«الطاقة الذرية» تخشى اتساع فجوة المراقبة في إيران

صورة نشرها موقع «الطاقة الذرية» من مؤتمر صحافي لمديرها العام رافاييل غروسي في فيينا أمس
صورة نشرها موقع «الطاقة الذرية» من مؤتمر صحافي لمديرها العام رافاييل غروسي في فيينا أمس
TT

«الطاقة الذرية» تخشى اتساع فجوة المراقبة في إيران

صورة نشرها موقع «الطاقة الذرية» من مؤتمر صحافي لمديرها العام رافاييل غروسي في فيينا أمس
صورة نشرها موقع «الطاقة الذرية» من مؤتمر صحافي لمديرها العام رافاييل غروسي في فيينا أمس

حذر المدير العام لـ«الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، أمس، من اتساع الفجوة في مراقبة الأنشطة الإيرانية، مشدداً على أن المفتشين على وشك «عدم ضمان استمرارية المعلومات» عن البرنامج النووي الإيراني، وأبلغ رافاييل غروسي مجلس محافظي «الوكالة الدولية» بأن مفاوضاته في طهران «لم تتمخض عن أي نتيجة حاسمة».
وقال غروسي، في مؤتمر صحافي أمس، إنه قلق من نفاد الوقت أمام التوصل لاتفاق يهدف لإنهاء الخلاف؛ بما في ذلك إعادة تركيب كاميرات مراقبة في ورشة «تسا» لتصنيع أجهزة الطرد المركزي في مدينة كرج غرب طهران، حيث تكافح الوكالة من أجل إعادة تركيب الكاميرات التي أزالتها إيران بعد هجوم مفترض.
وصرح غروسي: «نحن قريبون من النقطة التي لن أتمكن فيها بعد الآن من ضمان استمرارية المعلومات»، مما يعني أن هناك فجوة في مراقبة «الطاقة الذرية» منشآت حساسة، يمكن من خلالها نقل كميات كبيرة من مواد أو معدات لبرنامج أسلحة نووية سري، وفقاً لوكالة «رويترز».
وأشار غروسي إلى عدم معرفة الوكالة ما إذا كان موقع كرج يعمل أم لا بعد 5 أشهر. وأضاف: «من الواضح أن مثل هذه الفترة الطويلة من دون إمكانية الوصول للموقع ومعرفة ما إذا كانت أنشطة عمليات تجري هناك؛ أمر كفيل في حد ذاته بأن يمنعني في مرحلة ما من أن أظل أقول إن لدي فكرة عما يحدث».
وأنحت طهران بالمسؤولية على إسرائيل فيما تقول إنه هجوم دمر واحدة من 4 كاميرات تابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية هناك. وأزالت إيران فيما بعد كل الكاميرات. علاوة على ذلك؛ فإن اللقطات التي صورتها الكاميرا المدمرة مفقودة.
وبعد ساعات على عودته من طهران، قال غروسي، أمس، في بيان لمجلس المحافظين المؤلف من 35 دولة، قبل اجتماعه الفصلي: «في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، عقدت اجتماعات في طهران مع نائب الرئيس الإيراني ورئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية محمد إسلامي ووزير خارجية إيران حسين أمير عبد اللهيان». وأضاف: «رغم أنني بذلت قصارى جهدي، فإن هذه المفاوضات والمداولات المكثفة لحل المسائل المعلقة بشأن الضمانات الإيرانية، والواردة بالتفصيل في التقريرين، لم تتمخض (هذه المحادثات) عن أي نتيجة حاسمة»، وذلك في إشارة إلى تقارير أصدرتها الوكالة مؤخراً، بحسب «رويترز».
ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن غروسي قوله: «كانت المحادثات بنّاءة؛ لكننا لم نتمكن من التوصل إلى اتفاق رغم كلّ جهودي».
وأعرب الاتحاد الأوروبي في إعلان أمام مجلس الحكام، عن «قلقه البالغ إزاء عدم تحقيق المحادثات اي نتائج».
ولم يتأخر الرد الإيراني على غروسي؛ فقال المتحدث باسم المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية، بهروز كمالوندي، إن إيران اتفقت مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة على مواصلة المشاورات. وأضاف: «أجرى غروسي والمسؤولون الإيرانيون المحادثات في جو إيجابي في طهران، وتوصل الجانبان إلى اتفاق عام بخصوص كيفية متابعة القضايا التي تهم الجانبين».
ولاحقاً، قال عبد اللهيان في تغريدة، إنه توصل لاتفاقات جيدة مع غروسي بشأن استمرار التعاون، مضيفاً أن اجتماعا سيُعقد قريبا لوضع اللمسات النهائية على صياغة الاتفاق.
وتمثل هذه المشكلة في ورشة كرج أحد خلافات عدة تسببت في توتر العلاقات بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، وفي إثارة غضب قوى غربية تقول إن على إيران التراجع عن مواقفها.
وهي بذلك عنصر تعقيد إضافي قبل المحادثات غير المباشرة التي تستأنف في فيينا يوم الاثنين بين الولايات المتحدة وإيران بهدف إحياء الاتفاق النووي لعام 2015.
وكان غروسي يأمل في إحراز تقدم حول موضوعات خلافية عدة، فيما يثير تقدم إيران في برنامجها النووي وتقييد عمليات التفتيش قلق المجتمع الدولي. ولكن بسبب نتيجة المشاورات؛ ألغى في اللحظة الأخيرة تصريحاً صحافياً كان مرتقباً مساء الثلاثاء عند عودته إلى مطار فيينا.
ومنذ فبراير (شباط)، أعربت «الطاقة الذرية» مراراً و تكراراً عن قلقها من القيود المفروضة على المفتشين الدوليين، من قبل الحكومة الإيرانية «مما يعرقل بجدية» أنشطة التحقق التي تقوم بها، بحسب تقرير صدر أخيراً.
ومن بين أهم العالقة القضايا؛ وضع 4 مواقع غير معلنة رصدت فيها مواد نووية. كما اشتكت «الطاقة الذرية» بأن معاملة المفتشين تثير قلقاً أيضاً؛ حيث تعرض عدد منهم إلى «تفتيش مبالغ فيه من قبل عناصر أمن».
وعادة تحاول الولايات المتحدة والحلفاء الأوروبيون الضغط على إيران في مثل تلك القضايا من خلال السعي لتمرير قرار ضدها في الاجتماعات الفصلية. لكن دبلوماسيين يقولون إنه من غير المرجح أن تكون هناك أي محاولات من هذا النوع خشية أن يعرض ذلك للخطر المحادثات الأوسع نطاقاً بشأن الاتفاق النووي والتي ستستأنف الاثنين بعد توقف استمر نحو 5 أشهر.



ساعر: لا يمكن إسقاط النظام الإيراني إلا عن طريق الإيرانيين

وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر (رويترز)
وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر (رويترز)
TT

ساعر: لا يمكن إسقاط النظام الإيراني إلا عن طريق الإيرانيين

وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر (رويترز)
وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر (رويترز)

أكد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر أنه «لا يمكن إسقاط النظام الإيراني إلا عن طريق الإيرانيين»، وفق ما نقلت وكالة «رويترز».

وخلال إحاطة إعلامية سابقة لوسائل الإعلام الأجنبية، أشار ساعر إلى أن إسرائيل «لا تعاني نقصاً في صواريخ الاعتراض»، مشدداً على أن إسرائيل والولايات المتحدة عازمتان على مواصلة الحرب ضد إيران حتى تحقيق أهدافهما.

يأتي ذلك في وقتٍ قال فيه مسؤول إيراني كبير، اليوم الثلاثاء، إن المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي رفض مقترحاتٍ نقلتها دولتان وسيطتان إلى طهران لتهدئة التوتر أو وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة، وذلك خلال أول اجتماع له بشأن السياسة الخارجية.

وأضاف المسؤول أن موقف خامنئي الخاص بالثأر من الولايات المتحدة وإسرائيل «حازم وجاد للغاية»، وفقاً لما أوردت «رويترز».

كان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قد أكد، في مقابلة مع شبكة «سي بي إس»، أنّ طهران غير مهتمة بإجراء محادثات مع واشنطن، وذلك رداً على تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأنّ إيران تريد اتفاقاً لإنهاء الحرب.


علي لاريجاني… مهندس التوازنات في منظومة الحكم الإيرانية

صورة نشرها موقع لاريجاني من مقابلة صحافية في نهاية سبتمبر الماضي
صورة نشرها موقع لاريجاني من مقابلة صحافية في نهاية سبتمبر الماضي
TT

علي لاريجاني… مهندس التوازنات في منظومة الحكم الإيرانية

صورة نشرها موقع لاريجاني من مقابلة صحافية في نهاية سبتمبر الماضي
صورة نشرها موقع لاريجاني من مقابلة صحافية في نهاية سبتمبر الماضي

في تاريخ الجمهورية الإسلامية، برزت شخصيات سياسية كثيرة في الواجهة، لكن قلة منها تنجح في البقاء داخل دائرة هرم السلطة وأجهزة صنع القرار لعقود طويلة. علي لاريجاني السياسي المحافظ كان واحداً من تلك الشخصيات التي لا تختفي تماماً عن المشهد، حتى عندما تبدو خارج السلطة. فمنذ التسعينات ظلَّ اسمه يتكرَّر في أكثر الملفات حساسية في إيران: الإعلام الرسمي، المفاوضات النووية، البرلمان، وأخيراً عاد لمجلس الأمن القومي.

لم يكن لاريجاني سياسياً شعبوياً ولا خطيباً ثورياً، بل أقرب إلى نموذج رجل الدولة داخل النظام. رجل يعرف بنية السلطة الإيرانية المعقدة، ويعرف أيضاً حدود الحركة داخلها. ولهذا بقي حاضراً في مفاصل الحكم بينما تعاقبت أجيال سياسية مختلفة، من الإصلاحيين إلى المحافظين المتشددين.

وفي خضم الحرب الجارية بين إيران وإسرائيل، عاد اسم لاريجاني إلى الواجهة مع مقتل المرشد علي خامنئي وتولي نجله، إلى أن أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بثقة عالية أن الضربات الإسرائيلية استهدفته في طهران.

صورة نشرها موقع لاريجاني في 24 يناير الماضي بعد محادثاته مع قائد «الحرس الثوري» محمد باكبور الذي قتل خلال الضربات الأولى

وحتى لحظة كتابة هذه السطور لم يصدر تأكيد رسمي إيراني نهائي حول مقتله، لكن إدراج اسمه بين أهداف الغارات يعكس موقعه داخل هرم السلطة الإيرانية.

سواء تأكدت تلك التقارير أم لا، فإن مسيرة لاريجاني السياسية تبقى مفتاحاً لفهم طبيعة الحكم في إيران، حيث تتداخل السياسة والأمن والدين في منظومة معقدة من المؤسسات.

نشأة في قلب الثورة

وُلد علي لاريجاني عام 1957 في مدينة النجف العراقية، حيث كانت عائلته تقيم في محيط الحوزة العلمية الشيعية. والده المرجع الديني ميرزا هاشم آملي كان من الشخصيات المعروفة في الأوساط الدينية، وارتبط بعلاقات وثيقة مع رجال الدين الذين قادوا الثورة في إيران.

بعد انتصار الثورة عام 1979 انتقلت العائلة إلى إيران، لتبدأ مرحلة جديدة في حياة أبنائها الذين دخلوا مؤسسات الدولة الجديدة. وقد برز عدد من أبناء العائلة في مواقع مهمة، أبرزهم صادق آملي لاريجاني الذي أصبح لاحقاً رئيساً للسلطة القضائية قبل أن يتولى رئاسة مجمع تشخيص مصلحة النظام.

لكن صعود علي لاريجاني لم يكن نتيجة النفوذ العائلي فقط. فقد جمع بين الخلفية الدينية والتعليم الأكاديمي والعمل السياسي المبكر. حصل على دكتوراه في الفلسفة الغربية من جامعة طهران، وهي خلفية فكرية غير مألوفة نسبياً في صفوف النخبة السياسية الإيرانية.

هذا التكوين الفلسفي منح خطابه السياسي طابعاً مختلفاً. فهو يستخدم لغة تحليلية هادئة، بعيدة عن الخطاب الثوري الصاخب الذي يميز كثيراً من السياسيين الإيرانيين.

من «الحرس الثوري» إلى إدارة الإعلام

بدأ لاريجاني مسيرته السياسية في أوساط «الحرس الثوري» خلال السنوات الأولى للجمهورية الإسلامية. هذه التجربة المبكرة وفرت له فهماً عميقاً لطبيعة المؤسسة العسكرية التي تعد أحد أهم مراكز القوة في النظام الإيراني.

لكن انتقاله لاحقاً إلى المجال الثقافي والإعلامي كان نقطة تحول مهمة. ففي منتصف التسعينات عيّنه المرشد علي خامنئي رئيساً لهيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية.

ويعد هذا المنصب أحد أكثر المواقع حساسية في الدولة. فالتلفزيون الرسمي في إيران ليس مجرد مؤسسة إعلامية، بل أداة مركزية في تشكيل الخطاب السياسي والثقافي للنظام الذي يمثله المرشد.

خلال نحو عقد من إدارة هذه المؤسسة اكتسب لاريجاني خبرة كبيرة في إدارة السردية العامة للنظام، وفي التعامل مع الأزمات الإعلامية. كما بنى شبكة علاقات واسعة داخل مؤسسات الدولة.

المفاوض النووي... ورئاسة البرلمان

ظهر اسم علي لاريجاني على الساحة الدولية عندما تولى منصب أمين مجلس الأمن القومي للمرة الأولى في منتصف العقد الأول من الألفية. وفي هذا الموقع أصبح كبير المفاوضين الإيرانيين في الملف النووي، حيث قاد جولات تفاوض مع الدول الأوروبية بشأن برنامج إيران النووي في مرحلة كانت طهران تحاول فيها تجنب مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على برنامجها النووي.

غير أن تلك المرحلة انتهت بخلافات متصاعدة مع الرئيس محمود أحمدي نجاد، الذي كان يميل إلى مقاربة أكثر تشدداً في إدارة الملف النووي. ففي حين سعى لاريجاني إلى إبقاء قنوات التفاوض مع القوى الغربية مفتوحةً وإدارة الأزمة عبر مسار دبلوماسي حذر، تبنّى أحمدي نجاد خطاباً أكثر صدامية ورفض أي مرونة يمكن أن تُفسَّر داخلياً بوصفها تراجعاً أمام الضغوط الدولية.

ومع اتساع الفجوة بين المقاربتين داخل مؤسسات الحكم، تحوّل الخلاف إلى صدام سياسي حول أسلوب إدارة الملف النووي نفسه، وانتهى باستقالة لاريجاني من منصبه عام 2007.

لكن التوتر بين الرجلين لم يتوقَّف عند هذا الحد. فعندما أصبح لاريجاني رئيساً للبرلمان في عام 2008، دخل في مواجهة سياسية متكرِّرة مع حكومة أحمدي نجاد، في واحدة من أكثر مراحل التوتر وضوحاً بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في تاريخ الجمهورية الإسلامية. فقد انتقد البرلمان الذي كان يقوده أداء الحكومة في ملفات اقتصادية وإدارية عدة، بينما ردَّ أحمدي نجاد وأنصاره باتهام البرلمان بعرقلة سياسات الحكومة.

الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد يلقي كلمة أمام البرلمان برئاسة لاريجاني فبراير 2013

وخلال تلك السنوات تحوَّلت جلسات البرلمان أحياناً إلى ساحة سجال علني بين الطرفين، وتبادلا انتقادات حادة في وسائل الإعلام. وبلغ هذا التوتر ذروته في واحدة من أشهر لحظات الصراع السياسي داخل النظام عندما اندلع تلاسن علني بين أحمدي نجاد ولاريجاني خلال جلسة برلمانية، في مشهد نادر نسبياً في الحياة السياسية الإيرانية، كشف عن عمق الانقسام داخل التيار المحافظ نفسه.

كما تصاعدت المواجهة في حادثة أثارت جدلاً واسعاً عندما عرض أحمدي نجاد خلال جلسة في البرلمان شريط فيديو قال إنه يتضمَّن أدلةً على تورط مقربين من عائلة لاريجاني في قضايا فساد، في خطوة عُدّت حينها تصعيداً غير مسبوق في الصراع بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. وقد ردَّ لاريجاني بانتقادات حادة للرئيس، عادّاً أن استخدام منصة البرلمان لتصفية حسابات سياسية يضر بمكانة المؤسسات، في واحدة من أكثر المواجهات العلنية حدة داخل النظام الإيراني.

لم يكن ذلك الخلاف مجرد نزاع شخصي، بل عكس صراعاً أوسع داخل المعسكر المحافظ بين نهجين مختلفين: نهج شعبوي تصادمي ميّز خطاب أحمدي نجاد خصوصاً بعد توليه ولاية ثانية عقب احتجاجات الحركة الخضراء الإصلاحية، ورؤية أكثر مؤسسية وبراغماتية حاول لاريجاني تمثيلها داخل مؤسسات الدولة. كما كشف هذا الصراع عن خلاف أعمق حول أسلوب إدارة الدولة، بين خطاب يعتمد المواجهة والتعبئة الشعبية، ورؤية تركز على دور المؤسسات والتوازن بين مراكز القوة داخل النظام.

ورغم حدة تلك المواجهات، فإنها لم تؤدِ إلى خروج لاريجاني من دائرة السلطة، بل أسهمت في ترسيخ صورته بوصفه أحد السياسيين المحافظين القادرين على إدارة التوازنات داخل النظام، حتى في مواجهة رئيس كان يتمتع آنذاك بدعم شعبي واسع.

قاسم سليماني... من البراغماتية إلى الميدان

إلى جانب مسيرته السياسية، ارتبط اسم علي لاريجاني بعلاقات وثيقة مع شخصيات محورية داخل المؤسسة الأمنية الإيرانية، وعلى رأسهم قائد «فيلق القدس» السابق، قاسم سليماني، مسؤول العمليات الخارجية في «الحرس الثوري».

لاريجاني يعانق قاسم سليماني (أرشيفية - موقع البرلمان)

فقد جمع الرجلين تقاربٌ داخل المعسكر المحافظ، خصوصاً خلال السنوات التي أعقبت الاتفاق النووي عام 2015. ولعب سليماني دوراً في حشد دعم داخل التيار المحافظ لتمديد ولاية لاريجاني على رأس البرلمان في تلك المرحلة، في وقت كان الاتفاق النووي يثير فيه انقساماً واضحاً داخل المحافظين بين مؤيديه ومعارضيه.

لم تكن تلك العلاقة مجرد تقارب شخصي، بل عكست موقع لاريجاني داخل شبكة التوازنات التي تربط المؤسسات السياسية بالأجهزة الأمنية في إيران. فخلفيته المبكرة في «الحرس الثوري»، إضافة إلى خبرته الطويلة في إدارة الملفات الاستراتيجية داخل مجلس الأمن القومي والبرلمان، جعلته أحد السياسيين القلائل القادرين على التحرك بين دوائر القرار المدني والعسكري في آن واحد. وبينما كان سليماني يمثل الذراع العسكرية لنفوذ إيران الإقليمي، خصوصاً في العراق وسوريا ولبنان، قدَّم لاريجاني نفسه في المقابل كواجهة سياسية قادرة على إدارة التوازنات داخل مؤسسات الدولة.

وبهذا المعنى، عكست العلاقة بين الرجلين تقاطعاً بين مسارين داخل النظام الإيراني: مسار القوة العسكرية الذي مثّله «فيلق القدس»، ومسار الإدارة السياسية داخل مؤسسات الدولة. وقد رأى بعض المراقبين في هذا التقاطع أحد الأسباب التي ساعدت لاريجاني على الحفاظ على موقعه داخل منظومة الحكم، حتى في لحظات الانقسام داخل المعسكر المحافظ نفسه.

صراع داخل المعسكر المحافظ

مع مرور الوقت أصبح لاريجاني جزءاً من صراع أوسع داخل التيار المحافظ الإيراني. فقد ظهر جناح أكثر تشدداً يقوده سياسيون مثل سعيد جليلي، الذين كانوا يعارضون أي مرونة في الملف النووي.

لاريجاني لدى تقديم أوراق ترشحه لانتخابات الرئاسة في مقر الانتخابات الإيرانية بطهران مايو 2024 (أ.ف.ب)

وانعكس هذا الصراع في الانتخابات الرئاسية. فقد حاول لاريجاني الترشُّح للرئاسة أكثر من مرة، لكنه اصطدم بقرار مجلس صيانة الدستور استبعاده من السباق في عامَي 2021 و2024. وأثار إقصاؤه جدلاً واسعاً داخل إيران. فالرجل كان جزءاً من المؤسسة السياسية لعقود، ومع ذلك مُنع من الترشُّح لمنصب الرئاسة.

وكشف هذا التطور حدود التوازنات داخل النظام. فقبول شخصية داخل المؤسسات لا يعني بالضرورة السماح لها بالوصول إلى قمة السلطة التنفيذية.

عودة رجل الدولة بعد الحرب

بعد سنوات من العمل في البرلمان، بقي لاريجاني على هامش أجهزة صنع القرار عندما أصدر خامنئي مرسوماً بتعيينه مستشاراً، وهو دور حصل عليه بعض الرؤساء وقادة الأجهزة العسكرية في نهاية مهامهم، لكن لاريجاني عاد بقوة إلى مركز القرار الأمني عندما عُيِّن أميناً للمجلس الأمن القومي في أعقاب التغييرات الأمنية إثر حرب الـ12 يوماً بين إيران وإسرائيل.

وجاءت عودته في لحظة حساسة بالنسبة لإيران. فقد تزامنت مع تصاعد التوتر الإقليمي، واندلاع مواجهة عسكرية مع إسرائيل، وارتفاع الضغوط الدولية على البرنامج النووي الإيراني.

رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف مع سلفه علي لاريجاني في افتتاح البرلمان الحالي خلال مايو 2024 (أ.ف.ب)

وينظَر إلى تعيينه بأنه محاولة لإعادة إدخال عنصر سياسي في إدارة الملف الأمني، بعد فترة شهدت صعوداً أكبر لدور العسكريين داخل مؤسسات القرار. كما جاء التعيين في إطار إعادة هيكلة أوسع للأجهزة الأمنية، بما في ذلك تشكيل لجنة دفاع عليا داخل مجلس الأمن القومي.

هذه الخطوة فسّرها بعض المسؤولين الإيرانيين باعتبارها ضرورة فرضتها ظروف الحرب، بينما رأى فيها آخرون رسالة سياسية إلى الغرب بأن إيران لا تزال تفضِّل إدارة أزماتها عبر السياسة والدبلوماسية.

رجل المنظومة

أحد أسباب بقاء لاريجاني في قلب النظام طوال هذه السنوات هو قدرته على بناء شبكة علاقات واسعة داخل المؤسسات المختلفة. فهو يحتفظ بعلاقات مع «الحرس الثوري» بحكم خلفيته الأمنية، ويتمتع بثقة نسبية لدى مكتب المرشد، كما يملك خبرة طويلة في العمل البرلماني. وجعلته شخصية مفيدة في لحظات الأزمات، خصوصاً عندما يحتاج النظام إلى شخصيات قادرة على التواصل بين مراكز القوة المختلفة.

لكن هذه القدرة على التكيُّف مع موازين القوى داخل النظام جعلت بعض منتقديه يرونه نموذجاً لسياسي يتقن البقاء داخل المنظومة أكثر مما يسعى إلى تغييرها.

ويصعب تصنيف علي لاريجاني ضمن التيارات السياسية التقليدية في إيران. فهو ليس إصلاحياً بالمعنى السياسي للكلمة، لكنه أيضاً لا ينتمي إلى التيار المحافظ الأكثر تشدداً.

الأقرب إلى توصيفه أنه محافظ براغماتي. رجل يعمل داخل المنظومة ويقبل بقواعدها، لكنه يحاول في الوقت نفسه إدارة توازنات تسمح ببعض المرونة في السياسة الخارجية. هذه البراغماتية كانت مصدر قوته ومصدر الجدل حوله في الوقت نفسه.

نهاية مفتوحة في زمن الحرب

إعلان إسرائيل استهداف لاريجاني خلال الضربات على طهران يعكس المكانة التي يحتلها داخل منظومة الحكم الإيرانية. فاستهداف شخصية بهذا الوزن السياسي يشير إلى أن الحرب لم تعد تقتصر على المواقع العسكرية، بل تمتد إلى دوائر القرار السياسي. ويأتي الإعلان غداة إصدار مرسوم للمرشد الجديد يؤكد بقاء

لكن بغض النظر عن مصير تلك الضربة، فإن دور لاريجاني في السياسة الإيرانية كان قد ترك بصمته بالفعل.

فهو يمثل نموذجاً لنخبة سياسية نشأت داخل الثورة واستمرت في العمل ضمن مؤسساتها لعقود. وفي نظام سياسي شديد التعقيد مثل النظام الإيراني، حيث تتداخل المؤسسات الدينية والعسكرية والسياسية، كان سر بقاء لاريجاني في دائرة القرار هو قدرته على فهم تلك الشبكة المعقدة والتحرك داخلها من دون الاصطدام المباشر بها. ولهذا السبب ظل اسمه، حتى في أكثر اللحظات اضطراباً في تاريخ إيران الحديث، مرتبطاً بصناعة التوازنات داخل الدولة.


مجتبى خامنئي يرفض مقترحات لوقف النار مع واشنطن

غبار ودخان يتصاعد بعد غارة جوية على منطقة فرمانية شمال طهران فجر الثلاثاء(شبكات التواصل)
غبار ودخان يتصاعد بعد غارة جوية على منطقة فرمانية شمال طهران فجر الثلاثاء(شبكات التواصل)
TT

مجتبى خامنئي يرفض مقترحات لوقف النار مع واشنطن

غبار ودخان يتصاعد بعد غارة جوية على منطقة فرمانية شمال طهران فجر الثلاثاء(شبكات التواصل)
غبار ودخان يتصاعد بعد غارة جوية على منطقة فرمانية شمال طهران فجر الثلاثاء(شبكات التواصل)

قال مسؤول إيراني كبير إن المرشد الجديد مجتبى خامنئي رفض مقترحات نقلتها دولتان وسيطتان إلى طهران لخفض التوتر أو وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة، مشترطاً أن تأتي إسرائيل والولايات المتحدة «راكعتين».

وأوضح المسؤول، في تصريحات لوكالة «رويترز» الثلاثاء، أن موقف خامنئي بشأن الثأر من الولايات المتحدة وإسرائيل كان «حازماً وجاداً للغاية» خلال أول اجتماع يتناول السياسة الخارجية منذ توليه المنصب، من دون أن يوضح ما إذا كان المرشد الجديد قد حضر الاجتماع شخصياً.

وأضاف المسؤول، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، أن دولتين وسيطتين نقلتا إلى وزارة الخارجية الإيرانية مقترحات تتعلق بـ«خفض التوتر أو وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة»، من دون أن يقدم تفاصيل إضافية عن مضمون تلك المقترحات أو هوية البلدين الوسيطين.

وبحسب المسؤول، رد خامنئي بأن «الوقت لن يكون مناسباً للسلام إلى أن تُجبر الولايات المتحدة وإسرائيل على الرضوخ وقبول الهزيمة ودفع التعويضات».

ويمسك المرشد في إيران بالقرار النهائي في شؤون الدولة، ولم تُنشر صور جديدة لمجتبى خامنئي منذ اختياره قبل أكثر من أسبوع من قبل مجلس من رجال الدين خلفاً لوالده علي خامنئي.

وقال بعض المسؤولين الإيرانيين إنه أصيب بجروح طفيفة في الغارات التي أودت بحياة والده، في حين أشار مسؤولون أميركيون إلى أنه أصيب بجروح بالغة.

ودخلت الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران أسبوعها الثالث بعدما أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن ألفي شخص، من دون أن تلوح نهاية قريبة لها في الأفق. ولا يزال مضيق هرمز الحيوي مغلقاً إلى حد كبير، في وقت يرفض بعض حلفاء الولايات المتحدة طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب المساعدة في إعادة فتح الممر البحري، الأمر الذي دفع أسعار الطاقة إلى الارتفاع وأثار مخاوف من موجة تضخم جديدة.

وفي أول رسالة عامة له منذ اختياره، والتي قرأتها مذيعة في التلفزيون الحكومي الأسبوع الماضي، قال مجتبى خامنئي إن مضيق هرمز يجب أن يبقى مغلقاً بوصفه أداة ضغط على «أعداء إيران».

وكانت ثلاثة مصادر قد قالت لوكالة «رويترز» في 14 مارس (آذار) إن إدارة ترمب رفضت جهود حلفاء في الشرق الأوسط لبدء مسار دبلوماسي يهدف إلى إنهاء الحرب مع إيران.