مقتل 5 وإصابة 40 جراء اقتحام سيارة استعراضاً ميلادياً في واوكيشا الأميركية

الحادثة ليست إرهاباً دولياً أو محلياً

أكدت السلطات أن عدد الإصابات تجاوز الأربعين شخصاً قتل منهم خمسة على الفور بينهم عدد من الأطفال (رويترز)
أكدت السلطات أن عدد الإصابات تجاوز الأربعين شخصاً قتل منهم خمسة على الفور بينهم عدد من الأطفال (رويترز)
TT

مقتل 5 وإصابة 40 جراء اقتحام سيارة استعراضاً ميلادياً في واوكيشا الأميركية

أكدت السلطات أن عدد الإصابات تجاوز الأربعين شخصاً قتل منهم خمسة على الفور بينهم عدد من الأطفال (رويترز)
أكدت السلطات أن عدد الإصابات تجاوز الأربعين شخصاً قتل منهم خمسة على الفور بينهم عدد من الأطفال (رويترز)

توقعت السلطات الصحية الأميركية ارتفاع عدد قتلى حادثة الدهس التي وقعت في مدينة واوكيشا بولاية ويسكونسن مساء الأحد، حيث قتل 5 أشخاص، وأصيب أكثر من 40 آخرين، بعدما اقتحمت سيارة دفع رباعي مسرعة أحد عروض عيد الميلاد التي كانت تقام في الشارع الرئيسي في المدينة.
وفي هذا الوقت، قالت وسائل إعلام أميركية إن الدلائل الأولية تشير إلى أن المشتبه به في حادثة الدهس كان يفر مسرعاً من حادث آخر تعرض له في مكان قريب، ويبدو أنه فقد أعصابه وفشل في السيطرة على سيارته، عندما اتجه إلى طريق العرض، بحسب مصادر متعددة في إنفاذ القانون مطلعة على نتائج التحقيق الأولي.
وقالت المصادر إن التحقيقات الأولية التي جرت في وقت مبكر لم تظهر وجود أي صلة معروفة بالإرهاب الدولي أو المحلي، كما لم تجد صلة بالحكم القضائي الذي برأ قبل أيام الشاب الأميركي كايل ريتينهاوس، المتهم بقتل شخصين وإصابة ثالث بجروح العام الماضي في مدينة كينوشا في الولاية نفسها خلال مظاهرة مناهضة للتمييز العنصري صيف العام الماضي.
وقال قائد شرطة مدينة واوكيشا التي تبعد 32 كيلومتراً عن غرب عاصمة الولاية ميلووكي، دان تومسون، إنه تم احتجاز شخص فيما يتصل بالقضية، وإن السيارة المشتبه بها تم التحفظ عليها.
وفي وقت لاحق، أكدت السلطات أن عدد الإصابات تجاوز الأربعين شخصاً، قتل منهم خمسة على الفور، بينهم عدد من الأطفال. وكان قائد الشرطة قد أعلن أنه من غير المعروف ما إذا كان الحادث مرتبطاً بالإرهاب، وأنه تم رفع أمر سابق بالاحتماء في الأماكن بالمدينة التي يبلغ عدد سكانها نحو 72 ألف نسمة.
وأظهر مقطع فيديو للحادث، نشر على الإنترنت، سيارة دفع رباعي متوسطة الحجم من نوع فورد حمراء اللون تقتحم العرض، بعدما شقت طريقها قبل ذلك بين مشاركين من دون أن تصيبهم، وبدت مسرعة وسط فرقة الاستعراض، لتصطدم بأحد الحواجز بعد إطلاق أحد رجال الشرطة النار على السائق.
وقال تومسون إن ضابطاً أطلق الرصاص على السيارة، ولم يصَب أي من المارة. وأضاف أن الشرطة لا تعتقد أن رصاصاً أطلق من السيارة، كما أفادت تقارير سابقة. وأظهر مقطع فيديو الشرطة تطلق الرصاص على السيارة، مع اصطدامها بأحد حواجز الطريق، ما أدى إلى تهشيم مقدمتها.
وبحسب شهود عيان، فإن السيارة «جاءت مسرعة، ودخلت بين الحشود، ثم علا صراخ الناس». وقال أحد الشهود إنه سمع من خلال أعضاء كنيسته الكاثوليكية التي نظمت العرض، وتضم أميركيين من أصول لاتينية، إن نحو 10 أعضاء، معظمهم من اللاتينيين ومن كبار السن والأطفال، أصيبوا.
وقالت امرأة لمحطة «فوكس 6» التلفزيونية إن السيارة صدمت فريقاً راقصاً من الفتيات تتراوح أعمارهن بين 9 أعوام و15 عاماً. ونقلت المحطة عنها القول إن رد الفعل الفوري كان الصمت، ثم تلاه صراخ وركض وتفقد المصابين.
وأظهر مقطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي مجموعات صغيرة تحيط بالفتيات المصابات، وتتناثر حولهن كريات بيضاء اللون. وقال مسؤول في البيت الأبيض إن مساعدين للرئيس جو بايدن أطلعوه على الأحداث، مؤكداً أن «البيت الأبيض يراقب من كثب الوضع في واوكيشا، وقلوبنا مع كل من تأثر بهذا الحادث المروع. وقد تواصلنا مع المسؤولين في الولاية والمسؤولين المحليين لتقديم أي دعم ومساعدة إذا اقتضت الحاجة».
وقالت محطة تلفزيونية محلية إن شاهداً آخر قدر أن السيارة كانت تسير بسرعة تبلغ 64 كيلومتراً في الساعة تقريباً عندما صدمت الحشد. وعرضت المحطة صورة على «تويتر» لما بدا أنه السيارة الحمراء المشار إليها بأحد الشوارع الجانبية، ويبدو أثر اصطدام على غطاء محركها، ويتدلى الجزء الأمامي في أحد جانبيها.
وقال أنجليتو تينوريو، عضو المجلس البلدي في مدينة ويست أليس القريبة، لصحيفة «ميلووكي جورنال سنتينل»: «بينما كنا نسير بين المباني، رأينا سيارة دفع رباعي تعبر مسرعة على طول مسار العرض. وبعد ذلك، سمعنا دوياً عالياً وبكاءً وصراخاً يصم الآذان من أناس صدمتهم السيارة».
وأظهرت صور ومقاطع فيديو من واوكيشا، جري تداولها على «تويتر»، عدداً كبيراً من سيارات الشرطة والإسعاف في شارع مزين بأضواء عيد الميلاد في أعقاب الحادث الذي وقع نحو الساعة الرابعة والنصف مساء بالتوقيت المحلي، بينما اصطف أشخاص متجمعون على الأرصفة مع حلول المساء.
ويوم الاثنين، بقيت مدارس المدينة والشارع العام الذي وقع فيه الحادث والمتاجر المنتشرة على جانبيه ومبنى البلدية مغلقة. وتسبب الحادث بصدمة لسكان المدينة الذين كانوا يمنون النفس بأن يعيد الاحتفال هذا العام أجواء الميلاد التي افتقدوها العام الماضي، بعدما ألغي العرض التقليدي بسبب الإغلاق الذي تسببت به جائحة كورونا.
وفي عام 2015، لقي 4 أشخاص مصرعهم، وأصيب 46 آخرون، في مدينة ستيلووتر بولاية أوكلاهوما، عندما اقتحمت امرأة بسيارتها حشداً كان يشاهد موكب عودة فريق كرة قدم إلى البلاد.
واقتحمت شاحنة عن عمد سوقاً لبيع منتجات مرتبطة بعيد الميلاد في برلين بألمانيا عام 2016، مما أسفر عن مقتل 12 شخصاً في هجوم رُبط بتنظيم داعش.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...