حمدوك يعود رئيساً لمجلس وزراء السودان... والشارع منقسم

وقع مع البرهان «اتفاقاً سياسياً» بتكوين حكومة تكنوقراط

البرهان وحمدوك في مراسم توقيع الاتفاق السياسي الجديد في القصر الرئاسي بالخرطوم أمس (أ.ب)
البرهان وحمدوك في مراسم توقيع الاتفاق السياسي الجديد في القصر الرئاسي بالخرطوم أمس (أ.ب)
TT

حمدوك يعود رئيساً لمجلس وزراء السودان... والشارع منقسم

البرهان وحمدوك في مراسم توقيع الاتفاق السياسي الجديد في القصر الرئاسي بالخرطوم أمس (أ.ب)
البرهان وحمدوك في مراسم توقيع الاتفاق السياسي الجديد في القصر الرئاسي بالخرطوم أمس (أ.ب)

وقع رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان، ورئيس الوزراء عبد الله حمدوك، اتفاقاً سياسياً أنهيا بموجبه القطيعة بين الرجلين التي استمرت نحو شهر، وعاد بموجبه رئيس الوزراء لممارسة مهام منصبه، بعدما كان البرهان قد أقاله، وحل حكومته، وأعلن حالة الطوارئ في البلاد، في 25 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وهو ما عدته القوى المدنية انقلاباً على السلطة.
ويشمل الاتفاق الجديد تكوين حكومة تكنوقراط مستقلة، والعودة إلى الوثيقة الدستورية، لكنه واجه انقساماً في الشارع، حيث خرج أمس مئات الآلاف في مواكب احتجاجية كان أصلاً قد أعد لقيامها حتى قبل تسرب الأنباء عن الاتفاق الجديد، وفرقتها الشرطة مستخدمة الغاز المسيل للدموع بكثافة، بعد أن اقترب المحتجون من القصر الرئاسي وسط العاصمة.
ونص الاتفاق الذي تم توقيعه في القصر الرئاسي بالخرطوم، أمس، على العودة للوثيقة الدستورية بتعديلاتها، وعدها مرجعية أساسية لاستكمال الفترة الانتقالية، وتعديلها بالتوافق لتحقيق مشاركة سياسية شاملة لا تستثني إلا حزب المؤتمر الوطني (حزب الرئيس المعزول عمر البشير)، وعد الشراكة المدنية العسكرية ضامناً لاستقرار وأمن البلاد، بتكوين حكومة كفاءات وطنية مستقلة من التكنوقراط.
وأعطى الاتفاق مجلس السيادة الانتقالي سلطة الإشراف على تنفيذ مهام الفترة الانتقالية، دون تدخل في العمل التنفيذي، وضمان انتقال السلطة للمدنيين وحكومة منتخبة. كما نص الاتفاق على صياغة إعلان سياسي يدير الفترة الانتقالية، ويحدد إطار شراكة العسكريين والمدنيين، وإكمال تنفيذ اتفاق سلام جوبا، وإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين.
وأكد الاتفاق أهمية إكمال هياكل الحكم الانتقالي، وهي «المجلس التشريعي، والجهاز القضائي، والنيابة العامة، والمفوضيات المستقلة»، وابتدار حوار موسع بين القوى السياسية كافة، وإعادة هيكلة لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو (حزيران)، ومراجعة أدائها السابق، ورفدها بالكوادر المؤهلة، بالإضافة إلى التحقيق في أحداث العنف التي طالت المدنيين والعسكريين، وتقديم الجناة للمحاكمة.
وفي أول ظهور له بعد إطلاق سراحه من الإقامة الجبرية، قال رئيس الوزراء عبد الله حمدوك إنه وقع من أجل حقن دماء السودانيين، وأضاف: «شبابنا عندهم القدرة على تقديم النفس والنفيس من أجل الوطن، لكن دعونا نحقن الدم، ونوفر دم الشباب للتعمير». كما أوضح أن الاتفاق يهدف لفك الانسداد الداخلي والخارجي للبلاد، والحفاظ على مكتسبات السنتين الفائتتين من عمر الثورة، الممثلة في عودة السودان للمجتمع الدولي، وتحقيق السلام والتحسن في الاقتصاد.
وأوضح حمدوك أن الاتفاق يعد إطاراً مناسباً لمعالجة مشكلات الانتقال وتحدياته كافة، وقال إن «هناك تحديات كبيرة تواجهنا، بالإرادة نستطيع السير إليها مع بعضنا»، مشيراً إلى أنه يحصن التحول المدني الديمقراطي بتوسيع قاعدة الانتقال، قائلاً: «دعونا لا نضيق المجال الواسع، ونسعى لتوحيد شعبنا لبناء نظام ديمقراطي راسخ».
ومن جانبه، قال رئيس مجلس السيادة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، إن توقيع الاتفاق يعد أهم خطوط الدفاع عن الثورة، مضيفاً: «اليوم، بهذا التوقيع، استطعنا إقامة تأسيس حقيقي لفترة انتقالية كما تخيلناها وتخيلها الشعب السوداني في الثورة».
وأشاد بما سماه «الجهد السوداني الخالص» الذي قدمه السودانيون «لنظل متفقين موحدين مهما حدث بيننا»، مضيفاً: «تعودنا حل مشكلاتنا وحدنا، وإن هذا الجهد يقوم به أخوة أعزاء منذ فترة طويلة، ومن بينهم عبد الله حمدوك، للوصول لتوافق».
وأوضح البرهان أن الاتفاق أتاح لهم إعادة النظر في الانتقال «وفيما تم وسيتم في المستقبل»، متابعاً أن «حمدوك ظل دائماً محل ثقتنا وتقديرنا واحترامنا، ونعلم حجم التحديات والتنازلات التي قدمت من كل الأطراف لحقن دماء الشعب السوداني، وإنجاح الفترة الانتقالية، وإقامة دولة السلام والعدالة».
وكشف البرهان عن أشخاص وراء الوصول إلى الاتفاق الذي عاد بموجبه حمدوك رئيساً للوزراء، وخص منهم نائب قائد الدعم السريع عبد الرحيم حمدان دقلو، وقال: «كان لهم الدور الأكبر في أن نصل إلى اتفاق يتيح لنا إكمال الفترة الانتقالية بصورة توافقية؛ نحن نسعى إلى إشراك كل القوى السياسية وقوى الثورة، ما عدا المؤتمر الوطني».
وأعلن في وقت مبكر من صباح أمس عن توصل قيادة الجيش السوداني، ورئيس الوزراء عبد الله حمدوك، إلى اتفاق قضى بعودته لتسلم مهام منصبه رئيساً للوزراء، وتكوين حكومة كفاءات وطنية مستقلة، بوساطة شارك فيها عدد من الشخصيات الوطنية ورجال الطرق الصوفية ورجال الإدارة الأهلية، أبرزهم رئيس حزب الأمة فضل الله برمة ناصر، ورئيس لجنة التحقيق المستقلة في جريمة فض الاعتصام نبيل أديب، والأكاديمي الناشط المدني مضوي إبراهيم، والبروفسور حيدر طه، وآخرون، إلى جانب ممثلين عن الجبهة الثورية والموقعين على اتفاق سلام جوبا، وعدد آخر من الشخصيات.
وبتوقيعه الاتفاق مع البرهان، يكون حمدوك قد أنهى علاقته السياسية بالتحالف الذي أتى به رئيساً للوزراء «تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير»، وتحلقت حوله مرجعية سياسية جديدة، ممثلة في الأحزاب والجهات التي وقفت وراء الاتفاق الجديد. ولم يشاهد أي من القوى السياسية التي صنعت وشاركت في الثورة، وإسقاط نظام الرئيس المعزول عمر البشير، في مهرجان توقيع الاتفاق، وكان بين الحضور مبارك الفاضل المهدي، وجبريل إبراهيم، ومني أركو مناوي، وعدد آخر من المجموعة التي يطلق عليها مجموعة اعتصام القصر، بالإضافة إلى أعضاء مجلس السيادة.
وفور إعلان التوقيع، تبرأ فرع من حزب الأمة القومي من الاتفاق في بيان رسمي، على الرغم من مشاركة رئيسه فضل الله برمة ناصر في الوساطة التي أدت للاتفاق، وجدد تأكيد موقفه برفض ما أطلق عليه «أي اتفاق سياسي لا يخاطب جذور الأزمة التي أنتجها الانقلاب العسكري وتداعياتها، من قتل الثوار الذي يستوجب المحاسبة».
وقطع الحزب الذي يعد أحد أكبر الأحزاب السودانية بأنه لن يكون طرفاً في أي اتفاق لا يلبي تطلعات الشعب السوداني قاطبة، مبدياً ثقته في «المقاومة الباسلة المنتصرة»، مؤكداً أنه يقف دوماً في «صفوف هذا الشعب حارساً لمشاريعه».
ورحبت بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان (يونيتامس) بالاتفاق، وعدته حلاً للأزمة السياسية التي وصفتها بأنها كانت «تهدد استقرار البلاد»، وشددت في بيانها الذي حصلت عليه «الشرق الأوسط» على ضرورة «حماية النظام الدستوري للحفاظ على الحريات الأساسية للعمل السياسي، وحرية التعبير والتجمع السلمي». ودعت شركاء الانتقال لتسريع معالجة القضايا العالقة لإكمال الانتقال السياسي بطريقة شاملة، واحترام حقوق الإنسان، وسيادة حكم القانون، وضم أصوات الشباب لتلبية مطالب الشعب، والحفاظ على المشاركة الهادفة للمرأة.
وتأسفت «يونيتامس» على فقدان أرواح كثير من السودانيين، ودعت لضمان المساءلة والعدالة لأرواحهم، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين على الفور، في «بادرة أولى لتنفيذ الاتفاق»، ودعت لتحقيق أهداف الثورة في «الحرية والسلام والعدالة».
ومن جانبه، وصف تجمع المهنيين السودانيين الاتفاق بأنه «اتفاق الخيانة والخنوع» بين حمدوك والبرهان، قائلاً إنه «مرفوض، جملةً وتفصيلاً، ولا يخص سوى أطرافه، وهو مجرد محاولة باطلة لشرعنة الانقلاب وسلطة المجلس العسكري».
وعد التجمع الذي قاد الثورة الشعبية اتفاق الرجلين بأنه «اتفاق غدر، وتلبية لأهداف الانقلابيين المعلنة، وإعادة تمكين (الفلول)؛ أي أنصار النظام المعزول من الإسلامويين وسلطة لجنة البشير الأمنية، وخيانة لدماء شهداء الثورة». وأضاف: «يقيننا أن شعبنا سيبطله، وسيواصل وقوفه الصامد بوجه عواصف القمع والانتكاس التي تحاول إعادته للوراء».
وجدد المجلس المركزي لتحالف قوى إعلان الحرية والتغيير، في بيان، تأكيد موقفه الرافض للاتفاق مع العسكر، المتمثل في: «لا تفاوض ولا شراكة ولا شرعية للانقلابيين». وطالب بتقديم قادة الانقلاب والانتهازيين وفلول النظام البائد إلى المحاكمات الفورية، بقوله إن «جريمة تقويض نظام الحكم الشرعي، والانقلاب على الدستور، وقتل الثائرات والثوار السلميين، والإخفاء القسري، والقمع المفرط، وغيرها من الجرائم الموثقة، تقتضي تقديم قادة الانقلاب والانتهازيين وفلول النظام البائد المشكلين لهذه السلطة الانقلابية إلى المحاكمات الفورية».
وقال التحالف الذي قاد التفاوض مع المجلس العسكري الانتقالي في عام 2019، بعد سقوط نظام البشير، ووقع مع الجيش الوثيقة الدستورية، وظل مرجعية سياسية لحكومة حمدوك، إنه غير معني بأي اتفاق مع من سماههم «الطغمة الغاشمة»، وتوعد بالعمل عبر الطرق السلمية المبتكرة لإسقاط التحالف الجديد برفقة كل قوى الثورة.
وبعد سقوط نظام الإسلاميين، في 11 أبريل (نيسان) 2019، خاض تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير مفاوضات شاقة مع المجلس العسكري الانتقالي الذي استولى على السلطة بعد سقوط عمر البشير أدت إلى توقيع الوثيقة الدستورية التي تكونت بموجبها الحكومة الانتقالية في 17 أغسطس (آب) 2019، وأعطته سلطة اختيار رئيس الوزراء، فأتت بعبد الله حمدوك، إضافة إلى نسبة 67 في المائة من عضوية المجلس التشريعي، وتسمية الوزراء عدا وزيري الداخلية والدفاع اللذين يرشحهما المكون العسكري في مجلس السيادة. بيد أن الشراكة واجهت صعوبات كثيرة، أرجعوها في وقتها إلى عرقلة الطرف المدني لأداء الحكومة، ومحاولاته شق وحدة التحالف، ثم تعقدت الأوضاع عقب المحاولة الانقلابية الفاشلة في 21 سبتمبر (أيلول) الماضي، بدخول المكونين المدني والعسكري في تراشقات عنيفة تعطلت بموجبها أعمال الحكومة ومؤسساتها.
وفي ظل هذا التوتر، فاجأ قائد الجيش البلاد، في 25 أكتوبر (تشرين أول) الماضي، بالاستيلاء على السلطة، وحل مجلسي السيادة والوزراء، وإعلان حالة الطوارئ، وإقالة حكام الولايات، واعتقال قادة سياسيين وتنفيذيين، بمن فيهم رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، وسارع بتكوين مجلس سيادي أبعد منه تحالف «الحرية والتغيير»، وهو ما عده الثوار والتحالف «انقلاباً عسكرياً» على الحياة المدنية في البلاد.



العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.


سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
TT

سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)

اجتاحت سيول جارفة ناجمة عن أمطار غزيرة مناطق واسعة في جنوب محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب)، مخلفة ما لا يقل عن 9 قتلى، بينهم أطفال، إضافة إلى دمار واسع طال المنازل والممتلكات، وجرف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية وتفاقم معاناة السكان في المناطق الريفية.

وتزامنت الكارثة مع تحذيرات متجددة أطلقها «المركز الوطني اليمني للأرصاد» من استمرار تأثير المنخفض الجوي خلال الساعات الـ24 المقبلة، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا واتساع رقعة الأضرار، خصوصاً في القرى المعزولة التي يصعب الوصول إليها.

ووجّه سكان في أرياف مديريات المخا وموزع والوازعية، لا سيما في قرى الغرافي والثوباني والنجيبة والهاملي، نداءات استغاثة عاجلة إلى السلطات الحكومية والمنظمات الإنسانية، مطالبين بالتدخل السريع لإنقاذهم من تداعيات السيول التي داهمت منازلهم بشكل مفاجئ.

السيول أغلقت الطريق الرابط بين تعز وميناء المخا على البحر الأحمر (إعلام محلي)

وأوضح السكان أن السيول القادمة من المرتفعات المجاورة اجتاحت القرى خلال وقت قصير، متسببة في تهدم عدد من المنازل بشكل كلي أو جزئي، وجرف محتوياتها من مواد غذائية وأثاث، فضلاً عن نفوق أعداد من المواشي التي تُمثل مصدر الدخل الرئيسي للأهالي.

وأكَّدت شهادات محلية أن عدداً من الأسر باتت بلا مأوى، في ظل غياب الاستجابة العاجلة، وافتقار المناطق المتضررة إلى مراكز إيواء مجهزة أو مخزون كافٍ من المواد الغذائية والإغاثية.

وفي وادي العقمة بمديرية موزع، أفاد السكان بأن السيول جرفت رجلاً سبعينياً ما أدّى إلى وفاته على الفور، في حين شهد وادي الهاملي حادثة مماثلة تمثلت في جرف امرأتين، إلى جانب تسجيل أضرار مادية جسيمة في الممتلكات العامة والخاصة.

كما تعرضت الأراضي الزراعية في مديرية الوازعية لانجرافات واسعة، الأمر الذي يُنذر بخسائر طويلة الأمد في الأمن الغذائي المحلي، خصوصاً مع اعتماد السكان على الزراعة بوصفها مصدراً رئيسياً للعيش.

خسائر بشرية وأضرار متزايدة

قال مدير عام مديرية المخا، سلطان محمود، إن الأمطار الغزيرة التي شهدتها المديرية خلال اليومين الماضيين أسفرت عن وفاة 5 أشخاص وتضرر نحو 50 منزلاً، وفق حصيلة أولية، مشيراً إلى استمرار عمليات التقييم الميداني.

وأضاف أن فرق الطوارئ، بدعم من معدات مكتب الأشغال العامة، باشرت العمل على فتح الطرقات المتضررة وتأمين وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق المنكوبة، تنفيذاً لتوجيهات محافظ تعز نبيل شمسان.

وحسب مصادر رسمية، توفي 3 أشخاص غرقاً في مديرية موزع، في حين لا تزال فرق الإنقاذ تواصل البحث عن مفقودين في عدد من القرى التي تضررت بشدة جرّاء السيول.

مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية جرفتها السيول في جنوب تعز (إعلام محلي)

وأكد مسؤولون محليون العثور على جثث 4 أطفال جرفتهم السيول، إلى جانب 5 ضحايا آخرين، بينهم 3 من كبار السن، مع توقعات بارتفاع العدد مع استمرار عمليات البحث والوصول إلى المناطق المعزولة.

وأشار المسؤولون إلى أن الطريق الرئيسي الرابط بين ميناء المخا وجنوب محافظة تعز تعرّض لأضرار كبيرة، وأُغلق لساعات قبل أن تُستأنف الحركة جزئياً، ما أعاق جهود الإغاثة وزاد من معاناة السكان.

كما لفتوا إلى أن عضو «مجلس القيادة الرئاسي»، طارق صالح، وجّه بتدخل عسكري للمساعدة في عمليات الإنقاذ، وكلّف خلية العمل الإنساني بتقديم مساعدات عاجلة للمتضررين.

طرق مقطوعة

وشهدت مناطق عدة في محافظة تعز أمطاراً غزيرة مصحوبة بسيول جارفة، أدّت إلى قطع طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في شلل جزئي لحركة التنقل بين المديريات.

وفي منطقة الكدحة، أفاد السكان بأن السيول أوقفت حركة السيارات على الطريق الوحيد الذي يربط المدينة بميناء المخا، ما أدى إلى تشكل طوابير طويلة من المركبات في الاتجاهين.

المناخ المتطرف في اليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأعرب الأهالي عن مخاوفهم من انهيار جسر متآكل على الطريق في حال استمرار هطول الأمطار، وهو ما قد يؤدي إلى عزل كامل لريف تعز الجنوبي، خصوصاً مع استمرار إغلاق الطريق البديل منذ سنوات.

وفي مديرية جبل حبشي، تحدّث السكان عن ظهور تشققات أرضية واسعة في إحدى المناطق السكنية بالتزامن مع هطول الأمطار، محذرين من احتمال توسعها أو تحولها إلى انهيارات أرضية، في ظل تشبع التربة بالمياه.

وطالب الأهالي بإرسال فرق جيولوجية متخصصة لتقييم الوضع واتخاذ التدابير اللازمة، تفادياً لوقوع كارثة جديدة قد تُهدد حياة السكان.

من جهته، جدّد المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر تحذيراته للمواطنين في المناطق المتوقع هطول الأمطار عليها، داعياً إلى تجنب الوجود في مجاري السيول أو عبورها أثناء هطول الأمطار وبعدها.

كما نصح بالابتعاد عن أعمدة الكهرباء والأشجار العالية، نظراً لمخاطر الصواعق والانهيارات، مع توقع استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي نتيجة تعمق المنخفض.

مخاوف يمنية من تفاقم الأوضاع الإنسانية جرّاء الأمطار الموسمية والسيول الجارفة (إ.ب.أ)

وأشار المركز إلى احتمال هطول أمطار غزيرة إلى شديدة الغزارة مصحوبة بعواصف رعدية وتساقط البَرَد أحياناً على عدد من المحافظات، بينها تعز وصنعاء وإب والضالع، إضافة إلى مناطق أخرى في البلاد.

بدوره، قال الخبير في الطقس جميل الحاج إن عدداً من المناطق اليمنية شهدت سيولاً جارفة خلال الساعات الماضية، متوقعاً استمرار هطول الأمطار بوتيرة متفاوتة خلال الأيام المقبلة.

وأوضح أن السيول قد تتجدد بشكل متكرر في محافظات عدة، بينها تعز ولحج وإب، مع احتمال امتداد الحالة الجوية إلى حضرموت ومأرب وشبوة، ما يزيد من مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية.