سباق «الأوسكار» بدأ والزحام شديد

10 أفلام على عتبات موسم الجوائز

«بيتزا بعرق السوس» لبول توماس أندرسن
«بيتزا بعرق السوس» لبول توماس أندرسن
TT

سباق «الأوسكار» بدأ والزحام شديد

«بيتزا بعرق السوس» لبول توماس أندرسن
«بيتزا بعرق السوس» لبول توماس أندرسن

في كل سنة يبدأ الأوسكار وصخبه أبكر من السنة السابقة. كان الإعلام السينمائي ومواقع التواصل الاجتماعي تقرع طبول الجائزة السينمائية الأشهر مع مطلع العام الجديد. ثم أخذت الطبول تُقرع في الأشهر الثلاث الأخيرة من كل عام. هذه السنة، وفي العام الماضي أيضاً، انطلقت التوقعات قبل ستة أشهر عندما أخذت مواقع كثيرة بطرح السؤال: «ما هي الأفلام التي ستدخل منافسة الأوسكار في السنة المقبلة؟».
الواضح أنّ البعض يريد أن يكون الأول في تنبؤاته ربما تعزيزاً لذاته أو لموقعه أو لصحيفته، علماً بأنّ لا شيء أكثر من تكهنات بسيطة يمكن الخروج بها في الشهر السادس أو ما يليه من العام. الفكرة الواقعية تتكوّن دوماً في الأسابيع الأخيرة من السنة على شتى أصعدة التنافس. الصورة تزداد وضوحاً بدءاً من هذا الشهر.

- طوابق عليا وسفلى
نحن على بعد شهرين وعشرة أيام من فتح باب التصويت لأوسكار 2022 في السابع والعشرين من شهر يناير (كانون الثاني)، في الأول من فبراير (شباط) يغلق باب التصويت، وفي 27 مارس (آذار) سيقام الحفل الـ94 لهذه الجائزة التي تُشرف عليها «أكاديمية الفنون والعلوم السينمائية» في هوليوود.
كالعادة، يتمحور كل شيء حول الفيلم. الفيلم هو النقطة المنتصفة للدائرة التي تضم باقي الترشيحات والمنافسات؛ إذ لا يمكن توفير طواقم التمثيل والإخراج والكتابة والتأليف الموسيقي أو التصوير أو أي جهد آخر في أي سباق منفصلاً عن الأفلام التي تمنح كل هذه الأقسام أسباب وجودها.
الأفلام بدورها ذات حركة عمودية؛ بعضها في طوابق سفلى، ومنها ما قد يصعد تدريجياً مع الوقت، ومنها ما بقي في مكانه. تلك الأفلام التي تشغل الطوابق العليا، وهي الأفلام الأكثر احتمالاً لدخول السباق رسمياً، تشهد المصير نفسه: بعضها يبقى فوق وبعضها ينزل إلى الأسفل مثل ركاب مصعد كهربائي ينتقل بين الأدوار.
الأفلام التي تتزاحم حالياً على الصعود إلى الواجهة والبقاء فيها تزيد على عشرة أفلام وآخر من انضم إليها فيلم Tick‪…‬ Tick‪..‬ Boom‪!‬ للين مانويل ميراندا وLicorice PIzza لبول توماس أندرسن. الأول ميوزيكال ينبري فيه كل من أندرو غارفيلد وفنيسا هودجز وألكسندرا شِب للبطولة، والثاني كوميديا رومانسية تقع أحداثها في السبعينات ويقود بطولتها وجهان جديدان (سكايلر غيزوندو وألانا هايم) لجانب ظهور شون بن وبرادلي كوبر وجون س. رايلي.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
من الصعب ترتيب وجود هذين الفيلمين (أو أي آخر)، في قائمة محددة تضع الفيلم الأكثر احتمالاً في المركز الأول والأقل في المركز العاشر أو ما يليه. هذا لأنّ الوقت لا يزال مبكراً للتأكد من اتجاهات واحتمالات الفوز بالترشيحات أساساً، ناهيك باحتمالات الفوز بالأوسكار ذاته. لكن ما يمكن قوله هو إنّ هناك مجموعة من الأفلام تبدو أكثر حضوراً في المشهد اليوم. العشرة الأولى منها هي التالية ومن دون ترتيب معيّن:

1 - Licorice Pizza
■ هو كوميديا لم يعمد المخرج المعروف بول توماس أندرسن (Phantom Thread‪، ‬ There Will Be Blood وThe Master من بين أخرى) لمثيل لها، إذ طالما شهدت أفلامه طروحات اجتماعية حادة وشخصيات أكثر حدّة. هذا لا يعني أنّ الفيلم «أندرسن - لايت» بل لا يقل عمقاً في منواله عن بعض أفلام المخرج السابقة.‬‬‬‬‬

2 - King Richard
■ هذا فيلم رياضي الشأن مقتبس عن سيرة ذاتية للاعب تنس مشهور ومعتزل (ول سميث) يريد توجيه ابنته (أونجانو إيليس وسنية سيدني) لممارسة هذه الرياضة. المهمّة ليست سهلة؛ كون الفتاتين الصغيرتين لديهما مشروعات حياة أخرى.

3 - The Tragedy of Macbeth
■ ينهل المخرج جووَل كووَن من مسرحية ويليام شكسبير هذا الفيلم الدرامي الخالص، مانحاً دور ماكبث للممثل الأفرو - أميركي دنزل واشنطن. هذا هو الفيلم الأول لجووَل منفصلاً عن شقيقه إيتان بعد كل هذه السنوات من العمل معاً.

4 - West Side Story
■ الفيلم الجديد للمخرج ستيفن سبيلبرغ هو إعادة للفيلم القديم بالعنوانه ذاته الذي قام روبرت وايز وجيروم روبنز بتحقيقه سنة 1961. الموضوع ذاته: عصابتان من الفتيان؛ واحدة من أثرياء المدينة والأخرى من فقرائها يتصارعان على زعامة الحي.
واحد من أحد الطرفين يقع في حب فتاة من الطرف الآخر. النزاع يحتد. هو فيلم سبيلبرغ الموسيقي الأول، وهو كان رُشّح للأوسكار، عبر أفلامه أو بشخصه، 14 مرّة سابقة، خرج منها بثلاثة «أوسكارات»؛ أحدها مجمل أعمال (1987) والآخران واحد عن «قائمة شيندلر» (1994) والثاني عن «إنقاذ المجنّد رايان» (1999).

5 - Tick‪…‬ Tick ‪…‬ Boom‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
■ كما أسلفنا، هو فيلم موسيقي من بطولة أندرو غارفيلد. نضيف هنا أنّه يدور حول مؤلف موسيقى لأعمال مسرحية يراجع حياته في هذا المضمار بمناسبة عيد ميلاده الثلاثين. يبدو لي أنّ المراجعة مبكرة، لكن هذا هو فحوى الفيلم على أي حال.

6 - The Power of the Dog
■ فيلم المخرجة النيوزلندية جين كامبيون الجديد هو أميركي الحكاية حول صاحب المزرعة في الغرب الأميركي (بندكت كمبرباتش) ذي الطبيعة العدائية. بوصول شقيقه وزوجته يقع صدام الشخصيات إلى أن يجد صاحب المزرعة نفسه في الخانة التي عليه أن يعترف فيها بأنّ أسلوب حياته ليس صحيحاً.

7 - Dune
■ التقدير العالي، نقدياً، لهذا الفيلم سيدفع به إلى الترشيحات بلا شك، لكن هل سيدفع به إلى الفوز؟ ينقل الفيلم نصف ملحمة هربرت فرانك المنتمية إلى نوع الخيال العلمي التي تقع أحداثها فوق كثبان تبدو عربية. للفيلم مزاياه لكن ليس من بينها تمثيل تيموثي شالامات.

‫8 - Belfast‬‬‬‬‬‬
■ يبدو فيلم كينيث براناف مؤكداً بدوره. سيرة ذاتية للمخرج الذي بدأ السينما بأعمال مقتبسة عن مسرحيات شكسبير ثم نوّع أكثر منتقلاً إلى أدب أغاثا كريستي. كما أسلفنا في مقال سابق «بلفاست» يشبه ما قام به ألفونسو كوارون حين قدّم «روما» من ناحية أنّه روى سيرته الذاتية وهو صغير. «روما» فاز بأوسكار أفضل فيلم، فلم لا «بلفاست»؟ هذا هو رهان براناف.

9 - The Lost Daughter
■ هذه الدراما التي تتحدث عن امرأة تفترش رمال الشاطئ وحيدة، عندما تبدأ بملاحظة أفراد عائلة تؤم المكان نفسه. ملاحظاتها تكوّن بداية لتغيير حاسم في شخصيّتها. المرأة هي أوليڤيا كولمن التي رُشحت في العام السابق في سباق أفضل ممثلة مساندة. المخرجة هي ماغي جيلنهال، وبذلك هي ثاني امرأة تتقدّم بفيلمها إلى هذه الترشيحات لجانب جين كامبيون.

10 - House of Gucci
■ أخفق فيلم ريدلي سكوت «المبارزة الأخيرة»، نقدياً وتجارياً، لذا لن يدخل السباق. لكنّ في جيب سكوت فيلماً آخر لافت للاهتمام هو «منزل غوتشي» الذي يدور حول صراعات داخل العائلة التي تملك محلات أزياء وملابس في أوروبا والولايات المتحدة. سلمى حايك أمام لادي غاغا وفي الوسط آل باتشينو وجيريمي آيرونز ويارد لوتو.
المجال لا يزال مفتوحاً أمام مفاجآت وجياد سوداء. البعض يتحدّث عن «سوان سونغ» و«رحلة لجوردان» و«ستيلووتر» حتى لا ننسى «ذا فرنش ديسباتش» و«لاست نايت إن سوهو». وهناك من يذهب به الاعتقاد بعيداً فيضم إلى قائمة الأفلام المرجح دخولها المنافسة أعمالاً تصلح ربما لجوائز أخرى غير أوسكار أفضل فيلم مثل «بلو بايو»، و«عينا تامي فاي»، وفيلم جيمس بوند الأخير «لا وقت للموت».
بصرف النظر عن هذه الاحتمالات، فإنّ الثابت أنّ هوليوود تتغيّر، ومن ساد عمليات التصويت في زمن مضى تغيّر، إما لرحيله أو لدخول أعضاء جدد ينتمون إلى الزمن الحاضر ومزاجاته.


مقالات ذات صلة

«المحاسبة الاجتماعية»... فيلم يدقّ ناقوس الخطر

يوميات الشرق مايكي ماديسون وجيريمي ألين وايت في فيلم «المحاسبة الاجتماعية» (imdb)

«المحاسبة الاجتماعية»... فيلم يدقّ ناقوس الخطر

لا يكتفي الفيلم باستهداف وسائل التواصل الاجتماعي، بل يدقّ أيضاً ناقوس الخطر بشأن الديمقراطية الأميركية.

مانولا دارغيس (نيويورك)
يوميات الشرق الرئيس المصري واستقبال كورال الأطفال الكوري له (منصة «إكس»)

«القوة الناعمة»... ورقة مصر الرابحة لتعزيز حضورها في أقصى الشرق

في العاصمة الكورية الجنوبية سول، استقبل كورال من الأطفال الرئيس المصري بأغنية «فيها حاجة حلوة»، التي اشتهرت بصوت المطربة ريهام عبد الحكيم.

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق ديزي إدغار-جونز وإسمي كريد-مايلز في المعالجة الجديدة لفيلم «العقل والعاطفة» (imdb)

فيلم «العقل والعاطفة»... معالجة جديدة أكثر واقعية وقسوة

نشأت المخرجة جورجيا أوكلي وهي تشاهد النسخة السينمائية لرواية جين أوستن «العقل والعاطفة» (1995)، وهو عمل نال المحبة بفضل السيناريو الممتع الذي كتبته إيما تومسون.

سارة باهر (نيويورك)
يوميات الشرق مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» صور في «قصر فرساي» (imdb)

بعد مرور 20 عاماً: فيلم «ماري أنطوانيت» للمخرجة صوفيا كوبولا يعود إلى «قصر فرساي»

تعود كوبولا لاستكشاف فيلم «ماري أنطوانيت» سينمائياً مرة أخرى؛ فبينما كانت تعمل على الفيلم قبل 20 عاماً، كانت هناك عين تراقب من كثب: والدتها إليانور.

لورا كابيل (باريس)
يوميات الشرق صورة مركبة للفنانة نادية لطفي و«سيدة الشاشة» فاتن حمامة والنجمة تحية كاريوكا

بالثوب الأبيض والقلب النابض... فنانات مصريات بمستشفيات حرب أكتوبر

«حرب الكرامة بالأبيض والأسود»... عندما قادت فاتن حمامة ونادية لطفي وتحية كاريوكا وهالة فاخر كتائب «الهلال الأحمر» بالمعادي.

كوثر وكيل (لندن)

«ديغر» صرخة ضد العبث بالبيئة يطلقها إيناريتو وكروز

 المخرج إيناريتو وراء ممثليه  (وورنر برذرز)
المخرج إيناريتو وراء ممثليه (وورنر برذرز)
TT

«ديغر» صرخة ضد العبث بالبيئة يطلقها إيناريتو وكروز

 المخرج إيناريتو وراء ممثليه  (وورنر برذرز)
المخرج إيناريتو وراء ممثليه (وورنر برذرز)

أول ما يسترعي الاهتمام حتى من قبل أن يبدأ فيلم «ديغر» في استعراض خطابه السياسي، ذلك القدر الكبير من الخيال الكامن في كتابته ثم ما يوازي ذلك الخيال حجماً من تنفيذ فني وإنتاجي. وهو في هذا يشترك مع عدد من أبرز أفلام السنوات الأخيرة، مثل «ميغالوبوليس» لفرنسيس فورد كوبولا و«فرانكنشتاين» لغييرمو دل تورو و«معركة بعد أخرى» لبول توماس أندرسن و«الأوديسا» لكريستوفر نولان.

إنها هذه الأفلام ومثيلاتها التي توعز بأن هوليوود لا تكتفي بتحقيق أفلام سهلة القبول لدى الجمهور السائد، بل، وبفضل مخرجين لهم الكلمة الأخيرة، تدفع باتجاه سينما ذات فن وكلمة.

توم كروز وريز أحمد في «ديغر» (وورنر برذرز)

جبل من الجليد

يلتقي فيلم «ديغر» لأليخاندرو غونزاليس إيناريتو مع «ميغالوبوليس» لفرنسيس فورد كوبولا في تصوّره عالماً غارقاً في اللهو والانشغال بذاته، إلى حد إهمال الأسئلة الجوهرية المتعلقة بسبب وجوده ومسار مستقبله.

لكن «ديغر» لا يتحدّث عن مستقبل بعيد، بل يضع ذلك المستقبل في قلب الحاضر، وكأنه واقع قائم بالفعل. بطله ديغر روكويل (توم كروز) أحد أكبر أصحاب القرار والنفوذ في العالم. ورث إمبراطورية النفط والغاز عن آبائه وأجداده، ثم وسّعها واستثمرها حتى بات يمتلك من السلطة والتأثير ما يجعل رئيس الولايات المتحدة (جون غودمان) يعقد اجتماعاته مع الوزراء والمستشارين في منزل ديغر، لا في البيت الأبيض.

يطير الرئيس إلى مقر ديغر ليبحث مستقبل الأرض بعدما تسبب الاحتباس الحراري في انفصال كتلة جليدية من القطب الشمالي، أخذت في الانجراف باتجاه أوروبا مهددة أجزاء واسعة منها. خلال اللقاء يتبادل الرجلان الاتهامات: الرئيس غاضب ولا يعرف كيف يتصرّف، وديغر يذكّره بأنه هو من وافق سابقاً على مشاريعه الاستثمارية. في هذه الأثناء كانت موجات التسوماني التي أحدثها انهيار جبل الجليد ابتلعت غرينلاند وهولندا وتواصلت في مسارها المدمر صوب ولاية ألاسكا وما بعدها.

يرسم إيناريتو صورة ساخرة وحقيقية محذّراً مما يفترض وقوعه إذا ما استمر العبث بالبيئة. إنه ليس افتراضاً بعيد الاحتمال، والسيناريو الذي كتبه المخرج بنفسه يروي حكاية مستندة إلى الواقع أكثر مما هي خيالية. الخيال والواقع هنا مدمجان بسهولة مثل ورقة ذات وجهين لا يمكن فصلهما.

ديغر أمام المجلس (وورنر برذرز)

معجزة في البال

يبدو ديغر، في مستهل الفيلم، شخصية لا تُطاق. لا يكترث بالآخرين ويكره آراءهم. معتد بنفسه ولا يقبل أن يقترح عليه أحد ما عليه فعله لأنه لا يطيق وجهة نظر مخالفة لما يراه.

عندما تقع الكارثة ويجتاح البحر أجزاء واسعة من أوروبا، يجد ديغر نفسه في مواجهة مجلس حاشد من الغاضبين المطالبين بمحاكمته. وكان مستشاره لشؤون البيئة، الدكتور غانش (ريز أحمد في أحد الأدوار الرئيسية)، قد واجهه منذ البداية بالحقيقة متهماً إياه بالمسؤولية المباشرة عما آلت إليه الأمور. غانش يدرك حجم الكارثة ولا يتردد في المجاهرة بها، حتى حين يرفض ديغر الاستماع إليه.

بعد معارضة يعترف ديغر أمام المجلس بمسؤوليته عن جزء مما حدث، لكنه يقلب الطاولة على الحاضرين، مذكّراً إياهم بأن الذنب ليس ذنبه وحده. فالقادة الذين منحوا التراخيص، ورجال الأعمال الذين سعوا وراء الأرباح، وحتى المستهلكون العاديون الذين طالبوا بالمزيد من الطاقة وما توفره من رفاهية وتقنيات حديثة، جميعهم شركاء في المسؤولية. وبذلك يحوّل إيناريتو الاتهام من فرد واحد إلى مجتمع بأسره، جعل من الاستهلاك المتزايد شرطاً للحياة المعاصرة، ثم فوجئ بالثمن البيئي الذي ترتب على ذلك.

يبدأ الفيلم بستارة مرسومة ترتفع كما لو أننا على وشك مشاهدة عرض مسرحي، وينتهي بتحويل العالم كله إلى خشبة مسرح. ففي المشهد الختامي، يقف الجمهور في الصالة مصفقاً لما شاهده من أحداث، أي للأحداث نفسها التي تابعناها نحن طوال الفيلم، وذلك بعد أن يلقي ديغر بنفسه في البحر.

وقبيل هذه النهاية، يقدّم الفيلم أحد أكثر مشاهده دلالة. فديغر، الذي بات يعيش على متن باخرة بعد الكارثة، يواجه مع مرافقيه أزمة نفاد الطعام. عندها يلجأ إلى الصلاة معتقداً أن معجزة ستنقذهم. يأمر الجميع بالركوع، ثم يقف ويرفع رأسه مبتسماً: لقد تحققت المعجزة وها هي الغرفة مليئة بالطعام. لكن هذا في خياله الجانح وحده. الباقون يدركون أن المعجزة لم تتحقق.

صوب الأوسكار

البداية بستارة مسرحية والنهاية المماثلة تعيداننا إلى فيلم إيناريتو «بيردمان‪:‬ الفضيلة غير المتوقعة للجهل» (Birdman or the Unexpected Virtue of Ignorance) الذي أخرجه سنة 2014 والذي دارت أحداثه داخل المسرح (ما عدا مشاهد قليلة). لكن هذا ليس اللقاء الوحيد بين الفيلمين. هناك أيضاً إدارة الكاميرا في مشاهد يتحرك فيها الممثل والكاميرا في ممرات ضيّقة بين الغرف. المصوّر في كلا الفيلمين واحد هو إيمانويل لوبيزكي.

ما هو مختلف هنا هو قيام المخرج بالاتفاق مع مدير التصوير باعتماد إضاءة باهتة خصوصاً في الساعة الأولى من الفيلم الممتد لنحو ساعتين وعشر دقائق. الضوء يفتقد الحدة والصفاء، إذ تغشاه مسحة باهتة تبدو جزءاً من رؤية الفيلم لعالم ديغر؛ عالم أقرب إلى حلم مضطرب أو كابوس مغبّش تذوب فيه الحدود بين الواقع والوهم. في مشاهد أخرى يميل الاختيار للون البنّي المشابه، حسب الفيلم، للعقلية التقليدية التي يتبناها ديغر والمسؤولين السياسيين والعسكريين.

لا يشبه أداء كروز في هذا الفيلم أي أداء سابق له. خطابه أمام المجلس يشبه خطاب ند بيتي في فيلم سيدني لومت «نتوورك» (1976) وروبرت دوڤال في «الحواريّ» (The Apostle) في 1997. يبدو كروز كما لو أنه أعاد اختراع نفسه وقد وصل إلى سن تسمح له بذلك.

السياسة في «ديغر» هي رداء يرتديه الفيلم بكامله. الرئيس الأميركي قُصد به أن يكون كاريكاتورياً، كذلك المحيطون به. مشكلته أنه آخر من يعلم في كل شيء. لا يستطيع أن يجد حلاً لشيء (ويعترف بذلك) لذا فإن القرار السهل هو لوم الصين وروسيا وشن حرب نووية عليهما، أي مواجهة كارثة بأخرى.

لكن الفيلم يقع في فخ صعب، إذ يطرح الأزمة بقوة ثم يعمد لتمييعها. كما في مشهد المحاكمة التي يخرج ديغر منها منتصراً بعدما وزع المسؤولية على الآخرين.

وفي النهاية يقرر إيناريتو إحالة كل ما سبق إلى عرض مسرحي داخل الفيلم. كان مارتن سكورسيزي خسر قضيّته في «قتلة فلاور مون» (2023) عندما حوّل الفيلم في نهايته إلى برنامج إذاعي. إيناريتو يكرر هذا النوع من النهايات الذي يكاد يُلغي المضامين السابقة ومفاداتها المهمّة.

لن يقف هذا المأخذ حائلاً دون نجاح الفيلم على صعيد الجوائز. فـ«ديغر» يمتلك كل المقومات التي تدفعه بقوة نحو موسم الأوسكار من ناحية الإخراج والتمثيل. إنه من تلك الأفلام التي تخاطب المزاج السائد في المرحلة الراهنة، حيث يتصاعد النقد الموجه إلى أصحاب القرار السياسي والاقتصادي، وإلى السياسات القصيرة النظر التي تهدد مستقبل العالم.


شاشة الناقد: فيلمان جديدان من بطولة براد بت وإيزابل أوبير

إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).
إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).
TT

شاشة الناقد: فيلمان جديدان من بطولة براد بت وإيزابل أوبير

إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).
إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).

THE BLOOD COUNTESS

★★* إخراج: أولريك أوتنغر

* ألمانيا (2026)/ عروض تجارية.

حرصت المخرجة الألمانية أوتنغر على تقديم فيلم عن مصاصي الدماء يختلف عن كل ما سبقه في هذا الحقل؛ ولذلك سخّرت معظم عناصر العمل لتحقيق هذا التميّز.

مصاص الدماء هنا هو امرأة ذات اسم لا يمكن حفظه هو «بلوتغرافن إرزابت باثوري» (إيزابل أوبير). تصل ليلاً إلى ڤيينا بعد غياب سنوات، ولا تمضي دقائق حتى تنقضّ على رقبة الضحية الأولى. الآخرون حولها يتمتعون أيضاً بأسماء غريبة مثل «بروتوس فون باثور زو كلينغنفلز» و«رودي بوبي فون سترودي» و«غيهايمرات لايشنبيتر». من حسن الحظ أن هذه الأسماء ليست الوحيدة التي تدفع نحو الاختلاف، بل هناك جهد بصري مبذول بعناية فائقة لتأمين ذلك الهدف.

عندما تكتشف «بلوتغرافن» أن هناك من يبحث عن كتاب يستطيع به إبادة الفامبايرز، فإنها تنبري للحصول على ذلك الكتاب لحماية نفسها وأمثالها، وذلك بمساعدة خادمتها «هرمين» (بريجت مينيشماير). هناك تمثيل متوازٍ في حسناته بين أوبير ومينيشماير، لكن باقي الشخصيات لا تترك الأثر نفسه، خصوصاً أن إدارة المخرجة لها قائمة على مبدأ العناية ببطلة الفيلم ومساعدتها أولاً.

بصرياً «ذَ بلود كاونتَس» أخّاذ في جوانب كثيرة. التصاميم الفنية؛ كذلك تصاميم الملابس، والديكورات الداخلية. تستخدم المخرجة ومدير تصويرها إضاءة كافية لإبعاد شبح أفلام الرعب الداكنة. في الواقع تُثري المخرجة الفيلم بتعدد الألوان بدل أن تقّلد الأفلام الأخرى. لكنها عناية تنقلب على نفسها حال يتبدّى أن الفيلم إنما يستند في معظم أحداثه على قصّة بسيطة المفارقات. بذلك تبدو بصريات الفيلم وتصاميمه وألوانه مثل غلاف لمحتوى محدود الفاعلية.

HEART OF THE BEAST

★★1/2

* إخراج: ديڤيد آير (Ayer)

* الولايات المتحدة (2026)/ عروض تجارية.

«جيمس » (براد بت) محاربٌ سابق يستقل وكلبُه «أودين» طائرة برمائية في رحلة مفتوحة التوقعات. الطائرة تسقط في بعض مجاهل ألاسكا (تم التصوير في آيسلندا)، ومن هنا فصاعداً تتوالى فصول الحكاية التي تعتمد على مشاهد الخطر المتوالية. يحشد الفيلم للكثير من هذه المشاهد؛ من السقوط من علٍ في نهر جارف، إلى مواجهة دب ضخم، ومن نوبة قلبية تصيب «جيمس»، إلى هجوم ذئاب جائعة عليه وعلى كلبه. هذا إلى جانب صعوبة الرحلة قبل وبعد إصابات يتعرّضان لها. كلاهما يشرف على الغرق. كلاهما يُصاب، وكلاهما ملتحم مع الآخر في مصير واحد.

براد بت في «قلب الوحش» (باراماونت).

وسط كل هذا، هناك تلك العلاقة الوطيدة بين الكلب وصاحبه. هي علاقة حب يوظّفها الفيلم لمنح مشاهديه مشاعر تطفو فوق الواقع وتحتفي بالعاطفة. يعتمد الفيلم كثيراً على تلك العلاقة وكيف أنها لا تخبو أو تتوقف. تمر بامتحانات كثيرة، وتتجاوزها دائماً. إنه فيلم عن رجل وكلبه كما كانت رواية إرنست همنغواي «العجوز والبحر»؛ الكلب ملاذ «جيمس» بينما البحر ملاذ «العجوز». الفارق أن القيمة الأدبية تنتمي إلى رواية همنغواي على تواضع الفيلم الذي استُخلص منها.

في «قلب الوحش» مشاهد فلاشباك سريعة لـ«جيمس» في رحى الحرب العراقية حيث خدم سابقاً. لا ينوي الفيلم استخدام تلك المشاهد تعليقاً. ربما كان من الممكن منح الفيلم بعض العمق الذي يحتاجه لو فعل، لكن من ناحية ثانية سيكون التعليق إضافة لا لزوم لها في سياق وطبيعة الفيلم.

أداء براد بت توظيفي بدوره. الانفعالات لا تتجاوز ما هو مطلوب على الورق، وأداؤه في المشاهد التي لا تتطلب جهداً بدنياً رتيب. رغم ذلك؛ فإن الفيلم يُثير حب المتابعة بسبب ذلك الرجل وكلبه؛ لأن كليهما يحتاج الآخر.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
TT

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)

أعلنت «استوديوهات MBC»، الذراع الإنتاجية لـ«مجموعة MBC»، اكتمال المراحل الأخيرة من فيلم «جحيم العابرين»، المقتبس من رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب السعودي أسامة المسلم، تمهيداً لعرضه في صالات السينما السعودية اعتباراً من 19 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، على أن يصل لاحقاً إلى عدد من المدن العربية.

وصُوّرت جميع مشاهد الفيلم في السعودية، وتولت إخراجه المخرجة السعودية هناء العمير، فيما كتب أسامة المسلم السيناريو المقتبس من روايته، ويشارك في بطولته أضواء بدر، وباسل الصلي، ومحمد علي، وشجاع نشاط، وعزيز غرباوي.

وينتمي «جحيم العابرين» إلى سينما التشويق والغموض والرعب، مستنداً إلى الأسلوب الذي عُرف به المسلم في أعماله الأدبية، والقائم على مزج الفانتازيا بالإثارة النفسية، وتقديم شخصيات وأحداث غامضة ضمن حبكة متسارعة.

وتبدأ أحداث الفيلم على طريق منعزلة، عندما تصادف فتاة تقود سيارتها بمفردها شاباً تعطلت مركبته، فتقرر مساعدته وإيصاله إلى أقرب محطة، رغم شعورها بالقلق تجاه الموقف. وسرعان ما تتحول الرحلة في عتمة الليل إلى سلسلة من الأحداث الغريبة والمخيفة، لتدخل الشخصيتان في مواجهة متصاعدة مع مخاطر تضع إمكانية نجاتهما موضع تساؤل.

يأتي الفيلم ضمن شراكة أعلنت عنها «استوديوهات MBC» وأسامة المسلم قبل نحو عامين، تستهدف تحويل عدد من روايات الكاتب السعودي إلى أعمال درامية وسينمائية.

ويحمل الفيلم بصمة المنتج محفوظ الزهراني، فيما تولى سفيان الفاني إدارة التصوير، وتولت شركة «Aflam Production» التنفيذ، وهو من إنتاج «استوديوهات MBC»، وإخراج هناء العمير، وقصة وسيناريو أسامة المسلم.