فنزويلا: تشرذم المعارضة أهدى مادورو انتصاراً ثميناً

في اختبار الانتخابات الإقليمية للمزاج الشعبي

فنزويلا: تشرذم المعارضة أهدى مادورو انتصاراً ثميناً
TT

فنزويلا: تشرذم المعارضة أهدى مادورو انتصاراً ثميناً

فنزويلا: تشرذم المعارضة أهدى مادورو انتصاراً ثميناً

أسفرت الانتخابات الإقليمية التي أجريت يوم الأحد الفائت في فنزويلا عن ترسيخ سيطرة النظام اليساري الذي فاز مرشّحوه في 20 ولاية من أصل 23 ولاية، في حين لم تتجاوز نسبة الإقبال على الاقتراع 42 في المائة من السكان البالغين. وفي المقابل، للمرة الأولى منذ 15 سنة شاركت بعثة من الاتحاد الأوروبي في مراقبة هذه الانتخابات التي ما أن أُعلنت نتائجها الأولية حتى سارعت الولايات المتحدة إلى اتهام حكومة نيكولاس مادورو بتزويرها.
المعارضة، المدعومة من واشنطن، التي شارك بعض أطيافها في هذه الانتخابات للمرة الأولى منذ 4 سنوات، منيت بهزيمة قاسية، إذ دفعت ثمن عجزها عن تشكيل لوائح موحّدة ودعوتها إلى الامتناع عن التصويت. وهو الأمر الذي أدى إلى زعزعة ثقة نسبة عالية من المواطنين بها، وبالتالي، قرروا الامتناع عن المشاركة، يقيناً منهم بأن نتائجها لن تؤدي إلى أي انفراج في الأفق السياسي المسدود في فنزويلا منذ سنوات.
صرّح الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في إطلالته الأولى للاحتفال بالفوز بعد صدور نتائج الانتخابات الإقليمية بقوله: «إنني أناشد الجميع، الفائزين وغير الفائزين، احترام النتائج والذهاب إلى الحوار من أجل إعادة الوحدة الوطنية».
أما بالنسبة للمعارضة، ففي حين لم يصدر أي تصريح بعد عن الزعيم الوازن في المعارضة إنريكي كابريليس، ظهر «الرئيس المؤقت» خوان غوايدو - الذي كان متوارياً عن الأنظار منذ شهرين - ليعلن قائلاً: «إن فنزويلا اليوم ما زالت تحت نظام يحاول التنكّر بشرعية لا وجود لها، لأن مادورو لا يزال قيد التحقيق في المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية».
وتابع غوايدو، الذي يعيش في العاصمة الفنزويلية كاراكاس، لكنه يتنقل باستمرار ولا ينام ليلتين متتاليتين في المكان نفسه، القول: «إن نسبة المشاركة الضئيلة لهي أوضح تعبير عن صمت المواطنين وانعدام ثقتهم بهذه الانتخابات. ومَن ينظر إلى المشهد السياسي اليوم يخرج بانطباع أن النظام يحظى بتأييد غالبية المجتمع، لكن الواقع هو عكس ذلك تماماً». ومن ثم، اتهم غوايدو الحكومة اليسارية بـ«إلغاء ترشيحات» وتمويل تنظيمات وأحزاب للمشاركة في الانتخابات تحت شعارات معارضة، بينما هي موالية للنظام.
مادور، من جهته، ردّ على كلام غوايدو متجاهلاً اتهاماته، قائلاً: «أمدّ يدي إلى جميع الفائزين في هذه الانتخابات كي نعمل سوياً من أجل فنزويلا وتحقيق الرفاه الجديد الذي سنبنيه معاً. لقد قال الشعب كلمته وحدّد الطريق نحو المصالحة».
جدير بالذكر أن غالبية الأحزاب والقوى المعارضة في المنفى كانت دعت إلى الامتناع عن المشاركة في الانتخابات. وقال الرئيس السابق لبلدية العاصمة أنطونيو ليديسما مشككاً بنزاهة الانتخابات: «مرة أخرى خسرت الديمقراطية في فنزويلا على يد النظام وطوابيره الخامسة».
- أبرز النتائج
أما على صعيد قراءة النتائج، فكانت من أقسى الهزائم التي أصيبت بها المعارضة في هذه الانتخابات هزيمتها المريرة في ولاية تاشيرا (غرب البلاد) المحاذية لجمهورية كولومبيا. إذ فاز في تاشيرا فريدي برنال، النجم الصاعد في الحركة الثورية التي أسسها الرئيس السابق هوغو تشافيز، والذي يرى فيه كثيرون المنافس الرئيس لنيكولاس مادورو داخل التيّار المؤيد للنظام. وكان برنال قد تولّى مرتين رئاسة بلدية العاصمة كاراكاس، كما سبق له أن ترأس جهاز الاستخبارات العسكرية الواسع النفوذ على عهد تشافيز. وهو يشرف منذ العام 2016 على هيئة توزيع المساعدات الغذائية في الأحياء والمناطق الفقيرة. وهذه الأحياء والمناطق تحوّلت بفعل الأزمة المعيشية الخانقة إلى الماكينة السياسية الأساسية التي يستند إليها النظام في خطط توسيع دائرة نفوذه وترسيخها في الأوساط الشعبية.
مقابل ذلك، تمكّنت المعارضة من انتزاع ولاية زوليا، وهي أغنى الولايات وأكبرها من حيث عدد السكان، هذا بعدما كان أنصار مادورو قد فازوا فيها خلال الانتخابات الماضية. ولقد قاد فوز المعارضة في هذه الولاية المتاخمة أيضاً لكولومبيا والتي توجد فيها ثروات نفطية كبيرة، مانويل روساليس الذي سبق له أن نافس هوغو تشافيز في الانتخابات الرئاسية عام 2006. وكانت مشاركة روساليس في تلك الانتخابات التي خسرها أمام تشافيز في حينها، أول محاولة جدّية للوحدة تقوم بها المعارضة التي ما زالت تتعثّر في رصّ صفوفها ضد النظام. وبعدها، في العام 2009 وجّهت النيابة العامة الفنزويلية تهمة الإثراء غير المشروع إلى روساليس، الذي لجأ إلى البيرو قبل أن يعود في العام 2015 ويُسجن لمدة سنة واحدة قبل الإفراج عنه.
أما في العاصمة كاراكاس، فقد تمكّن النظام من الفوز وتجديد سيطرته عليها. وكان الفوز بمنصب الحاكم في كاراكاس من نصيب وزيرة الداخلية السابقة الأميرال كارمن ميلينديز.
- فشل للمعارضة المعتدلة
يرى المراقبون أن المعارضة المعتدلة التي دعت إلى المشاركة في الانتخابات الإقليمية بهدف تجديد زعاماتها، فشلت في تحقيق هذا الهدف في ضوء الهزيمة القاسية التي منيت بها، والتي لن يكون من السهل أن تنهض منها في القريب المنظور. ويُبرز مراقبون من بين الأسباب التي أدت إلى هزيمة القوى المعارضة في هذه الانتخابات، أن مواقف زعمائها الأساسيين كانت تتباين بشدّة حول المشاركة في الانتخابات، وهو ما انعكس سلباً على ثقة المواطنين الذين عزفوا عن الإقبال على الاقتراع.
جدير بالإشارة أن القيادة السياسية للمعارضة لم تتخذ قراراً بالمشاركة في الانتخابات إلا قبل أسابيع قليلة فقط من موعد إجرائها. وهو ما حال فعلياً دون تمكنها من تشكيل لوائح موحّدة، وكذلك التوافق حول شعارات وبرامج سياسية متناسقة. ثم، بالإضافة إلى السببين المذكورين آنفاً، ثمة سبب ثالث مهم جداً هو شحّ الموارد الذي تعاني منه المعارضة.
ولدى مراجعة معارك بعض الولايات الكبرى، يتبيّن أن قوى المعارضة المتشرذمة خاضت الانتخابات بـ4 لوائح متنافسة. وهو أتاح الفرصة لفوز مرشّحي النظام بفارق بسيط وانتزاع ولايات رئيسة، كان من المفترض – ولو نظرياً - أن تفوز بها المعارضة. وهكذا، بهذه الهزيمة، تكون المعارضة قد فشلت أيضاً في محاولتها استنباط قيادة جديدة وأرضية صلبة تواجه بهما النظام بقوة في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
- اليسار القارّي يحتفل
كما كان متوقعاً سارعت القوى والأنظمة اليسارية في أميركا اللاتينية إلى الاحتفاء بنتيجة الانتخابات الفنزويلية التي وصفها مادورو بأنها «انتصار تاريخي للثورة». إذ صرّح الزعيم البوليفي ورئيس بوليفيا الأسبق إيفو موراليس مهللاً: «أقدم التهنئة للشعب الفنزويلي الشقيق بهذا النصر المبين الذي حققته الحركة التشافيزية. إنه انتصار الثورة البوليفارية في فنزويلا بقيادة الرئيس نيكولاس مادورو ضد الحصار الإجرامي الذي تفرضه الولايات المتحدة وعملاؤها السياسيون».
ومن كوبا، وجّه الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، الحليف الرئيس للنظام الفنزويلي: «تهاني الثورة الكوبية إلى الشعب الفنزويلي على هذا النصر الساحق». غير أن اللافت جداً كانت التصريحات التي صدرت عن حزب «بوديموس» اليساري (والشريك الحكومي حالياً) في إسبانيا، الذي تؤخذ عليه دائماً علاقاته الوثيقة بالنظام الفنزويلي. إذ قال «منظّر الحزب» والناطق باسمه بابلو إيتشينيكي: «من العلامات الإيجابية في هذه الانتخابات أن المعارضة شاركت فيها للمرة الأولى منذ سنوات. ونحن بانتظار معرفة تقييم بعثة المراقبة التي أوفدها الاتحاد الأوروبي لنتبيّن إذا كانت الانتخابات الإقليمية أجريت بشفافية وحريّة بعد الاتهامات التي صدرت عن بعض زعماء المعارضة بتزويرها».
- واشنطن تشجب وتدين
بعد إعلان النتائج الرسمية للانتخابات، طبعاً، بعكس ترحيب اليسار، صدر عن وزارة الخارجية الأميركية بيان يتهم نظام مادورو بأنه «حرم الفنزويليين مرة أخرى من المشاركة في عملية انتخابية حرة وعادلة». وكان وزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن قد قال في تصريح له: «إن النظام الفنزويلي، خوفاً من صوت الناخبين الأحرار، تلاعب بشكل فاضح بالانتخابات ليضمن نتائجها قبل إجرائها».
واعتبر بلينكن «أن الاعتقالات الاعتباطية والمضايقات التي تعرّضت لها القيادات السياسية والمدنية، والملاحقات القضائية والأمنية التي استهدفت زعماء الأحزاب السياسية، ومنع مرشّحي المعارضة من المشاركة في الحملة الانتخابية، والتلاعب بتشكيل اللوائح، والرقابة المستمرّة على وسائل الإعلام... كل ذلك ألغى التعددية السياسية، وقضى على الآمال بأن تعكس هذه الانتخابات الإرادة الحقيقية للشعب الفنزويلي وتطلعاته».
وبعد إدانتها العملية الانتخابية، جدّدت الإدارة الأميركية دعمها لزعيم المعارضة خوان غوايدو، وعزمها على «مواصلة العمل مع الشركاء الدوليين لاستخدام جميع الوسائل الاقتصادية والدبلوماسية اللازمة للضغط على مادورو». وأردف بلينكن: «إن الولايات المتحدة تدعم الشعب الفنزويلي في رغبته وتطلعاته لاستعادة الديمقراطية بالطرق السلمية عبر انتخابات حرة وعادلة، واحترام كامل لحرية التعبير والتظاهر السلمي»، مؤكداً أن واشنطن لم تغيّر سياستها الداعمة لغوايدو الذي تعترف به أكثر من 60 دولة رئيساً مؤقتاً لفنزويلا.
- لا تشكيك أوروبياً
في موازاة الموقف الأميركي، نشرت البعثة التي أوفدها الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات الفنزويلية تقريرها الأوليّ يوم الأربعاء الفائت، وجاء فيه «أن الانتخابات الإقليمية التي أجريت يوم الأحد الماضي في فنزويلا شهدت تحسّناً مقارنة بالانتخابات الثلاثة الأخيرة لجهة مشاركة أحزاب المعارضة الرئيسة. الأمر الذي يعتبر عاملاً أساسياً في إعادة بناء الحياة السياسية في البلاد». وذكرت النائبة البرتغالية في البرلمان الأوروبي ورئيسة البعثة إيزابيل سانتوس: «رغم ذلك ما زالت هناك شوائب هيكلية مهمة كانعدام استقلالية القضاء في البلاد، واستخدام النظام موارد الدولة لدعم مرشحيه في الحملة الانتخابية، ومنع المعارضة من الظهور في وسائل الإعلام الرسمية».
أيضاً أشار تقرير بعثة المراقبة الأوروبية إلى وجود «تحسّن يسمح بالتفاؤل في تشكيل هيئة انتخابية أكثر توازناً بمشاركة ممثلين عن المعارضة، ونظام الفرز واحتساب الأصوات الذي كان يخضع للتدقيق من هيئات مشتركة يشكّل خطوة في الاتجاه الصحيح».
هذا، ولدى تقديم سانتوس تقرير البعثة يوم الأربعاء في العاصمة الأوروبية بروكسل، قالت النائبة إنه «كان من المستحيل التلاعب بنتائج الانتخابات استناداً إلى ما عاينه المراقبون». ويذكر أن النظام كان قد اتخذ موقفاً غامضاً من البعثة الأوروبية. إذ كان يرحّب أحياناً بوجودها ثم يلمّح إلى أنها تشكّل تدخلاً سافراً في الشؤون الداخلية لفنزويلا وانتهاكاً لسيادتها واستقلالها.
كذلك وصفت سانتوس موقف الرئيس الفنزويلي مادورو من البعثة بأنه «خاطئ». وأعربت عن أملها في أن يعدّله عند اطلاعه على محتوى التقرير، مؤكدة: «إن بعثات المراقبة ليست وسيلة للتدخل في الشؤون الداخلية للبلدان، لأن الفنزويليين وحدهم، وجميعهم، هم الذين يقرّرون المستقبل السياسي للبلاد في عملية حوار سياسي كاملة».
- ملاحظات واستدراكات للبعثة الأوروبية لمراقبة الانتخابات
> أكدت النائبة البرتغالية الأوروبية إيزابيل سانتوس، رئيسة البعثة الأوروبية، أنها لا تأبه للضغوط من أي جهة كانت، وذكرت صراحة أن «الحملة الانتخابية اتسمت باستخدام موارد الدولة لمصلحة المرشحين الذين يدعمهم النظام. والهيئة الانتخابية الوطنية المكلّفة تنظيم الانتخابات ما كانت تملك الوسائل لردع هذا التصرّف، ما يبيّن ضرورة إصلاح هذه الهيئة ومدّها بالوسائل والصلاحيات اللازمة للقيام بمهامها»
أيضاً، في حين أشار تقرير البعثة الأوروبية إلى أن «الإطار القانوني للانتخابات في فنزويلا يستوفي غالبية المعايير والشروط الدولية»، فإنه أشار إلى «وجود بعض الشوائب الأساسية التي تؤثر على نزاهة العملية الانتخابية وشفافيتها. من هذه الشوائب أن النائب العام مخوّل، بواسطة إجراء إداري، تعليق مشاركة مرشّح في الانتخابات، كما حصل مع بعض مرشّحي المعارضة، وأيضاً مع عدد لا بأس به من حلفاء النظام الذين كانوا يرغبون في الترشّح بصورة مستقلة».
وجاء في التقرير «أن انعدام كل من استقلالية القضاء واحترام سيادة القانون، والاستنسابية في توزيع الموارد الرسمية، أثّرا سلباً على تكافؤ الفرص والشفافية والعدل في هده الانتخابات».
هذا، ومن المقرر أن تعود البعثة إلى فنزويلا في نهاية يناير (كانون الثاني) المقبل لتقديم تقريرها النهائي وتوصياتها لتحسين العمليات الانتخابية في المستقبل. وتجدر الإشارة أن هذه الانتخابات التي شاركت فيها المعارضة للمرة الأولى منذ 5 سنوات، هي الأولى التي تراقبها بعثة من الاتحاد الأوروبي منذ قيام الثورة البوليفارية اليسارية بقيادة هوغو تشافيز قبل 22 سنة. وإدراكاً من النائبة سانتوس بأن تقرير البعثة سيكون حاسماً في إضفاء الشرعية على العملية الانتخابية، أو نزعها عنها، قالت رئيسة البعثة الأوروبية: «إن التقرير لا يمكن أن يستخدم كأداة في التجاذبات السياسية، فهو ليس سوى مقاربة تقنية للعملية الانتخابية ووسيلة لتساهم في تحسينها. ومن جانبنا سنقاوم كل محاولة مغرضة لتفسير ملاحظات البعثة في خدمة مصالح وغايات حزبية لا علاقة لنا بها».
- هل سيطيل هذا النصر الانتخابي عمر النظام؟
> لا يشكّ متابعو الوضع في فنزويلا في أن نيكولاس مادورو سيستغلّ هذا الانتصار الانتخابي في الانتخابات لتعزيز موقعه في المفاوضات الجارية مع المعارضة في المكسيك، التي كان النظام قد قرر الانسحاب منها بصورة أحادية إثر تسليم أليكس صعب إلى القضاء الأميركي. ويذكر أن مادورو كان ترنّح في السلطة عام 2019 عندما أعلن الزعيم المعارض خوان غوايدو نفسه رئيساً مؤقتاً للبلاد بدعم من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وما يزيد عن 50 دولة. غير أنه تمكّن لاحقاً من تجاوز تلك المرحلة. وفي الوقت الراهن، لا يبدو خروجه من السلطة قريباً، علماً بأنه منذ وصوله إلى الرئاسة بعد وفاة هوغو تشافيز، تراجع الاقتصاد الفنزويلي بنسبة 80 في المائة، وهاجر أكثر من 5 ملايين مواطن، بينهم عدد كبير من النخب العلمية والأكاديمية.
والواقع أنه منذ أكثر من 10 سنوات لم تعد السياسة بين الهموم الرئيسة للمواطن الفنزويلي الذي يرزح تحت وطأة أزمة معيشية طاحنة. هذا ما حصل بعدما أصبح أكثر من نصف السكان يعيشون على المعونات الغذائية، في اقتصاد يقوم على التداول المكشوف بالدولار الأميركي، إثر الانهيارات المتتالية للعملة الوطنية، حتى أصبح راتب الأستاذ الجامعي لا يكفي عائلة من 4 أشخاص لتأمين احتياجاتها الغذائية.
في العقد الأخير من القرن الماضي، كانت فنزويلا مقصداً للمهارات العلمية والمهنية من أميركا اللاتينية، ومن عدد من البلدان الأوروبية مثل إسبانيا وإيطاليا والبرتغال. لكن بعد عقدين من الثورة البوليفارية التي قادها هوغو تشافيز، ثم وريثه الحالي نيكولاس مادورو، أصبحت من أفقر بلدان المنطقة رغم الثروات النفطية والمعدنية الهائلة التي تختزنها.
يقول القيادي المعارض إنريكي ماركيز إن هذا المشهد الاقتصادي والمعيشي المأساوي، مضافاً إلى انسداد أفق الحوار السياسي واليقين بأن النظام لن يتراجع عن مواقفه، هو الذي دفع ببعض أحزاب المعارضة إلى المشاركة في هذه الانتخابات، إذا كان يعتبرها السبيل الوحيد المتاح حالياً للإطاحة بالنظام الديكتاتوري الذي يقوده مادورو وإعادة بناء المؤسسات الديمقراطية، أو في أسوأ الأحوال لإبطاء سرعة الانحدار نحو التدمير الذاتي الكامل الذي تسير فيه فنزويلا منذ سنوات.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».