جاك أماتييس السالسي يوثّق كواليس شعراء «قصيدة النثر»

محاضر جلسات «خميس مجلة شعر» في كتاب يصدر غداً

من اليسار في الصف الأمامي: شوقي أبي شقرا ومحمد الماغوط ويوسف الخال وفؤاد رفقة وأدونيس ولورا غريب وخالدة سعيد... وفي الصف الخلفي: جورج صيدح ونازك الملائكة وبدوي الجبل وسلمى خضراء الجيوسي وقد جمعتهم إحدى جلسات {خميس مجلة شعر} في يناير 1960
من اليسار في الصف الأمامي: شوقي أبي شقرا ومحمد الماغوط ويوسف الخال وفؤاد رفقة وأدونيس ولورا غريب وخالدة سعيد... وفي الصف الخلفي: جورج صيدح ونازك الملائكة وبدوي الجبل وسلمى خضراء الجيوسي وقد جمعتهم إحدى جلسات {خميس مجلة شعر} في يناير 1960
TT

جاك أماتييس السالسي يوثّق كواليس شعراء «قصيدة النثر»

من اليسار في الصف الأمامي: شوقي أبي شقرا ومحمد الماغوط ويوسف الخال وفؤاد رفقة وأدونيس ولورا غريب وخالدة سعيد... وفي الصف الخلفي: جورج صيدح ونازك الملائكة وبدوي الجبل وسلمى خضراء الجيوسي وقد جمعتهم إحدى جلسات {خميس مجلة شعر} في يناير 1960
من اليسار في الصف الأمامي: شوقي أبي شقرا ومحمد الماغوط ويوسف الخال وفؤاد رفقة وأدونيس ولورا غريب وخالدة سعيد... وفي الصف الخلفي: جورج صيدح ونازك الملائكة وبدوي الجبل وسلمى خضراء الجيوسي وقد جمعتهم إحدى جلسات {خميس مجلة شعر} في يناير 1960

قد تكون المرة الأولى التي ينتقل فيها الكلام حول ولادة قصيدة النثر، وتحولات الشعر العربي الحديث، من طور الجدل الشفاهي وتراشق الادعاءات، إلى التوثيق، من خلال كتاب جمع، عشرات من محاضر جلسات، «خميس مجلة شعر»، التي ناقش خلالها كبار أدباء العرب في تلك المرحلة، دواوين ستصبح في كثير منها، من بين الأشهر والأهم في القرن العشرين.
تمكن الأب جاك أماتييس السالسي، بفضل إحاطته بتلك المرحلة، وعميق معرفته بيوسف الخال، أن يضيف إلى المحاضر التي تغطي الفترة من 1957 إلى 1964 دراسات وصوراً وتحاليل وفهارس، تزود القارئ برؤية واضحة عن الجو الأدبي في خمسينات وستينات القرن الماضي، من خلال أدباء المرحلة أنفسهم.
سيصدر الكتاب في أكثر من 500 صفحة عن «دار نلسن» في بيروت، تحت عنوان «خميس مجلة شعر»، ويتكون من أربعة أقسام، تحتل المحاضر نحو نصف الكتاب. يكتشف القارئ، كم كانت النقاشات جادة، والأحكام مدروسة، والمتابعة الأدبية حثيثة، كل يدلي بدلوه، وكأنه يصنع التاريخ. فالجلسات الأسبوعية كانت إضافة إلى جماعة «مجلة شعر»، تستضيف أدباء لبنانيين وعرباً، من بينهم سلمى الخضراء الجيوسي، وفدوى طوقان، وبدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، ونذير العظمة، وكثر آخرون.
بدأت «ندوة الخميس» كملتقى شعراء جاءوا لإلقاء قصائدهم والإصغاء إلى نقدها، ناقشوا مفهوم الشعر، وأساليب التعبير واللغة وصورة الشاعر في التراث. طرح يوسف الخال المفهوم الجديد للشعر الذي يتمثل في التعبير عن تجربة صادقة ترتفع فوق الزمان والمكان وتعكس شمولية التجربة الإنسانية. كذلك برز مفهوم جديد للقصيدة حيث أصبحت خلقاً يتحد فيها المبنى والمعنى في وحدة عضوية، كما ظهرت صورة جديدة للشاعر الحديث الذي تسربل برداء الفيلسوف والنبي.
في المرحلة الثانية، وابتداء من 3 أبريل (نيسان) 1958. اقتصرت الندوة على المشتغلين في الشعر وبعض الزوار، وصار المحور هو نقد المجموعات الشعرية الصادرة عن دار «مجلة شعر».
المحاضر في الكتاب، تقرأ بمتعة كبيرة، لأنها تعكس حيوية الحوارات التي كانت تدور في تلك الجلسات، وشكلت مطبخ المجلة الفعلي، وورشات عمل على مدار السنة، حيث نكتشف، كيف كان يتخاطب شعراؤنا الكبار، وحول ما يختلفون، أو يتفقون.
الندوة كرست العديد من اجتماعاتها في ربيع عام 1960 لقراءة قصائد لأنسي الحاج، وهي التي كانت الشرارة التي أثارت موضوع قصيدة النثر. ثم بعد ذلك قدّم أدونيس دراسته عن قصيدة النثر وقرأها على الحضور في أبريل 1960. لكن شوقي أبي شقرا كان قد نشر في فبراير (شباط) من السنة نفسها، أربع قصائد، ونوقشت في ندوة الخميس، ولم يخلص المجتمعون إلى نتيجة بشأنها. لكن أبي شقرا كان قد نشر منذ أبريل 1959. نموذجاً شعرياً آخر، تحت عنوان «رب البيت الصغير» وصفه هو بأنه «قصيدة نثر» كمصطلح فني للتعريف بنصه. وفي ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه، كتب مقالة عن ألويزيوس برتران (1841 - 1907) أبي قصيدة النثر، مظهراً اهتماماً خاصاً بهذا النوع الأدبي.
لذلك تاريخياً يمكن قول التالي: إن أنسي الحاج كان أول من أثارت قصائده موضوع قصيدة النثر في «ندوة الخميس»، وأبي شقرا هو أول من نشر محاولة وصفها بقصيدة نثر، وأدونيس كتب أول دراسة حول هذه القصائد.
لكن خالدة سعيد، في رسالة منشورة في الكتاب تقول التالي: «بدايات الشعر نثراً كانت قد حضرت قبل ذلك. كما أن المحاولات والإرهاصات والبوادر في اتجاه التجديد شكلاً ومضموناً كانت قد انطلقت منذ مطالع القرن العشرين في سوريا مع مجلة لم تعمر طويلاً هي (القيثارة)». وتكمل خالدة سعيد أن هذه المجلة «نشرت لسورياليين عرب، كما نشر فيها أدونيس في بداياته، يوم كان طالب ثانوية».
وبالطبع كان ثمة محاولات عربية لكتابة قصيدة النثر في العراق وفلسطين وأماكن أخرى، لكن «مجلة شعر» تعتبرها إحدى إنجازاتها، لما هيأت لها من جو ودفع، واعتراف بكينونتها، في خضم معركتها من أجل «قیام شعر طلیعي تجریبي».
ومما تتحدث عنه الناقدة خالدة سعيد هو أن عوامل ودوافع التجديد، والرغبة في الابتكار والتحديث الذي اعتبرته «مجلة شعر» على رأس أولوياتها كانت أسبابه عديدة، ولا تنكر تأثير أنطون سعادة وكتابه «الصراع الفكري في الأدب السوري» لكنها قالت أيضاً: «كانت هناك في الجو رياح تجديد، قادمة من مواقع مختلفة، لا أستطيع الآن أن أستحضرها جميعاً». وتعطي الناقدة أمثلة السوريالية الفرنسية والسورياليات العربية، بالأخص في سوريا ومصر.
ويعتبر مؤلف الكتاب، الأب جاك أماتييس السالسي أن «حركة مجلة شعر» وندوة خميسها، حاملة راية الثورة والتمرد والرفض أمام جمود التراث العربي، قامت بتأسيس ورعاية يوسف الخال وقيادته. وكتابان يقفان في الخلفية الفكرية لهذا الشاعر، هما: «المقدمة» لشارل مالك و«الصراع الفكري في الأدب السوري» لأنطون سعادة. وفي رأيه أن شخصية الخال حملت ملامح من فكر مالك وسعادة. استمد من الأول معاني الحرية، أهمية العقل الباحث عن الحقيقة، وفكرة وحدة الحضارة الإنسانية. واستلهم من الثاني مفهوم التجديد والنظرة الجديدة إلى «الكون والحياة والفن» لإحداث نهضة حضارية وتأسيس عقلية حديثة.
ويخصص الكتاب صفحات لما لم تتطرق إليه محاضر جلسات «خميس شعر»، ومنه الخلاف مع «مجلة الآداب» حينها. وأمر آخر أكثر طرافة، هو أن «جريدة النهار» كانت قد خصصت في تلك الفترة، مسابقة لقصيدة النثر، بعد أن تفاعل الموضوع ثقافياً، وفاز بها محمد الماغوط في 20 سبتمبر (أيلول) 1960. ومن المستغرب ألا يرد في المحاضر أي ذكر لهذا الأمر، رغم أنه في صميم اهتمام أصحاب الندوة.
جمع المؤلف هذه المحاضر المهمة التي لا يمكن معرفة ما كان يدور في كواليس مجلة شعر من دونها، من جريدتي «النهار» و«الجريدة» وما نشرته مجلة «شعر» من نشاطات الندوة في باب «قضايا وأخبار». وكذلك اعتمد الكتاب على صفحة النهار الثقافية بين عامي 1957و1964؛ ثم «خواطر» يوسف الخال وأدونيس التي هي بنفس أهمية المحاضر بما نقلته من معلومات عن مناقشات «الخميس» ومعاني الحداثة والقضايا الشعرية.
واذ يصف المؤلف ظاهرة «مجلة شعر» وخميسها بأنها «إنسانية - حضارية ثقافية - أدبية»، يشرح أنها تأسست في سياق ولادة تجمعات أخرى شهدها القرن العشرون، تشكلت بسبب المآسي الاستثنائية التي عاشتها البشرية. حربان عالميتان، الثورة البولشيفية، الارتجاجات المفصلية التي تعرضت لها المنطقة العربية، التيارات الغربية التي بدأت تتسرب إلى الفكر العربي. خلال هذه الفترة نشأت تجمعات، منها «الرابطة القلمية» عام 1920 في أميركا الشمالية، «العصبة الأندلسية» في أميركا الجنوبية عام (1932 - 1960)، «جماعة أو مدرسة الديوان» عام 1921. وفي مصر أيضاً أنشأ أحمد زكي أبي شادي «جماعة أبوللو» وأصدر «مجلة أبوللو» عام 1932...
أما في لبنان فأنشأ ميشال أسمر «الندوة اللبنانية» عام 1946 لتكون منبراً لـ«قوة المفكرين» تاريخاً وثقافة. وعام 1956 ألّف شبان طليعيون، أكثرهم من مدرسة الحكمة، «حلقة الثريا»، التي رسمت طريقاً لمستقبل الأدب والشعر والسياسة الوطنية.
وعام 1957 أسس يوسف الخال في لبنان «حركة مجلة شعر» وندوتها الأسبوعية «خميس مجلة شعر»، التي احتضنت الحركة الشعرية الجديدة الناشئة في العالم العربي واتخذها حافزاً لمبادرة ثقافية جريئة مغامرة.
انتهت جلسات «خميس مجلة شعر»، منذ أكثر من نصف قرن، لكن القضايا التي طرحتها لا تزال موضع اهتمام المثقفين والباحثين، لأنها تضرب بجذورها عميقاً، ولا تزال تستحق الدراسة والبحث.
يصف يوسف الخال نشاط «حركة مجلة شعر» و«ندوة الخميس»، قائلاً: «نحن مفترق الطريق. لا للشعر فقط، بل فيما ننتمي إليه أيضاً. بعدنا لن يكون وجه الأشياء كذي قبل. فالكارثة نحن: طوفاناً كنا أم ولادة... نحن في لبنان والعرب، شرارة الحريق الأولى».
خلاصة لمناقشات خميس مجلة شعر لديوان السياب «أنشودة المطر» *
استهل فؤاد رفقة الكلام بقوله: «انطباعي عن إنتاج بدر شاعر يتطور وقد مر في ثلاث مراحل: تقليدية، وتطورية، ونضج. هناك عناصر مشتركة في المراحل الثلاث. ورأيت أن نتناوله من أربع زوايا: الصورة، والأسطورة، والأسلوب، والنفس الشعري… في المرحلة التقليدية هناك صور ولكن يطغى عليها هدير قوي، فهي صورة خلفية كما أنه ليس هناك رمز أو قضية كبرى. أما أسلوبه في المرحلة الأولى فمرتبط بالقديم - أنه خال من الحرارة والدم. أنه أقرب إلى الوجدانية أو الرومنطيقية.
يوسف الخال: ألا تعتقد أنه في هذه المرحلة الأولى متأثر بأبو شبكة؟
فؤاد رفقة: أعتقد ذلك… في المرحلة الثانية بقي الرمز متخفياً وعابراً. إنما هنا يدخل شيئان جديدان. أنه يكسر الشكل، العمود الشعري يتكسر. أما الشيء الثاني فهو أن اللفظة تصبح حية. هناك أيضاً حوار داخلي لم يكن ظاهراً في المرحلة الأولى.
أما المرحلة الثالثة فأهم ما هناك هو الرمز. ويعود ذلك في رأيي إلى عمق الرؤيا - وعمق الرؤيا يفرض على الشاعر أن يرتكز على الرمز. الرمز أصبح بارزاً بينما خفت الوجدانية وغطيت بالرمز والصورة والموضوع. تلاشت الفوضوية وأصبحت القصيدة أكثر واقعية ونضجاً ووعياً.
من الظاهر أن بدر يرى أن الإنسان خير - ولذلك، مثلاً، يعود في قصائده إلى الطفولة (في جيكور) - ويخاف من الموت.
أما موقف بدر فهو موقف بعث شعبه، ولكنه في عودته إلى الطفولة خرج من الجو الحضاري وأطل على الجو الميتافيزيقي الأرحب.

ثلاثة أشياء
يوسف الخال: أريد أن أبرز ثلاثة أشياء: أولاً، ما الذي يفسر نزعة بدر الوطنية الشعبية القوية - المحبة والالتصاق القويين بالشعب. ثانياً ما الذي يفسر كونه شاعراً تموزياً يؤمن بالبعث. والنقطة الثالثة: هل التبدل الذي حدث في المرحلة الثالثة هو الذي فتح المجال الميتافيزيقي كي يقفز الشاعر قفزة جديدة؟ لقد فتح طاقة جديدة بعد موقفه التموزي.
هاني أبي صالح: ألاحظ أن في نفسية بدر شيئين. هناك أزمة، أولاً. وثانياً هناك تفاؤلية جماعية. ولكن التفاؤلية غير مطلقة، فهي مبنية على مرحلة تاريخية. فشعره محصور في هذين الجوين. الرمز عنده - نوعاً ما - عرضي. لا يستخدم الرمز كأسلوب أدبي لتورية الموضوع وإخراجه عن المباشرية.
يوسف الخال: تقصد أن بدر لا يكتب الشعر تحت تأثير الفن؟
هاني أبي صالح: عندما يكون في جوه الوجداني الرومنطيقي يكتب تحت تأثير الفن. وعندما يستعمل الرمز لا يصل به إلى غناه الجمالي - أن الجمالية غير مكثفة كما هي عند الشعراء الغربيين الحديثين ثم إن المعنى الحضاري في قصائده لم يتخذ بكل وسعه الحضاري. التفاؤلية سابقة عند الشاعر لاتخاذه الرمز، التفاؤلية الجماعية تأتي قبل الرمز في الأهمية.
فسأله فؤاد رفقة عند ذاك: ولماذا اتخذ الرمز؟ فأجابه أبي صالح أن السبب هو إعجاب الشاعر بأسطورة أدونيس وعشتروت والوحي الذي يمثله تموز، أما مشاعر السياب العميقة أمام هذه الرموز فلم تهتز حقاً. لقد استعار الرمز لا لشيء إلا لصلته بالنهضة الاجتماعية أو الحالة الاجتماعية.
وتشعب الكلام حول الرمز الأسطوري، فقال أنسي الحاج: إنني أرغب في أن يجيبني أحد عن هذا السؤال: الرمز التاريخي غير جديد فهو مستعمل في الشعر الكلاسيكي القديم. فما الفرق بين الرمز التاريخي في شعر بدر شاكر السياب والرمز التاريخي في الشعر الكلاسيكي والتقليدي؟.
وبعد أن أوضح يوسف الخال السؤال وتوسع فيه، قال إلياس مسوح: لقد استخدم بدر الرمز كنوع من العقيدة وهو يضع نفسه موضع الأبطال الأسطوريين ليكون طليعة لشيء أفضل. الرمز لصيق به، يجده في أمثال العراقيين وحياتهم، ولا أعتقد أنه يتناوله كموضوع عابر.
وقالت خالدة سعيد: هناك فرق بين الرمز الجزئي والرمز الذي يستوعب الموضوع بجمله. فرد أبي صالح بأن هذا الفرق عرضي في شعر السياب، واستطردت خالدة سعيد: أنا أرى غير ذلك. لنتساءل هل يعيش بدر في الأسطورة؟ المسيح وتموز شيء واحد في شعره. فالمهم عنده، إذن، الإيماء الأسطوري المرتبط بحياته. الكلاسيكيون أخذوا الأسطورة كموضوع مستقل عن حياتهم، أما الشعراء المحدثون، وبدر منهم، فالأسطورة عندهم رؤيا. أي أن موقف بدر قد اتخذ شكل هذه الأسطورة وأضحت مرتبطة بموقفه الحياتي.
يوسف الخال: بالنسبة للفرق بين استعمال الكلاسيكي للأسطورة واستعمال الشاعر الحديث لها أقول، كما قالت خالدة، إن الكلاسيكيين أخذوا الأسطورة كموضوع. أما الشاعر الحديث فيستعمل الأسطورة لأنه يعتقد أن الرؤيا - رؤيا عالم آخر - تساعده على خلق عالم آخر. هذا يأتي عن طريق اللاوعي واللامعقول. ولكي يصل إلى غايته أخذ يرجع إلى الأفكار الطفولية عنده. الطفولة مهمة لأنها خالية من العقل. كذلك الأسطورة خالية من العقل. إنها أحلام الأقدمين. لقد كان الأقدمون يرون الأسطورة شيئاً واقعياً، والعالم الأسطوري القديم قد خلق الأسطورة بلا وعي. الشاعر الحديث يهتم بكل ما يأتي من اللاوعي.
لور غريب: لكن فيكتور هوغو، وهو شاعر غير حديث، قد نجح في استعمال الأسطورة أيضاً.
تفاؤلي أم لا؟
عصام محفوظ: الأسطورة هي نتيجة لخوف الإنسان القديم وهربه من المسؤولية. التجأ الإنسان القديم إلى الأسطورة بطفولة. الأسطورة في شعرنا الحديث هي كردة فعل للفوضى المادية، والأسطورة عند بدر تضع حدوداً نهائية للقصيدة. حدودها معروفة وتقلل في الشاعر تلك الخطوة نحو الميتافيزيقية.
أنسي الحاج: هل تعتقدون أن الأسطورة عند بدر تنحو منحى تفاؤلياً؟
خالدة سعيد: بالعكس. أنه يؤلف في الأسطورة التناقضات الموجودة في الحياة.
فؤاد رفقة: لا أوافق. فهو ينهي إحدى قصائده بقوله «إن موتي انتصار» إنه تفاؤلي إيجابي.
خالدة سعيد: يجب أن ننظر إليه كشاعر إيجابي كان حزيناً، من جهة، ومن جهة ثانية كشاعر طفل في نفسه من القلق ما يجعله يستخدم الأسطورة للتوفيق بين المتناقضين.
لور غريب: الأسطورة عنده هرب والمأساة أقوى من التفاؤل.
أنسي الحاج: إنه متفائل. المحور الأساسي لشعره هو البعث. مجرد التسليم بالموت والبعث يعني أنه متفائل.
خالدة سعيد: عنده ازدواجية، وهو يحاول التوفيق بين جانبي شخصيته. التشاؤمية عنده ليست عدمية. لكن عنده إحساس مر بالحياة.
أنسي الحاج: لنتساءل هل هو مؤمن أو يائس؟ عوض أن نتساءل هل هو متشائم أو متفائل. وفي رأيي أنه مؤمن واستخدامه الأسطورة يرتدي هذا الإيمان.
خالدة سعيد: إنني لا أنظر إلى الموضوع من هذه الزاوية.
هاني أبي صالح: لبدر شخصيتان. شخصية الطفل، وشخصية الذي يحس بالأزمة. وشعره صياغة على مستوى ذهني لإظهار موقفه الحضاري وتفاؤله الاجتماعي.
خالدة سعيد: لديه نوع من الفرح ولذة في تلبس شخصية الشهيد. يفرح أن يموت ليس فقط لأنه يريد الانتصار.
بين النجاح والإخفاق
عصام محفوظ: الأسطورة محتوى. وقد التجأ بدر إلى محتوى أسطورة تموز، فهل نجح أم فشل؟
يوسف الخال: استخدام الأسطورة لا يجعل الشاعر كبيراً أو صغيراً. المهم هو كيفية تناول الأسطورة. فهل نجح بدر في استخدام الأسطورة؟
عصام محفوظ: بدر جدد تجاوز العقلية العربية القديمة المادية. تجاوز الحدود المادية إلى جو ميتافيزيقي. الموضوع عنده يضغط على العبارة والكلمات.

كامو والسياب
يوسف الخال: ما هو تأثير كامو على بدر؟ ما هو تأثير المرأة في شعر بدر؟ ما مدى وجود الكلية في شعر بدر؟ هذه أسئلة أحب طرحها ويجب طرحها لاستكمال فهم شعر السياب.
أنسي الحاج: يلتقي مع كامو في اشتراكية الكفاح والتعاضد الإنساني والثورة من أجل الخير، ولكنه لا يلتقي معه في العبث.
يوسف الخال: والمرأة؟
فؤاد رفقة: ليس للمرأة تأثير مباشر على شعره.
خالدة سعيد: لقد هرب من عالم المرأة، أو أنه بالأحرى، مطرود من عالم المرأة.
يوسف الخال: المرأة في شعر بدر غير ظاهرة بقوة وكذلك الغزل. ولكن المرأة ظاهرة، في حسية الصور الشعرية حتى عندما يكتب بدر عن النضال الثوري.
خالدة سعيد: هذه دراسة فرويدية.
يوسف الخال: طبعاً. ولكن المرأة ظاهرة بطريقة غير مباشرة وتقمصه في أشياء أخرى.
والآن، إلى أي حد شعره كلي؟… أي كم فيه من الشمول؟
فؤاد رفقة: أعتقد أنه ركز نفسه اجتماعياً تركيزاً تاماً.
خالدة سعيد: أتصور أن في شعر بدر بعض الشمولية. ولكنه مر في نكسة بعد 1956.
هاني أبي صالح: لا أعتقد أن له حظاً من الشمول الكوني.
* «خميس مجلة شعر» يناقش «أنشودة المطر». النهار 28: 7722
(5 شباط 1961) ص 10؛ 11

أنسي الحاج: النكسة التي تحدثت عنها خالدة ما سببها؟ هل هي لأنه استنفد تجربته؟
يوسف الخال: أن بدر نفسه يحس بذلك وقد حدثني عن رغبته في تغيير أجوائه وتجربته.
مكانة بدر
أنسي الحاج: هناك سؤال أيضاً أحب طرحه. هل استنفد بدر الأساطير التي استعملها؟
فؤاد رفقة: طبعاً. أصبح له هوس بالأسطورة إلى حد زائد.
خالدة سعيد: بلغ ذروة استخدامه للأسطورة في «رسالة من مقبرة». و«النهر والموت».
أنسي الحاج: وما مركز شعر بدر بالنسبة للشعر الحديث؟
خالدة سعيد: سنة 1956 كان بدر في طليعة الشعراء العرب. أما بعد ذلك فلم يعد كذلك.
فؤاد رفقه: أعتقد أنه ما زال طليعياً.
لور غريب: الشعر الحديث لم يعد يرتكز على بدر السياب كما كان من قبل.
إلياس مسوح: كان حتى 1956 أسطع الشعراء المحدثين أما بعد ذلك فأصبح بين عدة نجوم ساطعة.
عصام محفوظ: أعتبره حلقة وصل بين الشعر القديم والشعر الحديث.
هاني أبي صالح: إن بدر السياب لهو من الشعراء الملتزمين من ضحايا الموضوع، لكنه يمتاز عنهم بالنبرة الخاصة.
سبب التوقف
وقال يوسف الخال: هناك حقيقة في كل ما قيل في هذا الموضوع، غير أن التوقف الذي توقفه بدر شاكر السياب منذ 1957 سببه الظروف المحيطة به، وهو توقف لا يدل على عجز ولا على استنفاد، بل على حالة طبيعة. المهم هو أن بدر، كما يظهر في «أنشودة المطر»، مهيأ لانطلاقة جديدة يفيد منها الشعر العربي.



العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.