التعبير واللغة وصورة الشاعر في التراث. طرح يوسف الخال المفهوم الجديد للشعر الذي يتمثل في التعبير عن تجربة صادقة ترتفع فوق الزمان والمكان وتعكس شمولية التجربة الإنسانية. كذلك برز مفهوم جديد للقصيدة حيث أصبحت خلقاً يتحد فيها المبنى والمعنى في وحدة عضوية، كما ظهرت صورة جديدة للشاعر الحديث الذي تسربل برداء الفيلسوف والنبي.
في المرحلة الثانية، وابتداء من 3 أبريل (نيسان) 1958. اقتصرت الندوة على المشتغلين في الشعر وبعض الزوار، وصار المحور هو نقد المجموعات الشعرية الصادرة عن دار «مجلة شعر».
المحاضر في الكتاب، تقرأ بمتعة كبيرة، لأنها تعكس حيوية الحوارات التي كانت تدور في تلك الجلسات، وشكلت مطبخ المجلة الفعلي، وورشات عمل على مدار السنة، حيث نكتشف، كيف كان يتخاطب شعراؤنا الكبار، وحول ما يختلفون، أو يتفقون.
الندوة كرست العديد من اجتماعاتها في ربيع عام 1960 لقراءة قصائد لأنسي الحاج، وهي التي كانت الشرارة التي أثارت موضوع قصيدة النثر. ثم بعد ذلك قدّم أدونيس دراسته عن قصيدة النثر وقرأها على الحضور في أبريل 1960. لكن شوقي أبي شقرا كان قد نشر في فبراير (شباط) من السنة نفسها، أربع قصائد، ونوقشت في ندوة الخميس، ولم يخلص المجتمعون إلى نتيجة بشأنها. لكن أبي شقرا كان قد نشر منذ أبريل 1959. نموذجاً شعرياً آخر، تحت عنوان «رب البيت الصغير» وصفه هو بأنه «قصيدة نثر» كمصطلح فني للتعريف بنصه. وفي ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه، كتب مقالة عن ألويزيوس برتران (1841 - 1907) أبي قصيدة النثر، مظهراً اهتماماً خاصاً بهذا النوع الأدبي.
لذلك تاريخياً يمكن قول التالي: إن أنسي الحاج كان أول من أثارت قصائده موضوع قصيدة النثر في «ندوة الخميس»، وأبي شقرا هو أول من نشر محاولة وصفها بقصيدة نثر، وأدونيس كتب أول دراسة حول هذه القصائد.
لكن خالدة سعيد، في رسالة منشورة في الكتاب تقول التالي: «بدايات الشعر نثراً كانت قد حضرت قبل ذلك. كما أن المحاولات والإرهاصات والبوادر في اتجاه التجديد شكلاً ومضموناً كانت قد انطلقت منذ مطالع القرن العشرين في سوريا مع مجلة لم تعمر طويلاً هي (القيثارة)». وتكمل خالدة سعيد أن هذه المجلة «نشرت لسورياليين عرب، كما نشر فيها أدونيس في بداياته، يوم كان طالب ثانوية».
وبالطبع كان ثمة محاولات عربية لكتابة قصيدة النثر في العراق وفلسطين وأماكن أخرى، لكن «مجلة شعر» تعتبرها إحدى إنجازاتها، لما هيأت لها من جو ودفع، واعتراف بكينونتها، في خضم معركتها من أجل «قیام شعر طلیعي تجریبي».
ومما تتحدث عنه الناقدة خالدة سعيد هو أن عوامل ودوافع التجديد، والرغبة في الابتكار والتحديث الذي اعتبرته «مجلة شعر» على رأس أولوياتها كانت أسبابه عديدة، ولا تنكر تأثير أنطون سعادة وكتابه «الصراع الفكري في الأدب السوري» لكنها قالت أيضاً: «كانت هناك في الجو رياح تجديد، قادمة من مواقع مختلفة، لا أستطيع الآن أن أستحضرها جميعاً». وتعطي الناقدة أمثلة السوريالية الفرنسية والسورياليات العربية، بالأخص في سوريا ومصر.
ويعتبر مؤلف الكتاب، الأب جاك أماتييس السالسي أن «حركة مجلة شعر» وندوة خميسها، حاملة راية الثورة والتمرد والرفض أمام جمود التراث العربي، قامت بتأسيس ورعاية يوسف الخال وقيادته. وكتابان يقفان في الخلفية الفكرية لهذا الشاعر، هما: «المقدمة» لشارل مالك و«الصراع الفكري في الأدب السوري» لأنطون سعادة. وفي رأيه أن شخصية الخال حملت ملامح من فكر مالك وسعادة. استمد من الأول معاني الحرية، أهمية العقل الباحث عن الحقيقة، وفكرة وحدة الحضارة الإنسانية. واستلهم من الثاني مفهوم التجديد والنظرة الجديدة إلى «الكون والحياة والفن» لإحداث نهضة حضارية وتأسيس عقلية حديثة.
ويخصص الكتاب صفحات لما لم تتطرق إليه محاضر جلسات «خميس شعر»، ومنه الخلاف مع «مجلة الآداب» حينها. وأمر آخر أكثر طرافة، هو أن «جريدة النهار» كانت قد خصصت في تلك الفترة، مسابقة لقصيدة النثر، بعد أن تفاعل الموضوع ثقافياً، وفاز بها محمد الماغوط في 20 سبتمبر (أيلول) 1960. ومن المستغرب ألا يرد في المحاضر أي ذكر لهذا الأمر، رغم أنه في صميم اهتمام أصحاب الندوة.
جمع المؤلف هذه المحاضر المهمة التي لا يمكن معرفة ما كان يدور في كواليس مجلة شعر من دونها، من جريدتي «النهار» و«الجريدة» وما نشرته مجلة «شعر» من نشاطات الندوة في باب «قضايا وأخبار». وكذلك اعتمد الكتاب على صفحة النهار الثقافية بين عامي 1957و1964؛ ثم «خواطر» يوسف الخال وأدونيس التي هي بنفس أهمية المحاضر بما نقلته من معلومات عن مناقشات «الخميس» ومعاني الحداثة والقضايا الشعرية.
واذ يصف المؤلف ظاهرة «مجلة شعر» وخميسها بأنها «إنسانية - حضارية ثقافية - أدبية»، يشرح أنها تأسست في سياق ولادة تجمعات أخرى شهدها القرن العشرون، تشكلت بسبب المآسي الاستثنائية التي عاشتها البشرية. حربان عالميتان، الثورة البولشيفية، الارتجاجات المفصلية التي تعرضت لها المنطقة العربية، التيارات الغربية التي بدأت تتسرب إلى الفكر العربي. خلال هذه الفترة نشأت تجمعات، منها «الرابطة القلمية» عام 1920 في أميركا الشمالية، «العصبة الأندلسية» في أميركا الجنوبية عام (1932 - 1960)، «جماعة أو مدرسة الديوان» عام 1921. وفي مصر أيضاً أنشأ أحمد زكي أبي شادي «جماعة أبوللو» وأصدر «مجلة أبوللو» عام 1932...
أما في لبنان فأنشأ ميشال أسمر «الندوة اللبنانية» عام 1946 لتكون منبراً لـ«قوة المفكرين» تاريخاً وثقافة. وعام 1956 ألّف شبان طليعيون، أكثرهم من مدرسة الحكمة، «حلقة الثريا»، التي رسمت طريقاً لمستقبل الأدب والشعر والسياسة الوطنية.
وعام 1957 أسس يوسف الخال في لبنان «حركة مجلة شعر» وندوتها الأسبوعية «خميس مجلة شعر»، التي احتضنت الحركة الشعرية الجديدة الناشئة في العالم العربي واتخذها حافزاً لمبادرة ثقافية جريئة مغامرة.
انتهت جلسات «خميس مجلة شعر»، منذ أكثر من نصف قرن، لكن القضايا التي طرحتها لا تزال موضع اهتمام المثقفين والباحثين، لأنها تضرب بجذورها عميقاً، ولا تزال تستحق الدراسة والبحث.
يصف يوسف الخال نشاط «حركة مجلة شعر» و«ندوة الخميس»، قائلاً: «نحن مفترق الطريق. لا للشعر فقط، بل فيما ننتمي إليه أيضاً. بعدنا لن يكون وجه الأشياء كذي قبل. فالكارثة نحن: طوفاناً كنا أم ولادة... نحن في لبنان والعرب، شرارة الحريق الأولى».
خلاصة لمناقشات خميس مجلة شعر لديوان السياب «أنشودة المطر» *
استهل فؤاد رفقة الكلام بقوله: «انطباعي عن إنتاج بدر شاعر يتطور وقد مر في ثلاث مراحل: تقليدية، وتطورية، ونضج. هناك عناصر مشتركة في المراحل الثلاث. ورأيت أن نتناوله من أربع زوايا: الصورة، والأسطورة، والأسلوب، والنفس الشعري… في المرحلة التقليدية هناك صور ولكن يطغى عليها هدير قوي، فهي صورة خلفية كما أنه ليس هناك رمز أو قضية كبرى. أما أسلوبه في المرحلة الأولى فمرتبط بالقديم - أنه خال من الحرارة والدم. أنه أقرب إلى الوجدانية أو الرومنطيقية.
يوسف الخال: ألا تعتقد أنه في هذه المرحلة الأولى متأثر بأبو شبكة؟
فؤاد رفقة: أعتقد ذلك… في المرحلة الثانية بقي الرمز متخفياً وعابراً. إنما هنا يدخل شيئان جديدان. أنه يكسر الشكل، العمود الشعري يتكسر. أما الشيء الثاني فهو أن اللفظة تصبح حية. هناك أيضاً حوار داخلي لم يكن ظاهراً في المرحلة الأولى.
أما المرحلة الثالثة فأهم ما هناك هو الرمز. ويعود ذلك في رأيي إلى عمق الرؤيا - وعمق الرؤيا يفرض على الشاعر أن يرتكز على الرمز. الرمز أصبح بارزاً بينما خفت الوجدانية وغطيت بالرمز والصورة والموضوع. تلاشت الفوضوية وأصبحت القصيدة أكثر واقعية ونضجاً ووعياً.
من الظاهر أن بدر يرى أن الإنسان خير - ولذلك، مثلاً، يعود في قصائده إلى الطفولة (في جيكور) - ويخاف من الموت.
أما موقف بدر فهو موقف بعث شعبه، ولكنه في عودته إلى الطفولة خرج من الجو الحضاري وأطل على الجو الميتافيزيقي الأرحب.

ثلاثة أشياء
يوسف الخال: أريد أن أبرز ثلاثة أشياء: أولاً، ما الذي يفسر نزعة بدر الوطنية الشعبية القوية - المحبة والالتصاق القويين بالشعب. ثانياً ما الذي يفسر كونه شاعراً تموزياً يؤمن بالبعث. والنقطة الثالثة: هل التبدل الذي حدث في المرحلة الثالثة هو الذي فتح المجال الميتافيزيقي كي يقفز الشاعر قفزة جديدة؟ لقد فتح طاقة جديدة بعد موقفه التموزي.
هاني أبي صالح: ألاحظ أن في نفسية بدر شيئين. هناك أزمة، أولاً. وثانياً هناك تفاؤلية جماعية. ولكن التفاؤلية غير مطلقة، فهي مبنية على مرحلة تاريخية. فشعره محصور في هذين الجوين. الرمز عنده - نوعاً ما - عرضي. لا يستخدم الرمز كأسلوب أدبي لتورية الموضوع وإخراجه عن المباشرية.
يوسف الخال: تقصد أن بدر لا يكتب الشعر تحت تأثير الفن؟
هاني أبي صالح: عندما يكون في جوه الوجداني الرومنطيقي يكتب تحت تأثير الفن. وعندما يستعمل الرمز لا يصل به إلى غناه الجمالي - أن الجمالية غير مكثفة كما هي عند الشعراء الغربيين الحديثين ثم إن المعنى الحضاري في قصائده لم يتخذ بكل وسعه الحضاري. التفاؤلية سابقة عند الشاعر لاتخاذه الرمز، التفاؤلية الجماعية تأتي قبل الرمز في الأهمية.
فسأله فؤاد رفقة عند ذاك: ولماذا اتخذ الرمز؟ فأجابه أبي صالح أن السبب هو إعجاب الشاعر بأسطورة أدونيس وعشتروت والوحي الذي يمثله تموز، أما مشاعر السياب العميقة أمام هذه الرموز فلم تهتز حقاً. لقد استعار الرمز لا لشيء إلا لصلته بالنهضة الاجتماعية أو الحالة الاجتماعية.
وتشعب الكلام حول الرمز الأسطوري، فقال أنسي الحاج: إنني أرغب في أن يجيبني أحد عن هذا السؤال: الرمز التاريخي غير جديد فهو مستعمل في الشعر الكلاسيكي القديم. فما الفرق بين الرمز التاريخي في شعر بدر شاكر السياب والرمز التاريخي في الشعر الكلاسيكي والتقليدي؟.
وبعد أن أوضح يوسف الخال السؤال وتوسع فيه، قال إلياس مسوح: لقد استخدم بدر الرمز كنوع من العقيدة وهو يضع نفسه موضع الأبطال الأسطوريين ليكون طليعة لشيء أفضل. الرمز لصيق به، يجده في أمثال العراقيين وحياتهم، ولا أعتقد أنه يتناوله كموضوع عابر.
وقالت خالدة سعيد: هناك فرق بين الرمز الجزئي والرمز الذي يستوعب الموضوع بجمله. فرد أبي صالح بأن هذا الفرق عرضي في شعر السياب، واستطردت خالدة سعيد: أنا أرى غير ذلك. لنتساءل هل يعيش بدر في الأسطورة؟ المسيح وتموز شيء واحد في شعره. فالمهم عنده، إذن، الإيماء الأسطوري المرتبط بحياته. الكلاسيكيون أخذوا الأسطورة كموضوع مستقل عن حياتهم، أما الشعراء المحدثون، وبدر منهم، فالأسطورة عندهم رؤيا. أي أن موقف بدر قد اتخذ شكل هذه الأسطورة وأضحت مرتبطة بموقفه الحياتي.
يوسف الخال: بالنسبة للفرق بين استعمال الكلاسيكي للأسطورة واستعمال الشاعر الحديث لها أقول، كما قالت خالدة، إن الكلاسيكيين أخذوا الأسطورة كموضوع. أما الشاعر الحديث فيستعمل الأسطورة لأنه يعتقد أن الرؤيا - رؤيا عالم آخر - تساعده على خلق عالم آخر. هذا يأتي عن طريق اللاوعي واللامعقول. ولكي يصل إلى غايته أخذ يرجع إلى الأفكار الطفولية عنده. الطفولة مهمة لأنها خالية من العقل. كذلك الأسطورة خالية من العقل. إنها أحلام الأقدمين. لقد كان الأقدمون يرون الأسطورة شيئاً واقعياً، والعالم الأسطوري القديم قد خلق الأسطورة بلا وعي. الشاعر الحديث يهتم بكل ما يأتي من اللاوعي.
لور غريب: لكن فيكتور هوغو، وهو شاعر غير حديث، قد نجح في استعمال الأسطورة أيضاً.
تفاؤلي أم لا؟
عصام محفوظ: الأسطورة هي نتيجة لخوف الإنسان القديم وهربه من المسؤولية. التجأ الإنسان القديم إلى الأسطورة بطفولة. الأسطورة في شعرنا الحديث هي كردة فعل للفوضى المادية، والأسطورة عند بدر تضع حدوداً نهائية للقصيدة. حدودها معروفة وتقلل في الشاعر تلك الخطوة نحو الميتافيزيقية.
أنسي الحاج: هل تعتقدون أن الأسطورة عند بدر تنحو منحى تفاؤلياً؟
خالدة سعيد: بالعكس. أنه يؤلف في الأسطورة التناقضات الموجودة في الحياة.
فؤاد رفقة: لا أوافق. فهو ينهي إحدى قصائده بقوله «إن موتي انتصار» إنه تفاؤلي إيجابي.
خالدة سعيد: يجب أن ننظر إليه كشاعر إيجابي كان حزيناً، من جهة، ومن جهة ثانية كشاعر طفل في نفسه من القلق ما يجعله يستخدم الأسطورة للتوفيق بين المتناقضين.
لور غريب: الأسطورة عنده هرب والمأساة أقوى من التفاؤل.
أنسي الحاج: إنه متفائل. المحور الأساسي لشعره هو البعث. مجرد التسليم بالموت والبعث يعني أنه متفائل.
خالدة سعيد: عنده ازدواجية، وهو يحاول التوفيق بين جانبي شخصيته. التشاؤمية عنده ليست عدمية. لكن عنده إحساس مر بالحياة.
أنسي الحاج: لنتساءل هل هو مؤمن أو يائس؟ عوض أن نتساءل هل هو متشائم أو متفائل. وفي رأيي أنه مؤمن واستخدامه الأسطورة يرتدي هذا الإيمان.
خالدة سعيد: إنني لا أنظر إلى الموضوع من هذه الزاوية.
هاني أبي صالح: لبدر شخصيتان. شخصية الطفل، وشخصية الذي يحس بالأزمة. وشعره صياغة على مستوى ذهني لإظهار موقفه الحضاري وتفاؤله الاجتماعي.
خالدة سعيد: لديه نوع من الفرح ولذة في تلبس شخصية الشهيد. يفرح أن يموت ليس فقط لأنه يريد الانتصار.
بين النجاح والإخفاق
عصام محفوظ: الأسطورة محتوى. وقد التجأ بدر إلى محتوى أسطورة تموز، فهل نجح أم فشل؟
يوسف الخال: استخدام الأسطورة لا يجعل الشاعر كبيراً أو صغيراً. المهم هو كيفية تناول الأسطورة. فهل نجح بدر في استخدام الأسطورة؟
عصام محفوظ: بدر جدد تجاوز العقلية العربية القديمة المادية. تجاوز الحدود المادية إلى جو ميتافيزيقي. الموضوع عنده يضغط على العبارة والكلمات.

كامو والسياب
يوسف الخال: ما هو تأثير كامو على بدر؟ ما هو تأثير المرأة في شعر بدر؟ ما مدى وجود الكلية في شعر بدر؟ هذه أسئلة أحب طرحها ويجب طرحها لاستكمال فهم شعر السياب.
أنسي الحاج: يلتقي مع كامو في اشتراكية الكفاح والتعاضد الإنساني والثورة من أجل الخير، ولكنه لا يلتقي معه في العبث.
يوسف الخال: والمرأة؟
فؤاد رفقة: ليس للمرأة تأثير مباشر على شعره.
خالدة سعيد: لقد هرب من عالم المرأة، أو أنه بالأحرى، مطرود من عالم المرأة.
يوسف الخال: المرأة في شعر بدر غير ظاهرة بقوة وكذلك الغزل. ولكن المرأة ظاهرة، في حسية الصور الشعرية حتى عندما يكتب بدر عن النضال الثوري.
خالدة سعيد: هذه دراسة فرويدية.
يوسف الخال: طبعاً. ولكن المرأة ظاهرة بطريقة غير مباشرة وتقمصه في أشياء أخرى.
والآن، إلى أي حد شعره كلي؟… أي كم فيه من الشمول؟
فؤاد رفقة: أعتقد أنه ركز نفسه اجتماعياً تركيزاً تاماً.
خالدة سعيد: أتصور أن في شعر بدر بعض الشمولية. ولكنه مر في نكسة بعد 1956.
هاني أبي صالح: لا أعتقد أن له حظاً من الشمول الكوني.
* «خميس مجلة شعر» يناقش «أنشودة المطر». النهار 28: 7722
(5 شباط 1961) ص 10؛ 11

أنسي الحاج: النكسة التي تحدثت عنها خالدة ما سببها؟ هل هي لأنه استنفد تجربته؟
يوسف الخال: أن بدر نفسه يحس بذلك وقد حدثني عن رغبته في تغيير أجوائه وتجربته.
مكانة بدر
أنسي الحاج: هناك سؤال أيضاً أحب طرحه. هل استنفد بدر الأساطير التي استعملها؟
فؤاد رفقة: طبعاً. أصبح له هوس بالأسطورة إلى حد زائد.
خالدة سعيد: بلغ ذروة استخدامه للأسطورة في «رسالة من مقبرة». و«النهر والموت».
أنسي الحاج: وما مركز شعر بدر بالنسبة للشعر الحديث؟
خالدة سعيد: سنة 1956 كان بدر في طليعة الشعراء العرب. أما بعد ذلك فلم يعد كذلك.
فؤاد رفقه: أعتقد أنه ما زال طليعياً.
لور غريب: الشعر الحديث لم يعد يرتكز على بدر السياب كما كان من قبل.
إلياس مسوح: كان حتى 1956 أسطع الشعراء المحدثين أما بعد ذلك فأصبح بين عدة نجوم ساطعة.
عصام محفوظ: أعتبره حلقة وصل بين الشعر القديم والشعر الحديث.
هاني أبي صالح: إن بدر السياب لهو من الشعراء الملتزمين من ضحايا الموضوع، لكنه يمتاز عنهم بالنبرة الخاصة.
سبب التوقف
وقال يوسف الخال: هناك حقيقة في كل ما قيل في هذا الموضوع، غير أن التوقف الذي توقفه بدر شاكر السياب منذ 1957 سببه الظروف المحيطة به، وهو توقف لا يدل على عجز ولا على استنفاد، بل على حالة طبيعة. المهم هو أن بدر، كما يظهر في «أنشودة المطر»، مهيأ لانطلاقة جديدة يفيد منها الشعر العربي.



روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».

 


بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية
TT

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة» و«المذهلة»، فيما اعتبرت الناقدة أليس ووكر أنها «صادقة ومؤثرة وشجاعة بشكل غاية في الجمال حيث لغز رابطة الأم والابنة بطرق لم نعرفها من قبل».

وأجمعت مراجعات عديدة أننا أمام نص أشبه بعلبة أحجية صينية معقدة وغامضة ومترابطة بطريقة تكاد تكون أسطورية في بنيتها مثل حكايات شهرزاد الساحرة لكنها أيضاً واقعية للغاية. تروي الرواية، التي ترجمتها إيناس التركي، كيف أنه في عام 1949 اجتمعت أربع نساء صينيات هاجرن حديثاً إلى سان فرانسيسكو لممارسة لعبة «الماه جونغ» واسترجاع ذكريات الماضي وتبادل الأحاديث والثرثرة حتى وقت متأخر من الليل وقد جمعتهن خسارات لا توصف وأمل جديد فأطلقن على أنفسهن اسم «نادي بهجة الحظ».

تستعرض المؤلفة بذكاء وحساسية تلك الذكريات الموجعة والرقيقة في أحيان أخرى، التي تكشف عن قوة هؤلاء النسوة وهموهن وعزيمتهن، وهي أمور تراها بناتهن المولودات في أميركا غير ذات صلة بحياتهن، كما تستعيد البنات بدورهن لحظات محورية من ماضيهن ويعتقدن أن توقعات أمهاتهن أعاقت قدرتهن على مواجهة غموض المستقبل.

تبدو بنية الرواية السردية وأجواؤها العامة بالفعل ذات طابع مؤثر وحميم حيث نرى من خلال الحبكة الدرامية كيف يمكن أن يؤدي ميراث الألم والأسرار غير المعلنة إلى سوء الفهم، وكيف تكون المحبة قادرة على محو الضرر وتحقيق المصالحة على الرغم من كل شيء، وهو ما يفسر ترجمة الرواية إلى أكثر من 35 لغة، ولماذا باعت عدة ملايين من النسخ وتحولت إلى فيلم سينمائي ناجح.

من أجواء الرواية نقرأ:

«أسست والدتي النسخة الخاصة بسان فرانسسيكو من نادي بهجة الحظ علم 1949 قبل عامين من ولادتي، كان هذا هو العام الذي غادرت فيه أمي وأبي الصين ومعهما صندوق جلدي صلب واحد ممتلئ فقط بالفساتين الحريرية الفاخرة. أوضحت أمي لأبي بعد صعودهما على متن القارب أنه لم يكن هناك وقت لحزم أي شيء آخر ومع ذلك تحركت يداه على نحو محموم بين الحرير الزلق بحثاً عن قمصانه القطنية وسراويله الصوفية.

عندما وصلا إلى سان فرانسيسكو جعلها والدي تخفي تلك الملابس اللامعة وظلت ترتدي نفس الفستان الصيني، بني اللون، المنقوش بالمربعات حتى منحتها جمعية الترحيب باللاجئين فستانين مستعملين كلاهما أكبر بكثير من مقاسات النساء الأميركيات. تألفت الجمعية من مجموعة من السيدات المبشرات الأميركيات ذوات الشعر الأشيب من الكنيسة المعمدانية الصينية الأولى وبسبب هداياهن لم يستطع والدايّ تجاهل نصيحة السيدات المسنات العملية لتحسين لغتهما الإنجليزية من خلال دروس مساء أيام الأربعاء ولاحقاً من خلال تدريب صباح أيام السبت.

هكذا التقى والداي بآل شو وآل جونغ وآل سانت كلير، شعرت أمي بأن نساء هذه العائلات كانت لديهن أيضاً مآس لا توصف تركنها وراءهن في الصين وآمال لم يتمكن من التعبير عنها بلغتهن الانجليزية الضعيفة أو على الأقل لاحظت أمي التبلد في وجوه هؤلاء النساء ورأت كيف تحركت أعينهن بسرعة عندما أخبرتهن بفكرتها عن نادي بهجة الحظ.

كان النادي فكرة تذكرتها أمي من أيام زيجتها الأولى قبل مجيء اليابانيين، لهذا السبب أفكر في نادي بهجة الحظ بوصفه قصتها في الصين كانت ترويها لي دائماً عندما تشعر بالملل وعندما لا يكون هناك ما يمكن فعله بعد غسل كل الأطباق ومسح الطاولة ذات السطح الفورميكا مرتين وعندما يجلس أبي ليقرأ الصحيفة ويدخن سجائره واحدة تلو الأخرى مطالباً بعدم إزعاجه».


رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»