«إنتل» تقلب عالم التقنية بمعالجات الجيل الثاني عشر

أصبح حجم المعالجات الجديدة أكثر طولاً قياساً بالأجيال السابقة
أصبح حجم المعالجات الجديدة أكثر طولاً قياساً بالأجيال السابقة
TT

«إنتل» تقلب عالم التقنية بمعالجات الجيل الثاني عشر

أصبح حجم المعالجات الجديدة أكثر طولاً قياساً بالأجيال السابقة
أصبح حجم المعالجات الجديدة أكثر طولاً قياساً بالأجيال السابقة

تطلق شركات صناعة معالجات الكومبيوترات معالجات جديدة بشكل دوري، غالباً ما تقدم سرعات أعلى في الأداء، إلا أن إطلاق «إنتل» خلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي للجيل الثاني عشر من معالجاتها المسمى «آلدر ليك» (Alder Lake) يشكل قفزة ثورية في مجال الحوسبة والقطاع التقني بسبب تقديمها لنوى هجينة داخل المعالج، ودعمها لتقنيات جديدة للذاكرة والتعامل مع الملحقات المختلفة في الجهاز. وتعد الشركة بأن هذه المعالجات هي أفضل معالجات للاعبين. ونذكر في هذا الموضوع أبرز مزايا هذا الجيل المبتكر من المعالجات.
نوى هجينة
تقدم هذه المعالجات مجموعة من النوى فائقة الأداء (Performance Cores) ونوى الكفاءة (Efficiency Core) داخل معالج واحد. وتستطيع نوى الأداء القيام بعمليتين (Threads) متطلبتين في آن واحد، وبسرعة عالية، بينما تركز نوى الكفاءة على عملية واحدة غير ملحة (مثل تحديث البرامج في الخلفية، أو أي عملية ليست ذات ضرورة ملحة). هذه الآلية مشابهة في المبدأ لمعالجات الهواتف الجوالة التي تستخدم نوى سريعة للعمليات المتطلبة، ونوى أقل سرعة، وذلك بهدف توفير طاقة البطارية، إلا أن هدف هذه المعالجات الجديدة ليس توفير الطاقة فقط، بل عدم هدرها، بهدف الحد من الحرارة المنبعثة جراء استخدام النوى بأقصى طاقتها طوال الوقت، الأمر الذي سيخفض من عمرها الافتراضي، ويخفض من مستويات الأداء، في حال ارتفاع الحرارة لدرجات خطرة، ناهيك من المسائل المرتبطة بتبريد المعالج بسبل مختلفة. ويمكن استخدام هذه المعالجات في الأجهزة المحمولة، وخفض كمية الحرارة الناجمة عن عملها، وبالتالي رفع الأداء، وخفض استخدام مراوح التبريد بشكل مطول بهدف رفع مدة استخدام البطارية.
وكمثال على ذلك، يحتوي معالج «كور آي 9 12900» على 8 نوى فائقة الأداء و8 نوى للكفاءة؛ هذا الأمر يعني أن المعالج يستطيع القيام بـ16 عملية Thread في آن واحد عبر النوى الثمانية فائقة الأداء، و8 عمليات إضافية عبر نوى الكفاءة، للحصول على 24 عملية عبر المعالج، بسرعات تصل إلى 5. 2 غيغاهرتز باستخدام تقنية المعالجة فائقة السرعة Intel Turbo Boost Max 3.0.
وتقدم هذه المعالجات أداء أعلى بنسبة 19 في المائة، قياساً بالجيل السابق منها، وهي تحتاج إلى وجود نظام تشغيل يدعم توزيع الوظائف على هذه النوى، وهو الأمر الذي تعاونت به الشركة مع «مايكروسوفت» في نظامها الجديد «ويندوز 11». وإن لم يوزع النظام الوظائف على النوى بشكل صحيح، فسيقوم المعالج بتوزيعها وفقاً لأداة «مدير توزيع المهام» (Thread Director) لمساعدة نظام التشغيل على توزيع المهام على النوى الأفضل لكل حالة، حسب التوافر والحاجة.
ويمكن، مثلاً، تحرير عرض فيديو فائق الدقة، والبدء بعملية الحفظ (Rendering) التي تستغرق وقتاً طويلاً. وبهذه الحالة، سيتم تحويل هذه الوظيفة إلى نوى الكفاءة لتعمل في الخلفية، دون التأثير على تجربة عمل المستخدم على أمور أخرى. وإن احتاج المعالج إلى مزيد من الموارد، فسيقوم بتحويل الوظيفة إلى نوى الأداء، أو يمزج بين عدة نوى، إن دعت الحاجة لذلك. الأمر نفسه ينطبق على العمليات التي تم تحويلها إلى نوى الأداء، بحيث يمكن توظيف نوى الكفاءة لصالح العملية الحسابية، في حال ورود وظائف أكثر تطلباً.
وتم تصنيع هذه المعالجات بدقة 10 نانومتر، وهي قفزة كبيرة، قياساً بتصنيع المعالجات بدقة 14 نانومتر المستخدمة منذ عام 2015، الأمر الذي يعني قدرة الشركة على إضافة مزيد من الدارات إلى داخل المعالج.
تسريع التعامل مع الذاكرة
ومن الفوائد الأخرى التي سيستفيد منها المستخدم جراء استخدام هذه المعالجات وجود ذاكرة «كاش» Cache أكبر للنوى، خصوصاً المستويين الثاني (L2) والثالث (L3)، التي من شأنها تسريع العمليات الحسابية بشكل كبير. كما تدعم معالجات الجيل الثاني عشر تقنية DDR5 الجديدة للذاكرة ذات السرعات والسعات الفائقة، إلى جانب توافقها مع الجيل السابق DDR4. ومن شأن هذه الذاكرة تطوير آلية العمل مع المعالج بنقل كميات ضخمة من البيانات بسرعة من وإلى المعالج. وتدعم هذه المعالجات أيضاً مسارات إضافية للملحقات المتصلة باللوحة الرئيسية، تصل إلى 20 مساراً PCIe (16 مساراً للجيل الخامس من PCIe، و4 مسارات للجيل الرابع)، وتقنية «Thunderbolt 4» لتبادل البيانات بسرعات كبيرة مع الملحقات الخارجية.
يذكر أن معالجات «ألدر ليك» تقدم أداة «Extreme Memory Profiles XMP 3.0» جديدة مبنية داخل وحدة التفاعل مع الدارات الإلكترونية الرئيسية (BIOS) تدعم الذاكرة بتقنية DDR5، وتقدم سبلاً لتسريع الذاكرة بمرونة أكبر، إلى جانب تطوير تقنية «Dynamic Memory Boost Technology» المتوافقة مع الذاكرة بتقنيتي DDR4 وDDR5 لتسريع التعامل مع الذاكرة، وجعل عملية نقل البيانات بسرعات فائقة أكثر ثباتاً، دون حدوث أي أخطاء خلال ذلك.
وتأتي هذه المعالجات لتقدم قفزة تتفوق فيها «إنتل» على منافستها «إيه إم دي» AMD، خصوصاً في الكومبيوترات المكتبية والمحمولة، إلا أن هذه التقنية ما تزال جديدة، وهي مغامَرة من الشركة، حيث إن المواصفات التقنية ممتازة على الورق، ويبقى أن ننتظر أن تثبت المعمارية الجديدة نفسها في التجربة، وتكامل نظم التشغيل والبرامج المختلفة معها، ومن ثم معاينة الفائدة الناجمة عنها.
الجدير ذكره أن بعض تقنيات حماية البرامج والألعاب الإلكترونية من السرقة قد لا تعمل بشكل صحيح على هذه المعالجات جراء تغير آلية التعامل الداخلية مع المعالج، ومنها تقنية «دينوفو» (Denuvu) لحماية الألعاب الإلكترونية من القرصنة. ومن المتوقع أن تطلق الشركة المطورة لهذه التقنية أو الشركات المطورة للألعاب الإلكترونية التي تستخدم تقنية «دينوفو» تحديثات برمجية لإصلاح آلية عمل الأداة.
الإصدارات والسعر
ونظراً للتغييرات الكبيرة في تصميم المعالج والتقنيات التي يدعمها، فإنه يحتاج إلى وجود لوحة رئيسية جديدة (اسم طراز اللوحات الرئيسية التي تدعم هذه المعالجات هو Z690)، ومقبساً خاصاً للمعالج في اللوحة الرئيسية (من طراز LGA 1700)، وهي تدعم شبكات «واي فاي 6 إي» اللاسلكية، وتقنية «يو إس بي 3. 2» بسرعات فائقة، إلى جانب ضرورة استخدام مراوح تبريد بتصميم متوافق مع الحجم الجديد للمعالج (أطول بنحو 7.5 مليمتر من الجانب).
والمعالجات متوافرة في عدة إصدارات، هي 12900 (8 نوى للأداء، و8 للكفاءة، بسرعات تتراوح بين 2.4 و5.2 غيغاهرتز، و30 ميغابايت من ذاكرة «كاش» L3 و14 ميغابايت من ذاكرة «كاش» L2، ويحتاج هذا الإصدار إلى 241 واط للعمل)، و12700 (8 نوى للأداء، و4 للكفاءة، بسرعات تتراوح بين 2.7 و5 غيغاهرتز، و25 ميغابايت من ذاكرة «كاش» L3 و12 ميغابايت من ذاكرة «كاش» L2، ويحتاج هذا الإصدار إلى 190 واط للعمل). والإصدار الأخير هو 12600 (6 نوى للأداء، و4 للكفاءة، بسرعات تتراوح بين 2.8 و4.9 غيغاهرتز، و20 ميغابايت من ذاكرة «كاش» L3 و9.5 ميغابايت من ذاكرة «كاش» L2، ويحتاج هذا الإصدار إلى 150 واط للعمل). وتبلغ أسعار هذه الإصدارات 589 و409 و289 دولاراً.
وتجدر الإشارة إلى أن الشركة تقدم الإصدارات المذكورة على شكل نسخة مفتوحة السرعة (يوجد حرف K في آخر طراز الإصدار) لمن يرغب في تجربة رفع سرعة المعالج بعد تبريده، أو النسخة التي لا تحتوي على دارات مدمجة لعرض الصورة على الشاشة (يوجد حرف F في آخر طراز الإصدار) بهدف توفير التكلفة على المستخدمين الذي لديهم بطاقات رسومات متخصصة، لتصبح أسعار الإصدارات 564 و384 و364 دولاراً لإصدار (F)، في مقابل الأسعار المذكورة في الفقرة السابقة لإصدار (K).


مقالات ذات صلة

الصور والفيديوهات المفبركة في زمن الحروب… كيف نميّز الحقيقة من التزييف؟

خاص تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)

الصور والفيديوهات المفبركة في زمن الحروب… كيف نميّز الحقيقة من التزييف؟

تصاعد الأخبار الزائفة والتزييف العميق خلال الأزمات يتطلب وعياً رقمياً والتحقق من المصادر والصور والفيديوهات قبل مشاركة المعلومات.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي يحلل التقييمات والصور لاقتراح أماكن «مدونة غوغل»

ميزات جديدة في «خرائط غوغل» تحول التطبيق إلى مساعد ذكي للتنقل

تشهد خدمات الخرائط الرقمية تحولاً متسارعاً مع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى صلب تجربة المستخدم، في خطوة تسعى من خلالها الشركات التقنية إلى إعادة تعريف مفهوم…

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا تعتمد الطريقة الجديدة على استخراج المفاهيم من داخل النموذج نفسه بدلاً من فرض مفاهيم محددة مسبقاً من قبل الخبراء (أدوبي)

أبحاث جديدة لفهم تفكير الذكاء الاصطناعي وفتح «صندوقه الأسود»

أبحاث جديدة في جامعة MIT تطور تقنيات تساعد نماذج الذكاء الاصطناعي على تفسير قراراتها لتعزيز الشفافية والثقة في الأنظمة المؤتمتة.

نسيم رمضان (لندن)
خاص توسّع مفهوم المرونة الرقمية ليشمل استمرارية البرمجيات وليس الأمن السيبراني فقط (أدوبي)

خاص هل أصبحت مرونة البرمجيات شرطاً أساسياً لحماية الاقتصاد الرقمي في السعودية؟

توسّع مفهوم المرونة الرقمية ليشمل استمرارية البرمجيات ومخاطر الموردين مع بروز الحساب الضامن أداةً لحماية الخدمات الرقمية الحيوية.

نسيم رمضان (لندن)
خاص العاصمة السعودية الرياض (واس) p-circle 01:53

خاص «عام الذكاء الاصطناعي» في السعودية... دفع قوي لاقتصاد البيانات

مع تسارع السباق نحو الاقتصاد الرقمي ودخول العالم مرحلة جديدة تقودها الخوارزميات، تتجه السعودية إلى ترسيخ موقعها لاعباً مؤثراً في مستقبل التقنيات المتقدمة.

زينب علي (الرياض)

«إكس» تتقدم بمقترح قبل ساعات من استحقاق غرامة أوروبية كبيرة على المنصة

حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز)
حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز)
TT

«إكس» تتقدم بمقترح قبل ساعات من استحقاق غرامة أوروبية كبيرة على المنصة

حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز)
حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز)

بعد ساعات من انتهاء المهلة المحددة لسداد غرامة بالملايين فرضها الاتحاد الأوروبي، قدّمت منصة «إكس»، المملوكة للملياردير إيلون ماسك، إلى المفوضية الأوروبية تصوراً لتعديلات جوهرية على المنصة.

وأكد مسؤول إعلامي باسم الهيئة المنظمة، ومقرها بروكسل، الجمعة، أن المقترحات المقدمة من المنصة تركز بالأساس على تطوير آليات توثيق الحسابات عبر علامات التحقق (الشارات الزرقاء)، بهدف تعزيز الشفافية ومكافحة التضليل.

ولم يكشف المسؤول عن أي تفاصيل، لكنه أشار إلى أنها خطوة في الاتجاه الصحيح، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي: «لا يسعنا إلا أن نثمن أنه بعد حوار بناء مع الشركة، أخذت التزاماتها القانونية على محمل الجد وقدمت لنا مقترحات عملية».

يذكر أن المفوضية الأوروبية كانت قد فرضت على المنصة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، غرامة قدرها 120 مليون يورو (137.7 مليون دولار) استناداً إلى قانون الخدمات الرقمية، وذلك على خلفية ما وصفته بـ«الافتقار إلى الشفافية» في طريقة توثيق الحسابات باستخدام علامة بيضاء على خلفية زرقاء، والتي عدّتها مضللة.

وجاء إجراء الاتحاد الأوروبي ضد «إكس» عقب تحقيق استمر نحو عامين بموجب قانون الخدمات الرقمية للاتحاد الأوروبي، الذي يُلزم المنصات الإلكترونية ببذل مزيد من الجهود لمكافحة المحتوى غير القانوني والضار.

وفي يوليو (تموز) 2024، اتهمت المفوضية الأوروبية «إكس» بتضليل المستخدمين، مشيرة إلى أن علامة التوثيق الزرقاء لا تتوافق مع الممارسات المتبعة في هذا المجال، وأن أي شخص يستطيع الدفع للحصول على حالة «موثق».


إشادة دولية بالدور العالمي لـ«منظمة التعاون الرقمي» في سد الفجوات

أمين عام منظمة التعاون الرقمي ديمة اليحيى خلال مشاركتها في «قمة مونتغمري 2026» عبر الاتصال المرئي (واس)
أمين عام منظمة التعاون الرقمي ديمة اليحيى خلال مشاركتها في «قمة مونتغمري 2026» عبر الاتصال المرئي (واس)
TT

إشادة دولية بالدور العالمي لـ«منظمة التعاون الرقمي» في سد الفجوات

أمين عام منظمة التعاون الرقمي ديمة اليحيى خلال مشاركتها في «قمة مونتغمري 2026» عبر الاتصال المرئي (واس)
أمين عام منظمة التعاون الرقمي ديمة اليحيى خلال مشاركتها في «قمة مونتغمري 2026» عبر الاتصال المرئي (واس)

أشادت «قمة مونتغمري 2026» العالمية بجهود منظمة التعاون الرقمي، التي باتت منصة دولية ذات مصداقية تهدف إلى سدّ الفجوات الرقمية، وتوسيع المهارات الرقمية لخدمة الإنسان.

وتجمع القمة نخبة من رواد الأعمال والمستثمرين وصنّاع السياسات وقادة القطاع التقني من مختلف أنحاء العالم لمناقشة التوجهات الناشئة التي تسهم في تشكيل مستقبل الاقتصاد الرقمي العالمي.

وأكدت ديمة اليحيى، الأمين العام للمنظمة، خلال مشاركته في القمة عبر الاتصال المرئي، أن «التعاون الرقمي ليس شعارات بل إنجازات على أرض الواقع»، منوهة بأن «أفضل ما في الدبلوماسية التقنية لم يأتِ بعد، والمزيد من دول العالم تختار هذا المسار يوماً بعد يوم لتحقيق طموحات شعوبها باقتصاد رقمي مزدهر يشمل الجميع».

وأضافت اليحيى أن «المنظمة أصبحت تضم اليوم 16 دولة و800 مليون إنسان، ومجتمعاً متنامياً؛ بفضل رؤية الدول الأعضاء، والتزامها وتفاني الأمانة العامة، وثقة شركائها في القطاع الخاص والأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني».

إلى ذلك، تُوِّجت الأمين العام للمنظمة، خلال حفل أقيم ضمن أعمال القمة، بـ«جائزة الدبلوماسية التقنية»، التي تُمنح لتكريم القادة العالميين الذين يسهمون في تعزيز التعاون الدولي بمجال التقنية والابتكار الرقمي، بوصفها أول شخصية عربية وسعودية تحصدها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء السعودية».

من جهته، أفاد جيمس مونتغمري، مؤسس القمة، بأن اليحيى «أثبتت أن التعاون المتعدد الأطراف في القضايا الرقمية ليس ممكناً فحسب، بل هو ضرورة لا غنى عنها»، مشيراً إلى أنها «أرست نموذجاً جديداً لكيفية تعاون الدول في مجال السياسات التقنية».

بدوره، اعتبر مارتن راوخباور، مؤسس «شبكة الدبلوماسية التقنية»، أن المنظمة «باتت منصة عالمية ذات مصداقية تجمع الحكومات والقطاع الخاص لسدّ الفجوات الرقمية، وتوسيع المهارات الرقمية، وضمان أن يخدم التقدّم التقني الإنسان بدلاً من أن يتركه خلفه».

ولفت راوخباور إلى أن «التعاون التقني الدولي الفعّال ممكنٌ وملحّ في آن واحد، وهذا المزيج بين الرؤية والتنفيذ والحسّ الدبلوماسي هو تحديداً ما أُنشئت جائزة الدبلوماسية التقنية للاحتفاء به».

وحقّقت منظمة التعاون الرقمي، التي تتخذ من الرياض مقراً لها، تقدّماً كبيراً منذ تأسيسها في عام 2020، لتكون أول منظمة دولية متعددة الأطراف مكرّسة لتمكين اقتصادات رقمية شاملة ومستدامة وموثوقة من خلال التعاون الدولي.

وتضم المنظمة اليوم 16 دولة تمثل أكثر من 800 مليون نسمة وناتجاً محلياً إجمالياً يتجاوز 3.5 تريليون دولار، تعمل معاً لفتح آفاق جديدة في الاقتصاد الرقمي. وشهدت نمواً ملحوظاً وحضوراً دولياً متزايداً، حيث تضاعفت عضويتها 3 مرات منذ تأسيسها من 5 دول مؤسسة، ووسّعت فئة المراقبين والشركاء لديها لتتجاوز 60 مراقباً وشريكاً.

كما حصلت على اعتراف رسمي ضمن منظومة الأمم المتحدة، ما يُعزِّز دورها منصة عالمية لتعزيز التعاون الرقمي، علاوةً على مبادراتها وشراكاتها في هذا الصدد، وجمع الوزراء وصنّاع السياسات ورواد الأعمال والمنظمات الدولية لتعزيز الحوار والتعاون العالمي حول الاقتصاد الرقمي.


الصور والفيديوهات المفبركة في زمن الحروب… كيف نميّز الحقيقة من التزييف؟

تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)
تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)
TT

الصور والفيديوهات المفبركة في زمن الحروب… كيف نميّز الحقيقة من التزييف؟

تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)
تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)

مع التصعيد المتسارع على عدة جبهات في الشرق الأوسط، تتدفق المعلومات بسرعة تكاد توازي سرعة الأحداث نفسها. وغالباً ما تكون منصات التواصل الاجتماعي أول مكان تظهر فيه الصور ومقاطع الفيديو والتقارير عن هجمات مزعومة أو تطورات عسكرية. لكن بالتوازي مع المعلومات الحقيقية، بدأت أيضاً موجة من المحتوى المضلل أو المفبرك تنتشر على الإنترنت، ما يجعل التمييز بين الحقيقة والزيف أكثر صعوبة.

تحدٍّ رقمي متزايد

في هذا السياق، يحذر خبراء الأمن السيبراني من أن الانتشار السريع للمعلومات المضللة، لا سيما عبر مقاطع الفيديو المعدلة وتقنيات التزييف العميق (Deepfakes)، أصبح تحدياً رقمياً متزايداً خلال فترات عدم الاستقرار الجيوسياسي.

ويؤكد ماهر يمّوت الباحث الرئيسي في الأمن لدى شركة «كاسبرسكي» خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط»، أن التمييز بين المعلومات الموثوقة والروايات الزائفة يصبح أكثر أهمية خلال حالات الطوارئ، حين ترتفع حدة المشاعر ويميل الناس إلى مشاركة المحتوى بسرعة من دون التحقق منه.

ويردف: «مع تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، حذّرت جهات حكومية في دول مجلس التعاون الخليجي من نشر أو تداول أي معلومات من مصادر غير معروفة». ويضيف أن «الأخبار الزائفة، أي المعلومات المضللة أو غير الدقيقة التي تُقدَّم على أنها أخبار حقيقية، تصبح أكثر خطورة خلال حالات الطوارئ».

ماهر يموت باحث أمني رئيسي في «كاسبرسكي» (كاسبرسكي)

المعلومات المضللة

ليست الأخبار الزائفة ظاهرة جديدة، لكنّ حجم انتشارها وسرعتها تغيّر بشكل كبير مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي وأدوات الذكاء الاصطناعي؛ ففي أوقات التوتر الجيوسياسي، يمكن أن تنتشر تقارير غير مؤكدة أو مقاطع فيديو معدّلة على نطاق واسع خلال دقائق، وقد تصل إلى ملايين المستخدمين قبل أن تتمكن جهات التحقق من الحقائق من مراجعتها.

ويصنف الخبراء الأخبار الزائفة عادة ضمن فئتين رئيسيتين؛ الأولى تتعلق بمحتوى مفبرك بالكامل يهدف إلى التأثير في الرأي العام أو جذب زيارات إلى مواقع إلكترونية معينة. أما الثانية فتتضمن معلومات تحتوي على جزء من الحقيقة، لكنها تُعرض بشكل غير دقيق لأن الكاتب لم يتحقق من جميع الوقائع، أو بالغ في بعض التفاصيل.

وفي الحالتين، يمكن أن يؤدي ذلك إلى إرباك المتابعين خلال الأزمات، خصوصاً عندما يعتمد المستخدمون على منصات التواصل الاجتماعي، بدلاً من المصادر الإخبارية الموثوقة للحصول على التحديثات.

كما بدأت السلطات في عدة دول، التحذير من أن نشر معلومات خاطئة حتى من دون قصد، قد يعرّض المستخدمين للمساءلة القانونية، ما دفع الحكومات وخبراء الأمن الرقمي إلى التشديد على أهمية الوعي الرقمي والمسؤولية عند مشاركة المعلومات في أوقات حساسة.

الخداع المدعوم بالذكاء الاصطناعي

أدخل الذكاء الاصطناعي بعداً جديداً إلى مشكلة المعلومات المضللة، من خلال ما يُعرف بتقنيات «التزييف العميق»، وهي مقاطع فيديو مفبركة تُنشأ باستخدام تقنيات التعلم الآلي؛ مثل تبديل الوجوه أو توليد محتوى بصري اصطناعي. وفي بعض الحالات يمكن تعديل مقاطع حقيقية لتبدو كأنها توثق أحداثاً لم تقع أصلاً.

ويصرح يمّوت بأن أهمية التحقق من الأخبار الزائفة باتت أكبر من أي وقت مضى مع انتشار التزييف العميق. ويزيد: «الذكاء الاصطناعي يتيح دمج مقاطع فيديو مختلفة لإنتاج مشاهد جديدة تظهر أحداثاً أو أفعالاً لم تحدث في الواقع، وغالباً بنتائج واقعية للغاية».

وتجعل هذه التقنيات مقاطع الفيديو المعدلة تبدو حقيقية إلى حد كبير، ما قد يؤدي إلى تضليل المستخدمين، خصوصاً عندما يتم تداولها في سياقات مشحونة عاطفياً؛ فعلى سبيل المثال، قد تظهر مقاطع معدلة كأنها توثق هجمات أو تحركات عسكرية أو تصريحات سياسية لم تحدث. وحتى إذا تم كشف زيف هذه المقاطع لاحقاً، فإن انتشارها الأولي قد يسبب حالة من القلق أو الارتباك لدى الجمهور.

قد تؤدي الأخبار الزائفة إلى إرباك الجمهور ونشر الشائعات خصوصاً عند تداولها دون تحقق (شاترستوك)

كيفية التحقق من المعلومات

يشدد خبراء الأمن السيبراني على أن المستخدمين أنفسهم يلعبون دوراً أساسياً في الحد من انتشار المعلومات المضللة؛ فبينما تطور المنصات والجهات التنظيمية أدوات لرصد المحتوى المزيف، يمكن للأفراد اتخاذ خطوات بسيطة للتحقق من صحة المعلومات قبل مشاركتها.

أولى هذه الخطوات هي التحقق من مصدر الخبر؛ فبعض المواقع التي تنشر أخباراً مزيفة قد تحتوي على أخطاء إملائية في عنوان الموقع الإلكتروني أو تستخدم نطاقات غير مألوفة، تحاكي مواقع إعلامية معروفة.

وينصح يمّوت بالتحقق من عنوان الموقع بعناية، والاطلاع على قسم «من نحن» في المواقع غير المعروفة. ومن الأفضل الاعتماد على مصادر رسمية ومعتمدة؛ مثل المواقع الحكومية أو المؤسسات الإعلامية الموثوقة.

كما ينبغي التحقق من هوية الكاتب أو الجهة التي نشرت الخبر. فإذا لم يكن المؤلف معروفاً أو لا يمتلك خبرة واضحة في الموضوع، فقد يكون من الحكمة التعامل مع المعلومات بحذر.

وتعد مقارنة الخبر مع مصادر موثوقة أخرى خطوة مهمة أيضاً؛ فالمؤسسات الإعلامية المهنية تعتمد إرشادات تحريرية وإجراءات تحقق من المعلومات، ما يعني أن الأحداث الكبرى عادة ما تُغطى من قبل أكثر من جهة إعلامية موثوقة.

ويشير يمّوت أيضاً إلى أهمية التحقق من التواريخ والتسلسل الزمني للأخبار، إذ إن بعض المعلومات المضللة يعتمد على إعادة نشر أحداث قديمة أو عرضها، كما لو أنها وقعت حديثاً. كما يلفت إلى أن خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي قد تخلق ما يُعرف بـ«غرف الصدى»، حيث تُعرض للمستخدمين محتويات تتوافق مع آرائهم واهتماماتهم السابقة، وهو ما يجعل من الضروري الاطلاع على مصادر متنوعة وموثوقة قبل تكوين أي استنتاجات.

التلاعب بالمشاعر

يعتمد كثير من الأخبار الزائفة على إثارة المشاعر؛ فالعناوين المثيرة أو المقاطع الدرامية غالباً ما تُصاغ بطريقة تستفز مشاعر الخوف أو الغضب أو الصدمة، وهي مشاعر تزيد من احتمال مشاركة المحتوى بسرعة.

ويقول يمّوت: «كثير من الأخبار الزائفة يُكتب بطريقة ذكية لاستثارة ردود فعل عاطفية قوية». ويضيف أن «الحفاظ على التفكير النقدي وطرح سؤال بسيط مثل: لماذا كُتب هذا الخبر؟ قد يساعد المستخدمين في تجنب نشر معلومات مضللة». وتزداد أهمية هذا الأمر على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تميل الخوارزميات إلى إبراز المحتوى الذي يحقق تفاعلاً كبيراً، وبالتالي قد تنتشر المنشورات المثيرة للمشاعر أسرع من التقارير المتوازنة.

يسهم الذكاء الاصطناعي وتقنيات التزييف العميق في إنتاج فيديوهات وصور تبدو واقعية لكنها مفبركة (شاترستوك)

مؤشرات بصرية على التلاعب

يمكن للصور ومقاطع الفيديو نفسها أن تقدم مؤشرات على احتمال تعرضها للتعديل؛ فبعض الصور المعدلة قد تظهر خطوطاً خلفية مشوهة أو ظلالاً غير طبيعية، أو ألوان بشرة تبدو غير واقعية. أما في مقاطع الفيديو المزيفة فقد تظهر مشكلات في الإضاءة أو حركة العينين أو ملامح الوجه. ورغم أن اكتشاف هذه المؤشرات ليس دائماً سهلاً، خصوصاً عند مشاهدة المحتوى عبر الهاتف الجوال، فإنها قد تساعد المستخدمين على الشك في مصداقية بعض المقاطع المتداولة.

مسؤولية رقمية مشتركة

يرى الخبراء أن الحد من انتشار المعلومات المضللة خلال الأزمات، يتطلب تعاوناً بين الحكومات وشركات التكنولوجيا والمؤسسات الإعلامية والمستخدمين أنفسهم. ويلفت يمّوت إلى أن أبسط قاعدة قد تكون الأكثر فاعلية: «إذا كنت غير متأكد من صحة المحتوى، فلا تشاركه». ويضيف أن المشاركة المسؤولة تساعد في الحد من انتشار المعلومات المضللة وتحمي المجتمعات الرقمية.

ومع استمرار المنصات الرقمية في تشكيل طريقة انتقال المعلومات عبر الحدود، تصبح القدرة على تقييم المحتوى على الإنترنت مهارة أساسية؛ ففي أوقات التوتر الجيوسياسي والحروب، حين تختلط الشائعات بالوقائع، لا يتعلق التحدي بالأمن السيبراني فقط؛ بل أيضاً بحماية مصداقية المعلومات نفسها.