الانتخابات الليبية... مفتوحة الأبواب «على المجهول»

معركة البحث عن الصفقات وسط هيمنة السلاح

الانتخابات الليبية... مفتوحة الأبواب «على المجهول»
TT

الانتخابات الليبية... مفتوحة الأبواب «على المجهول»

الانتخابات الليبية... مفتوحة الأبواب «على المجهول»

قطعت ليبيا شوطاً كبيراً باتجاه انتخاب أول رئيس للبلاد في تاريخها المعاصر؛ لكن ما تبقى من خطوات على تحقيق هذا الهدف المُرتقب بات محفوفاً بالمخاطر والتربص والتهديد بقوة السلاح أيضاً. فالبلد، الذي يتأهب لمرحلة مهمة بعد عِقد من الصراع والاقتتال يعاني راهناً حالة من التشظّي والتقسيم الجهوي، وبالخصوص مع تزايد أعداد الطامحين لمقعد الرئيس المقبل؛ إذ إنه كلما اقترب الموعد المُحدد لهذا السباق، فإن الأوضاع السياسية والأمنية تزداد توتراً.
ثمة جانب من مخاوف الليبيين أرجعه ساسة تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» إلى افتقار ليبيا إلى «المرشح التوافقي»، فضلاً عن تصاعد نبرة «التحزب الإقليمي، ورفض الآخر». وهنا، تجدر الإشارة إلى أن كل جبهة تتمسك بممثلها في هذا الاستحقاق، وما عداه لا يُعتد بترشحه؛ ما قد يفتح الباب لسيناريوهات عدة، أقلها التشكيك في نتائجه، ومن ثمّ الدخول إلى عالم مجهول، إذا ما انعقدت تلك الانتخابات في موعدها بالفعل قبل نهاية العام. وهو ما قد يسمح بتكرار ما حدث قبل 7 سنوات من الانقسام.
يلاحظ أنه مع بدء العد التنازلي في ليبيا لإجراء انتخابات رئاسية ونيابية متزامنة يوم 24 ديسمبر (كانون الأول) المقبل، تبدّد «التوافق النسبي» الذي عاشته ليبيا طوال الأشهر العشرة منذ انتخاب السلطة التنفيذية المؤقتة بطرابلس العاصمة في فبراير (شباط) الماضي. وبالتالي، سادت حالة من التحفز والكراهية، وما عاد معلوماً، حتى الآن، إذا ما كان سيصار إلى تعديل قانون الانتخابات الرئاسية ليتمكن عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية»، من المشاركة في هذا الماراثون المحموم... أم أن الوضع سيبقى على ما هو عليه وتتجه الأمور إلى مزيد من التعقيد...
- «فبراير» بمواجهة «سبتمبر»
بداية، أحدث ظهور سيف الإسلام، النجل الثاني للرئيس الراحل معمر القذافي، وتقدمه بملف ترشحه للانتخابات الرئاسية إرباكاً كبيراً في الأوساط السياسية الليبية. إذ عدّه البعض فشلاً لـ«ثورة 17 فبراير عام 2011»، وانتصاراً لنظام «الفاتح من سبتمبر» الذي حكم ليبيا قرابة 42 سنة بقبضة حديدية، ويريد العودة ثانية للحُكم من باب صناديق الاقتراع. وهذا ما دفع جمعة القماطي، رئيس حزب «التغيير»، إلى القول بأن «ثورة فبراير هي من أتت بحق الانتخاب والترشّح والاحتكام إلى الصناديق وحق التداول السلمي للسلطة وفق نظام ديمقراطي؛ ولكن هذا لا يعني السماح لمجرمي حرب، ومنهم من أدانته محاكم ليبية، ومطلوب لدى الجنائية الدولية، ولا يؤمن بهذه الطرق الديمقراطية أصلاً، بأن يستغلها لإعادة حكم الفرد والديكتاتورية»، حسب تعبيره.
وتحدث ساسة آخرون عن «حالة الغضب» التي ظهرت عليها الميليشيات والمجموعات المسلحة في مدن مثل الزاوية وتاجوراء والخُمس وزليتن وعين زارة ومصراتة بغرب ليبيا، فور تقدم سيف بأوراق ترشحه. وأسفرت عن إغلاق مقار المفوضية العليا للانتخابات هناك مرشحة للتصعيد، بل والصدام، وذلك إذا لم تتدخل القوى الدولية لتسوية الأمر، ومنع نجل القذافي من الترشح. مع هذا، يرى أحمد علي لنقي، عضو المجلس الأعلى للدولة، أن ليبيا «في طريقها إلى الاستقرار السياسي رغم أنف الكارهين الماكرين... ولا عودة مطلقاً للماضي المظلم التعيس ولا لحكم الاستبداد».
وانتهى لنقي، إلى أن «الشعب عايش حرية التعبير وذاق طعم الحرية. وبالتالي لا يمكن أن يرضى بمن يسلبه مكاسبه التي جناها من ثورة 17 فبراير... ومَن سيحافظ على هذه المكاسب هو الرئيس القادم».
من جانبه، قال الإعلامي الليبي محمود شمّام، معلّقاً على ترشّح سيف، فور تقدمه بأوراقه، عبر إدراج سابق له قائلاً «بعد عقود من حكم الفرد المطلق والإرهاب والعنف ضد الخصوم، ابن حاكم ليبيا المُطلق يحتكم إلى صندوق الاقتراع». وأردف «إنصافاً لإقدام الملايين التي خرجت تهتف الشعب يريد إسقاط النظام، مرحباً بالصندوق قاضياً لاختلافاتنا، ونعم للقانون في الفصل بحقه في الترشح، ولنرَ بعدها مَن المستفيد ومَن المتضرّر».
- الدبيبة وحفتر و«القانون»
اللافت هنا، قبل 33 يوماً من الاستحقاق المُنتظر، أن خطاب الكراهية عاد إلى الظهور، ولغة الاتهامات والتخوين التي كانت قد خمدت طوال الأشهر الماضية، طفت على السطح مجدداً وأظهرتها الاستعدادات الجارية للانتخابات. ذلك أن جانباً من الرافضين لترشّح سيف، يرفضون أيضاً ترشّح المشير خليفة حفتر، الذي تقاعد مؤقّتاً من منصبه قائداً عاماً لـ«الجيش الوطني الليبي» المتمركز في شرق البلاد. وهؤلاء يرون أن قانون الرئاسة الذي أصدره مجلس النواب «منفرداً»، من دون الرجوع إلى المجلس الأعلى للدولة بطرابلس برئاسة خالد المشري، يكرّس الديكتاتورية ويسمح بعودة حكم الفرد، في حين تعهد الأخير المحسوب على تنظيم الإخوان بمقاطعة الانتخابات، والامتناع عن حمايتها أو الاعتراف بنتائجها... بل إنه دعا إلى الاعتصام أمام مقر المفوضية التي يترأسها عماد السائح، تنديداً بما وصفه بـ«القوانين المعيبة» التي أصدرها البرلمان.
أيضاً، دخل الصادق الغرياني، مفتي ليبيا المعزول من قبل برلمان طبرق، على الخط، محرّضاً من سماهم «القوى الفاعلة والثوار» على الخروج بقوة السلاح لمنع ترشّح حفتر، الذي تقدّم بأوراقه وتحدّث وسط استغراب خصومه بغرب ليبيا، عنه أنه «لا يبتغي السلطة، وطالب الليبيين بالاختيار الصحيح الذي لا يندمون عليه مرة ثانية».
- اعتراضات الغرب الليبي
تتمحور جُل اعتراضات جبهة غرب ليبيا على المادة (12) من قانون الانتخابات الرئاسية، وهي التي تقف حائلاً دون ترشح الدبيبة. إذ إنها تنص على التالي «في حال كان المترشح يشغل وظيفة قيادية عامة، ينبغي عليه التوقف رسمياً عن ممارسة عمله قبل ثلاثة أشهر من موعد الانتخابات وتقديم ما يثبت ذلك من وثائق». لكن الأخير ما زال يمارس عمله حتى الآن؛ لذا يطالب مناصروه بتعديل القانون ويهتفون في فعاليات مختلفة «لا انتخابات من دون الدبيبة».
وهنا قال سعيد امغيب، عضو مجلس النواب وأحد مؤيدي حفتر «بعد تقدم حفتر بملف ترشحه أستطيع القول إن صفحة جديدة من تاريخ الوطن فتحت وإن أخرى استمرت لعقد كامل من الزمان قد طويت»، ورأى أنه «من الواجب علينا جميعاً اليوم الاستماع لصوت العقل والمنطق». وتابع «يتوجب علينا الآن النظر إلى من يستطيع قيادة هذه المرحلة الصعبة بكل اقتدار وبأخف الأضرار؛ لأن الأخطار كبيرة والمتربصون بنا وبالوطن كُثر يختلفون باختلاف أجنداتهم ومصالحهم، نحن اليوم في حاجة إلى من يستطيع إفشال كل المؤامرات التي تحاك للوطن والوقوف بقوة في وجه كل الطامعين بخيرات أرضنا ومقدراتنا».
- بارزون ومغمورون
كثيرون من المتابعين للشأن الليبي يرون أن البلاد راهناً غير مهيأة للانتخابات من ناحية تصاعد حالة الاحتقان المجتمعي، وسط احتكام البعض إلى قوة السلاح، لكن مقتضى لسان حال القوى الدولية والإقليمية يؤكد أن إجراء الاستحقاق على أي وضع وبأي شكل أفضل كثيراً من إلغائه أو تأجيله. لذا؛ تسارع شخصيات - بعضها بارز وبعضها الآخر مغمور – إلى التقدم بأوراقها قبل إغلاق باب الترشح الاثنين المقبل (22 من الشهر الحالي) بينما يستمر قبول طلبات الترشح للانتخابات النيابة التي تقدم إليها مئات الشخصيات حتى 7 ديسمبر (كانون الأول) (المقبل.
عشرات الشخصيات أعلنت عبر مواقع التواصل الاجتماعي اعتزامها الترشح للانتخابات الرئاسية، لكن الذين تقدموا فعلياً حتى الآن بملف ترشحهم بجانب سيف الإسلام، وحفتر، المستشار عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب، والدكتور محمد أحمد الشريف، أمين عام «جمعية الدعوة الإسلامية» في عهد القذافي، ورئيس الوزراء الأسبق علي زيدان، وعضو المجلس الرئاسي السابق أحمد معيتيق (المنتمي إلى مدينة مصراتة)، ورئيس تكتل «إحياء ليبيا» عارف النايض، (المنتمي إلى شرق ليبيا). كذلك، تقدم رئيس الأركان العامة بحكومة «الوفاق» السابقة الفريق محمد علي محمد المهدي، والوزير الأسبق فتحي بن شتوان، ورئيس حزب القمة عبد الله ناكر ومحمد المزوغي، وأمين عام «التجمع الوطني» الليبي أسعد زهيو، ورئيس حزب «الوحدة» السنوسي الزوي وفيضان عيد حمزة.
ويتوقع أن يتقدّم آخرون خلال اليومين الباقيين، وسيتعين عليهم جميعاً الانتظار لحين الفصل في ملفاتهم من قبل المفوضية قبل الإعلان النهائي عن قائمة المرشحين الذين سيخوضون الاستحقاق الرئاسي. وهو ما لفتت إليه المفوضية، بقولها «إن تسلم طلبات الترشح المرفقة بالمستندات ذات العلاقة بالاشتراطات القانونية المقدمة إليها لا يعني بالضرورة أن طلب المترشح قد قُبل».
ونص قانون الانتخابات الرئاسية على أن ليبيا دائرة انتخابية واحدة يتنافس فيها كل المرشحين، على أن يحصل الفائز على 50 في المائة + 1 من الأصوات خلال الجولة الأولى، وإذا لم يتحصّل أي مرشح على هذه النسبة، يُلجأ للجولة الثانية ويتنافس فيها المرشحان الحاصلان على أكثر الأصوات في الجولة الأولى. وتعتمد الانتخابات النيابية على النظام الفردي، حيث تُقسم البلاد إلى 75 دائرة، ويفوز المرشح الحاصل على أكثر الأصوات بدائرته.
- البدائل... و«التربيطات»
السباق الانتخابي شهد مزيداً من التفاعل والسخونة على خلفية دخول عقيلة صالح حلبة المنافسة في ظل وجود حفتر، مع توقع بعض السياسيين الاتجاه لـ«التربيطات» وعقد «الصفقات» بين بعض المرشحين المحتملين، وخصوصاً بشرق ليبيا من جهة، وآخرون بغربها للالتفاف حول شخصية بعينها في إطار «تحالفات» يجري التوافق حولها تجنباً لتشتت الأصوات، بغض النظر عن «العداءات القديمة».
وتمثل عودة الشريف من الخارج إلى ليبيا متغيراً دراماتيكياً آخر. ويذكر أنه كان قد غادر البلاد بعدما أمضى في سجون طرابلس 6 سنوات، قبل أن تُطلق الميليشيات المسلحة سراحه عام 2016 إثر إلغاء المحكمة العليا الحكم الصادر ضد بـ12 سنة. ويومها توجه إلى العاصمة الأردنية عمّان.
هذا، وتزامن وصول الشريف إلى ليبيا مع قدوم بشير صالح، مدير مكتب القذافي السابق من الخارج؛ وهو ما فتح الباب لمزيد من الاجتهاد والتكهّن؛ إذ زعمت بعض الأصوات الإخوانية أن سيف القذافي «ربما يعلن دعم الشريف في اللحظات الأخيرة إذا لم يتمكن من استكمال المشوار»، ضمن ما سمته «استراتيجية الدفع بأكثر من مرشح لتفتيت الأصوات وإخفاء المرشح المقصود»، وزعمت أيضاً أن هذا المخطط «وضعه اختصاصيون من دولة كبرى التقت سيف غير مرة».
وفسّر الدكتور مصطفى الزائدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية الليبية» عودة الشريف وبشير صالح، بالإضافة إلى ظهور سيف الإسلام، بأنها «رسالة قوية لمن شارك في المؤامرة (حسب تعبيره)، إن الشعب الليبي واعٍ ومدرك طبيعة ما جرى من حوله، وإنه لو تمكن من انتزاع حقه في فرض إرادته فسيكون له قول آخر».
- هواجس «الانقلاب الثاني»
يتبقى أن جُل المعضلة الليبية ومخاطرها، كما يرصدها كثير من المراقبين، يتمثل في أن كل جبهة لا ترى غير مرشحها في السباق، وهو ما يطرح مزيداً من التساؤل عن أهمية صندوق الانتخاب للاحتكام بين فرقاء متشاكسين، طالما بقي صندوق الذخيرة حاضراً بين يديهم ويلوحون به مراراً للإفساح الطريق أمام ممثلهم؟
وعليه، فإن الأجواء المشحونة بالتحفز المحيطة بالعملية الانتخابية حالياً، تفرض ضرورة النظر للشكل الذي ستبدو عليه ليبيا في اليوم التالي لإجراء الاستحقاق، سواء في مرحله الأولى أو الثانية... ومدى قبول الطرف الخاسر بما قد يسفر عنه. لكن المخاوف من تكرار ما وصف بـ«الانقلاب» الذي شهدته ليبيا عام 2014 وأدى إلى انقسام بين شرق ليبيا وغربها وتدشين حكومتين لا تزال ماثلة في الأذهان، لا سيما مع نزوع البعض باتجاه الاحتكام لقوة السلاح بقصد تعطيل الانتخابات.
هذه المخاوف في مجملها ليست بعيدة عما ذهب إليه المبعوث الأممي الأسبق إلى ليبيا الدكتور طارق متري، التي تداولتها وسائل إعلام محلية، بقول إن «الكل يريد انتخابات في ليبيا أو يدعي ذلك، لكن التسويات حول تقاسم السلطة وإجراء الانتخابات لا تضمن بقوة ذاتها صيانة وحدة البلاد وسلامتها».
وأمام هذه الحالة، فإن الجهود الدولية والإقليمية تتواصل للحث على إجراء الانتخابات في موعدها، وهي الجهود التي بات ينظر إليها كثير من الليبيين على أنها تسعى لرسم خريطة البلاد على نحو ما تم في مؤتمر جنيف الذي أثمر السلطة التنفيذية المؤقتة الحالية. وللطمأنة، أكد المبعوث الأميركي لدى ليبيا وسفيرها ريتشارد نورلاند، خلال لقائه رئيس السائح، بأن بلاده «ستواصل دعم جهود مفوضية الوطنية لضمان أمن ونزاهة عملية التصويت».
- ليبيا... 70 سنة في انتظار «عودة الدولة»
> خضعت ليبيا للحكم الأجنبي قروناً عدة، حتى نالت استقلالها بعدما ظلت أقاليمها الثلاثة طرابلس وبرقة وفزّان تحت الوصاية الإيطالية والفرنسية والبريطانية سنين طوال. ومنذ تلك الحقبة وهي تكافح عبر مسارات ومحطات مختلفة للوصل إلى حكم ذاتي يعبر عن جموع الليبيين، ويعيد «الدولة الغائبة». وهنا محطات لتطور الأزمة منذ أكثر من 70 سنة، مروراً بحكم الملك إدريس السنوسي ومعمر القذافي، ووصولاً إلى الأحداث التي شهدتها ليبيا خلال عِقد كامل.
* 24 ديسمبر (كانون الأول) عام 1951، أعلن محمد إدريس السنوسي، «استقلال ليبيا» بعد تغلبها على الإيطاليين. ومن شرفة قصر المنارة في العام ذاته بمدينة بنغازي (شرق ليبيا) قال السنوسي، إن ليبيا أصبحت دولة ذات سيادة عقب إصدار الدستور لتنضم إلى جامعة الدول العربية في 1953، وظلت تحت تاج الملكية الذي أطلق عليه «الحكم الباهي».
* سبتمبر (أيلول) عام 1969 قاد معمر القذافي، ومجموعة من الضباط «ثورة» على النظام الملكي، وصفها أنصار السنوسي حينها بـ«انقلاب عسكري أطاح آمال الليبيين في حياة مستقرة». وبعد سيطرة القذافي على مقاليد الحكم، حكم ليبيا أكثر من أربعة عقود بقبضة حديدية غابت عنها الديمقراطية، وأدار نظاماً فرض فيه أبناؤه وأقاربه سيطرتهم على البلاد، حتى أُسقط عام 2011 بـ«ثورة» شعبية ساندتها فصائل مسلحة، ودعمها حلف شمال الأطلسي (ناتو).
* أدت الإطاحة بالقذافي ونظامه إلى فراغ كبير في السلطة واضطراب عمّ البلاد، وعجزت معه أي جهة عن فرض سيطرتها عليها.
* في أكتوبر (تشرين الأول) 2011، أعلن «المجلس الوطني الانتقالي»، «تحرير» ليبيا وتولى إدارة شؤون البلاد، لكنه لم يتمكن من بسط سيطرته على الميليشيات المتعددة التي نشطت في الأشهر التي سبقت الإطاحة بالقذافي، وانتهكت فيها الحقوق وتفككت أواصر الدولة.
* في أغسطس (آب) 2012، سلم المجلس الانتقالي السلطة لـ«المؤتمر الوطني العام» الذي انتخب في الشهر السابق.
*في يونيو (حزيران) 2014، اختار الناخبون الليبيون برلماناً جديداً يخلف «المؤتمر الوطني العام» وعقد جلساته بمدينة طبرق شرقي البلاد، بينما ظلت العاصمة تحت سيطرة الميليشيات.
* استغل «داعش» حالة الفوضى والاقتتال بين القوات الموالية لـ«المؤتمر الوطني العام» المنحل من جهة ومجلس النواب من جهة أخرى لبسط سيطرته على سلسلة من المدن الساحلية منها درنة وسرت.
* في أواخر عام 2015، توسطت الأمم المتحدة لإبرام اتفاق تشكل بموجبه حكومة «الوفاق الوطني» ومجلس رئاسي يرأسه فائز السراج، ولكن السلطتين في طرابلس وطبرق لم تعترفا بهذه الحكومة.
* في مارس (آذار) 2016، وصل السراج وعدد من نوابه إلى طرابلس، حيث أسسوا مقراً لهم في قاعدة «أبو ستة» البحرية تتمتع بحراسة مشددة.
* في الثاني من فبراير (شباط) 2021، انتخب «ملتقى الحوار السياسي» الليبي سلطة تنفيذية جديدة ليصبح محمد يونس المنفّي رئيساً للمجلس الرئاسي، وعبد الحميد دبيبة رئيساً للحكومة وسط مساعٍ لاستعادة الدولة.
* 16 مارس (آذار) 2021، سلّم السراج السلطة للمنفّي والدبيبة، وقال المنفي حينها «إنهم سيعملون على ترسيخ مبداً التداول السلمي على السلطة وقيم الديمقراطية والدولة المدنية عبر الإيفاء بوعودهم في إجراء الانتخابات في موعدها في 24 ديسمبر (كانون الأول) المقبل».
* في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 وقبل 33 يوماً من إجراء الانتخابات الرئاسية والنيابية المقررة وقفاً للخريطة الأممية، وصف رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» عبد الحميد الدبيبة، قانون الانتخابات بـ«المعيب»، وقال، إنه «لا يمكن أن نرضى به أبداً»، قبل أن يضيف أن «الشعب الليبي لا يمكن أن يختار قادته إلا بالانتخابات، ولا يمكن التنازل عن هذا الحق أبداً، لكن أرادوا خلق صعوبات في هذا الملف المهم الذي يريده الشعب الليبي، وخرجوا بقوانين مفصلة على بعض الجهات وبعض الأشخاص، ولا يمكن أن نرضى به أبداً».
وعلى الرغم مع مرور أكثر من سبعين عاماً على إصدار الدستور الملكي، فإن مؤيدين لنظام السنوسي يدعون للعودة إليه، كما يطالبون الأمير محمد الحسن الرضا المهدي السنوسي للعودة إلى ليبيا «لمباشرة مسؤولياته وسلطاته الدستورية كملك، وإعادة المملكة المفقودة»، طبقاً لنصوص الدستور الذي يرون بأنه «الدستور الساري المفعول والشرعي الوحيد».



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».