ياسر برهامي: حزب النور لم يخن «الإخوان».. وعليهم إجراء مراجعات فكرية والتخلي عن منهجهم الهدام

الزعيم «الروحي» للحزب السلفي يصف لـ {الشرق الأوسط} اللحظات الحرجة قبل عزل مرسي وسقوط الجماعة

ياسر برهامي: حزب النور لم يخن «الإخوان».. وعليهم إجراء مراجعات فكرية والتخلي عن منهجهم الهدام
TT

ياسر برهامي: حزب النور لم يخن «الإخوان».. وعليهم إجراء مراجعات فكرية والتخلي عن منهجهم الهدام

ياسر برهامي: حزب النور لم يخن «الإخوان».. وعليهم إجراء مراجعات فكرية والتخلي عن منهجهم الهدام

قال الدكتور ياسر برهامي نائب رئيس الدعوة السلفية إنه لا بد من محاصرة الفكر التكفيري المهدد للاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي في مصر، موضحا أن استمراره يعني العودة إلى ما قبل 30 يونيو (حزيران) العام الماضي، وأن ما يجري في الشارع من مظاهرات ليس بالحجم الذي تصوّره جماعة الإخوان المسلمين أو شريحة الإعلام التي تهدف إلى «إسقاط مصر».
وأوضح برهامي في حوار مع «الشرق الأوسط» أن مصر كان يمكن أن تشهد حربا أهلية، وأن مساندة الدول العربية ودعمها أوقف الانهيار الاقتصادي السريع الذي كانت مصر تشهده قبل 30 يونيو، مشددا على أن الاستقرار سيسمح بتدفق الاستثمارات، وأن قلة الاستقرار يستحيل أن يحدث معها أي نمو اقتصادي.
وأكد برهامي أن حزب النور لم يخن الرئيس السابق محمد مرسي، بل انطلق من منهج أهل السنة والجماعة الذي يرتكز على قاعدة «الإصلاح»، التي بنى عليها مبادراته للإصلاح التدريجي لمؤسسات الدولة وتحقيق أكبر قدر من التوافق مع القوى السياسية والشعبية وأجهزة الدولة. كما أوضح أنه عقب نجاح مرسي، رفض حزب النور المشاركة الهامشية في الوزارة التي عرضت عليه، حيث أقدمت جماعة الإخوان على الانفراد بجميع المناصب الوزارية.
وأشار نائب رئيس الدعوة السلفية إلى أن جماعة الإخوان والإعلام الهادف إلى بث الاضطراب في مصر يضخمون الأحداث، ضاربا مثلا بأحداث جامعة الأزهر التي شارك فيها ما بين 100 إلى 300 طالب، فتناولتها تلك الوسائل الإعلامية بالحديث عن عشرات الآلاف ومئات الآلاف على غير الحقيقة.
وشدد برهامي على أن قواعد الحزب والدعوة السلفية رفضوا بشكل واضح الخطاب التكفيري العنيف المستخدم في فعاليات «الإخوان» المختلفة والفضائيات وغيرها، وطالبوا بضرورة تغيير هذا الخطاب، مؤكدين أن جماهير الناس التي تطلب احتياجاتها الأساسية والاقتصادية من بنزين وسولار وكهرباء ومياه وعمل، ليسوا «أعداء الإسلام»، كما كانت الجماعة تدعي. وإلى أبرز ما جاء بالحوار..

* مر على أحداث 30 يونيو ما يزيد على سبعة أشهر، كيف تُقيّم المشهد اليوم؟ وما رؤيتك إذا لم تكن تلك الأحداث قد جرت؛ هل كان من الممكن أن تشهد مصر، كما يرى مؤيدو «30 يونيو»، حربا أهلية أم ما الذي سيكون عليه الوضع الآن؟
- بلا شك نحن ما زلنا في عنق الزجاجة وفي مرحلة خطيرة لا بد أن تتجاوزها مصر، وما زال أحد أخطر التحديات على الساحة السياسية هو الصدام والعنف ونمو التوجهات التكفيرية، والتنظيمات التي تسمي نفسها «الجهادية». كما أن هناك أيضا تجاوزات في ممارسات وزارة الداخلية على الأرض، وهذه التجاوزات قد تؤدي إلى تفاعل الشباب بطريقة خطرة، خصوصا أبناء التيار الإسلامي، وهذا هو أبرز ملامح المشهد اليوم.
وحول ما إذا كان من الممكن أن تشهد مصر، كما يرى البعض أو مؤيدو 30 يونيو حربا أهلية، فهذا كان احتمالا راجحا جدا، يضاف إلى ذلك بالتأكيد الانهيار الاقتصادي السريع الذي أوقفته الأحداث من خلال مساندة الدول العربية ودعمها. صحيح أن هذا الدعم لن يستمر إلى الأبد، لكن على الأقل أجّل الأمر إلى أن تستطيع الدولة الاستقرار والوقوف على أقدامها، وحينها من الممكن أن تتدفق الاستثمارات، لكن مع قلة الاستقرار يستحيل أن يحدث أي نمو اقتصادي. ما أريد قوله إننا بسبب ممارسات النظام السابق كنا وصلنا إلى مرحلة صعبة جدا أدت إلى الخروج الشعبي الكبير.
* هل ما زالت هذه المخاطر موجودة إلى الآن؟
- بالتأكيد لا، ليست كذلك، فقد نبهت إلى أن المخاطر نابعة من نمو أفكار «صدامية» مع المجتمع وتكفيرية وتنفذ العنف. وإن كانت موجودة بصورة أقل من حيث الحجم والعدد في سيناء، بما يستوجب العمل على محاصرة هذا الفكر قبل أن يستشري، فاستمرار العنف في الشوارع ما زال يهدد الاستقرار السياسي ويحد من النمو الاقتصادي، بما قد يعود بنا إلى ما قبل الـ30 من يونيو والاقتراب من الهاوية.
* بمَ تفسر المظاهرات الموجودة حاليا على الرغم من قانون التظاهر وغيره من القوانين؟
- أولا، هي أعداد محدودة؛ عشرات قد تصل إلى بعض المئات في أحوال نادرة جدا. إلا أن جماعة الإخوان والإعلام الهادف إلى اضطراب مصر، كإعلام «الجزيرة» والقنوات التابعة لـ«الإخوان» ومواقع مثل «فيس بوك» أيضا، تُضخّمها. فعلى سبيل المثال أحداث جامعة الأزهر كان عدد المشاركين بها ما بين 100 إلى 300 طالب، وهذا من تقارير إخواننا أبناء الدعوة وليس من تقارير أمنية، ثم وجدنا الحديث في الإعلام عن عشرات الآلاف ومئات الآلاف، وهذا غير صحيح. أضف إلى ذلك التوسع في استخدام العنف من قبل هؤلاء ضد الأساتذة والطلبة، بل والقيام بأعمال تخريبية.
* طرح حزب النور حزمة من المبادرات خلال الأزمة التي واجهتها مصر قبل 30 يونيو، ما أهم ملامحها؟ ومن المسؤول عن فشلها أو تجنب الأخذ بمضامينها؟
- الفكرة الأساسية التي بني عليها حزب النور موقفه - وبنى عليها مبادراته - كانت فكرة الإصلاح التدريجي لمؤسسات الدولة، وتحقيق أكبر قدر من التوافق مع القوى السياسية والشعبية وأجهزة الدولة، ولذلك كان من ضمن شروطنا مع جماعة الإخوان لتأييد الدكتور محمد مرسي في جولة الإعادة هو تشكيل حكومة ائتلافية بأوزان الكتل البرلمانية السياسية الموجودة في البرلمان المنحل.
* لكن قيل إنكم أنتم من رفض المشاركة في الحكومة بعد نجاح الدكتور مرسي مباشرة، فهل هذا صحيح؟
- الاتفاق كما ذكرت أن تكون المشاركة بنسب الوجود في البرلمان، وليس أن تكون حكومة كلها محسوبة على تيار واحد. كنا نريد مشاركة القوى الليبرالية في الحكومة بوزراء من اختيارهم، ثم يوافق عليهم الرئيس بالطبع، لكن ما حدث كان خلاف ذلك. فحزب النور كان ترتيبه الثاني داخل البرلمان يليه حزب الوفد، بما يعني مشاركة حسب وزن كل حزب، بما يعني أن يُمثل حزب النور، الذي يشغل ربع مقاعد البرلمان، في الوزارة بسبعة أو ثمانية وزراء، وكذلك أن يكون لحزب الوفد ممثلان في الوزارة، ولكن ما أقدمت عليه جماعة الإخوان هو الانفراد بجميع المناصب الوزارية.
وحين تشكلت الحكومة لم يوجد بها أي تمثيل لحزب النور إلا بوزير واحد فقط، وهو ما لم يقبله الحزب، خاصة أنه كان طُلب منا تقديم قائمة بالمرشحين، ولكن من دون إبداء أي أسباب حقيقية لم يُقبل من القائمة سوى الدكتور خالد علم الدين في وزارة البيئة، وهي وزارة هامشية وصعبة، بما يعني الفشل.
ولما اعترضنا على ذلك عُرض علينا وزارة القوى العاملة، وهو عرض يتقارب مع العرض السابق، بما يعني محاولات إظهار ممثلي الحزب غير قادرين على تولي مناصب وزارية، وهو أمر غير صحيح. والحقيقة أن الهدف من إشراكنا لم يكن مجرد الوجود في المنصب بقدر ما كان تحقيق الشراكة الحقيقية في اتخاذ القرار، فليس من المقبول الانفراد بالقرار بعد تحالفنا ودعمنا للدكتور مرسي في الوصول إلى السلطة، ذلك الانفراد الذي أدى إلى الاصطدام المباشر مع مؤسسات الدولة ومع القوى السياسية، بل مع الشعب، أو تحديدا معظم الشعب وليس كله بالطبع. لكن هناك ملايين خرجت في 30 يونيو، وهذه كانت النهاية الحقيقية.
* وماذا كانت مبادرتكم لمحاولة الإصلاح في هذه المسألة؟
- مبادرتنا بُنيت على هذا المبدأ وهو الإصلاح، فقد كانت المبادرة الأولى التي طُرحت في يناير 2013 منطلِقة من كيفية تحقيق المصالحة، من خلال عدة نقاط شملت تغيير النائب العام وجعل الاختيار من جانب المجلس الأعلى للقضاء، وتغيير الحكومة وتشكيل حكومة ائتلافية، ووضع ميثاق شرف إعلامي يضبط أداء القنوات الإعلامية كافة - الإسلامية والليبرالية - خاصة أنها اشتركت في حدة الطرح الذي يصل إلى السباب والتخوين والتكفير أحيانا.
وهذه النقاط الثلاث كانت السبب الرئيس في حدوث حالة الاحتقان والاستقطاب في المجتمع كله وفي الدولة، ولذا كان من الواجب أو من المسؤولية أن يكون هناك طرف يحاول تقريب وجهات النظر بين الأقطاب المتعددة التي دخلت في نفق الاستقطاب، بل والتقاتل. وهو ما حدث تحديدا من قبل جماعة الإخوان ومؤسسة الرئاسة في رفضها للمبادرة وبنودها.
* في هذه الجزئية صف لنا اللحظات الحرجة قبل سقوط «الإخوان»؟ وما دور حزب النور؟ وبمعنى أدق هل «خان» حزب النور الجماعة، كما يقولون؟
- لم يخن حزب النور الدكتور مرسي ولا جماعة الإخوان، فقد التزمنا بجميع بنود الاتفاق الذي كان قبل تأييده. وقبل الاشتراك في الحملة التي قام حزب النور بها على أكمل وجه، حيث كان هو المتحمل عبء المسؤولية على الأرض باتفاق الطرفين لدعوة الشعب لانتخاب الدكتور مرسي، واستمر الدعم حتى جرى وضع دستور 2012، وقمنا أيضا بالدعوة في الأرض لـ«نعم للدستور»، وكنا الوحيدين الذين نقوم بالمهمة الكبرى، بنسبة كبيرة جدا. وحاولنا في لقاء بين مجلس إدارة الدعوة السلفية بمقرها في الإسكندرية مع وفد من مكتب الإرشاد، برئاسة الدكتور محمود عزت، بتاريخ 16 يونيو (حزيران) 2013، أن ننبه إلى الأخطار المقبلة والأخطاء الموجودة، التي كان أهمها الخطاب التكفيري العنيف المستخدم في الفعاليات المختلفة والفضائيات وغيرها وضرورة تغيير هذا الخطاب.
وعلى الرغم من اعترافهم بذلك، فإنهم تنصلوا من هذا بقولهم إن هذا الخطاب لا يمثلنا، فقلنا لهم إن من يستخدمونه بعضهم من الجماعة الإسلامية والبعض الآخر من سلفية القاهرة التي تتبنى فكرة أن «الإخوان» هم رجال المرحلة، بالإضافة إلى رموز محسوبة على «الإخوان»، فقالوا إنهم لا يمثلوننا ولسنا أصحاب هذا الخطاب في حين أنهم هم من يصدرونهم في المشهد. وكل المنصات، حتى في جمعة «الشريعة والشرعية»، صدرت الرموز نفسها، ورُفعت الشعارات ذاتها التي رفضناها، وأنا رفضت منها على المنصة - حينما أتيت للحديث - ما سمعته من أن «قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار»، ونبرة التكفير بهذه الطريقة. وهذا ما أكدناه من ضمن اللقاء، وهو أن من أشد الأخطار أن نصنف كل من طالب بتغيير أو خالفنا سياسيا بأنه عدو الإسلام، وأن جماهير الناس التي تطلب احتياجاتها الأساسية والاقتصادية من بنزين وسولار وكهرباء ومياه وعمل ليسوا أعداء الإسلام، فإذا كان هناك بعض المعادين للفكرة الإسلامية عموما، فليس عامة الناس كذلك.
نبهنا أيضا إلى مسألة الطروحات السابقة من تغيير الحكومة وتغيير النائب العام، وتجنب الاقتصار على «الإخوان» في التعيينات المقبلة، خصوصا في المحافظين. كل هذا الكلام جرى رفضه عمليا وليس نظريا، حيث قالوا: نحن نعلم أن رئيس الحكومة ضعيف، ولكن إذا غيرنا فلن يرضوا، وحتى إذا أتينا بالنائب العام فلن يرضوا، فقلنا لهم إن المطلوب أن لا نجعل لهم رصيدا شعبيا طالما نستجيب لمطالبهم، حيث إن جماهير كثيرة ستنفضّ، خصوصا غير المخالفة للفكرة الإسلامية والرغبة في نجاحها، فلم يجرِ الاستجابة لأي مطلب من ذلك، ومن هنا كان انقطاع الدعوة السلفية مع مكتب الإرشاد، أما حزب النور فكان له تواصلات.
* هل طالبتم بشكل مباشر وشخصي بأن يقوم الدكتور مرسي باستفتاء شعبي مبكر أو انتخابات رئاسية مبكرة؟
- كان هذا في بيان مباشر في الأول من يوليو (تموز)، إلا أنه لم يكن شخصيا. وكان آخر حوار حدث قبل 30 يونيو، وشارك فيه المهندس جلال مرة، باجتماع حضره الدكتور مرسي، وقال فيه إنه توجد مبادرة مقدمة من القوات المسلحة تدعو إلى تغيير النائب العام. وكل المحاولات كانت تهدف إلى الإصلاح، مع بقاء الدكتور مرسي، فلم يكن أحد يريد أن يُعطل أول دستور مُستفتى عليه، ولا أن يسقط أول رئيس منتخب. لم يكن أحد يريد ذلك، بمن فيهم قادة المؤسسة العسكرية، فقد أقسم لي المشير السيسي على ذلك، مؤكدا أنه لم يكن يريد ذلك، لكن البلد كان مقبلا على منعطف خطير جدا وانهيار اقتصادي تام، ومن دون أي معاونة من أي جهة أخرى والعالم كله يتربص ويوجد شكل حرب أهلية فعلا.
* تحدث البعض عن أن هناك سيناريوهات أو مخططات لتقسيم البلاد، فإلى أي مدى يُعد هذا صحيحا؟
- إلى الآن هذه المخاطر ما زالت قائمة، وهذه المخططات معلنة وليست سرا. لقد سافرت إلى النوبة منذ نحو عام، وزرت أسوان قبل الاستفتاء، أقول إنني لم أجد في المرة الأولى أي نبرة لدى أهل النوبة في الشعور بثقافة مستقلة، ولا بكيان مستقل عن مصر. أما في المرة الأخيرة، فقد وجدت إخوة من بين من أخذوا مني حوارات، ورموزا ذات وجاهة في وسط النوبيين مرتبطة بشخصيات أخرى تتكلم عن أن النوبة شعب قبل الحضارة الفرعونية، وأن أرض النوبة من الأقصر إلى المروة في السودان، وأن النوبي ليس مصريا ولا سودانيا.. إذن هناك تخطيط لقيام دولة من جنوب مصر.
أضف إلى ذلك أن ما يحدث في سيناء يدفع بمحاولة توريط القوات المسلحة، وهو ما قد يؤدي بدوره إلى استياء عرب سيناء من الحكومة، بل واتخاذ مواقف حادة ضد الدولة.
ويتأكد هذا الخطر أيضا إذا نظرنا إلى النبرة المتصاعدة في سيوة، والمرتبطة ارتباطا وثيقا بجنوب ليبيا. كل هذه مخططات بمنتهى الوضوح تهدف إلى تقسيم البلاد، فلا بد أن نحافظ على بلادنا ومجتمعنا، ونمنع أي محاولة لهذا التقسيم الذي فشل مرات كثيرة في السابق، ولكن ما زالت المحاولات مستمرة.
* وماذا عن مساهمات حزب النور وجهوده في خروج الدستور؟
- كان لحزب النور ممثلان في لجنة الخمسين، وهما الدكتور محمد إبراهيم منصور والمهندس صلاح عبد المعبود، وقد بذلا جهدا هائلا في مراجعة ومتابعة أعمال اللجان النوعية التي شُكّلت في إطار اللجنة، مع حضور جميع المناقشات التي دارت في جلساتها. وكذلك قاما بجهد كبير في صياغة ومراجعة المواد التي أقرتها لجنة الصياغة، وكانت هناك لجنة معاونة شرعية وقانونية شكلها الحزب لمساعدة العضوين الموجودين، بالإضافة إلى التواصل مع القوى السياسية لتحقيق أكبر قدر من التوافق.
* أثير جدل حول مسألة أن حرية الاعتقاد مطلقة، ما رأيك في هذا؟
- حرية الاعتقاد كانت موجودة في الدستور السابق، وموجودة في كل الدساتير السابقة، وكلمة «مصونة» أشد من كلمة «مطلقة». ومع ذلك نقول إن «حرية الاعتقاد مطلقة» هذه متعلقة عند كل الدستوريين بما في القلب، أما التعبير عن ذلك بممارسة الشعائر وبناء دور العبادة، فطبقا للقانون كما ينص الدستور، وهذا مقيد بأصحاب الديانات السماوية فقط؛ فلا تخوّف من هذا النص.
* إلى أي مدى ترى انعكاسات إقرار الدستور الجديد على الواقع السياسي في مصر؟
- بلا شك يمثل الدستور خطوة عظيمة جدا نحو الاستقرار، ونحو اكتساب قاعدة جديدة في المجتمع الدولي في التعامل مع مصر، بدلا من تسمية ما حدث بـ«الانقلاب»، حيث يضر ذلك بالدولة المصرية والمجتمع المصري كله. وتقارير لجان المراقبة الأوروبية والغربية في عملية الاستفتاء أكدت أنه جرى بطريقة جيدة جدا، وذلك يثبت وضعا جديدا حدث في مصر لا بد أن يحترمه العالم كله. أي أنه خطوة بالتأكيد نحو الاستقرار.
* وُجّهت اتهامات في بعض وسائل الإعلام بأن حزب النور لم يتمكن بشكل جيد من حشد قواعده للموافقة على الدستور؟
- هذا ليس صحيحا. وهذا نابع من أمرين؛ أولا تصور البعض أن قواعد حزب النور والدعوة السلفية خمسة ملايين فرد (ملتحون ومنتقبات)، وهذا ليس بصحيح، من أعطونا صوتهم في الانتخابات البرلمانية الأولى سبعة ملايين ونصف المليون، عامتهم ليسوا ملتحين ولا منتقبات.
وكان هناك إعلام يحاول أن يقول للشعب المصري إن هذا الدستور «كُفريّ» و«علماني» فيرفض الناس الاستفتاء، وأنا أقصد هنا إعلام قناة «الجزيرة» والقنوات الفضائية والصفحات الإلكترونية والجرائد الإلكترونية التي كانت تنشر هذا الكلام، وتصريحات رموز من «الإخوان» تؤكد هذا الكلام. جهد حزب النور كان في إقناع عامة الشعب المصري أن الدستور ليس كذلك، وأنه لا يضيع الشريعة باتفاق حزب النور والدعوة السلفية مع الأزهر، وبالتالي مثل هذا الكلام كان هو الجهد الأساسي.
أما الأمر الثاني الذي جعلهم يعتقدون ذلك، فهو فكرتنا عن السلفيين بأنهم يقفون في طوابير ملتحين وراء بعضهم، ومنتقبات وراء بعضهن. هناك جزء بالتأكيد من السلفيين خارج نطاق الدعوة السلفية وخارج قواعدها، خصوصا السلفية الموجودة في القاهرة والجيزة أو القاهرة الكبرى التي عضدت «الإخوان»، وهم أصلا لم يكونوا مع الدعوة ولا حتى شاركوها في الانتخابات، هذا جزء بالتأكيد من قواعد التيار السلفي العام وليس من قواعد الدعوة السلفية، التي هي جمعية منظمة، التي أسس أبناؤها حزب النور. وبالتالي قالوا إنهم لم يستطيعوا الحشد والتمثيل.
أما ما يثار حول محافظة مطروح، فنقول إن محافظة مطروح لها ظروف خاصة، حيث كان هناك عدد من المعتقلين وُعدوا بالإفراج عنهم، إلا أن ذلك عاقه أمور قضائية، حيث إن النيابة استأنفت والقضاء قَبِل الاستئناف، وأُعطي 45 يوما (حبسا احتياطيا) لهؤلاء الأفراد، والقبائل في مطروح شعروا بأنهم يُوعدون دون تنفيذ، وحدث تقسيم للجان أدى إلى تفتت عدد الأصوات.
* نرى أن هناك هجوما على حزب النور من جماعة الإخوان، لكن الهجوم على شخصكم فاق هذا بمراحل كثيرة جدا؛ من الهجوم على بيتك وعلى أولادك وعلى عيادتك وسيارتك، فما أسباب هذا كله؟
- الأسباب معروفة، أولها أن هذا هو منهج جماعة الإخوان في هدم الكيانات المعارضة أو المنافسة لهم؛ يعلمون أبناءهم بأن هدم أي كيان يكون من خلال شخصنة الكيان في أحد الأفراد ويجري الهجوم عليه، وقد طبقوا هذا الكلام في بعض الكيانات القديمة التي اندثرت، شخصنة ثم هجوم ثم انتهاء هذا الكيان.. هم لا يصدقون أن الدعوة السلفية ليست ياسر برهامي، إنما ياسر برهامي أحد أعضاء مجلس إدارتها، وله صوت واحد، والباقون كلهم مؤهلون لاتخاذ القرارات. والأمور كلها جرت بصيغة مؤسسية، وبالتالي الدعوة لم تتأثر بهذا الهجوم ولا بهذه الشخصنة.
أقول لهم في هذا الخصوص: لا بد من أن تحدث مراجعات فكرية، لأن القيادة الحالية تنتهج نهج خلاف نهج أهل السنة والجماعة، صراحة في مسألة الإيمان والكفر، ووسائل العنف والتبرير أو الغطاء السياسي والشرعي لعمليات القتل والتخريب والتفجير.
* كيف ترى دور الأزهر في المرحلة المقبلة؟
- نحن نقدر دور الأزهر في فترات سابقة، لأنه كان داعما أساسيا للمحافظة على الهوية ومواد الشريعة بالدستور، وبفضل الله سبحانه وتعالى نجاحنا كان مستندا إلى دعم الأزهر في هذه القضايا. ولذلك دور الأزهر مهم جدا في التصدي للأفكار «المنحرفة» التي تحاول أن تخترق المجتمع، مثل الفكر التكفيري، وكان يقوم بدوره تماما، ولا بد من التعاون ما بين الجمعيات الخيرية والأزهر ووزارة الأوقاف.
* هل ترى أن الأزهر كان من المفترض أن يكون له دور في مواجهة الجماعات التكفيرية؟ وهل ترى تقاعسا في هذا الدور؟
- الأزهر مظلوم، حيث تراكمات سنين طويلة وتدخل الأنظمة السابقة بصفة مباشرة في النظام السابق في الأزهر، في تعييناته وإفراز شخصياته وتعيين هيئاته بدلا من أن تكون أهلا للعلماء، جُعلت حسب الأمور السياسية. لكن أظن أن الأزهر في الدستور، وبعد الثورة، أخذ وضعا مختلفا. ووجود هيئة كبار العلماء وأنها في مركز القلب من الأزهر يوفر عملا مؤسسيا، ويصبح قادرا على القيام بدوره كما ينبغي.
* كيف ترى مستقبل حزب النور؟
- حزب النور يسير إلى الأفضل وسط عامة الناس التي عوضته عن خسارة بعض القواعد السلفية من خارج أبناء الدعوة السلفية، مثلما ذكرت، حيث يكتسب الحزب كل يوم قاعدة أكبر من الاحترام والتأييد.
* وما خطة الحزب في الانتخابات البرلمانية المقبلة؟ وهل فعلا سيكون هناك تحالفات ما بين حزب النور وأحزاب أخرى؟
- قواعد الحزب السلفية لا تقبل التحالفات مع أحزاب غير إسلامية، والأحزاب الإسلامية رافضة لفكرة التحالف. ونحن نرفض أيضا ما لم تغير فكرها وأسلوبها المنتهج للتكفير والعنف. وصدرت عبارات حادة تخص هذه الأحزاب ومرجعياتها، فإذا لم تتغير فلن نقبل التحالف، لكن يبقى التنسيق مع القوى الأخرى.
* هل يمكن أن تقبل أي أحد على رأس القائمة عندك من خارج حزب النور والدعوة السلفية؟
- وارد، إذا كان ذا كفاءة، وبشرط أن يكون نظيف اليد ونظيف اللسان، وفي الوقت نفسه يوافق على الفكرة الإسلامية.
* ما معايير اختيارك؟
- الكفاءة والأمانة وقبول فكرة الانتماء الحزبي، حتى إذا كان من الخارج، ولكنه ثابت معك في القضايا الأساسية.
* هل تقبلون البرلمانيين القدامى في الانتخابات المقبلة؟
- بالتأكيد، سيكونون القاعدة الأساسية الذين أثبتوا حضورا شعبيا وبرلمانيا وسياسيا.
* إذا رشح وزير الدفاع المشير عبد الفتاح السيسي نفسه للرئاسة، هل سيقف معه حزب النور؟
- هذا قرار مؤسسي سوف يُتخذ بعد إغلاق باب الترشح.



قوات حفظ السلام المصرية في الصومال... مشاركة مرتقبة تواجه تحديات

لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
TT

قوات حفظ السلام المصرية في الصومال... مشاركة مرتقبة تواجه تحديات

لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)

دخلت قوات حفظ السلام المصرية، المنتظر أن تشارك في الصومال مرحلة جديدة، بعد اصطفاف عسكري حضره الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بالقاهرة.

تلك القوات التي أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أنها أمام مشاركة «مرتقبة» في الصومال، تواجه تحديات عديدة منها، وبحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، رد فعل «حركة الشباب» المتشددة، وإثيوبيا التي وجهت اعتراضات علنية لهذا الوجود المصري على خلفية خلافات البلدين.

وأفاد الجيش المصري، في بيان نقلته «وكالة أنباء الشرق الأوسط» الرسمية، الأربعاء، بأن «رئيس الصومال شهد اصطفاف القوات المصرية المشاركة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم وحدة الصومال وأمنه وسلامة أراضيه، وذلك في إطار الدور المصري الريادي الداعم للجهود الدولية في حفظ السلام، وتعزيز ركائز الأمن والاستقرار بالقارة الأفريقية».

ووفق البيان، «أتمت القوات المشاركة أعلى درجات الجاهزية من خلال مستوى تدريبي احترافي يُمكّن من تنفيذ المهام الموكلة إليها بكفاءة واقتدار تحت مختلف الظروف».

وكان الرئيس المصري قد قال في مؤتمر صحافي، الأحد، بالقاهرة مع نظيره الصومالي: «تناولت محادثاتنا مشاركة مصر المرتقبة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم والاستقرار في الصومال، حيث أكدتُ أن مصر ماضية في استكمال نشر قواتها ضمن البعثة، في إطار التزامها تجاه القارة الأفريقية، وفي ظل حرصها على تحقيق الأمن والاستقرار في كافة ربوع الصومال».

الخبير العسكري والاستراتيجي والمستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، اللواء عادل العمدة، قال إن مشاركة مصر المرتقبة تأتي بطلب من الصومال وموافقة الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، لافتاً إلى أن «الاصطفاف» يعني عسكرياً قرب المغادرة، وأن القوات جاهزة لإتمام المهمة المكلفة بها.

القوات المصرية المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)

ووفقاً للخبير في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، تشير المعطيات المتداولة منذ فترة إلى أن مشاركة القوات المصرية ضمن بعثة حفظ السلام المرتقبة في الصومال «لم تكن فكرة طارئة، بل خياراً مطروحاً بجدية ظل مرهوناً بالحصول على الضوء الأخضر من قيادتي البلدين في القاهرة ومقديشو»، متوقعاً انتشارها قريباً.

ويأتي هذا الاصطفاف بعد نحو شهرين من إعلان إسرائيل في 26 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، الاعتراف بإقليم أرض الصومال «دولة مستقلة ذات سيادة»، وحدوث مواجهات بالصومال، وهجمات من جانب «حركة الشباب».

وكان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قد أعلن في ديسمبر 2024 أن بلاده ستشارك في قوة حفظ السلام الجديدة التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال، المعروفة باسم «أوصوم»، التي حلت محل مهمة لمكافحة الإرهاب انتهت أواخر 2024.

وواجهت بعثة مصر منذ إعلان المشاركة تحديات. وفي يوليو (تموز) 2025، دعت الرئاسة المصرية المجتمع الدولي إلى توفير «تمويل كافٍ» لبعثة السلام في الصومال، بما يضمن استدامتها، ويساعدها على تنفيذ ولايتها بفاعلية.

وجاء نداء الرئاسة المصرية بعد دعوة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، في اجتماع للبعثة في أوغندا خلال أبريل (نيسان) 2025، إلى ضرورة «توفير التمويل اللازم لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال بما يصل إلى 190 مليون دولار».

جانب من القوات المصرية المشاركة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)

ويرى العمدة أن أبرز التحديات تكمن في المهمة الموكلة إليها، وهي مكافحة الإرهاب والعناصر الخارجية على القانون، وتحديداً «حركة الشباب»، مستبعداً أن تكون هناك تحديات من الجانب الإثيوبي تجاه قوات مصر، «خاصة أن مصر دولة قوية وملتزمة بالإجراءات والمهام»، على حد قوله.

ويعتقد كلني أن احتمال وصول القوات المصرية لا يُنظر إليه بمعزل عن التوازنات الإقليمية الدقيقة؛ إذ يُرجَّح أن يثير قلق بعض دول الجوار، وفي مقدمتها إثيوبيا، في ظل استمرار ملفات خلافية عالقة بين القاهرة وأديس أبابا، وعلى رأسها أزمة سدّ النهضة.

ويضيف أن هذا التطور «يتقاطع مع شبكة من الترتيبات الأمنية والعلاقات المتشابكة التي تربط مصر بكلٍّ من إريتريا والسودان والصومال، فضلاً عن شبهات تتعلق بأدوار إسرائيلية غير مباشرة يُعتقد أن لإثيوبيا اطلاعاً عليها، وربما إسهاماً في تسهيل بعض مساراتها».

وعلى الرغم من وضوح دلالات هذا الحراك العسكري والسياسي، فإن تقدير حجم تأثير وصول القوات المصرية إلى الصومال لا يزال سابقاً لأوانه، وفق كلني الذي قال إن ردود فعل بعض دول القرن الأفريقي تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة، لا سيما في ظل مخاوف معلنة من تنامي قدرات الجيش الصومالي تدريباً وتسليحاً.


«اتفاق غزة»: مقترح أميركي بشأن نزع تدريجي لسلاح «حماس» ينتظر ضمانات

TT

«اتفاق غزة»: مقترح أميركي بشأن نزع تدريجي لسلاح «حماس» ينتظر ضمانات

طفل يسير حاملاً وعاء ماء بعد أن ملأه من خزان مياه متنقل في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
طفل يسير حاملاً وعاء ماء بعد أن ملأه من خزان مياه متنقل في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

يقترب ملف نزع سلاح حركة «حماس» من تطور جديد يمكن أن يساعد في فك أكثر ملفات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة تعقيداً، مع تسريبات أميركية عن مقترح جديد يستهدف حلاً تدريجياً يشمل إخراج العتاد الثقيل من الخدمة فوراً.

المقترح الذي لم يخرج إلى إطاره الرسمي بعدُ، ولم يتحدث عنه الوسطاء أو «حماس»، يعتقد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنه قد يكون حلاً مناسباً شريطة أن تكون هناك ضمانات خاصة أميركية لتنفيذه وعدم انقلاب إسرائيل عليه، مشيرين إلى أنه بخلاف الضمانات الأميركية ستكون الضمانات على أرض الواقع أهم؛ مثل الانسحاب الإسرائيلي وانتشار قوات الاستقرار الدولية وقوات الشرطة الفلسطينية.

وأفادت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، الأربعاء، بأن واشنطن تعد مقترحاً جديداً موجهاً لحركة «حماس» يتضمن تسليم الأسلحة الثقيلة القادرة على ضرب إسرائيل، مع السماح لها بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في المرحلة الأولى، وسيُقدَّم هذا المقترح خلال أسابيع.

مقاتلون من «كتائب عز الدين القسام» الجناح العسكري لـ«حماس» في خان يونس يوم 20 فبراير 2025 (د.ب.أ)

وحسب «نيويورك تايمز»، تهدف الخطة إلى إخراج الأسلحة الثقيلة من الخدمة فوراً، مع تسجيل الأسلحة الشخصية، ونقل مسؤولية الأمن إلى الإدارة الفلسطينية الجديدة في القطاع، فيما تتمسك إسرائيل بنزع سلاح «حماس» قبل أي انسحاب لقواتها من غزة، وتُصرّ الحركة على عدم التخلي عن أسلحتها دون ضمانات ملموسة تشمل دمج جهاز شرطتها ضمن الهيكل الأمني والإداري للقطاع.

ويأتي المقترح الذي سربته الصحيفة الأميركية بعد يومين من رفض القيادي البارز بـ«حماس»، خالد مشعل، في منتدى بالدوحة، الأحد، نزع السلاح كلياً قائلاً: «شعبنا ما زال تحت الاحتلال، لذلك فالحديث عن نزع السلاح هو محاولة لجعل شعبنا ضحية يسهل القضاء عليه وإبادته، من طرف (إسرائيل) المتسلحة بكل السلاح الدولي».

ودعا مشعل «مجلس السلام»، الذي يرأسه ترمب إلى اعتماد «مقاربة متوازنة» قبيل اجتماعه المرتقب يوم 19 فبراير (شباط) الحالي، فيما أعلنت رئاسة الوزراء الإسرائيلية أن نتنياهو وقَّع، خلال لقائه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الأربعاء، على عضوية الانضمام «لمجلس السلام» في غزة قبل لقاء الرئيس دونالد ترمب.

فلسطينيون يركبون على ظهر عربة تجرها سيارة في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد سمير راغب أن هذا المقترح قد يكون مقبولاً فلسطينياً ويعد حلاً واقعياً، لافتاً إلى أن هذا القبول يأتي من منطلق استحالة نزع كل الأسلحة دفعة واحدة، خصوصاً في ظل حالة الفوضى وانتشار السلاح الخفيف بأيدي العامة، ووجود عدائيات ضد «حماس» لا سيما من الجماعات المدعومة من إسرائيل وهو ما يجبرها على الاحتفاظ بسلاح خفيف إلى حين وجود قوات أمنية رسمية ومسيطرة على القطاع بمهنية.

ولفت راغب إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو استبق هذا المقترح وصرح برغبته في نزع 60 ألف قطعة سلاح خفيف من «حماس»، مما يعني أننا سنكون أمام جولة تتطلب ضغوطاً أميركية على إسرائيل لقبول هذا المقترح.

ونبه إلى أن المقترح قابل للتطبيق خصوصاً أن حركة «حماس» قد فقدت بالفعل الجزء الأكبر من سلاحها الثقيل، سواء بنفاد الذخيرة ببعض الأسلحة الثقيلة أو تدمير منظومة الصواريخ، والمتبقي لديها في الأغلب هو سلاح خفيف.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، عبد المهدي مطاوع، أن هناك فرصة كبيرة لنجاح مخطط نزع السلاح تدريجياً، لأسباب أبرزها أن الإدارة الأميركية ستنزع أي مبرر لتعطيل المرحلة الثانية، وستعمل على وجود قوات الاستقرار، فضلاً عن أن «حماس» سوف تتمكن من تبرير مبدأ النزع لدى أنصارها الرافضين.

ويعتقد مطاوع أن إسرائيل تعيش عام انتخابات، وبالتالي نتنياهو وغيره سيصدرون تصريحات متشددة، وسيستغل نزع السلاح في هذا الأمر، لكن الموقف الأميركي وضغوطه حاسمة في هذا الاتجاه.

وفي الجانب الآخر، لا تزال إسرائيل تواصل عملياتها، وأعلن الجيش الإسرائيلي الأربعاء مقتل أحمد حسن، قائد كتيبة بيت حانون التابعة لحركة «حماس» في قطاع غزة، خلال عملية عسكرية شمال القطاع.

وفي ظل هذه الخروقات الإسرائيلية، يرى راغب أنه من الطبيعي أن تكون هناك ضمانات أميركية، والمضي في تنفيذ خطة السلام بإعادة الإعمار ونشر قوات الاستقرار الدولية التي من المفترض أن تكون مراقباً فاصلاً بين الطرفين لمدة عامين، لمنع أي اعتداءات إسرائيلية ومنع «حماس» من إحداث هجمات، مع الانسحاب الإسرائيلي الكامل من القطاع دون احتكاك.

وأوضح أن ذلك سيتم تحت رقابة قوات الاستقرار والشرطة الفلسطينية، وبالتالي لن تكون هناك فرصة لإعادة تسلح «حماس»، كما لن تكون هناك أسباب لعودة إسرائيل للحرب، خصوصاً أن كل شيء يمضي وفق خطة ترمب، مشيراً إلى أن تسليم السلاح يمثل بالنسبة لإسرائيل قضية رمزية تعني أنها نفذت أهداف الحرب، سواء كان جزءاً منها تم بالقوة أو آخر عبر التفاوض وتنفيذ مقترح ترمب.

ويعتقد مطاوع أن استمرار القصف شبه اليومي على غزة جزء من الملاحقة الساخنة التي تنتهجها حكومة نتنياهو ضمن سياق الانتخابات، والتأكيد على تنفيذ شروطها وأنها ستتوقف بعد نزع السلاح، لا سيما مع ضمانات مؤكدة من واشنطن في هذا الصدد لتهدئة المنطقة.


الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

TT

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

وضع رئيس الوزراء وزير الخارجية اليمني، الدكتور شائع الزنداني، أولى إشارات تحرك حكومته بعد 24 ساعة من أدائها اليمين الدستورية، قائلاً إن وجهتها المقبلة ستكون عدن؛ وفي وقت قريب.

كما علل احتفاظه بحقيبة «الخارجية» بأنه «لاستكمال العمل الذي بدأ»، مؤكداً أن «الانتقال إلى الداخل خطوة ضرورية لتفعيل الأداء»، وأضاف أن «الوجود في عدن يجب أن يرتبط بقدرة فعلية على إدارة الملفات؛ وأن الهدف إعادة انتظام المؤسسات».

جاء ذلك خلال حلقة خاصة من «بودكاست الشرق الأوسط»، سُجلت في استوديوهات قناة «الشرق» بمقر «SRMG» في «مركز الملك عبد الله المالي (KAFD)» بالرياض.

تحدث الزنداني وبلاده في لحظة ضغط اقتصادي وتوقعات سياسية مرتفعة. وقال إن «المرحلة لا تحتمل خطاباً واسعاً، وإنما (تحتاج) عملاً متدرجاً يعيد بناء الثقة»، مشيراً إلى أن «تثبيت الإيقاع المؤسسي يسبق أي توسع في الأهداف».

تساؤلات الحكومة

تطرق الزنداني عن تشكيل حكومته، وأولوياتها، والعلاقة بالشركاء، ومستقبل المسار السياسي، وصولاً إلى قراءته الشخصية لمسار اليمن خلال نصف قرن من العمل العام.

تشكيل الحكومة جاء، حسب رئيسها، وفق معايير مهنية بحتة، مشيراً إلى أن «الاختيار اعتمد على المفاضلة بين الكفاءات والتخصصات والتجربة، بعيداً عن الإملاءات الحزبية». وقال إن الحكومة استقبلت سيراً ذاتية ولم تتلقَّ طلبات محاصصة، مضيفاً: «لم نتعامل مع الخلفيات السياسية بقدر ما ركزنا على القدرة على إدارة الملفات».

وأوضح أن العدد المعلن للوزراء لا يعكس بالضرورة حجم الحقائب الفعلية؛ إذ «الوزارات الحقيقية نحو 26، بينما وزراء الدولة جرى تعيينهم لمهام محددة؛ ولإشراك الشباب». وأشار إلى مراعاة التوازن الجغرافي والوطني، مؤكداً أن التمثيل الجغرافي كان حاضراً؛ «بهدف تنوع الدولة، لا توزيع المكاسب».

يرى الزنداني أن المواطن يمثل نقطة ارتكاز برنامج حكومته، قائلاً إن «الإنسان هو محط اهتمام الحكومة... تحسين المعيشة والخدمات والتعافي الاقتصادي أولوياتنا».

وأشار إلى العمل على إعادة بناء المؤسسات وتعزيز الرقابة، مؤكداً أن ضعف البناء المؤسسي كان سبباً رئيسياً للاختلالات. وتحدث عن تحسن نسبي في بعض الخدمات، خصوصاً الكهرباء؛ بدعم سعودي، مضيفاً أن التحدي يكمن في استمرار الإصلاحات الاقتصادية وإدارة الموارد.

وفي ملف المحاسبة، قال إن توحيد القرار السياسي أتاح فرصة لتطبيق القانون، وزاد بالقول: «عندما تتوحد السلطة يصبح (الثواب والعقاب) ممكناً».

ويمتد حديث رئيس الحكومة إلى ما هو أبعد من توصيف الإجراءات التنفيذية، إذ يضع تشكيل حكومته في سياق أوسع يتعلق بإعادة تعريف علاقة الدولة بمجتمعها بعد سنوات من التآكل المؤسسي. فالحكومة التي تشكلت في ظرف استثنائي تسعى إلى إدارة الملفات اليومية، فضلا عن «إعادة تثبيت فكرة الدولة ذاتها في الوعي العام، من خلال انتظام الأداء، واستعادة الثقة، وفرض معيار الكفاءة في تولي المسؤوليات العامة».

هذه المقاربة تعكس إدراكاً بأن أزمة اليمن لم تكن سياسية أو أمنية فحسب؛ «بل أزمة ثقة ممتدة بين المواطن ومؤسسات الحكم، وهو ما يجعل إعادة بناء تلك الثقة مدخلاً لأي استقرار قابل للاستمرار».

تفعيل الرقابة

في الملف الاقتصادي، يتجنب الزنداني إطلاق وعود سريعة، ويفضل الحديث بلغة إدارة الموارد وإعادة ترتيب الأولويات، مشيراً إلى أن التعافي لا يمكن أن يتحقق عبر قرارات جزئية، بقدر ما يتطلب إعادة هيكلة الإدارة المالية، وتعزيز الشفافية، وتفعيل الرقابة. ويرى أن ضبط الموارد، واستثمارها بفاعلية، هما الخطوة الأولى نحو استعادة الثقة الداخلية واستقطاب الدعم الخارجي، مؤكداً أن الاستقرار المالي يمثل الأساس لأي تحسن ملموس في حياة المواطنين.

ويأتي الانتقال المرتقب للحكومة إلى عدن ضمن هذا السياق بوصفه ضرورة عملية ووطنية، إذ يؤكد أن وجود السلطة التنفيذية داخل البلاد ليس مجرد خيار إداري، وإنما شرط لفاعلية القرار وقدرته على ملامسة الواقع.

ويرى رئيس الوزراء اليمني أن العمل من الداخل يمنح الحكومة قدرة أكبر على فهم أولويات المجتمع والتفاعل معها، كما يعزز حضور الدولة في المجال العام، وهو حضورٌ تراجَع خلال سنوات الصراع. وفي هذا الإطار، يضع أداء اليمين في الرياض ضمن سياق دستوري وأمني فرضته ظروف المرحلة، عادّاً أن التركيز ينبغي أن ينصرف إلى مضمون العمل الحكومي، لا إلى رمزية الموقع.

أما في الشأن الأمني، فيتحدث بنبرة تجمع بين الواقعية والحذر، مشيراً إلى أن تراكمات السنوات الماضية لا يمكن محوها في زمن قصير، لكنه يرى أن التنسيق بين الأجهزة الأمنية، وتوحيد القرار السياسي، أسهما في تحسين نسبي للمشهد. ويقر بأن الاحتجاجات تمثل جزءاً من الحياة العامة في المراحل الانتقالية، لكنه يشدد على أهمية التزامها الإطار القانوني؛ «حفاظاً على الاستقرار ومنع الانزلاق إلى مواجهات تعطل مسار التعافي».

توحد القرار العسكري

بشأن إعادة تنظيم القوات العسكرية، يرى الزنداني أن توحيد القيادة، وإعادة تموضع الوحدات خارج المدن، يمثلان خطوة ضرورية لترسيخ سلطة الدولة وتقليص مظاهر التداخل بين الأدوار الأمنية والعسكرية.

ويرى رئيس الوزراء اليمني أن تعدد الولاءات، الذي طبع المرحلة السابقة، أضعفَ قدرةَ المؤسسات على أداء وظائفها، وأن تجاوزه يشكل أساساً لإعادة بناء الاستقرار وتفعيل الدور التنفيذي للحكومة.

وعلى المستوى الخارجي، يعكس حديث رئيس الوزراء اليمني إدراكاً لأهمية وضوح التمثيل السياسي في تعزيز موقع الدولة دولياً؛ إذ يشير إلى أن وجود حكومة بقرار موحد يُسهِّل التفاعل الدبلوماسي ويمنح اليمن حضوراً قانونياً أقوى تماسكاً. ويبرر احتفاظه بحقيبة الخارجية بالحاجة إلى استكمال عملية إصلاح بدأت بإعادة تنظيم الوزارة والبعثات، مؤكداً أن انتظام العمل الدبلوماسي يمثل امتداداً طبيعياً لإعادة بناء مؤسسات الدولة.

وفي سياق العلاقات الإقليمية، يصف العلاقة بالسعودية بأنها تجاوزت إطار الدعم التقليدي إلى شراكة متعددة الأبعاد، لافتاً إلى أن ما قدمته السعودية خلال السنوات الماضية انعكس على قطاعات حيوية، وأن المرحلة الحالية تتجه نحو توسيع هذا التعاون في مجالات التنمية والاستقرار الاقتصادي. ويرى أن هذه الشراكة تشكل أحد أعمدة الاستقرار، في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي.

أما بشأن الحوثيين، فيؤكد أن الحكومة تعاملت مع مسار السلام بقدر من المرونة، لكنها اصطدمت بعدم الالتزام بالاتفاقات، مشيراً إلى أن التطورات العسكرية والاقتصادية الأخيرة أضعفت موقف الجماعة، ويرى أن أي مفاوضات مستقبلية ينبغي أن تستند إلى مرجعيات واضحة، وأن توحيد القوى المناهضة لهم منح الحكومة موقعاً تفاوضياً أقوى تماسكاً في ظل متغيرات إقليمية ودولية متسارعة.

نصف قرن من العمل الحكومي

عندما يستعيد الزنداني مسيرته المهنية، يتحدث عن تجربة تفوق الخمسين عاماً، وبدأت في سن مبكرة داخل التعليم، قبل أن تمتد لعقود في العمل الدبلوماسي.

ويرى أن اليمن مر بتحولات عميقة كشفت عن هشاشة البناء المؤسسي وأثرت في استقرار الدولة.

ومع ذلك، يؤكد أن التجربة التاريخية تفرض قراءة المستقبل بعين تتجاوز الإحباط، وتقوم على التعلم من الماضي، والعمل على تثبيت أسس الاستقرار، مشيراً إلى أن ما يبقى في نهاية المطاف هو مصلحة المواطن وليست المواقع أو المناصب.

ويمضي في حديثه مؤكداً أن التفاؤل في هذه المرحلة ليس خطاباً سياسياً، بل هو خيار عملي في مواجهة التعقيدات، وأن الرهان الحقيقي يكمن في إعادة بناء الثقة بين الدولة ومجتمعها، وتعزيز العمل المشترك مع الشركاء الإقليميين والدوليين، بما يفتح المجال أمام مرحلة تتوازن فيها إدارة التحديات مع استثمار الفرص المتاحة؛ لإعادة وضع اليمن على مسار الاستقرار والتعافي.