صعيد مصر بين عنف «الإخوان» وضغوط السياحة

آمال بأن يخفف نجاح الانتخابات الرئاسية من أوجاعه

السوق السياحية في الأقصر تعاني من الكساد («الشرق الأوسط»)
السوق السياحية في الأقصر تعاني من الكساد («الشرق الأوسط»)
TT

صعيد مصر بين عنف «الإخوان» وضغوط السياحة

السوق السياحية في الأقصر تعاني من الكساد («الشرق الأوسط»)
السوق السياحية في الأقصر تعاني من الكساد («الشرق الأوسط»)

«نأمل أن تخفف الانتخابات الرئاسية أوجاعنا التي نعيش فيها منذ ثلاث سنوات، بعد انهيار صناعة السياحة، والغياب الأمني الواضح في المناطق الأثرية وفي الشوارع»، عبارات بسيطة وصف بها الشاب الثلاثيني محمد مدبولي حال مدينة أسوان السياحية، قائلا: «الآن نعاني من عنف أنصار جماعة الإخوان المسلمين، ووقف الحال في المناطق السياحية».
حال الشاب مدبولي يشبه حال الآلاف من سكان مدينة الأقصر (القريبة من أسوان)، أهم المدن السياحية في العالم، التي تشتهر بوجود ثلث آثار العالم، وأكثر من 800 مزار، بعد أن رحل كثيرون من شبابها لتوقف حركة السياحة المصدر الرئيس للرزق.
وكثفت الدولة المصرية من إمكاناتها لتعود حركة السياحة إلى طبيعتها في الأقصر وأسوان، التي تأثرت منذ تنحي الرئيس الأسبق حسني مبارك عن السلطة في عام 2011. وتفاقم الأمر بعد أن طالت المدينتين الفوضى بسبب مظاهرات أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي اليومية، وذلك بتيسير رحلات للأسر المصرية في الفنادق والبواخر السياحية بأسعار مخفضة.
وتقول السلطات المحلية إنها «تحكم سيطرتها أمنيا على المدينتين من أجل عودة الحركة السياحية، وإن أسواق أسوان والأقصر تشهد رواجا سياحيا كبيرا خلال موسم الشتاء»، لكن خبيرا سياحيا في أسوان قال إن «بيوتنا أضيرت، وشركات كثيرة أغلقت أبوابها بسبب ضعف حركة السياح. ونأمل أن تنتهي الانتخابات الرئاسية على خير لتعود الحياة لطبيعتها».
وكشف الخبير السياحي عن تراجع الحركة السياحية في مصر بنسبة 70 في المائة، وأن الأمر كان أكثر سوءا في الأقصر وأسوان، وأن هناك تراجعا في الإقبال على حجوزات إجازة منتصف العام الحالي ليسجل 60 في المائة، مقارنة بـ80 في المائة خلال إجازة العام الماضي بسبب توتر الظروف الأمنية.
في حين أكدت مصادر مسؤولة في وزارة السياحية أن «الوزارة تحرص على تنشيط السياحة الوافدة إلى الأقصر وأسوان في ظل تراجع معدلات نسب الإشغال الفندقي إلى أدنى مستواها، حيث بلغت نسبة 2 في المائة، في الوقت الذي كانت تتراوح فيه نسب الإشغال خلال الفترة نفسها من كل عام إلى نحو ما يناهز 100 في المائة».
«الشرق الأوسط»، كانت في الأقصر وأسوان ورصدت اللحظات الفارقة في عمر المدينتين، اللتين كان يأتي إليهما السياح من كل مكان في العالم. وطيلة ثلاث سنوات، سيطرت على المدينتين حالتا ترقب وتوجس، الأمر الذي تسبب في تدهور الأوضاع الأمنية، وتشريد آلاف العاملين بالقطاع السياحي من أبنائها، ويقول شاهد عيان من أهالي أسوان إن «الانفلات الأمني يعد السبب الرئيس في تراجع حركة التوافد السياحي على المحافظة»، مشيرا إلى حوادث فردية من قيام بعض البلطجية بالاعتداء على السائحين والمرشدين السياحيين، في حالة رفض السائحين الشراء منهم. ويضيف أن الأحداث التي تشهدها مصر أعطت للسياح انطباعا سيئا عن حالة الاستقرار في مصر، مشيرا إلى أنه عندما يرى السائحون ما يحدث في مصر، من خلال وسائل الإعلام، يضطرون إلى تغيير رحلتهم من مصر، والسفر إلى أماكن سياحية أخرى تنعم بالأمان، مؤكدا أن مصر تحتاج إلى زيادة عدد السياح للمساعدة في المعاناة الاقتصادية التي تمر بها البلاد.
وتبعد أسوان عن القاهرة 879 كيلومترا، وبها أيضا مدينة أبو سمبل الأثرية حيث معبد رمسيس الثاني، وقرى «التهجير النوبية»، كما تضم بحيرة ناصر، التي تحوي مشروع مفيض توشكى. وتعد من أهم المزارات السياحية لوقوعها على الضفة الشرقية للنيل وتربط مصر بالسودان، وهي الباب إلى القارة الأفريقية.
ويقول شاهد من المدينة يدعى الحاج نوبي عبد التواب صاحب محال تجاري، إنه «منذ عزل مرسي، وأنصاره يتظاهرون بشكل يومي، خاصة في شارع الكورنيش الذي يضم معظم المراسي السياحية، مما دعا قوات الأمن لإغلاق الكورنيش بالقرب من مقر مديرية الأمن بالحواجز الحديدية، فضلا عن عمليات السرقة والتنقيب عن الآثار التي تجري في عز النهار»، ويضيف أن «الكورنيش كان متعة للأجانب في الاستمتاع بشمس أسوان المشرقة.. أما الآن، فهو مغلق بسبب مسيرات (الإخوان) في المدينة».
وأفاد عبد التواب بأن عناصر مسلحة من التيارات الإسلامية تفرض سطوتها على مناطق كثيرة في أسوان، وتمنع دخول الأمن والغرباء إليها.
وينظم أهالي أسوان وقفات مضادة يشارك فيها المئات تأييدا للشرطة والجيش ورفض تصرفات أنصار الرئيس المعزول، ويطلقون الهتافات «الجيش والشرطة والشعب أيد واحدة»، «معا لترشيح السيسي للرئاسة.. لتعود السياحة من جديد».
ويقول محمد أحمد، وهو من شباب أسوان: «بعد التراجع السياحي عقب ثورة 25 يناير، قامت إدارة الباخرة السياحية التي كنت أعمل بها بتسريحي من العمل، لأجد نفسي بعد 18 عاما من العمل بالمجال السياحي من دون عمل، ولدي أسرة مكونة من أربعة أفراد». أحمد، 35 عاما، اضطر إلى العمل كسائق لسيارة أجرة، حتى يتمكن من الإنفاق على أسرته.
قصة مشابهة تكررت مع ياسر توفيق (40 عاما) الذي عمل أكثر من عشر سنوات بأحد الفنادق الكبرى بمدينة الأقصر، وقامت إدارة الفندق بإنهاء عقده بسبب انخفاض حركة التوافد السياحي، والتراجع الكبير في عدد السياح المقبلين إلى المحافظة.
من جانبها، تسعى غرفة السياحة في الأقصر وأسوان إلى تنوع الأنماط السياحية، مثل السياحة الأثرية أو البيئية أو العلاجية أو الترفيهية أو السفاري أو الصيد، وذلك لما تنفرد به المحافظتين من مقومات كسحر الطبيعية والتميز الثقافي في الفنون والحرف، بجانب تفعيل سياحة المهرجانات والمؤتمرات.
واستقبل أهالي مدينة الأقصر قرارات عدد من الدول الغربية الأخيرة بتخفيف حظر السفر إلى مصر بالتهليل والفرحة. وقام عدد من الأهالي بتوزيع المشروبات والحلوى والمأكولات على بعض الأفواج السياحية التي جاءت للأقصر، وعبّر الأهالي عن سعادتهم البالغة بالقرارات.
وأكدوا أن الخطوة الأخرى تكمن في القضاء على عنف «الإخوان» ومظاهراتهم أمام المناطق السياحية، التي كانت تصيبهم بالفزع والرعب كل ليلة، خاصة في ظل غياب قوات الشرطة.
ألين، وهي سائحة من الدنمارك، قالت إنها قبل ثورة «25 يناير» كان تشعر بالأمان وكأنها في بلدها لأن المصريين - وخصوصا أهل الأقصر - طيبون وتعاملهم جيد، أما بعد الثورة فإن سلوكهم تغيّر بطريقة غريبة، مشيرة إلى أنها تعتقد أن السبب وراء تغير ذلك السلوك، هو تراجع السياحة.
ويقول مصدر مسؤول في الأقصر إن «الانفلات الأمني أدى إلى تراجع حركة السياحة بالأقصر إلى أدنى مستوياتها»، موضحا أن نسبة الإشغال السياحي في الأقصر تتراوح في الوقت الحالي ما بين سبعة إلى عشرة في المائة. كما وصلت معدلات البطالة لأكثر من 250 ألف شاب، في ظل توقف العمل بالفنادق والبواخر السياحية. فيما قال مصدر مسؤول في أسوان إن «عدد السائحين الموجودين بالمحافظة يُعدّ على الأصابع».
ودفع الوضع المتردي للسياحة في أسوان والأقصر إلى اقتراح تقدمت به عدد من الشركات السياحة لوزير السياحة هشام زعزوع، تتمثل في زيادة الوجود الأمني في المناطق والمزارات، ووضع المحميات الطبيعية على البرامج السياحية، وفتح خطوط طيران إلى الأقصر وأسوان لتطبيق برنامج اليوم الواحد.
وأشارت الشركات إلى ضرورة تحسين مستوى مقومات السياحة داخل مصر، من خلال دعم مشاريع البينة الأساسية التي أعلن عنها وزير السياحة مسبقا.
في السياق ذاته، قال مصادر مسؤولة في وزارة السياحية، إن الوزارة استثمرت كثيرا من الفعاليات الدولية المهمة في إقامتها بالأقصر، منها استضافة كثير من الرحلات التعريفية لمنظمي الرحلات والكتاب السياحيين والخبراء الأمنيين، عقب أحداث ثورة «30 يونيو»، للوقوف على حقيقة الأحداث ومجريات الأمور، وزيارة كاثرين أشتون الممثلة العليا للسياسة الخارجية والأمنية بالاتحاد الأوروبي، وزيارة ملكة جمال الهند سيلينا جيتلي.
وتابعت المصادر أنه في أسوان، التقى وزير السياحة أول وفد فرنسي رسمي مقبل إلى مصر بعد رفع مدينة أسوان، من قائمة المدن المحظور زيارتها.
ويقول أسامة صلاح مرشد سياحي إنه، على الرغم من السحر الذي ينبعث من كل ركن في المدينتين، فإن أول شعور ينتاب زوارهما الآن لن يخلو من إحساس بالألم والحسرة على حال الأقصر وأسوان، اللتين تعانيان بشدة من الركود السياحي، ومعظم السائحين بهما من المصريين، على عكس ما كان سائدا خلال السنوات السابقة، حيث كانت نسب الإشغالات في الفنادق والبواخر النيلية العائمة كاملة العدد من السائحين الأجانب المقبلين من دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأميركية.
أما الآن، فمعظم الزوار من المصريين، الذين كانوا نادرا ما يزورونهما بسبب ارتفاع الأسعار قبل ثلاث أعوام، ولصعوبة إيجاد غرف شاغرة في أي من الفنادق في موسم السياحة بالأقصر وأسوان، الذي يبدأ في شهر أكتوبر (تشرين الأول) وينتهي بنهاية أبريل (نيسان).
في سياق آخر، يواجه سكان مدينة أسوان المظاهرات اليومية لأنصار الرئيس المعزول، بالتصدي لها مع قوات الأمن، ويقول محمود محمد (50 عاما): «نساعد قوات الأمن في التصدي للمظاهرات التي تبدأ دائما من منطقة النفق بوسط المدينة». ويتابع محمد الذي حرص على تعليق صورة المشير عبد الفتاح السيسي في شرفة منزله: «لا أخاف من (الإخوان).. وأقوم بالتظاهر بصور السيسي في مظاهراتهم».
واعتاد أنصار الرئيس المعزول تنظيم مظاهرات يومية في أسوان منذ عزل مرسي، ويقول مصدر أمني مسؤول لـ«الشرق الأوسط» إن «هناك خطة أمنية محكمة للقضاء على جميع تجمعات (الإخوان)، حفاظا على المناطق السياحية»، مضيفا أن «الأوضاع الأمنية في أسوان والأقصر تتحسن بشكل يومي.. خاصة في المناطق الأثرية».



العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
TT

العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)

في مستهل الحراك الدبلوماسي الذي بدأه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي في ميونيخ على هامش مؤتمر الأمن الدولي، التقى رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، وناقش معه نشاط المنصات الإعلامية التابعة للجماعة الحوثية، مطالباً بوقفها باعتبارها جزءاً من المعركة التي تقودها الجماعة ضد اليمن والمنطقة.

اللقاء، الذي عكس تقارباً في الرؤى بين البلدين بشأن مفهوم الدولة الوطنية واحتكارها للسلاح، حمل رسائل سياسية واضحة تتعلق بضرورة منع استخدام أراضي الدول العربية كمنصات لخدمة مشاريع الميليشيات أو تهديد أمن الدول الأخرى.

ونقل الإعلام الرسمي اليمني أن العليمي أكد أن نشاط المنصات الإعلامية التابعة للحوثيين في بيروت لا يمثل مجرد عمل إعلامي تقليدي، بل يشكل جزءاً من منظومة متكاملة تستخدمها الجماعة لتعزيز خطابها السياسي والتعبوي، وتبرير هجماتها ضد اليمن ودول المنطقة، بما في ذلك تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني بدأ تحركاته في ميونيخ بلقاء رئيس وزراء لبنان (سبأ)

وشدد على أن استمرار هذه الأنشطة يتعارض مع مبدأ النأي بالنفس الذي تتبناه الدولة اللبنانية، مؤكداً أن وقف أي نشاط إعلامي مرتبط بالميليشيات ينسجم مع سيادة لبنان ومع علاقاته العربية، ويمنع تحويل أراضيه إلى ساحة للصراع الإقليمي.

وبحسب رؤية القيادة اليمنية، فإن المعركة ضد الحوثيين لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أيضاً معركة سرديات إعلامية وتأثير سياسي عابر للحدود.

ازدواجية السلاح

أفادت المصادر الرسمية اليمنية بأن العليمي أشار إلى أن ما يواجهه لبنان من ازدواجية السلاح يشبه في جوهره الأزمة اليمنية الناتجة عن انقلاب الحوثيين المدعومين من إيران على مؤسسات الدولة.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن دعم الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة أدى في البلدين إلى إضعاف المؤسسات وتعطيل التنمية وإطالة أمد الأزمات.

عناصر حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء أمام السفارة الأميركية (إ.ب.أ)

وبحسب المصادر نفسها، أثنى العليمي على الخطوات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية لحصر السلاح بيد الدولة وتكليف الجيش بإنفاذ ذلك، واصفاً إياها بأنها خطوة سيادية تعيد الاعتبار لمبدأ احتكار قرار السلم والحرب.

وفي إطار مشاركته بالمؤتمر، يسعى العليمي إلى حشد دعم دولي أكبر للحكومة اليمنية، خصوصاً في مواجهة التهديدات البحرية والإرهاب والتهريب، مع عرض التحولات التي شهدتها البلاد مؤخراً بدعم سعودي، والجهود الرامية لتوحيد القرار الأمني والعسكري وتعزيز حضور الدولة.


شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
TT

شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)

في خطوة تعكس تصاعد الزخم التنموي في المناطق اليمنية المُحرَّرة، وقّعت الحكومة الشرعية و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» مذكرة تعاون جديدة تهدف إلى رفع كفاءة البنية التحتية للطرق وتحسين حركة التنقل ودعم النشاط الاقتصادي والتجاري، ضمن مسار أوسع يستهدف تعزيز الاستقرار وإعادة بناء القطاعات الحيوية المتضررة جراء سنوات الصراع.

وجاء توقيع مذكرة التعاون بين وزير الأشغال العامة والطرق في الحكومة اليمنية حسين العقربي، ومحمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن والمشرف العام على «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، ليؤكد انتقال التعاون من مرحلة التدخلات الإسعافية إلى مرحلة التنمية المستدامة، القائمة على بناء القدرات المؤسسية وتحسين جودة الخدمات الأساسية.

وأوضح البرنامج السعودي، في بيان رسمي، أن الاتفاقية ستسهم في استدامة صيانة وتشغيل الطرق ورفع كفاءتها الفنية، عبر تنفيذ حزمة من المبادرات تشمل توفير موازين حديثة للمركبات لضبط الحمولات الزائدة التي تُعدُّ أحد أبرز أسباب تدهور الطرق، إضافة إلى تقديم الدعم الفني والاستشاري في مجالات تأهيل وتشغيل شبكات النقل، وتعزيز قدرات صندوق صيانة الطرق بالتعاون مع الجهات السعودية المختصة.

وتتضمَّن المشروعات المطروحة توسعة وإعادة تأهيل عدد من الطرق الحيوية، أبرزها طريق العبر الاستراتيجي وطريق هيجة العبد، إلى جانب مشروعات أخرى في محافظات يمنية عدة، بإجمالي أطوال تجاوزت 200 كيلومتر، وهو ما يُتوقع أن ينعكس مباشرة على تقليل تكاليف النقل وتحسين انسيابية الحركة التجارية بين المحافظات.

بوابة التعافي

تزامناً مع توقيع الاتفاقية، ناقش عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح، مع وزير الأشغال العامة العقربي أولويات عمل الوزارة خلال المرحلة المقبلة، في إطار رؤية حكومية تضع البنية التحتية في صدارة أدوات التعافي الاقتصادي والاجتماعي.

وخلال اللقاء، شدَّد طارق صالح على الدور المحوري الذي تضطلع به وزارة الأشغال في تثبيت الاستقرار داخل المناطق المُحرَّرة، عادّاً أن إعادة تأهيل الطرق الدولية والرابطة بين المحافظات تمثل عاملاً أساسياً في تخفيف معاناة المواطنين وتحسين حركة التجارة والإمدادات.

واستعرض الوزير العقربي الخطوط العريضة لخطة الوزارة لعام 2026، والتي تركز على إعادة تأهيل شبكة الطرق الاستراتيجية والمنافذ الحيوية، إلى جانب استكمال المشروعات المتعثرة وتحسين المشهد الحضري للمدن، بما يعكس حضور الدولة ويعزِّز ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مع وزير الأشغال العامة (سبأ)

وأكد طارق صالح أهمية رفع كفاءة صندوق صيانة الطرق، مع ضرورة اعتماد معايير شفافة في إدارة الموارد وتنفيذ المشروعات، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تتطلب مستوى عالياً من الكفاءة التنفيذية لتحقيق نتائج ملموسة على الأرض، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والإنسانية التي تواجه البلاد.

ويرى مراقبون أن التركيز على البنية التحتية للنقل في اليمن يمثل خطوةً استراتيجيةً، إذ ترتبط الطرق بشكل مباشر بسلاسل الإمداد وأسعار السلع والخدمات، ما يجعل تطويرها مدخلاً عملياً لتحريك الاقتصاد المحلي وتعزيز فرص الاستثمار.

شراكة تنموية

التحركات التنموية لم تقتصر على قطاع النقل، إذ شهدت الفترة ذاتها لقاءات موسعة بين المسؤولين اليمنيين و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»؛ لتعزيز التعاون في قطاعات متعددة، من بينها الصحة، والتعليم، والطاقة، والمياه، والزراعة.

وفي هذا السياق، التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم الخنبشي، السفير محمد آل جابر، حيث جرى التأكيد على عمق العلاقات بين اليمن والسعودية، والإشادة بالدعم السعودي المستمر على المستويات العسكرية والإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي في مقر البرنامج السعودي بالرياض (سبأ)

وأكد آل جابر - بحسب الإعلام الرسمي اليمني- أن بلاده تمضي في تقديم دعم شامل لليمن سياسياً واقتصادياً وتنموياً، مع التركيز على الحلول القائمة على الحوار بما يحقِّق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة للشعب اليمني.

وخلال زيارة الخنبشي لمقر البرنامج السعودي، اطّلع على المشروعات المُنفَّذة ضمن تدخلات تنموية شاملة تشمل قطاعات التعليم والصحة والطاقة والنقل والزراعة والثروة السمكية، إضافة إلى مبادرات تستهدف تحسين الخدمات الأساسية في محافظة حضرموت وعدد من المحافظات المُحرَّرة.

وقدَّم مسؤولو البرنامج عرضاً مفصلاً حول طبيعة المشروعات القائمة، والتي صُمِّمت وفق احتياجات المواطنين الأساسية، مع التركيز على تعزيز البنية التحتية ورفع كفاءة الخدمات العامة بما يدعم الاستقرار المجتمعي.

وفي قطاع الصحة، بحث وزير الصحة العامة والسكان اليمني قاسم بحيبح مع فريق فني من البرنامج السعودي الخطوات التنفيذية لإنشاء صندوق الصحة، الذي يُنظر إليه بوصفه أحد المشروعات الاستراتيجية الهادفة إلى ضمان استدامة تمويل الخدمات الطبية وتحسين جودة الرعاية الصحية.

وزير الصحة في الحكومة اليمنية قاسم بحيبح (سبأ)

واستعرض الاجتماع - وفق المصادر الرسمية - الترتيبات الفنية والإجرائية الخاصة بتأسيس الصندوق وآليات الحوكمة والشفافية في إدارة موارده، بما يضمن توجيه التمويل وفق أولويات القطاع الصحي واحتياجاته الفعلية.

وأكد بحيبح أن إنشاء صندوق الصحة يمثل خطوةً مفصليةً لتعزيز الاستقرار المالي للمرافق الصحية، خصوصاً في ظل الضغوط الكبيرة التي يواجهها النظام الصحي، مشيداً بالدعم السعودي الذي أسهم في تنفيذ مشروعات حيوية شملت تطوير البنية التحتية والتجهيزات الطبية وبناء القدرات البشرية.


تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
TT

تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)

حذّر تقرير دولي حديث من استمرار تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، رغم مؤشرات تحسن نسبي في الاستقرار السياسي والاقتصادي بالمناطق الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، مدعوماً باستئناف الدعم المالي السعودي.

وأكد التقرير أن اليمن لا يزال يواجه واحدةً من أعقد الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل استمرار النزاع الاقتصادي وتعثر مصادر الدخل وانخفاض مستويات التمويل الدولي.

وأوضح التقرير الصادر عن شبكة أنظمة الإنذار المبكر بشأن المجاعة أن استعادة الحكومة اليمنية سيطرتها على عدد من المحافظات الشرقية والجنوبية، إلى جانب الدعم المالي الذي قدمته السعودية، أسهما في تقليص مستوى عدم الاستقرار السياسي خلال الأشهر الأخيرة.

كما ساعدت هذه التطورات في تحقيق تحسن محدود في المؤشرات الاقتصادية، خصوصاً من خلال دعم بند الرواتب والموازنة العامة، الأمر الذي انعكس على القدرة الشرائية لبعض الأسر.

مشروع مدينة الملك سلمان الطبية التعليمية في المهرة (إكس)

وأشار التقرير إلى أن استمرار الدعم المالي الخارجي يوفر فرص عمل قصيرة الأجل ويساعد في ضخ سيولة نقدية داخل الاقتصاد المحلي، إلا أن هذا التحسن يظل هشاً ومؤقتاً، نظراً لارتباط التعافي الاقتصادي بإعادة تشغيل قطاع النفط واستئناف الصادرات، وهو سيناريو لا يبدو قريباً في ظل استمرار التوترات الأمنية والهجمات على البنية التحتية الاقتصادية.

تحديات مستمرة

على الرغم من المؤشرات الإيجابية المحدودة، أكد التقرير أن الحكومة اليمنية لا تزال تواجه تحديات هيكلية معقدة، أبرزها ضعف الموارد العامة، وتأخر صرف الرواتب في بعض القطاعات، واستمرار الانقسام الاقتصادي بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين. وبيّن أن هذه العوامل تعوق ترجمة التحسن السياسي إلى نتائج اقتصادية مستدامة تنعكس مباشرة على الأمن الغذائي للسكان.

وأضاف أن مخاطر زعزعة الاستقرار لا تزال قائمة نتيجة التوترات الداخلية والصراع الاقتصادي القائم، ما يجعل التحسن الحالي عرضة للانتكاس في أي وقت.

توقف عمليات أممية حرم ملايين اليمنيين الخاضعين للحوثيين من المساعدات (الأمم المتحدة)

كما أن استمرار القيود على النشاط الاقتصادي وتراجع الاستثمارات يحدان من قدرة الحكومة على توسيع برامج الحماية الاجتماعية أو تحسين الخدمات الأساسية، وفق ما أورده التقرير.

وتوقعت الشبكة الدولية استمرار انتشار انعدام الأمن الغذائي الحاد على نطاق واسع في اليمن حتى نهاية مايو (أيار) المقبل، مع بقاء شريحة كبيرة من السكان في المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة «الأزمة»، حيث تواجه أسرة واحدة على الأقل من كل خمس أسر فجوات كبيرة في استهلاك الغذاء، مصحوبة بارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد.

الأكثر تضرراً

في المقابل، أظهر التقرير أن المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين ستبقى الأكثر تضرراً من الأزمة الغذائية، خصوصاً في محافظات الحديدة وحجة، إضافة إلى أجزاء من محافظة تعز التي تشهد تقاسماً للسيطرة بين الطرفين.

ووفقاً للتقديرات، ستظل هذه المناطق ضمن مستوى «الطوارئ» (المرحلة الرابعة)، ما يعني أن أسرةً من كل خمس أسر ستواجه فجوات غذائية شديدة قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد وزيادة مخاطر الوفيات.

وأرجع التقرير هذا التدهور إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية للمواني الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، إلى جانب اضطرابات الحركة التجارية وتراجع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمواني، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب على العمالة وتآكل مصادر دخل الأسر الفقيرة.

وأشار إلى أن بطء تعافي القطاعات المدرة للدخل دفع العديد من الأسر إلى تبني استراتيجيات تكيف قاسية، من بينها تقليص الوجبات الغذائية أو اللجوء إلى التسول والعمل غير المستقر لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية.

وفي السياق ذاته، أكدت تقارير أممية متقاطعة أن الأزمة الإنسانية في اليمن لا تزال ذات آثار مدمرة، خصوصاً على النساء والفتيات، حيث يؤدي النزاع والانهيار الاقتصادي وتقليص التمويل الإنساني إلى زيادة معدلات النزوح وانعدام الأمن الغذائي وارتفاع وفيات الأمهات، إضافة إلى تراجع خدمات الحماية والرعاية الصحية.

ورغم استمرار الجهود الإنسانية، أفادت بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن تدخلاته خلال عام 2025 وصلت إلى نحو 2.1 مليون شخص، فإن فجوة تمويلية بلغت 44.5 مليون دولار أجبرت الصندوق على إغلاق نحو 40 في المائة من خدماته، ما ترك نحو مليوني امرأة وفتاة من دون رعاية صحية أساسية.

ويستنتج التقرير أن اليمن يقف أمام مفترق حاسم؛ فبينما أسهم الدعم المالي السعودي والاستقرار النسبي في مناطق الحكومة في تخفيف حدة الأزمة جزئياً، فإن استمرار الانقسام الاقتصادي وتعثر النشاط التجاري في مناطق سيطرة الحوثيين يهددان بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، ما لم تُتخذ خطوات اقتصادية وسياسية أوسع تعيد تنشيط الاقتصاد وتضمن تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق.