الانتخابات الليبية... مفتوحة الأبواب «على المجهول»

معركة البحث عن الصفقات وسط هيمنة السلاح

الانتخابات الليبية... مفتوحة الأبواب «على المجهول»
TT

الانتخابات الليبية... مفتوحة الأبواب «على المجهول»

الانتخابات الليبية... مفتوحة الأبواب «على المجهول»

قطعت ليبيا شوطاً كبيراً باتجاه انتخاب أول رئيس للبلاد في تاريخها المعاصر؛ لكن ما تبقى من خطوات على تحقيق هذا الهدف المُرتقب بات محفوفاً بالمخاطر والتربص والتهديد بقوة السلاح أيضاً. فالبلد، الذي يتأهب لمرحلة مهمة بعد عِقد من الصراع والاقتتال يعاني راهناً حالة من التشظّي والتقسيم الجهوي، وبالخصوص مع تزايد أعداد الطامحين لمقعد الرئيس المقبل؛ إذ إنه كلما اقترب الموعد المُحدد لهذا السباق، فإن الأوضاع السياسية والأمنية تزداد توتراً.
ثمة جانب من مخاوف الليبيين أرجعه ساسة تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» إلى افتقار ليبيا إلى «المرشح التوافقي»، فضلاً عن تصاعد نبرة «التحزب الإقليمي، ورفض الآخر». وهنا، تجدر الإشارة إلى أن كل جبهة تتمسك بممثلها في هذا الاستحقاق، وما عداه لا يُعتد بترشحه؛ ما قد يفتح الباب لسيناريوهات عدة، أقلها التشكيك في نتائجه، ومن ثمّ الدخول إلى عالم مجهول، إذا ما انعقدت تلك الانتخابات في موعدها بالفعل قبل نهاية العام. وهو ما قد يسمح بتكرار ما حدث قبل 7 سنوات من الانقسام.
يلاحظ أنه مع بدء العد التنازلي في ليبيا لإجراء انتخابات رئاسية ونيابية متزامنة يوم 24 ديسمبر (كانون الأول) المقبل، تبدّد «التوافق النسبي» الذي عاشته ليبيا طوال الأشهر العشرة منذ انتخاب السلطة التنفيذية المؤقتة بطرابلس العاصمة في فبراير (شباط) الماضي. وبالتالي، سادت حالة من التحفز والكراهية، وما عاد معلوماً، حتى الآن، إذا ما كان سيصار إلى تعديل قانون الانتخابات الرئاسية ليتمكن عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية»، من المشاركة في هذا الماراثون المحموم... أم أن الوضع سيبقى على ما هو عليه وتتجه الأمور إلى مزيد من التعقيد...
- «فبراير» بمواجهة «سبتمبر»
بداية، أحدث ظهور سيف الإسلام، النجل الثاني للرئيس الراحل معمر القذافي، وتقدمه بملف ترشحه للانتخابات الرئاسية إرباكاً كبيراً في الأوساط السياسية الليبية. إذ عدّه البعض فشلاً لـ«ثورة 17 فبراير عام 2011»، وانتصاراً لنظام «الفاتح من سبتمبر» الذي حكم ليبيا قرابة 42 سنة بقبضة حديدية، ويريد العودة ثانية للحُكم من باب صناديق الاقتراع. وهذا ما دفع جمعة القماطي، رئيس حزب «التغيير»، إلى القول بأن «ثورة فبراير هي من أتت بحق الانتخاب والترشّح والاحتكام إلى الصناديق وحق التداول السلمي للسلطة وفق نظام ديمقراطي؛ ولكن هذا لا يعني السماح لمجرمي حرب، ومنهم من أدانته محاكم ليبية، ومطلوب لدى الجنائية الدولية، ولا يؤمن بهذه الطرق الديمقراطية أصلاً، بأن يستغلها لإعادة حكم الفرد والديكتاتورية»، حسب تعبيره.
وتحدث ساسة آخرون عن «حالة الغضب» التي ظهرت عليها الميليشيات والمجموعات المسلحة في مدن مثل الزاوية وتاجوراء والخُمس وزليتن وعين زارة ومصراتة بغرب ليبيا، فور تقدم سيف بأوراق ترشحه. وأسفرت عن إغلاق مقار المفوضية العليا للانتخابات هناك مرشحة للتصعيد، بل والصدام، وذلك إذا لم تتدخل القوى الدولية لتسوية الأمر، ومنع نجل القذافي من الترشح. مع هذا، يرى أحمد علي لنقي، عضو المجلس الأعلى للدولة، أن ليبيا «في طريقها إلى الاستقرار السياسي رغم أنف الكارهين الماكرين... ولا عودة مطلقاً للماضي المظلم التعيس ولا لحكم الاستبداد».
وانتهى لنقي، إلى أن «الشعب عايش حرية التعبير وذاق طعم الحرية. وبالتالي لا يمكن أن يرضى بمن يسلبه مكاسبه التي جناها من ثورة 17 فبراير... ومَن سيحافظ على هذه المكاسب هو الرئيس القادم».
من جانبه، قال الإعلامي الليبي محمود شمّام، معلّقاً على ترشّح سيف، فور تقدمه بأوراقه، عبر إدراج سابق له قائلاً «بعد عقود من حكم الفرد المطلق والإرهاب والعنف ضد الخصوم، ابن حاكم ليبيا المُطلق يحتكم إلى صندوق الاقتراع». وأردف «إنصافاً لإقدام الملايين التي خرجت تهتف الشعب يريد إسقاط النظام، مرحباً بالصندوق قاضياً لاختلافاتنا، ونعم للقانون في الفصل بحقه في الترشح، ولنرَ بعدها مَن المستفيد ومَن المتضرّر».
- الدبيبة وحفتر و«القانون»
اللافت هنا، قبل 33 يوماً من الاستحقاق المُنتظر، أن خطاب الكراهية عاد إلى الظهور، ولغة الاتهامات والتخوين التي كانت قد خمدت طوال الأشهر الماضية، طفت على السطح مجدداً وأظهرتها الاستعدادات الجارية للانتخابات. ذلك أن جانباً من الرافضين لترشّح سيف، يرفضون أيضاً ترشّح المشير خليفة حفتر، الذي تقاعد مؤقّتاً من منصبه قائداً عاماً لـ«الجيش الوطني الليبي» المتمركز في شرق البلاد. وهؤلاء يرون أن قانون الرئاسة الذي أصدره مجلس النواب «منفرداً»، من دون الرجوع إلى المجلس الأعلى للدولة بطرابلس برئاسة خالد المشري، يكرّس الديكتاتورية ويسمح بعودة حكم الفرد، في حين تعهد الأخير المحسوب على تنظيم الإخوان بمقاطعة الانتخابات، والامتناع عن حمايتها أو الاعتراف بنتائجها... بل إنه دعا إلى الاعتصام أمام مقر المفوضية التي يترأسها عماد السائح، تنديداً بما وصفه بـ«القوانين المعيبة» التي أصدرها البرلمان.
أيضاً، دخل الصادق الغرياني، مفتي ليبيا المعزول من قبل برلمان طبرق، على الخط، محرّضاً من سماهم «القوى الفاعلة والثوار» على الخروج بقوة السلاح لمنع ترشّح حفتر، الذي تقدّم بأوراقه وتحدّث وسط استغراب خصومه بغرب ليبيا، عنه أنه «لا يبتغي السلطة، وطالب الليبيين بالاختيار الصحيح الذي لا يندمون عليه مرة ثانية».
- اعتراضات الغرب الليبي
تتمحور جُل اعتراضات جبهة غرب ليبيا على المادة (12) من قانون الانتخابات الرئاسية، وهي التي تقف حائلاً دون ترشح الدبيبة. إذ إنها تنص على التالي «في حال كان المترشح يشغل وظيفة قيادية عامة، ينبغي عليه التوقف رسمياً عن ممارسة عمله قبل ثلاثة أشهر من موعد الانتخابات وتقديم ما يثبت ذلك من وثائق». لكن الأخير ما زال يمارس عمله حتى الآن؛ لذا يطالب مناصروه بتعديل القانون ويهتفون في فعاليات مختلفة «لا انتخابات من دون الدبيبة».
وهنا قال سعيد امغيب، عضو مجلس النواب وأحد مؤيدي حفتر «بعد تقدم حفتر بملف ترشحه أستطيع القول إن صفحة جديدة من تاريخ الوطن فتحت وإن أخرى استمرت لعقد كامل من الزمان قد طويت»، ورأى أنه «من الواجب علينا جميعاً اليوم الاستماع لصوت العقل والمنطق». وتابع «يتوجب علينا الآن النظر إلى من يستطيع قيادة هذه المرحلة الصعبة بكل اقتدار وبأخف الأضرار؛ لأن الأخطار كبيرة والمتربصون بنا وبالوطن كُثر يختلفون باختلاف أجنداتهم ومصالحهم، نحن اليوم في حاجة إلى من يستطيع إفشال كل المؤامرات التي تحاك للوطن والوقوف بقوة في وجه كل الطامعين بخيرات أرضنا ومقدراتنا».
- بارزون ومغمورون
كثيرون من المتابعين للشأن الليبي يرون أن البلاد راهناً غير مهيأة للانتخابات من ناحية تصاعد حالة الاحتقان المجتمعي، وسط احتكام البعض إلى قوة السلاح، لكن مقتضى لسان حال القوى الدولية والإقليمية يؤكد أن إجراء الاستحقاق على أي وضع وبأي شكل أفضل كثيراً من إلغائه أو تأجيله. لذا؛ تسارع شخصيات - بعضها بارز وبعضها الآخر مغمور – إلى التقدم بأوراقها قبل إغلاق باب الترشح الاثنين المقبل (22 من الشهر الحالي) بينما يستمر قبول طلبات الترشح للانتخابات النيابة التي تقدم إليها مئات الشخصيات حتى 7 ديسمبر (كانون الأول) (المقبل.
عشرات الشخصيات أعلنت عبر مواقع التواصل الاجتماعي اعتزامها الترشح للانتخابات الرئاسية، لكن الذين تقدموا فعلياً حتى الآن بملف ترشحهم بجانب سيف الإسلام، وحفتر، المستشار عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب، والدكتور محمد أحمد الشريف، أمين عام «جمعية الدعوة الإسلامية» في عهد القذافي، ورئيس الوزراء الأسبق علي زيدان، وعضو المجلس الرئاسي السابق أحمد معيتيق (المنتمي إلى مدينة مصراتة)، ورئيس تكتل «إحياء ليبيا» عارف النايض، (المنتمي إلى شرق ليبيا). كذلك، تقدم رئيس الأركان العامة بحكومة «الوفاق» السابقة الفريق محمد علي محمد المهدي، والوزير الأسبق فتحي بن شتوان، ورئيس حزب القمة عبد الله ناكر ومحمد المزوغي، وأمين عام «التجمع الوطني» الليبي أسعد زهيو، ورئيس حزب «الوحدة» السنوسي الزوي وفيضان عيد حمزة.
ويتوقع أن يتقدّم آخرون خلال اليومين الباقيين، وسيتعين عليهم جميعاً الانتظار لحين الفصل في ملفاتهم من قبل المفوضية قبل الإعلان النهائي عن قائمة المرشحين الذين سيخوضون الاستحقاق الرئاسي. وهو ما لفتت إليه المفوضية، بقولها «إن تسلم طلبات الترشح المرفقة بالمستندات ذات العلاقة بالاشتراطات القانونية المقدمة إليها لا يعني بالضرورة أن طلب المترشح قد قُبل».
ونص قانون الانتخابات الرئاسية على أن ليبيا دائرة انتخابية واحدة يتنافس فيها كل المرشحين، على أن يحصل الفائز على 50 في المائة + 1 من الأصوات خلال الجولة الأولى، وإذا لم يتحصّل أي مرشح على هذه النسبة، يُلجأ للجولة الثانية ويتنافس فيها المرشحان الحاصلان على أكثر الأصوات في الجولة الأولى. وتعتمد الانتخابات النيابية على النظام الفردي، حيث تُقسم البلاد إلى 75 دائرة، ويفوز المرشح الحاصل على أكثر الأصوات بدائرته.
- البدائل... و«التربيطات»
السباق الانتخابي شهد مزيداً من التفاعل والسخونة على خلفية دخول عقيلة صالح حلبة المنافسة في ظل وجود حفتر، مع توقع بعض السياسيين الاتجاه لـ«التربيطات» وعقد «الصفقات» بين بعض المرشحين المحتملين، وخصوصاً بشرق ليبيا من جهة، وآخرون بغربها للالتفاف حول شخصية بعينها في إطار «تحالفات» يجري التوافق حولها تجنباً لتشتت الأصوات، بغض النظر عن «العداءات القديمة».
وتمثل عودة الشريف من الخارج إلى ليبيا متغيراً دراماتيكياً آخر. ويذكر أنه كان قد غادر البلاد بعدما أمضى في سجون طرابلس 6 سنوات، قبل أن تُطلق الميليشيات المسلحة سراحه عام 2016 إثر إلغاء المحكمة العليا الحكم الصادر ضد بـ12 سنة. ويومها توجه إلى العاصمة الأردنية عمّان.
هذا، وتزامن وصول الشريف إلى ليبيا مع قدوم بشير صالح، مدير مكتب القذافي السابق من الخارج؛ وهو ما فتح الباب لمزيد من الاجتهاد والتكهّن؛ إذ زعمت بعض الأصوات الإخوانية أن سيف القذافي «ربما يعلن دعم الشريف في اللحظات الأخيرة إذا لم يتمكن من استكمال المشوار»، ضمن ما سمته «استراتيجية الدفع بأكثر من مرشح لتفتيت الأصوات وإخفاء المرشح المقصود»، وزعمت أيضاً أن هذا المخطط «وضعه اختصاصيون من دولة كبرى التقت سيف غير مرة».
وفسّر الدكتور مصطفى الزائدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية الليبية» عودة الشريف وبشير صالح، بالإضافة إلى ظهور سيف الإسلام، بأنها «رسالة قوية لمن شارك في المؤامرة (حسب تعبيره)، إن الشعب الليبي واعٍ ومدرك طبيعة ما جرى من حوله، وإنه لو تمكن من انتزاع حقه في فرض إرادته فسيكون له قول آخر».
- هواجس «الانقلاب الثاني»
يتبقى أن جُل المعضلة الليبية ومخاطرها، كما يرصدها كثير من المراقبين، يتمثل في أن كل جبهة لا ترى غير مرشحها في السباق، وهو ما يطرح مزيداً من التساؤل عن أهمية صندوق الانتخاب للاحتكام بين فرقاء متشاكسين، طالما بقي صندوق الذخيرة حاضراً بين يديهم ويلوحون به مراراً للإفساح الطريق أمام ممثلهم؟
وعليه، فإن الأجواء المشحونة بالتحفز المحيطة بالعملية الانتخابية حالياً، تفرض ضرورة النظر للشكل الذي ستبدو عليه ليبيا في اليوم التالي لإجراء الاستحقاق، سواء في مرحله الأولى أو الثانية... ومدى قبول الطرف الخاسر بما قد يسفر عنه. لكن المخاوف من تكرار ما وصف بـ«الانقلاب» الذي شهدته ليبيا عام 2014 وأدى إلى انقسام بين شرق ليبيا وغربها وتدشين حكومتين لا تزال ماثلة في الأذهان، لا سيما مع نزوع البعض باتجاه الاحتكام لقوة السلاح بقصد تعطيل الانتخابات.
هذه المخاوف في مجملها ليست بعيدة عما ذهب إليه المبعوث الأممي الأسبق إلى ليبيا الدكتور طارق متري، التي تداولتها وسائل إعلام محلية، بقول إن «الكل يريد انتخابات في ليبيا أو يدعي ذلك، لكن التسويات حول تقاسم السلطة وإجراء الانتخابات لا تضمن بقوة ذاتها صيانة وحدة البلاد وسلامتها».
وأمام هذه الحالة، فإن الجهود الدولية والإقليمية تتواصل للحث على إجراء الانتخابات في موعدها، وهي الجهود التي بات ينظر إليها كثير من الليبيين على أنها تسعى لرسم خريطة البلاد على نحو ما تم في مؤتمر جنيف الذي أثمر السلطة التنفيذية المؤقتة الحالية. وللطمأنة، أكد المبعوث الأميركي لدى ليبيا وسفيرها ريتشارد نورلاند، خلال لقائه رئيس السائح، بأن بلاده «ستواصل دعم جهود مفوضية الوطنية لضمان أمن ونزاهة عملية التصويت».
- ليبيا... 70 سنة في انتظار «عودة الدولة»
> خضعت ليبيا للحكم الأجنبي قروناً عدة، حتى نالت استقلالها بعدما ظلت أقاليمها الثلاثة طرابلس وبرقة وفزّان تحت الوصاية الإيطالية والفرنسية والبريطانية سنين طوال. ومنذ تلك الحقبة وهي تكافح عبر مسارات ومحطات مختلفة للوصل إلى حكم ذاتي يعبر عن جموع الليبيين، ويعيد «الدولة الغائبة». وهنا محطات لتطور الأزمة منذ أكثر من 70 سنة، مروراً بحكم الملك إدريس السنوسي ومعمر القذافي، ووصولاً إلى الأحداث التي شهدتها ليبيا خلال عِقد كامل.
* 24 ديسمبر (كانون الأول) عام 1951، أعلن محمد إدريس السنوسي، «استقلال ليبيا» بعد تغلبها على الإيطاليين. ومن شرفة قصر المنارة في العام ذاته بمدينة بنغازي (شرق ليبيا) قال السنوسي، إن ليبيا أصبحت دولة ذات سيادة عقب إصدار الدستور لتنضم إلى جامعة الدول العربية في 1953، وظلت تحت تاج الملكية الذي أطلق عليه «الحكم الباهي».
* سبتمبر (أيلول) عام 1969 قاد معمر القذافي، ومجموعة من الضباط «ثورة» على النظام الملكي، وصفها أنصار السنوسي حينها بـ«انقلاب عسكري أطاح آمال الليبيين في حياة مستقرة». وبعد سيطرة القذافي على مقاليد الحكم، حكم ليبيا أكثر من أربعة عقود بقبضة حديدية غابت عنها الديمقراطية، وأدار نظاماً فرض فيه أبناؤه وأقاربه سيطرتهم على البلاد، حتى أُسقط عام 2011 بـ«ثورة» شعبية ساندتها فصائل مسلحة، ودعمها حلف شمال الأطلسي (ناتو).
* أدت الإطاحة بالقذافي ونظامه إلى فراغ كبير في السلطة واضطراب عمّ البلاد، وعجزت معه أي جهة عن فرض سيطرتها عليها.
* في أكتوبر (تشرين الأول) 2011، أعلن «المجلس الوطني الانتقالي»، «تحرير» ليبيا وتولى إدارة شؤون البلاد، لكنه لم يتمكن من بسط سيطرته على الميليشيات المتعددة التي نشطت في الأشهر التي سبقت الإطاحة بالقذافي، وانتهكت فيها الحقوق وتفككت أواصر الدولة.
* في أغسطس (آب) 2012، سلم المجلس الانتقالي السلطة لـ«المؤتمر الوطني العام» الذي انتخب في الشهر السابق.
*في يونيو (حزيران) 2014، اختار الناخبون الليبيون برلماناً جديداً يخلف «المؤتمر الوطني العام» وعقد جلساته بمدينة طبرق شرقي البلاد، بينما ظلت العاصمة تحت سيطرة الميليشيات.
* استغل «داعش» حالة الفوضى والاقتتال بين القوات الموالية لـ«المؤتمر الوطني العام» المنحل من جهة ومجلس النواب من جهة أخرى لبسط سيطرته على سلسلة من المدن الساحلية منها درنة وسرت.
* في أواخر عام 2015، توسطت الأمم المتحدة لإبرام اتفاق تشكل بموجبه حكومة «الوفاق الوطني» ومجلس رئاسي يرأسه فائز السراج، ولكن السلطتين في طرابلس وطبرق لم تعترفا بهذه الحكومة.
* في مارس (آذار) 2016، وصل السراج وعدد من نوابه إلى طرابلس، حيث أسسوا مقراً لهم في قاعدة «أبو ستة» البحرية تتمتع بحراسة مشددة.
* في الثاني من فبراير (شباط) 2021، انتخب «ملتقى الحوار السياسي» الليبي سلطة تنفيذية جديدة ليصبح محمد يونس المنفّي رئيساً للمجلس الرئاسي، وعبد الحميد دبيبة رئيساً للحكومة وسط مساعٍ لاستعادة الدولة.
* 16 مارس (آذار) 2021، سلّم السراج السلطة للمنفّي والدبيبة، وقال المنفي حينها «إنهم سيعملون على ترسيخ مبداً التداول السلمي على السلطة وقيم الديمقراطية والدولة المدنية عبر الإيفاء بوعودهم في إجراء الانتخابات في موعدها في 24 ديسمبر (كانون الأول) المقبل».
* في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 وقبل 33 يوماً من إجراء الانتخابات الرئاسية والنيابية المقررة وقفاً للخريطة الأممية، وصف رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» عبد الحميد الدبيبة، قانون الانتخابات بـ«المعيب»، وقال، إنه «لا يمكن أن نرضى به أبداً»، قبل أن يضيف أن «الشعب الليبي لا يمكن أن يختار قادته إلا بالانتخابات، ولا يمكن التنازل عن هذا الحق أبداً، لكن أرادوا خلق صعوبات في هذا الملف المهم الذي يريده الشعب الليبي، وخرجوا بقوانين مفصلة على بعض الجهات وبعض الأشخاص، ولا يمكن أن نرضى به أبداً».
وعلى الرغم مع مرور أكثر من سبعين عاماً على إصدار الدستور الملكي، فإن مؤيدين لنظام السنوسي يدعون للعودة إليه، كما يطالبون الأمير محمد الحسن الرضا المهدي السنوسي للعودة إلى ليبيا «لمباشرة مسؤولياته وسلطاته الدستورية كملك، وإعادة المملكة المفقودة»، طبقاً لنصوص الدستور الذي يرون بأنه «الدستور الساري المفعول والشرعي الوحيد».



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.