البتراء وتغير المناخ: كيف نحمي «المدينة المفقودة»؟

البتراء وتغير المناخ: كيف نحمي «المدينة المفقودة»؟
TT

البتراء وتغير المناخ: كيف نحمي «المدينة المفقودة»؟

البتراء وتغير المناخ: كيف نحمي «المدينة المفقودة»؟

البتراء، إحدى عجائب الدنيا السبع، والتي استقبلت في العام 2019 وحده أكثر من مليون ومائة ألف زائر، هي عرضة لمزيد من المخاطر الهيدرولوجية، بما في ذلك الفيضانات والانهيارات الأرضية والزلازل، بسبب تغير المناخ، والتوسع الحضري في المناطق المجاورة للموقع، والموقع الجيولوجي بالقرب من وادي الأردن المتصدع.
هذا ما دفع الشبكة الإسلامية لتطوير وإدارة الموارد المائية (INWRDAM) ومعهد أبحاث الوقاية من الكوارث (DPRI) في جامعة كيوتو في اليابان و«سلطة إقليم البتراء التنموي السياحي» إلى توحيد جهودهما، التي أسفرت عن تنظيم الندوة الدولية السادسة حول الفيضانات الومضية في أنظمة الوديان، مؤخراً في عمان، وقد أتيح للباحثين والعاملين في هذا المجال تبادل الخبرات والمعرفة حول الإدارة المتكاملة لفيضانات الوديان الومضية في المناطق القاحلة وشبه القاحلة، عززتها جولة ميدانية تدريبية إلى البتراء.
في البتراء، التي تقع بين البحرين الأحمر والميت، اطلع الباحثون على نظام إدارة المياه المحلي للتخفيف من آثار المخاطر الهيدرولوجية الخطيرة للفيضانات المفاجئة، والتي تعود إلى الأنباط، السكان القدامى للموقع. غير أن هذا النظام النبطي تدهور على نحو كبير مع مرور السنين، من دون أن نغفل التعقيدات التي أضافها تغير المناخ والزحف العمراني.
ففي عام 1963، غرق 21 سائحاً فرنسياً واثنان من المرشدين السياحيين خلال عاصفة ممطرة كارثية. ونتيجة لذلك، أعادت الحكومة الأردنية بناء السد القديم عند مدخل الوادي للسيطرة على الفيضانات، ليعود ويتم إنشاء هياكل إضافية في التسعينيات لتوجيه مياه الفيضانات إلى نفق التحويل نفسه، الذي بناه الأنباط قبل نحو 2000 عام.
وقد أدى فيضان كبير على الموقع في التاسع من نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، إلى محاصرة الزوار، وإجلاء 3000 سائح منهم إلى أماكن آمنة في غضون ساعة واحدة قبل ذروة الفيضان، مما دفع إلى المطالبة بمزيد من الإجراءات لتدارك الكوارث المستقبلية.
بناء على ذلك، بدأت سلطة إقليم البتراء، بالتعاون مع منظمة «اليونيسكو»، العمل على حماية الموقع من مخاطر الفيضانات منذ سبتمبر (أيلول) 2018. وبدءاً من يوليو (تموز) 2019، قام صندوق الطوارئ للتراث العالمي بتمويل مبادرة توصي بإنشاء نموذج هيدروليكي متكامل قائم على مدخلات واسعة النطاق لوادي موسى. الهدف من هذه الدراسة كان تحديد سهل الفيضان والمواقع العالية الخطورة داخل متنزه البتراء الأثري.
وقد اقترحت الدراسة بعض الحلول التي تتوافق مع الخصائص والقيم المحددة للبتراء ضمن قائمة «اليونيسكو» لمواقع التراث العالمي، وبالتالي تدعم نهجاً مستداماً لحماية هذه المدينة الأثرية. وتضمنت تحديث هياكل السدود والقناة، ورفع مستوى القناة، وتدابير إدارة مستجمعات المياه (المدرجات)، وأعمال تحويل التدفق (نفق التحويل)، وأنظمة الإنذار لهطول الأمطار ووضعها في المواقع الحساسة، كما أوضحت ممثلة «اليونيسكو» جيورجيا سيزارو.
وأشار مدير إدارة الكوارث في سلطة إقليم البتراء الدكتور حسين الحسنات إلى الإجراءات المتخذة للحد من شدة مخاطر السيول والفيضانات وتواترها. وشملت هذه الإجراءات: «الوقاية والتخفيف من الآثار، إعادة التأهيل، التنبؤ بالفيضانات والتحذير منها، زيادة الوعي، بناء القدرات، التأهب، التخطيط الحضري، التخطيط لاستخدام الأراضي، تحديد المخاطر، التقييم، إلى جانب وضع خطة طوارئ للاستجابة وخطط التعافي وإعادة الإعمار».
وفي هذا الإطار، تمت إعادة تأهيل 10 سدود نبطية في وادي الهريمية، وهو عبارة عن مستجمعات مياه صغيرة تتدفق إلى ساحة الخزنة، المسؤولة عن الكثير من الفيضانات هناك. والمشروع، الممول من المؤسسة الألمانية للتعاون الدولي، يهدف إلى التخفيف من تدفق المياه وحماية الموقع الأثري وزواره.
غير أن ذلك لا يعد كافياً لحماية الموقع والزائرين. لذا يدور النقاش الأساسي الآن حول ما إذا كان يجب بناء سد كبير له ميزة تقليل التدفق وقت الذروة أو عدد من السدود الصغيرة، التي لها ميزة تأخير وقت الذروة.
وفقاً لورقة بحثية حملت عنوان «التقييم الهيدرولوجي وآثار الإدارة لنظم التحكم النبطية القديمة للفيضانات في البتراء»، منشورة في مجلة الهيدرولوجيا (المجلد 601، أكتوبر (تشرين الأول) 2021، 126583)، فقد أظهرت النماذج الهيدرولوجية أن المدرجات ستكون فعالة لناحية تأخير وقت ذروة الفيضان (تأخير يصل إلى 25 دقيقة لنظام مؤلف من 18 سداً)، وفي تقليل الكمية الفعلية من المياه التي تصل إلى المصب (تقليل الحجم بنسبة 13.5 في المائة). كما يمكن ملاحظة نتائج مماثلة لتحليل الفيضانات ذات التردد المنخفض، حيث تظهر النماذج أيضاً فعالية هذه التدخلات. فعلى سبيل المثال، في حال تم اعتماد سد كبير، بدلاً من المدرجات والسدود الصغيرة، فهذا يؤدي إلى تقليل 30.5 في المائة من ذروة التدفق، ولكن بتأخير 14 دقيقة فقط.
غير أن سلطة إقليم البتراء لا تفاضل بين الخيارات المذكورة أعلاه، إذ يوضح الدكتور حسين الحسنات: «نحن نؤيد وضع دراسة مستقلة من قبل كيان مستقل، سواء من مراكز التميز البحثية أو الجامعات، وهذا من شأنه تشجيع المانحين على اختيار وتمويل أحد الحلول المحتملة لحماية البتراء».
هذا الاقتراح يتلقفه الدكتور سامح أحمد قنطوش، البروفسور المشارك في جامعة كيوتو في اليابان، مبدياً استعداد الجامعات اليابانية للتعاون مع سلطة إقليم البتراء في مجالات نقل التكنولوجيا، وإنشاء مراكز التميز لإنشاء قاعدة بيانات إقليمية موثوقة، ووضع نظام إنذار أكثر فعالية يتضمن: الاستشعار عن بُعد عبر الأقمار الاصطناعية، ورادار الطقس، ومقياس المطر الأرضي، ومقياس مستوى المياه، والفيضان السريع، ومقياس التأثير، ونظام كاميرا مختصاً، وبيانات الإنذار المبكر، ومنهجية التحليل، ونظام الإنذار المبكر للإرسال مع صفارة الإنذار، تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وغيرها.
ما اقترحه الدكتور قنطوش على المستوى التقني يمكن استكماله «إذا كان تعزيز المرونة والقدرة على التكيف لمواقع التراث العالمي المعرضة للخطر في البتراء يسير جنباً إلى جنب مع الجهود المبذولة لزيادة الوعي وإدماج التدابير في استراتيجيات الدولة والتخطيط»، في نظر الدكتور مروان الرقاد، المدير التنفيذي للشبكة الإسلامية لتطوير وإدارة الموارد المائية.
لذلك، يتابع الرقاد «فالحلول ممكنة إذا قمنا بالجمع ما بين الإرادة السياسية والوسائل التقنية، ووضعنا محطات مراقبة إضافية للحد من زيادة آثار تغير المناخ، من خلال تنفيذ خطة عمل جماعي عاجلة لا تقتصر على البتراء، بل تشمل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا».
هذه التغيرات المناخية نفسها دفعت سلطة إقليم البتراء والوكالة اليابانية للتعاون الدولي إلى إطلاق خطة السياحة الشاملة لمنطقة البتراء في أكتوبر 2020، بهدف جعل قطاع السياحة في البتراء أكثر مرونة واعتماداً على الذات، كما أوضحت ماري سايتو، ممثلة الوكالة اليابانية.
ويعود تاريخ التعاون بين سلطة إقليم البتراء والوكالة اليابانية إلى عام 2014، وقد تجسد من خلال مشروعين مهمين، هما منحة لإنشاء متحف البتراء ومشروع تنمية السياحة المجتمعية الإقليمية في منطقة البتراء. ويهدف المشروعان إلى تحقيق بيئة سياحية أكثر استدامة، حيث يعرض المتحف تاريخ محمية البتراء الأثرية. كما يعمل مشروع التعاون الفني على الترويج للسياحة التي تركز على المشاركة المجتمعية.
في المحصلة، تتطلع سلطة إقليم البتراء التنموي السياحي إلى الاستفادة من الخبرة اليابانية، لا سيما في الحد من مخاطر الفيضانات ومواطن الضعف تجاه الأخطار الطبيعية، وخصوصاً الفيضانات المفاجئة، وتعزيز بناء المرونة للمجتمعات. وللوصول إلى هذا الهدف، تطمح الشبكة الإسلامية وجامعة كيوتو إلى إنشاء شبكة لرصد الأحوال الجوية، وتشجيع الباحثين الشباب، مما يمهد الطريق لشبكة تعاونية دولية ونقل التكنولوجيا، ليس فقط لحماية البتراء، التي كانت دخلت طور النسيان قبل أن يعود السويسري يوهان لودفيغ بوركهارت ويكتشفها عام 1822، ولكن لمنطقة الشرق الأوسط بأكملها وبلدان منظمة التعاون الإسلامي.


مقالات ذات صلة

أوروبا تتحرّك بعد صيف ملتهب... خطة لمواجهة موجات الحر

أوروبا رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تتفاعل مع التصفيق عقب إلقائها خطاب حالة الاتحاد الأوروبي أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ بفرنسا 16 سبتمبر 2026 (رويترز)

أوروبا تتحرّك بعد صيف ملتهب... خطة لمواجهة موجات الحر

قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، الأربعاء، إن بروكسل ستطرح «خطة لمواجهة موجات الحر»، بهدف تحسين الاستجابة للأحوال الجوية المتطرفة.

«الشرق الأوسط» (ستراسبورغ)
الاقتصاد متسوق يقرأ بيانات أحد المنتجات بمتجر للمواد الغذائية في لندن ببريطانيا (رويترز)

تضخم الغذاء البريطاني قد يقترب من 7 % في 2027

من المتوقع أن يرتفع تضخم أسعار الغذاء في بريطانيا إلى 3.9 % هذا العام، ويقترب من 7 % في 2027، مدفوعاً باضطرابات الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أميركا اللاتينية ناقلة للغاز الطبيعي المسال ترفع علم جزر البهاما تبحر في قناة بنما (رويترز)

قناة بنما تعتزم تقليص حركة عبور السفن بسبب الجفاف الناجم عن «إل نينيو»

تعتزم قناة بنما تقليص عدد السفن العابرة لمياهها، بعدما كانت اتخذت إجراء مماثلا بداية هذا الشهر على خلفية تداعيات ظاهرة «إل نينيو» المناخية.

«الشرق الأوسط» (بنما)
علوم العلماء «قللوا من تقدير» تأثيرات الاحتباس الحراري العالمي

العلماء «قللوا من تقدير» تأثيرات الاحتباس الحراري العالمي

لقد استبعدت في السابق نماذج مناخية كانت تتوقع حصول معدلات احترار أعلى عند مستوى معين من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، باعتبارها نماذج غير واقعية

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ما خُلق للدفء صار حارساً للبرودة (رويترز)

صوف الأغنام... سلاح غير متوقَّع ضدّ ذوبان الجليد

يُجري باحثون تجربة غير مألوفة في جبال الألب، لاختبار ما إذا كان صوف الأغنام، قادراً على الإسهام في حماية الجليد...


العراق يبدأ محاكمة 6 فرنسيين يشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش»

في الأعوام الماضية أصدرت محاكم عراقية أحكاماً بالإعدام والسجن مدى الحياة على خلفية الانتماء إلى «جماعة إرهابية» في قضايا إرهاب وقتل بحق أشخاص بينهم أجانب (واع)
في الأعوام الماضية أصدرت محاكم عراقية أحكاماً بالإعدام والسجن مدى الحياة على خلفية الانتماء إلى «جماعة إرهابية» في قضايا إرهاب وقتل بحق أشخاص بينهم أجانب (واع)
TT

العراق يبدأ محاكمة 6 فرنسيين يشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش»

في الأعوام الماضية أصدرت محاكم عراقية أحكاماً بالإعدام والسجن مدى الحياة على خلفية الانتماء إلى «جماعة إرهابية» في قضايا إرهاب وقتل بحق أشخاص بينهم أجانب (واع)
في الأعوام الماضية أصدرت محاكم عراقية أحكاماً بالإعدام والسجن مدى الحياة على خلفية الانتماء إلى «جماعة إرهابية» في قضايا إرهاب وقتل بحق أشخاص بينهم أجانب (واع)

مثُل 6 فرنسيين، الأحد، أمام القضاء في العراق؛ حيث يُحتَجز الآلاف من المشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش» من جنسيات مختلفة بانتظار محاكمتهم.

وتلا قاضي محكمة الكرخ أمام المتهمين لائحة الاتهام الموجهة إليهم ومن ثم تلا انتداب محامين للدفاع عن المتهمين مع السماح للطرفين بالاجتماع ، ومن ثم تقرر رفع جلسة المحاكمة الأولى إلى الخامس من الشهر المقبل.

وأكّد مصدر قضائي عراقي، الخميس، أن الفرنسيين الـ6 الذين لم يكشف عن هويّاتهم هم ضمن مجموعة أولى من 47 مواطناً فرنسياً نُقلوا إلى العراق سنة 2025 من سوريا المجاورة، حيث استولى التنظيم على مناطق شاسعة اعتباراً من 2014، قبل أن يتمّ دحره من البلدين اللذين ارتكب فيهما مجازر وأعمالاً وحشية، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ومن بين هؤلاء أدريان غييال المعروف بنشاطه الإرهابي والذي تبنّى، خصوصاً باسم تنظيم «داعش»، الهجوم الذي نُفِّذ في نيس (جنوب فرنسا) وأودى بحياة 86 شخصاً في 14 يوليو (تموز) 2016 في يوم العيد الوطني الفرنسي.

وفي الأعوام الماضية، أصدرت محاكم عراقية أحكاماً بالإعدام والسجن مدى الحياة، على خلفية الانتماء إلى «جماعة إرهابية» في قضايا إرهاب وقتل، بحق أشخاص بينهم أجانب.

وفي عام 2019، صدرت أحكام إعدام في حقّ 11 مواطناً فرنسياً حُفّضت عقوباتهم في درجة الاستئناف إلى السجن مدى الحياة.

وندّدت مجموعات حقوقية بالطابع المستعجل لهذه المحاكمات التي تُقام في قضايا «إرهاب»، مشيرة إلى أنها لم تتقيّد بالضمانات الإجرائية اللازمة.

وما زال هناك كثير من الشهادات تنتظر التحقيق فيها حول أعمال العنف الوحشية التي ارتكبها التنظيم المتشدّد في العراق، حيث خلّف مقابر جماعية كثيرة لم تُكتشف كلّها بعد، وبعضها لم يتم فتحه.

محاكم كثيرة مقبلة

وطالب محامون فرنسيون أُبلغوا باقتراب موعد الجلسات، باريس بإعادة مواطنيها الذين قد يواجهون عقوبة الإعدام «على نحو عاجل».

وفي بيان نُشر الخميس، ندَّد المحامون ماري دوزيه، وماتيو باغار، وفيكتوار دوميير، وبولين غامبا-مارتيني، وباتيست فاشون، بانعدام الشفافية في الإجراءات القضائية في العراق وتعذُّر تمثيل الموكِّلين المحرومين، في نظرهم، من حقّهم في الدفاع عن أنفسهم.

وباتت السجون العراقية المكتظة أصلاً بأعضاء يشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش»، تضمّ آلاف السجناء الإضافيين الذين نُقلوا إليها منذ العام الماضي من سوريا.

وفي مطلع عام 2026، نُقل إلى العراق أكثر من 5700 شخص من نحو 60 جنسية يشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش» بعدما أمضوا سنوات في مخيّمات سورية بإدارة القوّات الكردية. ومن بينهم 5 مواطنين فرنسيين على الأقلّ، منهم مَن كان قاصراً عندما التحق أهله بالتنظيم.

وفي مطلع سبتمبر (أيلول)، أعلن القضاء العراقي استكمال استجواب أكثر من 5700 شخص يُشتبه بانتمائهم إلى تنظيم داعش، و«الانتقال إلى المرحلة القضائية التالية المتمثلة في إحالتهم على محكمة الموضوع».

وأسفرت التحقيقات عن «كشف عدد من العناصر شديدة الخطورة (...) وقيادات من الصف الأول» في تنظيم «داعش»، وعن «معلومات مرتبطة بجرائم جسيمة ذات بعد دولي ارتُكبت بحق المجتمع الإيزيدي»، بحسب مجلس القضاء الأعلى العراقي.

والإيزيديون أقلية ناطقة باللغة الكردية تتبع ديانة خاصة، وكانت قد تمركزت بشكل أساسي في شمال العراق قبل تعرضها لهجمات واضطهاد من جانب «داعش» بدءاً من الثالث من أغسطس (آب) 2014، وفرار أفرادها جماعياً بعد ذلك.

وأدّت التحقيقات كذلك إلى تسليم فنلندي وأميركي لسلطات بلديهما في أبريل (نيسان)، وإطلاق سراح7 عراقيين، بينما يجري «استكمال الإجراءات اللازمة لإطلاق سراح 457 محتجزاً من الجنسية السورية ممَّن لم تثبت بحقهم أدلة تستوجب استمرار الإجراءات القضائية بحقهم»، وفق مجلس القضاء الأعلى العراقي.

وكان تنظيم «داعش» سيطر على مساحات واسعة في شمال العراق وغربه اعتباراً من عام 2014، إلى أن تمكَّنت القوات العراقية من دحره في 2017، بدعم من التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن.

وفي سوريا حيث هُزم التنظيم في عام 2019، احتُجز آلاف المشتبه بانتمائهم للجماعات المتطرف مع عائلاتهم، وبينهم أجانب، في سجون ومخيمات تولت إدارتها «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» حتى يناير (كانون الثاني) 2026.


السعودية تؤكد التزامها بحماية الأمن الغذائي العالمي

الدكتور علي الشيخي أكد أن السعودية تنظر إلى البحار والمحيطات بوصفهما إرثاً مشتركاً وركيزة للأمن الغذائي والتنمية (واس)
الدكتور علي الشيخي أكد أن السعودية تنظر إلى البحار والمحيطات بوصفهما إرثاً مشتركاً وركيزة للأمن الغذائي والتنمية (واس)
TT

السعودية تؤكد التزامها بحماية الأمن الغذائي العالمي

الدكتور علي الشيخي أكد أن السعودية تنظر إلى البحار والمحيطات بوصفهما إرثاً مشتركاً وركيزة للأمن الغذائي والتنمية (واس)
الدكتور علي الشيخي أكد أن السعودية تنظر إلى البحار والمحيطات بوصفهما إرثاً مشتركاً وركيزة للأمن الغذائي والتنمية (واس)

أكدت السعودية التزامها بمواصلة جهودها الدولية والإقليمية لتعزيز استدامة الموارد البحرية، ومكافحة الصيد غير القانوني، ودعم الحوكمة الرشيدة للمصايد؛ بما يسهم في حماية الأمن الغذائي العالمي واستدامة النظم البيئية البحرية.

جاء ذلك خلال مشاركة وفدها الذي رأَسه الدكتور علي الشيخي الوكيل المساعد للثروة الحيوانية والسمكية بوزارة البيئة والمياه والزراعة، في أعمال الدورة السابعة والثلاثين للجنة مصايد الأسماك (COFI37)، والحدث الرفيع المستوى للاحتفال بمرور عشر سنوات على دخول اتفاق تدابير دولة الميناء حيز النفاذ، بمقر منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» في العاصمة الإيطالية روما.

وأوضح الشيخي خلال كلمته أن المملكة تنظر إلى البحار والمحيطات بوصفهما إرثاً مشتركاً وركيزة للأمن الغذائي والتنمية والازدهار، وأن التحديات التي تواجه الموارد البحرية تتجاوز الحدود الوطنية، وتتطلب استجابة دولية متكاملة تقوم على التعاون والشفافية والابتكار والالتزام بالتنفيذ.

وأشار إلى أن المملكة انسجاماً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» تواصل تطوير منظومتها الوطنية لإدارة المصايد البحرية، وتعزيز أطر الحوكمة والرقابة والامتثال، ورفع كفاءة التفتيش، وتحسين جودة البيانات، والاستفادة من التقنيات الحديثة في التتبع والرصد؛ بما يعزز الإدارة المستدامة للموارد البحرية، ويرسخ شفافية سلاسل الإمداد، ويدعم تنمية الاقتصاد الأزرق.

وأكد أن البحر الأحمر يحظى بمكانة خاصة في جهود السعودية، لما يتميز به من تنوع أحيائي فريد ونظم بيئية ذات أهمية بيئية واقتصادية وتنموية، مبيناً أن المملكة تعمل على ترسيخ نموذج متوازن بين طموحات التنمية ومتطلبات الاستدامة، عبر حماية الموائل البحرية الحساسة، وتنظيم أنشطة الصيد، وتعزيز الرقابة والتتبع، وتطوير إدارة عمليات الإنزال، وتشجيع ممارسات الصيد المسؤولة والمستدامة.

تشارك السعودية في أعمال الدورة السابعة والثلاثين للجنة مصايد الأسماك (واس)

وشدد على أهمية تعزيز الشراكة الإقليمية بين الدول المطلة على البحر الأحمر، وتبادل المعلومات والبيانات، وتكامل أعمال الرقابة والتفتيش، وبناء القدرات؛ بما يسهم في حماية موارده واستدامتها للأجيال القادمة.

وتشارك السعودية في أعمال الدورة السابعة والثلاثين للجنة مصايد الأسماك، التي تنعقد خلال الفترة من 7 إلى 11 سبتمبر (أيلول) الجاري، وتناقش قضايا رئيسية في قطاعي مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية، بينها تقرير «حالة الموارد السمكية وتربية الأحياء المائية في العالم 2026»، والتقدم المحرز في مكافحة الصيد غير القانوني، وتنفيذ الصكوك الدولية ذات الصلة، والتكيف مع تغير المناخ والتخفيف من آثاره، ودعم مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية صغيرة النطاق.

وأكدت السعودية أهمية الانتقال خلال المرحلة المقبلة من الرقابة التقليدية إلى الرقابة الذكية، ومن الاستجابة للمخالفات إلى استباقها، مع تعزيز التكامل بين دول العلم والساحل والميناء والسوق، وتوسيع استخدام أنظمة الرصد والتتبع وتحليل البيانات والتقنيات الحديثة.

كما جددت التزامها بمواصلة العمل مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة والدول الأعضاء والمنظمات الإقليمية والدولية والشركاء؛ لتعزيز الحوكمة الرشيدة للمصايد، ومواجهة الصيد غير القانوني، ودعم استدامة الموارد البحرية والأمن الغذائي العالمي، وتحويل الالتزامات الدولية إلى نتائج وأثر مستدام.


ما تأثيرات «النينيو» المتوقعة على المنطقة العربية الخريف المقبل؟

توقعات بحدوث ظواهر متطرفة الخريف المقبل (إ.ب.أ)
توقعات بحدوث ظواهر متطرفة الخريف المقبل (إ.ب.أ)
TT

ما تأثيرات «النينيو» المتوقعة على المنطقة العربية الخريف المقبل؟

توقعات بحدوث ظواهر متطرفة الخريف المقبل (إ.ب.أ)
توقعات بحدوث ظواهر متطرفة الخريف المقبل (إ.ب.أ)

حذرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، التابعة للأمم المتحدة، الخميس، من أن ظاهرة «النينيو» القادمة ستكون الأقوى منذ بدء تسجيل بيانات مماثلة قبل 4 عقود، وكما صرح الأمين العام للأمم المتحدة بأن العالم في «منطقة خطر الطقس المتطرف». وأفادت المنظمة بأن هذه الظاهرة المناخية ستصبح «شديدة للغاية» في الأشهر المقبلة.

وقالت سيليست ساولو، رئيسة المنظمة، للصحافيين في جنيف: «إذا استمر هذا المسار، فقد تكون هذه الظاهرة أقوى من أي شيء شهدناه منذ بدء رصدنا لها». وتؤدي ظاهرة النينيو إلى تغيرات عالمية في الرياح والضغط الجوي وهطول الأمطار. وتحدث ظاهرة النينيو عادةً كل سنتين إلى 7 سنوات، وتستمر من 9 إلى 12 شهراً. ويمكنها أن تُغير أنماط الطقس والمناخ على بُعد آلاف الكيلومترات من المحيط الهادئ الاستوائي.

التأثير المتوقع على منطقتنا العربية

قال جوش ويليس، عالم محيطات في مختبر الدفع النفاث في جنوب كاليفورنيا، أحد المختبرات التابعة لوكالة «ناسا» الأميركية: «يمتد نطاق ظاهرة النينيو إلى ما هو أبعد من المحيط الهادئ. حيث تتفاعل هذه الحرارة المخزنة مع الغلاف الجوي، مُحدثةً تيارات الحمل الحراري، ومؤديةً إلى تغيرات في أنماط الرطوبة وهطول الأمطار بعيداً عن المنطقة التي بدأت فيها».

تظهر الخريطة موجة دافئة عملاقة تعبر المحيط الهادئ (ناسا)

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «بالنسبة للمنطقة العربية، يميل الوضع نحو ظروف أكثر رطوبة من المعتاد في أجزاء من شرق البحر الأبيض المتوسط ​​ومنطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، فيما تميل شمال أفريقيا عادةً إلى الجفاف. لكن هذه مجرد مؤشرات، وليست ضمانات.

فظاهرة النينيو هي أحد العوامل المؤثرة من بين مجموعة عوامل، ويمكن للأنماط الإقليمية أو الظواهر المناخية الأخرى، مثل تأثيرات ظاهرة النينيو في المحيط الهندي، أن تُضخّم أو تُبطل من هذا التأثير. وضربت عاصفة جوية صيفية نادرة وحالة من عدم الاستقرار الجوي لبنان وسوريا في أواخر شهر أغسطس (آب) 2026، مما أدى إلى هطول أمطار غزيرة غير مسبوقة في هذا الوقت من العام وتشكل سيول مفاجئة.

وقال الدكتور علي قطب، أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «إن الطبيعة الجغرافية للمنطقة العربية والتضاريس الموجودة فيها من جبال ووديان ومنخفضات قد يعرض السكان في مثل هذه الظروف لخطر السيول، وحالات من عدم استقرار الظواهر المناخية والطقس، خصوصاً في الفصول الانتقالية مثل الربيع والخريف».

وأَضاف أن المنخفضات الجوية أيضاً هي أحد مظاهر فصل الخريف وتتكون على منطقة الشرق الأوسط، بعضها قادم من القارة الأفريقية من الجنوب وشمال السودان، وهناك أخرى تكون قادمة من جنوب أوروبا وتؤثر على المناطق الشمالية من المنطقة العربية. وتتوقع المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن تشتدّ ظاهرة النينيو لتصبح حدثاً قوياً للغاية في الأشهر المقبلة، مع تأثيرات كبيرة على أنماط هطول الأمطار ودرجات الحرارة، وما يصاحبها من مخاطر الفيضانات والجفاف وموجات الحر الشديدة».

مخاوف من تأثير ظاهرة النينيو على الزراعة في المنطقة العربية (د.ب.أ)

ووفق التحديث المناخي الموسمي العالمي فإن هناك احتمالاً كبيراً لارتفاع درجات الحرارة عن المعدل الطبيعي في معظم المناطق البرية. وتمتد أقوى مؤشرات هذا الاتجاه عبر أفريقيا، وجنوب أوروبا، وشبه الجزيرة العربية، وشبه القارة الهندية، وشرق آسيا، ومناطق أخرى من العالم.

وتُظهر توقعات هطول الأمطار للفترة من أغسطس إلى أكتوبر (تشرين الأول) 2026 أنماطاً نموذجية لظاهرة النينيو القوية. ومن المتوقع هطول أمطار أكثر من المعتاد على منطقة القرن الأفريقي، وأجزاء من آسيا الوسطى، وجنوب أوروبا، وكذلك في مناطق أخرى بعيدة من العالم. في المقابل، من المرجح أن تسود ظروف أكثر جفافاً من المعتاد في شبه القارة الهندية، وجنوب وشرق أستراليا، وجنوب أميركا الوسطى وأجزاء من منطقة البحر الكاريبي، وشمال غرب أميركا الجنوبية، وشمال أوروبا.

الآثار الاستراتيجية على المنطقة العربية

ووفق مركز البيئة والتنمية للإقليم العربي وأوروبا (سيداري) يتزامن حدث النينيو لعام 2026 مع اضطرابات كبيرة في سلاسل الإمداد، لا سيما حول مضيق هرمز. ويخلق هذا وضعاً بالغ الخطورة لانعدام الأمن الغذائي، حيث تتضافر عوامل فشل المحاصيل الناجمة عن تغير المناخ مع ارتفاع تكاليف الأسمدة والوقود.

ووفق قطب فإن أبرز المجالات التي تتأثر بالتغيرات المناخية هي الزراعة؛ لأن المحاصيل الزراعية تحتاج لظروف مناسبة من درجة الحرارة والرطوبة ومعدلات المطر. وأضاف أن النقل البحري أيضاً أحد أبرز المجالات التي تتأثر بالتغيرات المناخية، لا سيما شدة الأمطار وارتفاع الأمواج، وهو ما قد يؤثر على سلاسل الإمداد في المنطقة.

تؤدي النينيو إلى تغيرات عالمية في الرياح والضغط الجوي وهطول الأمطار (أ.ف.ب)

وحسب سيداري فإنه من المتوقع أن يؤدي النقص الناتج في المياه والغذاء، خصوصاً في المناطق الزراعية، إلى تأجيج التوترات على مستوى المجتمعات المحلية، والنزاعات المحلية، والاحتجاجات المتعلقة بالمياه. وقد تهدد موجات الحر الشديدة والفيضانات المفاجئة المحتملة البنية التحتية.

يقول ويليس: «لتأثيرات ظاهرة النينيو تداعيات اقتصادية عالمية. فالمياه الدافئة التي نرصدها من الفضاء لها ثمنها، وقد يظهر هذا الثمن في أسعار أعلاف الحيوانات والغذاء بعيداً عن المحيط الهادئ».

إدارة استباقية

وتُعد المنطقة العربية شديدة التأثر بتقلبات أسعار الغذاء العالمية، التي من المرجح أن تزيدها ظاهرة النينيو. ويؤدي تداخل الصراعات مع الظاهرة المناخية إلى تعطيل إنتاج ونقل الأسمدة النيتروجينية، وهي ضرورية لإنتاج الغذاء في المنطقة. ومع وجود 19 دولة عربية تعاني بالفعل من شح المياه، فإن النينيو تهدد بشكل مباشر إمدادات المياه الأساسية، وفق سيداري.

وحثت رئيسة المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، ساولو، سلطات إدارة الكوارث والقطاعات الحساسة للمناخ، مثل الزراعة ومصايد الأسماك والصحة والطاقة والمياه، على الاستعداد. وقالت: «إن ظاهرة النينيو الاستثنائية هذه لديها القدرة على توجيه ضربة قوية للمجتمعات والاقتصادات في جميع أنحاء العالم».

مخاوف علمية من حدوث سيول وفيضانات مفاجئة (أ.ب)

وشدد قطب على ضرورة اتخاذ الدول التدابير اللازمة للتكيف مع التغيرات المناخية، مثل سياسات التحول من استخدام الوقود الأحفوري إلى الطاقات الجديدة والمتجددة، والدفع نحو استخدام السيارات الكهربية والقطارات الحديثة الموفرة للطاقة والتي تقلل من نسب التلوث البيئي أيضاً، وبالطبع التوسع في إقامة المناطق الخضراء، وإنشاء مبانٍ سكنية صديقة للبيئة.

ووفق سيداري، تتطلب ظاهرة النينيو لعام 2026 إدارةً استباقيةً ومعززةً للموارد، بما في ذلك تسريع الاستثمارات في تحلية المياه والزراعة المستدامة، وتأمين طرق بديلة لإمدادات الغذاء، وتعزيز شبكات الأمان الاجتماعي لإدارة الاضطرابات الاجتماعية المحتملة. كما أنه لا بدّ لنا من التساؤل: هل بنيتنا التحتية العربية مُهيأة لمواجهة ظاهرة مُتفاقمة على كوكبٍ ذي حساسيةٍ أعلى وحمايةٍ أقلّ؟ هل إجراءاتنا المعتادة للإغاثة الزراعية والإنسانية كافيةٌ لمواجهة تحوّل جذري؟ إننا نشهد أزمة متوقعة تواجه عالماً غير مُستعد. لم يعد السؤال ما الذي سيحدث، بل هل نحن أخيراً على أهبة الاستعداد للاستجابة لما يُشير إليه هذا الحدث؟