صناعة المذيع التلفزيوني في لبنان... بين الثوابت المهنية وحتمية التطور

صناعة المذيع التلفزيوني في لبنان... بين الثوابت المهنية وحتمية التطور

إتقان العربية لا يزال عنصراً أساسياً
الاثنين - 10 شهر ربيع الثاني 1443 هـ - 15 نوفمبر 2021 مـ رقم العدد [ 15693]

تعد نشرات الأخبار من أهم ما تقدمة التلفزيونات، خصوصاً في لبنان، ولذلك يجري إعداد المذيعين من ذكور وإناث على أفضل وجه. أما مهمة تدريبهم، فهي تعتمد عادة على شخص يتقن اللغة العربية وقواعدها، ولديه خبرة واسعة مع الكاميرا.

وكل محطة لبنانية وجدت لنفسها مدرباً يتولى هذه المهمة. فـ«إم تي في» مثلاً اختارت نقيب الفنانين المحترفين جهاد الأطرش، في حين وجد تلفزيون «إل بي سي» ضالته في الإعلامي يزبك وهبي صاحب التجارب الغنية في الإذاعة والتلفزيون. أما محطة «الجديد»، فأوكلت المهمة إلى أحد وجوهها المعروفين، جورج صليبي. وثمة آخرون، مثل أنطوان كسابيان الذي اختارته أكثر من محطة عربية ومحلية ليدرب مذيعات البرامج على أنواعها من ترفيهية وحوارية.


المسار الإعدادي الطويل

قد يجهل المشاهد العادي المسار الطويل الذي يقطعه مذيع نشرة الأخبار أو مقدم البرامج كي يستحق الظهور على الشاشة الصغيرة، إذ إن كل ما يهمه هو أن يدخل هذا المذيع أو تلك المذيعة قلبه من دون استئذان. أما العناصر التي تتيح له الإحساس بالراحة لدى متابعة أحدهم، فيختصرها بإطلالة جميلة، أو بأسلوب إلقاء جيد، مع نبرة صوت لها حضورها عند سامعها.

إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه: ما الشروط الأساسية المطلوبة من مقدم نشرات الأخبار كي يمارس مهمته على أفضل وجه؟

يرد الإعلامي يزبك وهبي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، بالقول إن «إتقان اللغة العربية وقواعدها مطلب أساسي لدى مقدم نشرة الأخبار. وهذا الأمر لا يُعد أمراً أساسياً لمقدمي البرامج الحوارية والترفيهية لأنها تعتمد بمجملها على اللغة المحكية (الدارجة)». ويتابع: «نحن نركز أيضاً على الأداء، وحركة اليدين، والحضور أمام الكاميرا، وكذلك أن تكون الأسئلة المطروحة من قبل الإعلامي المحاور قصيرة».

وعما إذا كانت هناك من تغييرات طالت هذه الصناعة، فاختلفت بين الأمس واليوم، يرد نقيب الفنانين المحترفين الممثل المخضرم جهاد الأطرش: «هناك تطورات على الإنسان أن يواكبها، ولكن يبقى العنصر الثابت الوحيد الذي لا يمكن أن يتبدل هو إجادة قواعد اللغة العربية وأصولها». ويتابع الأطرش موضحاً: «يمكن للتطور أن يطال طريقة صياغة الخبر، وكيفية كتابته وإلقائه، لكن قواعد اللغة لا تتغير. فعندنا الحروف المفخمة والمرققة، وأخرى من شمسية وقمرية وأحكام عدة... وهي جميعها تشكل أساساً في لغتنا العربية التي تعد من الأصعب عالمياً. هذا ما أركز عليه في تدريباتي للمذيعين، مع العمل على إذاعة الخبر بإيقاع انسيابي سريع كي لا يدخل المتابع أو المشاهد في متاهات الملل والبطء. وبطبيعة الحال، في إمكاننا تطوير وقفة المذيع وجلسته، وإبراز الحيوية في شخصيته، مع أمور أخرى». وبالفعل، يُعد جهاد الأطرش مرجعاً في تدريب المذيعين، حتى أنه يستعان بخبراته في بلدان عدة.


فترات الإعداد

من ناحية أخرى، يستغرق عادة تدريب المذيع التلفزيوني مدة تتراوح بين شهرين وما فوق. ويُعتمَد خلالها على جلسات تعليمية يصل عددها إلى 10 جلسات أو أكثر. ويُعد إتقان اللغة العربية هو المرحلة الأصعب في هذا المشوار. وهنا، يشرح وهبي: «القصة ليست سهلة كما يعتقد بعضهم، فمذيع نشرات الأخبار بالذات عليه أن يكون متمكناً؛ أطلب في البداية من المقدم أن يقرأ لي نصاً لمدة 15 دقيقة، استشفُّ خلالها المستوى اللغوي الذي يتمتع به، قبل البدء بأي تمرين».

ويتحدث وهبي الذي يتمتع بتاريخ إعلامي غني طويل في الإذاعة والتلفزيون يتجاوز الثلاثين سنة عن الدور الذي يلعبه الشكل لدى المذيع التلفزيوني، ويقول: «في مرحلة سابقة، كان التركيز على الشكل أولوية، إلا أن الوضع تغير اليوم، فالشكل يمكن تحسينه، ولكن الفرص تتراجع لدى الشاب أو الفتاة الراغبين في ممارسة هذه المهنة من دون خلفية ثقافية ولغة عربية سليمة».

الأطرش يوافق على أن الشكل الحسن «استحوذ على مساحة كبيرة في فترة سابقة، فتفوق على باقي متطلبات المهنة. بل إنه قبل ذلك، كان على المقدم في الإذاعة أن يتمتع بصوت رخيم جميل كي يستطيع جذب المستمع. اليوم، حلت الشخصية مكان الصوت على الشاشة الصغيرة، إلا أنه في غياب التناغم بين الصوت والصورة تتعقد الأمور. نعم، لقد أخذ الجمال من تقنية العمل، وتجاوز أحياناً إتقان اللغة، حتى إن بعض المذيعين والمذيعات لا يحترمون لغتهم، فيرتكبون الأخطاء، وليس هناك من يحاسب. غير أنني أتمسك دائماً بتصحيح الخطأ من قبل المذيع، ولو اضطره ذلك إلى الاعتذار من المتفرج. فأن يستخدم المذيع كلمة (أو) للتصحيح، عندما يقع في خطأ، أمر ممنوع لأن المتلقي عندها سيضيع. كذلك لا يجوز أن نستخدم كلمة (بل)، لأنها قد تأخذ سامعها إلى وجهة مغايرة للمعنى. المهم احترام اللغة، وهو أمر كان معتمداً عند الجيل الإعلامي السابق، والمحاسبة كانت موجودة».


مزايا أخرى؟

يعتقد بعضهم، ممن يتقدمون لممارسة هذه المهنة، أنهم يتمتعون بالكفاءة المطلوبة لمجرد أن لديهم سرعة البديهة وطلاقة اللسان، بيد أنه بإجماع المدربين الذين تحدثنا إليهم، لا تشكل هذه العناصر أهمية خلال تقديم الأخبار. ووفقاً للمؤهلات الأولية للمذيع أو المذيعة، يصار إلى تحديد الوقت المطلوب ليتخرج كل منهم متمتعاً بالمستوى اللائق.

وهنا، يقول الإعلامي جورج صليبي لـ«الشرق الأوسط» في حوار معه: «في الماضي، كانت صناعة المذيع التلفزيوني أو الإذاعي أصعب، بل كان نوع من الرهبة يتملكنا لمجرد أننا سنطل أمام الكاميرا أو وراء الميكروفون حتى في أثناء التمرينات. أما اليوم، فتسيطر الرغبة في الوصول إلى الهدف بسرعة على الأذهان؛ إنهم لا يعطون المهنة قيمتها الوافية، كما أنهم بعيدون عن مبدأ الاتقان».

ورداً على سؤالنا عما يلفته اليوم بصفته مدرباً في مذيع يراه لأول مرة على الشاشة، أجاب صليبي: «تلفتني أول شيء خامة صوته، فهي تلعب دوراً كبيراً عند المتلقي، ومن بعدها يأتي عنصر الشكل الخارجي، فهو جزء لا يتجزأ من خلطة المذيع الناجح، ولكن ليس بالضرورة أن تكون المذيعة ملكة جمال، بل أن تملك الملامح المقبولة التي تريح المشاهد».

وعودة إلى مسألة اللغة، يلحظ المدربون تراجعاً كبيراً في مستوى إتقان اللغة العربية لدى الجيل الجديد من محبي هذه المهنة. ويعلق وهبي: «بعضهم لا يعرفون أبسط القواعد اللغوية، من مبتدأ وخبر ومضاف إليه وفاعل ومفعول به. كما أنني أحتاج مراراً إلى تكرار الدرس لأن في الإعادة استفادة. ويمكن أن يتضاعف عدد صفوف التمرين لتفوق الـ18 جلسة، بدلاً من 10، في حال كان الشخص غير ملم بالعربية».

ويتفق صليبي، صاحب الخبرة التي تجاوزت 13 سنة في الإعلام المرئي والمسموع، مع رأي وهبي، قائلاً إنه لمس تراجعاً كبيراً في المستوى اللغوي، وإن «هناك ظاهرة الدمج بين اللغة المحكية ولغات أجنبية، حتى أن بعض وسائل الإعلام ما عادت تولي الاهتمام الخاص للفصحى أساساً، بينما في الماضي كانت تعتمد الدقة في هذا الشأن كي لا تكون الوسيلة الإعلامية عرضة للانتقاد».

وفي سياق متصل، فإن المهتمين بمزاولة مهنة المذيع أو المذيعة هم بالمئات، غير أن قلة منهم تتمكن من اجتياز الامتحانات بجدارة. وهنا، يضيف صليبي: «مدرسة الإعلام سابقاً تختلف اختلافاً كبيراً عما لدينا راهناً. ولكنني مع التجديد، ولا أحب تكرار لازمة أن جيل الماضي كان أفضل وأكثر اتقاناً، إذ لكل زمن مقاييسه ومعاييره».

وما يجوز على المذيع ينطبق إلى حد ما على الـ«ريبورتر»؛ أي مراسل نشرات الأخبار. ويوضح صليبي في هذا الشأن: «المراسلون أيضاً يخضعون للتمرينات ولدروس لغوية، ولكن ليس بنسبة التركيز نفسها الممارَسة على مذيع الأخبار، إذ يمكننا غض النظر عن أخطاء لغوية أو أغلاط أخرى يرتكبونها لأن مهمتهم الميدانية ترتبط أحياناً بواقع محفوف بالمخاطر أو بأوضاع صاخبة، ومباشرة من على الأرض».


3 قواعد للمذيعات

ومن جهة أخرى، تشهد «صناعة المذيعة المرأة» تطوراً ملحوظاً. ففضلاً عن تغيير الإطلالة من خلال إجراء عمليات جراحية تجميلية، أو تعديل لون الشعر، تتمرن المذيعة على رباطة الجأش في الأوقات العصيبة عندما تتلقى اتصالاً مزعجاً مباشرة على الهواء مثلاً... أو كيفية تحريك يديها بطريقة لبقة، وكيفية إخفاء شعورها وعواطفها، بحيث تستطيع أن تعلن عن خبر محزن من دون أن تتأثر، وتظهر أي تعبير على وجهها.

ويرى أنطوان كسابيان الذي تدربت على يديه مذيعات من لبنان والعالم العربي أن «تدريب المذيعة يخضع لقواعد ثلاث، هي: التحلي أولاً بالتلقائية، وثانياً باللطف، وثالثاً بالذوق... بحيث تظهر أمام المشاهد كأنها حلمٌ فيه كثير من المثالية، مع البساطة التي تقربها منه أكثر».

وحسب كلام كسابيان لـ«الشرق الأوسط»، تستغرق «صناعة» المذيعة عادة فترة تتراوح بين شهر وأربعين يوماً، تتخللها امتحانات متتالية تخضع لها داخل استوديو تجريبي، بحيث تمر بأسوأ المواقف التي قد تعترضها على الهواء. ويضيف كسابيان: «أهم ما تكتسبه المذيعة في مرحلة الإعداد هو سيطرتها على شعورها، والتغلب على أي حالة نفسية قد تعاني منها، ما إن تصبح أمام الكاميرا». ويختتم بالقول إن «الفارق كبير بين مذيعة التلفزيون ومذيعة الإذاعة (الراديو)، لأنه في حالة الأولى يجب أن يكون حديثها مختصراً مركزاً قصيراً، أما الثانية فباستطاعتها أن تترك لخيالها العنان، وتتكلم لمدة أطول متوجهة للمستمعين بما يسمى (الحشو) في لغة التلفزيون».


إعلام

اختيارات المحرر

فيديو