مهرجان القاهرة السينمائي يستعد لدورة جديدة طموحة

يحتاج إلى سينما تخرج من صناديقها

رئيسة مهرجان القاهرة الجديد ماجدة واصف، و من «يوم ما لوش لازمة»: نجاح آني
رئيسة مهرجان القاهرة الجديد ماجدة واصف، و من «يوم ما لوش لازمة»: نجاح آني
TT

مهرجان القاهرة السينمائي يستعد لدورة جديدة طموحة

رئيسة مهرجان القاهرة الجديد ماجدة واصف، و من «يوم ما لوش لازمة»: نجاح آني
رئيسة مهرجان القاهرة الجديد ماجدة واصف، و من «يوم ما لوش لازمة»: نجاح آني

صدر في الأسبوع الماضي قرار مثير للاهتمام عن مهرجان القاهرة السينمائي الذي ترأسه الناقدة ماجدة واصف. يقضي بتسمية الجائزتين الممنوحتين لأفضل ممثل ولأفضل ممثلة باسمي ممثلين معيّنين، كما هو الحال في بعض أهم المهرجانات الدولية. والممثلان المعنيان هما فاتن حمامة، التي سيُطلق على جائزة أفضل ممثلة اسمها، وجائزة أحمد زكي، الذي سيُمنح اسمه لجائزة أفضل ممثل.
القرار جيد بحد ذاته. كل من أحمد زكي وفاتن حمامة هما أكثر من ممثلين عبرا سماء السينما العربية والمصرية خصوصا. الأول كان نجما يمكن التمثّل به في موهبته واندفاعه لتشخيص الدور الذي يقوم به، والثانية أيقونة بين ممثلات السينما العربيات جميعا، وتاريخها الطويل في المهنة لا يجب أن يمر هكذا بعد رحيلها كما لو كان الرحيل هو مجرد إضافة لتراكمات الأمس كما هو الحال عادة مع الشخصيات الفنية الأخرى في العالم العربي بأسره.

* دول منتجة
* بدوره يحمل مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، الذي ستنعقد دورته الـ37 ما بين الحادي عشر والعشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) هذا العام، أسم «وزارة الثقافة»، أكثر وزارات الثقافة العربية والأفريقية نشاطا، كما بالنسبة لتعدد مناسباتها وأدوارها في المشهد الثقافي والاجتماعي المصري. هي تطبع كتبا وصحفا أدبية وثقافية وفنية، وتدير قصورا للثقافة تمتد عبر البلاد، كما تقيم مهرجانات ومعارض تشمل كل الفنون؛ من الرسم إلى الموسيقى والكتب، وفن الغرافيكس إلى الرقص المسرحي الحديث وفن الخزف وسواه.
السينما تأخذ حيّزا مهما من هذا البرنامج المتعدد؛ فالمهرجانات تقيم وترعى مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة، ومهرجان سينما الطفل الدولي، كما مهرجان القاهرة السينمائي الذي هو واجهة البلاد السينمائية.
كذلك كان يمكن له أن يكون واجهة المهرجانات العربية السينمائية. بكلمات أخرى، كان يمكن له أن يزاول دوره كأهم مهرجان سينمائي يُقام في العالم العربي. المشكلة ليست فيمن تولاه في العامين الأخيرين (الناقد سمير فريد والناقدة ماجدة واصف حاليا) فهما من أفضل ما يمكن الحصول عليه من خبرات وعقول في هذا المجال، بل في الوضع القائم خارج نطاقه وسيطرة المهرجان ذاته.
في أفضل مراحله، تلك التي شهدت رئاسة الراحل سعد الدين وهبة له في السبعينات وجزء من الثمانينات، كان حال السينما المصرية أفضل بكثير من حالتها هي. لم يكن ذلك فعلا «صدفيا» على الإطلاق. مهرجانات السينما الكبرى تنطلق في عواصم ومدن تقع ضمن حزام من الإنتاجات المحلية والمشتركة. هذا هو حال برلين وفينيسيا وكان وتورونتو وبوسان الكوري وسان سابستيان الإسباني ولندن والمهرجانات الأميركية الأولى مثل نيويورك وسان فرانسيسكو وترايبيكا وصندانس وبالم سبرينغز. كل هذه المدن تنتمي إلى دول منتجة ومنتجة بغزارة، مما يتيح لها أولا إفادة السينما المنتجة داخل كل منها، على جانب، وجذب الأفلام الرئيسة والمهمّـة من حول العالم إليها.
مهرجانا أبوظبي ودبي يكادان يكونان استثنائيين في هذا المجال. فبينما لا أحد ينكر «دوليّـتهما» وحجمهما الكبير وقدرتهما على الاستقطاب، إلا أنهما يقعان في محيط لا يزال، نسبيا، جديدا على إنتاج الأفلام والسوق التجارية فيه مرتهنة للموزعين الذين عادة لا يرحّبون بأي تغيير يُطلب منهم لتشجيع السينمات محلية كانت أو عربية أو حتى أفلام أجنبية، ما لم تكن أميركية (ونوعا محددا منها على أي حال).

* الوضع الراهن
* المقصود قوله هنا هو أن قوة مهرجان القاهرة كمن سابقا، وسيبقى دائما مناطا بقوّة السوق الإنتاجية المصرية. السبعينات كانت مثالية في نشاطها السينمائي: جيل يوسف شاهين وعاطف سالم وكمال الشيخ وصلاح أبو سيف وسعد عرفة كان لا يزال نشطا وجيل كمال حسين وأشرف فهمي ومحمد خان وعاطف الطيّب وسعيد مرزوق كان بدأ يستعد أو ينطلق.
الإنتاج السينمائي المصري كان يوحد الجمهور العربي في كل مكان بلا منازع. كان موازيا في حضوره للسينما الأميركية، وكان في رواجه متقدّما عليها في كثير من العواصم العربية.
التراجع، ولأسباب لا مجال لذكرها هنا، بدأ في النصف الثاني من الثمانينات وإن ليس بالكمّ أولا بل بالنوعية. على ذلك، بقيت السينما المصرية قادرة على النفاذ من حصار الوسائط التقنية الجديدة (آنذاك)، وفي مقدّمتها أشرطة الفيديو. في التسعينات، ومع مطلع هذا القرن، تراجع حضور الأفلام العربية في العواصم وإن لم يختفِ مطلقا، لا آنذاك ولا اليوم. هذا الحضور هو المنطلق الممكن لاستعادة زمام المبادرة فيما لو تم إيقاف التدهور الحاصل في نوعية الأفلام المنتجة ورسم خارطة لأهداف جديدة يمكن من خلالها تنشيط الصناعة السينمائية وحمايتها من المغامرات الإنتاجية السريعة.
الجانبان الرسمي، المتمثل بوزارة الثقافة، والخاص، المتمثل بشركات الإنتاج والتوزيع، يستطيعان معا رصد نقاط الضعف في الوضع الراهن للسينما المصرية ومعالجتها طالما (وهذا هو الشرط الصعب) أنهما قادران على الخروج من متاهة تكرار المناهج السابقة. بعض هذا الخروج عليه أن يتعرّف لا على الموانع فقط، بل على ما يجعل الصناعات السينمائية في بعض دول أوروبا نشطة وناجحة، رغم وسائط العرض المختلفة التي غزت الأسواق وحوّلت جانبا كبيرا من الجمهور إليها. المؤكد، حتى بالنظر إلى نجاحات أفلام مصرية حاليا مثل «يوم ما لوش لازمة» و(قبل حين) «الجزيرة 2» (كل منهما تجاوزت إيراداته العشرة ملايين جنيه مصري)، أن الجمهور ما زال موجودا، والجزء المختفي منه لا يمانع في العودة إلى الصالات الكبيرة إذا ما أدرك أن الأفلام باتت، أخيرا، تعترف له بأنها أخطأت في حقه عندما فرضت عليه النوع الواحد من الأفلام.
آنذاك يمكن، تلقائيا، تحرُّك قطار المهرجان بوقود جديد. ما حدث في العام الماضي هو إعادة تشغيل المهرجان بعد فترة توقف لا ريب أضرّت به خصوصا أن السنوات القريبة لهذا التوقف كانت تعيش فقط على أوهام الأمس والتاريخ. بالتالي، إذا ما تم إيقاف الربط بين مهرجان القاهرة والسياسة السياحية من ناحية والأمنية من ناحية ثالثة خلصنا إلى عهد جديد على المهرجان فيه أن يقف على قدمين ثابتتين تخصّانه. على صعوبة ذلك، إلا أن البدء بتنظيم البيت السينمائي في مصر بمنأى عن أي غرض آخر سوى استعادة نشاطه السابق وتعدد أنواعه ونوعياته، سيقود بلا ريب إلى ضخ النجاح في شرايينه.
لم يكن التقصير في من تولاه بعد ثورة يناير. سمير فريد كان الشخصية المثالية لمثل هذه الإدارة، وليس العيب فيمن تولته الآن؛ فالزميلة ماجدة واصف لديها الخبرة ذاتها التي لسمير فريد، وتعرف ما تريد وكيفية تحقيقه. التقصير كان دائما في بعض من ترأسه سابقا، كما في المحيط الصناعي والفني المحيط، وتحوّله إلى مناسبة تنـفّذ بقرار، لأنها عليها أن تبقى عوض أن تبقى وتتطور.
طبعا هناك ما يمكن عمله ضمن المهرجان نفسه، وفي مقدمة ذلك خلق حوافز للسينمائيين المحليين والواردين من الخارج. بما أن السوق المصرية محدودة القدرات بالنسبة للمنتجات الأوروبية، فإن المقترح الممكن هو تحقيق حوافز لاستقطاب المواهب العربية، كما كان الوضع سابقا.
الاحتفال نفسه عليه أن يبقى كبيرا، لكن في حدود التنظيم والمشاركات والفاعليات، وليس في أي شكل استعراضي ينقل زواره إلى مواقع أثرية في حفلتي الافتتاح والختام. هو مهرجان للسينما، وعليه أن يبقى على هذا النحو، وأن تنبع نجاحاته من هذه الحقيقة.



فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز