مشروع القانون الجنائي المغربي يشدد الخناق على الإرهاب والتحرش

يوسع نطاق العقوبات البديلة والاحتفاظ بعقوبة الإعدام.. ويثير جدلاً

مشروع القانون الجنائي المغربي يشدد الخناق على الإرهاب والتحرش
TT

مشروع القانون الجنائي المغربي يشدد الخناق على الإرهاب والتحرش

مشروع القانون الجنائي المغربي يشدد الخناق على الإرهاب والتحرش

أثارت مسودة القانون الجنائي المغربي الجديد، التي طرحتها وزارة العدل والحريات، جدلا واسعا بين معارض ومنتقد ومدافع. فمن جانبها، رأت أحزاب المعارضة في هذا المشروع محاولة لحزب العدالة والتنمية، ذي المرجعية الإسلامية، الذي يقود الحكومة ويتولى أحد قيادييه وزارة العدل، ربط القانون الجنائي المغربي باسمه من خلال طرحه كقانون جديد مؤسس بدل الاكتفاء بتعديله.
وقال المحامي عبد الكبير طبيح، عضو المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المعارض، إن «السؤال الكبير هو هل المغرب فعلا في حاجة إلى مثل هذه المسودة؟». وأضاف طبيح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، قائلا: «لو كنا في دولة في طور الإحداث والتشكل مثل حالة تونس، أو ليبيا عندما تستقر فيها الأمور، لكانت مسألة طرح تأسيس القانون الجنائي من جديد مفهومة ومقبولة. أما في حالة المغرب، باعتباره دولة قائمة وقديمة، لها تاريخ ومؤسسات وقوانين، فمن غير المقبول أن نسمح كلما جاءت حكومة جديدة بأن تعيد تأسيس الدولة. في حالتنا ليس المطلوب صياغة قانون جنائي جديد، بل فقط تعديل فصول القانون الحالي مع الحفاظ على بنيته وتراكمه التاريخي».
وأضاف طبيح أن المسودة التي طرحتها الحكومة لم تحمل أي جديد سوى «تغيير رقم وتاريخ القانون الجنائي»، على حد تعبيره، ومن خلال ذلك ربطه باسم الحزب الذي يقود الحكومة. وقال: «مسألة تعديل القانون الجنائي المغربي بهدف ملاءمته مع التطورات التي عرفها المجتمع، خصوصا في مجال الحقوق والحريات، مطروحة للنقاش منذ سنوات. وما فعلته الحكومة الحالية هو جمع بعض الأفكار والمقترحات المطروحة، وإدخالها كتعديلات، إما في اتجاه التخفيف عبر تحويل بعض الجنايات إلى جنح، أو أخذ بعين الاعتبار بعض الجرائم الجديدة».
ويرى طبيح أن المشروع الذي قدمته الحكومة لم يتجاوب مع مجموعة من النقاشات التي يعرفها المجتمع، وعلى رأسها تقنين الإجهاض، الذي لم تحسم فيه مسودة القانون، والاحتفاظ بعقوبة الإعدام التي تطالب الهيئات الحقوقية بإلغائها.
من جهته، قال المحامي نعمان الصديق، المنتمي لحزب الاستقلال المعارض، لـ«الشرق الأوسط»، إن «أي تعديل في الوضعية الحالية يجب أن يأخذ بعين الاعتبار ثوابت البلاد، خصوصا الشريعة الإسلامية ومؤسسة أمير المؤمنين». ويرى الصديق أن على الحكومة أن تطرح بعض القضايا الشائكة التي يتداخل فيها البعد الديني بالبعد الاجتماعي والحقوقي والقانوني، كمسألة الإجهاض وعقوبة الإعدام، على أنظار المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية الجهوية. وأضاف: «المجلس العلمي هو الهيئة الوحيدة المخولة الحسم في هذه القضايا عبر مذكرة مكتوبة تبين فيها الأحكام والأسس والحجج التي بنيت عليها».
وتجدر الإشارة إلى أن مسودة القانون الجنائي التي اقترحتها الحكومة لم تحسم في مسألة الإجهاض وتركتها مفتوحة للنقاش والتشاور. وتعتزم وزارة العدل تنظيم ندوة وطنية حول مشروع القانون الجنائي المقترح يوم 20 أبريل (نيسان) الحالي.
وحول قراءته لمشروع القانون، قال القاضي سمير أيت أرجدال، رئيس غرفة بمحكمة الاستئناف في الدار البيضاء ورئيس المركز المغربي للمعالجة التشريعية والحكامة القضائية، في تصريح مكتوب لـ«الشرق الأوسط»، إن المسودة التي طرحتها الحكومة «حاولت معالجة السلوك الإجرامي والنظام العقابي من خلال اعتماد مقاربة شمولية ذات محددات متباينة. فإلى جانب توسيع مجال العقوبات البديلة بإقرار عقوبة العمل لأجل المنفعة العامة وتوسيع هامش الغرامات المالية وفتح المجال لاعتماد تدابير وقائية وتأهيلية وغيرها، فإنه جرى تشديد العقوبة في مجال جرائم الاختلاس والغدر والرشوة واستغلال النفوذ والاتجار في المخدرات والأعضاء البشرية والاستغلال الجنسي للأشخاص القاصرين».
وأضاف أيت أرجدال أن المسودة «ألزمت القاضي الجنائي في حالة استبدال العقوبة السالبة للحرية بالعقوبة البديلة أن يقضي بالعقوبة الأصلية أولا، ثم يقرر استبدالها في ذات المقرر القضائي بالعقوبة البديلة. وأن يسعى إلى إشعار المحكوم عليه بأنه في حالة عدم تنفيذه للالتزامات المفروضة عليه في العقوبة البديلة، فإنه سيكون عرضة لتطبيق العقوبة الأصلية».
ويرى أيت أرجدال أن «إقرار نظام العقوبات البديلة جاء كمحاولة لتنزيل ملاءمة النصوص الجنائية عموما بالمبادئ الكونية لحقوق الإنسان وبشروط وقواعد المحاكمة العادلة وبتدابير الرعاية اللاحقة. كمداخيل جوهرية لإقرار التحول من منظومة جنائية ذات طبيعة عقابية رادعة إلى منظومة إدماجية تسعى في جوهرها إلى ملاءمة نظام العقوبة مع مبدأ التكيف الاجتماعي للمجرم في سبيل إصلاحه ومساعدته للانخراط في مجتمعه وتعزيز انتمائه الذاتي والاجتماعي».
ويضيف أيت أرجدال: «إذا كانت الرغبة في إقرار نظام العقوبات البديلة كمطلب حقوقي تهدف إلى أنسنة العقوبة والتخفيف من اكتظاظ السجون المغربية، والتخفيف من حدة اللجوء إلى الاعتقال الاحتياطي، فإن ما يتعين لفت الانتباه إليه هو أن استحضار المقاربة الحقوقية في المعالجة التشريعية للنظام العقابي لا يجب أن يكون مدخلا لتهديد الأمن بمختلف تمظهراته السياسية والاقتصادية والاجتماعية داخل المجتمع. فضلا عن هذا كله، فإنه يتعين خلال النقاش العمومي للمسودة أن نستحضر المقاربة السوسيولوجية (الاجتماعية) للنظام العقابي، وذلك بطرح سؤال العقوبات البديلة والسلوك الاجتماعي، والبحث فيما إذا كان المواطن المغربي مستعدا لقبول تطبيق هذه العقوبات بشكل يضمن أمنه الذاتي واستقراره الاجتماعي».
كما يرى أيت أرجدال أن نجاعة وفعالية تطبيق العقوبات البديلة يقتضي «بيان حدود السلطة التقديرية للقاضي الجنائي في اختيار العقوبة الأصلية وفي تطبيق العقوبة البديلة. وذلك لوضع حد لتفاوت المقررات القضائية بين هذا القاضي وذاك في أفعال متشابهة وما لذلك من تأثير على مستوى تحقيق الضبط الاجتماعي».
وأشار أيت أرجدال إلى أن مسودة القانون الجنائي المغربي الجديد «اعتبارا لامتدادات الجريمة الإرهابية التي أصبحت تهدد كيان المجتمعات، فإنها أقرت عقوبات مشددة في مواجهة كل من حاول الالتحاق بشكل فردي أو جماعي سواء في إطار منظم أم غير منظم بكيانات أو تنظيمات أو عصابات إرهابية أيا كان شكلها أو هدفها أو تجنيد لتدريب أو تكوين شخص أو أكثر بقصد الالتحاق بالكيانات المذكورة». كما جرمت المسودة كل الأفعال التي تدخل في إطار «السب أو القذف أو الاستهزاء أو الإساءة إلى الله أو الأنبياء أو الرسل سواء بالخطب أو بالتهديدات أو بالصياح، وسواء كان ذلك بالقول أو الكتابة أو الرسم التعبيري أو الكاريكاتوري أو بالغناء أو بالتمثيل أو الإيماء أو أي وسيلة أخرى». وجرمت أيضا «الاختفاء القسري والقيام بتنظيم أو تسهيل الدخول إلى التراب المغربي أو مغادرته بشكل سري وغير مشروع، كما جرى تجريم الاتجار في الأعضاء البشرية وأعمال الإبادة الجماعية والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية». وأضاف أيت أرجدال: «وتأكيدا على المقاربة الأخلاقية في المعالجة التشريعية الجنائية، جرمت مسودة القانون الجنائي التحرش الجنسي ووسعت نطاقه، ونصت على مضاعفة العقوبة المقدرة لمرتكبه إذا كان من طرف أحد الأصول أو المحارم أو من له سلطة أو ولاية أو مكلف رعاية أو متى تعلق الأمر بضحية يقل عمرها عن 18 سنة».
من جانبه، يرى المحامي الإسلامي خليل الإدريسي، في تصريح مكتوب لـ«الشرق الأوسط»، أن وزارة العدل لم تعلن عن الدراسات التمهيدية التي اعتمدتها في صياغة المسودة المقترحة، كما أنها لم تحدد المرجعية أو المرجعيات التي سيستند إليها القانون الجديد لمعرفة الضوابط والغايات.
وفيما يتعلق بمضمون المسودة، يقول الإدريسي: «لا يمكن أن ننكر أنها حملت بعض المقتضيات الإيجابية المتعلقة بتجريم مجموعة من الأفعال التي لا يتضمنها القانون الجنائي الحالي من قبيل ازدراء الأديان والاختفاء القسري والاتجار بالبشر والإثراء غير المشروع والجريمة المنظمة العابرة للحدود والتمييز والتحرش الجنسي وغيرها.
كما أنها ذكرت العقوبات البديلة التي يمكن اللجوء إليها للحد مما تحدثه العقوبات السالبة للحرية من إضرار بالمحكوم عليهم والأشخاص المرتبطين بهم والمجتمع ككل، خصوصا في بعض الجرائم التي لا تستدعي عزل الجاني وحرمانه من حريته. غير أن هذه العقوبات البديلة تحتاج إلى تأهيل مجموعة من المؤسسات والمرافق العمومية لضمان حسن تطبيقها، وعلى رأسها المؤسسات السجنية والطبية التي تعاني من فقر كبير سواء فيما يتعلق بالبنية التحتية أو البشرية. كما أن واضع المسودة ترك أعمال هذه العقوبات للسلطة التقديرية للقضاء ولم ينص على أي معايير محددة لضمان الموضوعية في تطبيقها».
إلى جانب ذلك، يقول الإدريسي: «نذكر أن المسودة أبقت على عقوبة الإعدام كعقوبة قصوى رغم أن المغرب أوقف تنفيذها منذ بداية عقد التسعينات من القرن الماضي. كما كرست مواد قانون مكافحة الإرهاب بصياغتها القديمة رغم الملاحظات التي سجلها الحقوقيون والممارسون من الدفاع، خصوصا حول سلبياتها على مستوى التطبيق. بل أضافت إليها مقتضيات جديدة زادت من خطورتها، كتلك المرتبطة بالتوجه إلى مناطق التوتر، حيث سادت العبارات الغامضة والعامة في صياغة هذه الفصول، التي من شأنها أن تترك مجالا للتأويل الواسع في تطبيقها من طرف القضاء على غرار ما شهدناه منذ دخول قانون مكافحة الإرهاب حيز التطبيق سنة 2003 إلى الآن».



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».