مغتربو لبنان... طوق النجاة المُتعب

محنة بلدهم طالتهم بصورة أو بأخرى

مغتربو لبنان... طوق النجاة المُتعب
TT

مغتربو لبنان... طوق النجاة المُتعب

مغتربو لبنان... طوق النجاة المُتعب

تقدّر مصادر أن عدد المغتربين اللبنانيين يفوق عدد سكانه المقيمين بـ3 أضعاف، ثم إن الأرقام المتداولة للذين غادروا لبنان خلال العامين الماضيين وحده «مخيفة». ولعل الأخطر هو أن القسم الأكبر ممن ما زالوا يعيشون فيه يتحيّنون الفرصة لـ«الهرب» بعدما باتت هذه البقعة الصغيرة، التي لطالما كانت محط أنظار العالم واهتمامه وإعجابه وانبهاره، بقعة مظلمة غير قابلة للعيش... يرزح أكثر من 70 في المائة من سكانها تحت فقر شديد.
وحقاً، لطالما شكّل المغتربون طوق النجاة الذي يتمسك به لبنانيو الداخل منذ مئات السنوات. وما زال هؤلاء من أبرز أعمدة الاقتصاد اللبناني؛ إذ كانوا وظلوا يرسلون إلى أهاليهم وعائلاتهم مليارات الدولارات سنوياً. لكنهم، وكحال كل اللبنانيين طالتهم كارثة الانهيار المالي، فجرى حجز أموالهم في المصارف اللبنانية باعتبار أن نسبة كبيرة منهم كان تضع كل مدّخراتها في هذه المصارف، وبخاصة في ظل الفوائد العالية التي كانت تقدّمها البنوك؛ ما أدى إلى فقدان العدد الأكبر منهم ثقته الباقية بالبلد.
ما كانت الجنسية اللبنانية في يوم من الأيام عاملاً مُسهِّلاً للمغتربين أينما حلوا، بل كانت تحدّياً إضافياً يواجهونه في بلدان الاغتراب... إذ لحقت لعنات السياسيين اللبنانيين بهم إلى أصقاع العالم. وراهناً، تبدو الأكثرية الساحقة من المغتربين في دول الخليج اليوم مستاءة إلى أبعد الحدود من الأزمات المفتعلة مع هذه الدول، وآخرها، تصريحات وزير الإعلام جورج قرداحي التي فجّرت أزمة دبلوماسية غير مسبوقة يخشى هؤلاء أن تطالهم تداعياتها. وقد بات لسان حال هؤلاء يقول: «اتركونا وشأننا... لقد هربنا منكم، فلا تلاحقونا بلقمة عيشنا في بلدان الاغتراب!».
- حساب الأرقام
يبلغ عدد اللبنانيين المقيمين نحو 4 ملايين نسمة، يُضاف إليهم نحو مليون لاجئ ونازح سوري ونصف مليون لاجئ فلسطيني، وفي المقابل، يُراوح عدد المهاجرين اللبنانيين والمغتربين من أصل لبناني، المنتشرين خارج لبنان في بلدان العالم ما بين 8 ملايين و12 مليون نسمة، يحتفظ 1.3 مليون منهم بجنسيته اللبنانية، بحسب «الشركة الدولية للمعلومات».
لقد هاجر المغتربون اللبنانيون على مراحل وفي موجات متعددة، أبرزها خلال الحرب اللبنانية بين العامين 1975 و1992. إذ تتحدث «الدولية للمعلومات» عن هجرة 600 ألف لبناني، وتقول إنه منذ نهاية الحرب حتى عام 2019، هاجر 650 ألفاً آخرين. وأخيراً، كشف الأب طوني خضرا، رئيس مؤسسة «لابورا» (Labora) المعنية برصد مشكلة الفقر والبطالة، عن أن 230 ألف مواطن هاجروا من لبنان خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الحالي (2021).
أما أسباب الهجرة، فلم تختلف كثيراً عبر السنوات، فظلت النسبة الأكبر والتي تتخطى النصف تبحث عن عمل يليها مَن يغادرون لأسباب أمنية. ولقد أدى تدهور الوضعين المالي والاقتصادي بشكل دراماتيكي، إلى فقدان المقوّمات الأساسية للعيش. وجاء انفجار مرفأ بيروت عام 2020 ليدعم حسم الأكثرية العظمى من حاملي جنسيات أجنبية إلى جانب جنسيتهم اللبنانية أمرهم لجهة مغادرة البلاد. ووفق الأب خضرا، فإن 90 في المائة من اللبنانيين من حملة الجنسيات الأجنبية (لم يذكر إجمالي عددهم) غادروا لبنان في سبتمبر (أيلول) الماضي.
- الشريان الاقتصادي للبنان
بلغت تحويلات المغتربين ما بين عامي 2017 و2019 نحو 8 مليارات دولار أميركي سنوياً، في حين يؤكد مطلعون على الملف، أنها تجاوزت بكثير هذا الرقم، باعتبار أن الكثير منهم كان يحمل الأموال نقداً إلى البلد بعد الإجراءات الأخيرة للمصارف.
وحسب توفيق معوض، رئيس مجلس إدارة شركة تحويل الأموال «أو إم تي»، ازدادت التحاويل الواردة من الخارج بنسبة 50 في المائة في الأشهر الستة الأولى من عام 2021 بالمقارنة مع الفترة نفسها من عام 2020. ويشير معوض في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه في النصف الأول من عام 2021، تلقّى نحو 220.000 مستفيد شهرياً التحاويل الواردة من الخارج بالدولار الأميركي نقداً «fresh» عبر الشركة التي يرأس مجلس إدارتها. وأوضح، أن التحاويل وصلت من نحو 156 دولة، على رأسها أستراليا، والولايات المتحدة الأميركية، ودول الخليج، وكندا، وألمانيا.
- لبنانيو الخليج
للعلم، يتجاوز عدد اللبنانيين المقيمين في دول الخليج النصف مليون شخص. ويشير شارل جحا، رئيس مجلس العمل اللبناني في دبي والإمارات الشمالية، إلى أن عدد اللبنانيين في دولة الإمارات يبلغ نحو 150 ألف نسمة. ولقد زار قسم كبير منهم بلدهم خلال الصيف الماضي؛ لأن الأكثرية لم تتمكن خلال صيف 2020 من مغادرة أماكن إقامتها بسبب إجراءات «كوفيد - 19».
ويوضح جحا في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنه «بعد الصفعات التي تلقاها المغتربون من دولتهم لديهم شعور بالأسى والمرارة، خاصة، أن هناك أشخاصاً موجودين في الاغتراب منذ 40 سنة، وقد وضعوا جنى عمرهم في المصارف اللبنانية... ليصار إلى إبلاغهم بين ليلة وضحاها بأنه ما عاد بمقدورهم الحصول على أموالهم. وأن عليهم أن ينتظروا فيما الدولة تتنصّل من واجباتها... هذا يخلق نفوراً لدى المغتربين الذين وصلت الأمور بالبعض منهم إلى القول: لم نعد نريد شيئاً من بلدنا... كانت ثقتنا عمياء، فأتت النتيجة مدمّرة».
ويتابع جحا، أنه على الرغم من الإحباط المسيطر على قسم كبير من هؤلاء المغتربين، فإنهم لا يمكن أن يتخلوا عن عائلاتهم وأهلهم في لبنان. وهذا، مع العلم أن قسماً لا بأس به منهم يحاول أن يأتي بهم بعد الأزمات الأخيرة إلى الدول التي يعيشون بها. ثم يلفت إلى أن تحويلات اللبنانيين من الخارج بلغت عام 2020 نحو 7 مليارات دولار ما بين 25 و30 في المائة منها من دول الخليج.
من جهته، يوضح الخبير الاقتصادي البروفسور جاسم عجاقة، أن المغتربين «اعتادوا أن يساهموا سنوياً بـ15 مليار دولار بالاقتصاد اللبناني، 8 مليارات كتحاويل مباشرة عبر المصارف اللبنانية، وما تبقى على شكل إنفاق حين يزورون لبنان»، لافتاً إلى أنه «بسبب الأزمة الحالية كما بسبب أزمة (كوفيد – 19) خسرنا هذه الأموال. ففي العام 2020 انخفضت التحاويل المباشرة عبر البنوك وشركات التحاويل كثيراً، حتى أنني لا أعتقد أنها تخطت الـ4 مليارات دولار رغم الحديث عن أرقام أعلى، إضافة إلى مليارَي صرفت على شكل إنفاق هذا الصيف».
ويشدد عجاقة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على أنه «رغم انخفاض كمية الأموال المرسلة من قبل المغتربين، فإن تأثير الـ6 مليارات كان كبيراً نتيجة الوضع المالي والاقتصادي وعوز اللبنانيين، وبالأخص نتيجة انهيار سعر صرف الليرة... ما جعل تأثير المائة دولار أكبر بكثير مما كان عليه في السنوات الماضية».
ويشرح عجاقة، أنه «بعد إعلان وقف دفع سندات اليورويوند، والعرقلة التي أصابت المفاوضات مع صندوق النقد الدولي نتيجة الخلاف اللبناني الداخلي على تحديد الخسائر، وانفجار مرفأ بيروت... كل ذلك أفقد المغترب اللبناني ثقته ببلده، وأصبح همه الأساسي سحب أمواله من المصارف». ثم يضيف «للأسف تخلت الدولة عن مبلغ الـ15 ملياراً سنوياً الذي كان يساهم فيه المغتربون للاستحصال على 3 أو 4 مليارات دولار من صندوق النقد. وهذا يدل على سوء تقدير أوصل البلد إلى ما وصل إليه. وبالتالي، فأي خطة ستلحظ الجسم الاغترابي لن تنجح حالياً لأن ثقة المغترب ببلده مفقودة».
- دور المغترب بالانتخابات
من ناحية ثانية، ينقسم الرأي العام اللبناني بين مَن يعتبر أن استياء المغتربين سينعكس إقبالاً كبيراً من قِبلهم للمشاركة في الانتخابات النيابية من أجل المساهمة بتغيير السلطة الحاكمة، وبين مَن يرى أن إحباطهم سيترجم انعدام الحماسة للمشاركة بالاستحقاق النيابي في شهر مارس (آذار) المقبل.
الفريق الثاني يدعم وجهة نظره بالأرقام التي سُجّلت في الانتخابات الأخيرة عام 2018؛ إذ بلغ عدد الناخبين المسجلين للاقتراع في الخارج 82.965 ناخباً فقط، اقترع منهم 46.799 مقترعاً، أي بنسبة 56.4 في المائة، وشكّل هؤلاء نسبة 2.5 في المائة فقط من إجمالي المقترعين.
حول الموضوع الانتخابي، ارتأى المجلس النيابي أخيراً تعديل قانون الانتخاب الذي كان قد أشار إلى انتخاب المغتربين 6 نواب يمثلونهم في الندوة البرلمانية، وأعاد العمل بما كان معتمداً عام 2018 لجهة إشراك المغتربين بانتخاب 128 نائباً. ومن المرتقب أن يكون هناك إقبال أكبر من قبل اللبنانيين الموجودين في الخارج على تسجيل أسمائهم للمشاركة في الانتخابات بعد حسم الجدل الذي كان قائماً حول الموضوع.
هنا، يتحدث شارل جحا، رئيس مجلس العمل اللبناني في دبي والإمارات الشمالية، عن «حماسة لدى المغتربين للانتخاب في هذه الدورة، باعتبار أن الوضع في لبنان خطير ويحتاج إلى الإنقاذ. ونظراً لتمتع المغتربين بحرية رأي واستقلالية في خياراتهم؛ فهم قادرون على أن يكونوا شركاء فاعلين بهذا الإنقاذ».
في المقابل، لا يعوّل رئيس «المركز اللبناني لحقوق الإنسان» والناشط السياسي وديع الأسمر، الذي يعيش منذ 4 سنوات في قطر – كثيراً على دور المغترب في الانتخابات، معتبراً أن «المراهنة على المغتربين ليست بمكانها الصحيح، وهي يفترض أن تكون على الناشطين الذين لديهم أمل في البلد سواءً في الداخل أو الخارج». ويتحدث الأسمر لـ«الشرق الأوسط» عن «الوهم بأن التصويت الاغترابي قد يغير الأمور، وهو ما لمسناه في العام 2018 التي أتت نتائج مشاركة المغترب فيها معبرة»، واستطرد، أنه «يمكن تقسيم الانتشار اللبناني إلى نوعين: المغتربون الذين تركوا البلد بإرادتهم إلى المهجر منذ سنوات، والمهجّرون الجدد الذين اضطروا إلى المغادرة بحثاً عن عمل، وبالأخص في العامين الأخيرين، وهؤلاء هم الذين نعتقد أنهم سيصوتون بكثافة».
من جهتها، لا تبدو ناتالي غندور (31 سنة) - وهي تعمل في نيجيريا منذ سنوات - متحمسة على الإطلاق للمشاركة بالانتخابات. إذ قالت غندور في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بشيء من الألم «إذا كانوا نفس المرشحين لن أشارك بالتصويت... عندما يتركون كراسيهم جميعهم، دون استثناء، عندها أفكّر بالاقتراع لوجوه جديد». إلا أنه رغم كل الخيبات التي أصيب بها المغترب اللبناني، فهو يظل، حسب غندور «جاهزاً لإعادة النهوض بلبنان... ولكن شرط أن يقترن ذلك مع اقتلاع الفاسدين من السلطة، علماً بأنه... للأسف، قسم كبير من الشعب اللبناني هو بدوره فاسد، وهنا المعضلة الكبيرة».
قصص نجاح اللبنانيين في الخارج لا تُحصى
- فيليب سالم على جبهتي السرطان والدفاع عن سيادة لبنان
قصة فيليب سالم هي إحدى الروايات الجميلة التي تتجدد فصولاً مع شخصية لا تكلّ ولا تملّ العمل والنضال والقتال على جبهتين؛ إذ اختارت أن تتصدر صفوف المقاتلين فيهما؛ جبهة محاربة مرض السرطان وجبهة استعادة سيادة لبنان.
البروفسور فيليب سالم، رئيس مركز سالم للسرطان ‏في مدينة هيوستن الأميركية، الذي هاجر إلى الولايات المتحدة عام 1987 نتيجة ظروف الحرب الصعبة، طوّر أخيراً استراتيجية جديدة لمعالجة الأمراض السرطانية، وذلك بواسطة المعالجة بالمزيج الثلاثي: العلاج الكيميائي، والعلاج المناعي، والعلاج المستهدف. وسجل هذا العلاج تحت اسم ICTriplex.
يقول سالم، إنه لم يكن هناك أي إمكانية له لتحقيق النجاح الذي حققه في مجال الطب في الولايات المتحدة الأميركية، فيما لو بقي في لبنان. ويشير في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أبحاث أجراها ما بين عامي 1971 و1986 تمحوَرت حول العلاقة بين الالتهابات الجرثومية والسرطان، وأثبت فيها أن الالتهابات الجرثومية المتكررة في الأمعاء قد تتطور لأمراض سرطانية إن لم تعالج في بدايتها. هذه النظرية التي كانت تعتبر يومها «هرطقة طبية»، حصلت على جائزة نوبل في الطب لعام 2005. في ذلك العام منحت الجائزة إلى العالمين الأستراليين Barry Marshall and Robin Warren بسبب أبحاثهما عن علاقة البكتيريا H.pylori، وهي جرثومة موجودة بشكل واسع في المعدة، وسرطان المعدة. وحسب سالم، فإن المؤسسات الأكاديمية في العالم العربي تفتقر إلى الأبحاث العلمية، وهناك خلل كبير بمفهوم معنى الجامعة. ويشدد على أن «دور الجامعة لا يقتصر على نقل المعرفة من الأستاذ إلى الطالب، بل يتعداه إلى ما هو أهم وهو صنع المعرفة وتدريب العقل».
سالم، على صعيد آخر، يتابع أخبار لبنان ساعة بساعة، فلا تعنيه آلاف الكيلومترات التي تبعده عن بلده الأم. وهو يقول بغصة «سقط شعار لبنان مستشفى الشرق، نحن في أزمة كبيرة في كل القطاعات، بما فيها القطاع الصحي. كل الطاقات باتت خارج البلد! الأطباء هاجروا والمؤسسات والمستشفيات تقفل أبوابها. الوضع مأساوي وليس مؤسفاً فحسب. لكن إمكانية عودة لبنان للعب دوره متاحة، وهي مرتبطة بعودة الدولة ودورها واستعادة لبنان الحقيقي».
قبل اقتراح الحلول، يحدد الدكتور سالم سبب المشكلة والمرض، معتبراً أن «ما أوصل البلد إلى ما هو عليه اليوم هي القيادات السياسية التي أفرزناها نتيجة وجود خلل بالثقافة السياسية والعقل السياسي التقليدي اللبناني». ثم يضيف «من دون شك نحن نريد تغيير الطبقة السياسية الفاسدة، إلا أننا إن لم نغيّر الثقافة السياسية... سنعود ونفرز طبقة جديدة لا تختلف كثيراً عن هذه الطبقة. نحن في قعر عميق لم يكن أحد يتوقع أن يصل اللبناني للذل الذي يتخبط فيه اليوم، ولكن لبنان لن يموت. ولن نسمح بذلك، وهناك الكثير من العمل الذي يتوجب علينا القيام به. الشعب اللبناني قادر على أن يعيد بلده أفضل مما كان بحيث إنه سيبني دولة لا تنهار كلما هبّت عليها عاصفة من هنا أو هناك». حسب رأيه «ليس هناك أي دولة في العالم تمتلك مقومات تخوّلها أن تكون بلداً عظيماً كلبنان. فلبنان يمتلك الطبيعة ويمتلك الإنسان ويمتلك الانتشار اللبناني العظيم. لقد قلنا مراراً ونعيد، إن الانتشار اللبناني هو أهم نفط يمتلكه لبنان. فبينما يكون النفط قوة مالية فقط فالانتشار هو قوة سياسية، قوة علمية، وقوة ثقافية، بالإضافة إلى القوة المالية. وكذلك، فالانتشار اللبناني يربط لبنان بالعالم. لذا؛ يكون لبنان ليس موجوداً فقط في الشرق، بل هو حاضر وموجود أيضاً في العالم كله. ولكن، يؤسفني القول، إن القيادات السياسية المتعاقبة في لبنان لم تستثمر هذه القوة، بل حاربتها. في بناء لبنان الجديد سنبني الجسور التي تربط بين لبنان المنتشر ولبنان المقيم».
ورغم الإحباط المسيطر على قسم كبير من اللبنانيين، يبدو سالم متسلحاً بالأمل، متحدثاً عن «فرصة تاريخية عبر الانتخابات النيابية المقبلة لتأمين أكثرية تغييرية في البرلمان»، ويضيف «هذه الفرصة يتوجب استغلالها، لكنها تحتاج إلى دعم وإحياء الثورة وخلق مناخ يسمح بانتخاب أشخاص قادرين على عملية التغيير».
وهنا، يقر الدكتور سالم بأن «اللوبي اللبناني» في الخارج لا يزال ضعيفاً «ولكن هناك نواة من المستقلين الذين يحبون لبنان، إضافة إلى مؤسسات فكرية وعلمية وأكاديمية في الولايات المتحدة الأميركية تعنى بمشاكل الشرق الأوسط. كلها تعمل مع إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن ووزير خارجيته أنتوني بلينكن لتغيير السياسة الأميركية بما يتعلق بالملفات المرتبطة بلبنان. فمثلاً بعدما كانت مفاوضات فيينا تتركز حصراً على الملف النووي الإيراني، نجح ضغط اللوبي الداعم للبنان بإقناع مسؤولين في الإدارة الأميركية أن ما هو أخطر من البرنامج النووي هو التمدد الإيراني الحاصل في الشرق العربي، وبأن هذا الخطر يطال المنطقة ككل ومن ضمنها لبنان كما يطال المصالح الأميركية». ويعتبر سالم أن «لبنان يشكل اليوم أهم رهينة لطهران نظراً لموقعه على البحر الأبيض المتوسط وعلى الحدود مع إسرائيل، ونظراً للقوة العسكرية التي تمتلكها فيه والمتمثلة بـ(حزب الله)»، لكنه يشدد على أنه رغم ذلك كله «فلا قوة على الأرض تستطيع أن تفرض الهيمنة الإيرانية على لبنان طالما هناك أصوات مرتفعة داخل وخارج البلد رافضة لهذه الهيمنة».
ويختم البروفسور اللبناني - الأميركي، واصفاً علاقته ببلده الأم بـ«العضوية»، قائلاً «أنا أعيش في لبنان كما أعيش في أميركا. في الولايات المتحدة، أصارع من أجل الإنسان، كل إنسان، بوجه المرض وهو ما لم أكن لأتمكن من القيام به في بلدي الأم. كما أنني في الوقت عينه أخوض معركة كبيرة من أجل لبنان، وأخصص وقتاً طويلاً للدفاع عن القضية اللبنانية من خلال السعي لتوحيد الانتشار وتقوية اللوبي اللبناني».



أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)

تعد العملية الدراماتيكية التي نفّذتها الولايات المتحدة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس، وإزاحتهما من السلطة على يد قوات عسكرية أميركية خاصة، واحدة من أهم الأحداث الجيوسياسية في حقبة ما بعد «الحرب الباردة». ومع أن «مسرح» العملية كان في أميركا اللاتينية، فإن تداعياتها تمتد إلى ما هو أبعد من المنطقة. أيضاً يشير الواقع إلى أن الهدف من العملية لم يكن مجرد إسقاط نظام مادورو، بل أيضاً العرض المتعمد للقوة الأميركية، من أجل تعطيل الشبكات الاستراتيجية لأبرز منافسي واشنطن على الساحة العالمية.

يرى مراقبون استراتيجيون أن الولايات المتحدة، عبر عملية اختطاف نيكولاس مادورو واعتقاله، لم تكتفِ بتحييد نظام معادٍ، بل أظهرت كذلك قدرتها على اختراق قيادة حاكمة، وإسقاطها من السلطة، داخل دولة لطالما حظيت بحماية دبلوماسية واقتصادية وعسكرية من منافسي واشنطن الكبار. وبذا، لم تتحدَّ واشنطن حكومة مادورو فحسب، بل تحدّت أيضاً الفرضيات التي يقوم عليها التخطيط الاستراتيجي الصيني والروسي والكوري الشمالي.

في هذا السياق، يعرب المحلل الجيوسياسي الهندي مانيش تشيبر عن اعتقاده بأن العملية الأميركية «ما كانت تهدف إلى تغيير النظام في كاراكاس، بقدر ما كانت تهدف إلى إعادة تأكيد الهيمنة الأميركية... وعموماً سعت العملية إلى تعطيل قدرة الدول المنافسة على بسط نفوذها وتعزيز التسلسل الهرمي في النظام الدولي. وجاءت الرسالة واضحة لا لبس فيها: التحالف مع خصوم الولايات المتحدة لا يضمن الحماية». ويضيف تشيبر: «من وجهة نظر واشنطن، مثّلت فنزويلا نقطة ضغط مثالية؛ إذ كانت متجذّرة بعمق في البنية الاستراتيجية لكل من الصين وروسيا، وتعتمد بشدة على دعمهما الاقتصادي والعسكري، ناهيك من أنها تقع جغرافياً في منطقة تُعتبر تاريخياً حيوية للأمن الوطني الأميركي. وبالتالي، فالضربة في فنزويلا مكّنت واشنطن في آن معاً من تعطيل شبكات منافسة متعددة». وحقاً، كان كل من الصين وروسيا قد استثمرتا بكثافة في فنزويلا ضمن مساعيهما لتحدي النفوذ الأميركي في ما تعتبره واشنطن منذ فترة طويلة «فناءها الخلفي» الاستراتيجي.

انتكاسة استراتيجية لبكين

بالنسبة للصين، يأتي إسقاط مادورو بمثابة ضربة قاسية. إذ إن فنزويلا لم تكُن مجرد شريك آخر في جهود بكين المتنامية للانخراط داخل دول «الجنوب»، بل كانت محوراً استراتيجياً لها في أميركا اللاتينية، واختباراً حاسماً لقدرتها على حماية مصالحها وتحدّي هيمنة واشنطن خارج شرق آسيا.

وحقاً، طيلة عقدين، رسّخت بكين مكانتها كشريك لا غنى عنه لفنزويلا - بلداً وسلطةً - بفضل القروض المدعومة بالنفط، والتعاون في مجال الطاقة، وتمويل البنية التحتية، والدعم الدبلوماسي. وكثيراً ما وصف المحلّلون الصينيون هذه الشراكة بأنها تقوم على «المنفعة المتبادلة»، إذ تلقت كاراكاس دعماً مالياً ودعماً سياسياً. وفي المقابل، أمّنت بكين إمدادات الطاقة ونفوذاً إقليمياً.

أيضاً، برزت الصين كأكبر مستورد للنفط الخام الفنزويلي، وتكشف الأرقام أنها استوردت ما يقارب 400 ألف برميل يومياً عام 2025، أي أكثر من نصف إجمالي صادرات فنزويلا. وكانت هذه التدفّقات النفطية «شريان حياة» لحكومة مادورو، إذ حافظت على إيرادات الدولة تحت وطأة عقوبات وانهيار اقتصادي واضطرابات داخلية مستمرة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن فنزويلا تهدّدت بأزمات مالية هائلة. ومنذ مطلع العقد الأول من الألفية الثانية، قدّمت لها بكين قروضاً تجاوزت قيمتها 100 مليار دولار، أي ما يقارب 39 في المائة من إجمالي القروض الصينية المقدمة لمجمل دول أميركا اللاتينية. ومع أنها سددت جزءاً من هذه الديون، لا تزال فنزويلا مدينة للصين بما يُقدّر بما بين 10 و12 مليار دولار، معظمها مُرتبط بترتيبات تتعلق بالسلع الأساسية. وبجانب النفط، استثمرت الشركات الصينية بكثافة في التعدين، (بالذات) الذهب والاتصالات والبنية التحتية.

نقاط الضعف الصينية

بالتوازي، وبينما ركّزت التحركات الأميركية الأخيرة في فنزويلا علناً على النفط والنفوذ السياسي، يرى محللون أن «تقييد» المصالح الصينية شكّل هدفاً رئيسياً. إذ لطالما كانت الصين مشترياً أساسياً للنفط الخام الفنزويلي، واستثمرت بكثافة عبر صفقات «قروض مقابل النفط»، التي ربطت التمويل بضمانات إمدادات النفط. ويُبرز تعطيل هذا الترتيب هشاشة أصول الطاقة الصينية في الخارج، ولا سيما المناطق الهشّة سياسياً، وتلك التي تقع خارج نطاق سيطرتها العسكرية. وربما يدفع هذا الانكشاف بكين إلى إعادة تقييم استثماراتها في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا الوسطى.

الواقع أن فنزويلا تمثّل معضلة في الاستراتيجية الصينية تجاه الموارد الخارجية. فغالباً ما يؤدي تأمين أصول الطاقة والمعادن البعيدة من دون التزامات أمنية مقابلة إلى انكشافها، بدلاً من تعزيز قدرتها على الصمود. وقد تتحوّل الأصول التي كانت تُعدّ في السابق حواجز استراتيجية إلى أعباء في المناطق المتنازع عليها، خاصةً في ظل اشتداد المنافسة الجيوسياسية وقدرة الخصوم على إعادة رسم النتائج بالقوة أو الدبلوماسية.

الثروات الأرضية النادرة

وهنا يتناقض ضعف الصين بشكل حادّ مع موقعها في مجال الثروات الأرضية النادرة والمعادن الحيوية. ولقد وصف مسؤولون ومحللون أميركيون المتطلبات الصينية المتعلقة بتراخيص التصدير التي أقرّت أواخر عام 2025 بأنها محاولات «لاستغلال» قدرتها التصنيعية شبه المهيمنة، خاصة في مجال المعادن النادرة المتوسطة والثقيلة التي تتسم بأهمية بالغة لأنظمة الدفاع والإلكترونيات المتقدمة والمركبات الكهربائية وتقنيات الطاقة المتجددة. وجاءت هذه الإجراءات عقب فرض واشنطن قيوداً على أشباه الموصلات وغيرها من التقنيات ذات الاستخدام المزدوج للشركات الصينية. ومع أن بكين حافظت لاحقاً على الصادرات بموجب ترتيبات محدودة ومؤقتة، عزّزت هذه العملية المخاوف من جاهزيتها لتحويل هيمنتها التصنيعية إلى نفوذ جيوسياسي.

في هذا الإطار، يرى المحلل الهندي راجا موهان أن الضغط الأميركي على فنزويلا «قد يُستخدم كورقة ضغط مضادة غير مباشرة في مواجهة السيطرة الصينية على المعادن النادرة وغيرها من المواد الاستراتيجية». وعبر تهديد مصدر طاقة رئيس واحتياطيات معدنية محتملة، «تضغط واشنطن على بكين في مجالات استراتيجية متعدّدة»... وبالتالي، يمكن اعتبار تشديد بكين اللاحق على «ضوابط» تصدير المعادن النادرة خطوة دفاعية أو انتقامية في خضم صراع جيوسياسي متصاعد، لا مجرّد إجراء اقتصادي معزول.

من جهة ثانية، لا تقتصر الأهمية الاستراتيجية لفنزويلا على النفط وحده، إذ تختزن أرضها أيضاً احتياطيات غير مستغلة من المعادن النادرة البالغة الأهمية للتخطيط الصناعي والتكنولوجي والدفاعي الطويل الأجل. وفي هذا الإطار، رأى المحلل الهندي سوشانت سارين أن قضية المعادن النادرة «تُسلط الضوء على حدود جهود الإكراه الاقتصادي من دون وجود نفوذ أمني مُكمّل. فالهيمنة على سلاسل التوريد قد تُوفر قوة تفاوضية قصيرة الأجل، لكنها لا تستطيع منع الخصوم من إعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي بالوسائل السياسية أو العسكرية». وهكذا، تحمل فنزويلا درساً مهماً لبكين: فالسيطرة على نقاط الاختناق في عمليات المعالجة لا تعني بالضرورة السيطرة على نتائجها داخل المساحات الجيوسياسية، التي تحركها الأزمات.

انكشاف فجوة الصدقية

وللعلم، في أعقاب العملية مباشرة، أصدرت بكين إدانة دبلوماسية شديدة اللهجة، متهمة واشنطن بانتهاك القانون الدولي وتهديد الاستقرار الإقليمي. واستنكر المسؤولون الصينيون ما وصفوه بـ«السلوك الساعي لفرض الهيمنة»، وحذّروا من الإجراءات أحادية الجانب. لكن، بخلاف الخطابات والتصريحات، لم تُقدّم القيادة الصينية أي ردّ ملموس. إذ لم تكن هناك أي إشارة عسكرية، ولا أي نشر وقائي، ولا أي إجراء مضاد لحماية مصالحها أو أفرادها على الأرض. وأكثر من هذا، تشير تقارير إلى أن الاستخبارات الصينية بوغتت بالعملية الأميركية، في حين أثبتت أنظمة الدفاع الجوي الصينية في فنزويلا انعدام فاعليتها خلال العملية.

بخلاف التداعيات الدبلوماسية المباشرة، قد تجبر الأزمة الفنزويلية بكين على مواجهة تناقضات هيكلية أعمق في استراتيجيتها العالمية؛ فقد بنت الصين نفوذها الخارجي أصلاً على المهارة الاقتصادية للدولة كالقروض، والبنية التحتية، وشراكات الطاقة، والإحجام عن فرض شروط سياسية. لكن أزمة فنزويلا الأخيرة كشفت أن العمق الاقتصادي لا يُترجم تلقائياً إلى قدرة على الصمود في وجه الأزمات. وهنا يحلّل راجا موهان المسألة على النحو الآتي: «تكشف هذه الحادثة عن فجوة في مصداقية الاستراتيجية الصينية العالمية. إذ بمقدور بكين تقديم الاستثمار والتجارة والدعم السياسي، لكنها عاجزة حتى الآن عن تقديم ضمانات أمنية قاطعة بمواجهة قوة أحادية حاسمة».

ويتابع المحلل الهندي: «بما يخص حكومات أميركا اللاتينية، تثير التداعيات القلق، فالتقارب مع الصين يُحقق فوائد اقتصادية، لكنه لا يُترجم بالضرورة إلى حماية عند مواجهة ضغوط واشنطن. بل قد يتبع ذلك إعادة تقييم هادئة للتوجّه نحو واشنطن للحصول على ضمانات أمنية... ما يُبطئ وتيرة التوسع الصيني إقليمياً».

أما المحلل الاستراتيجي الهندي أماليندو ميسرا، فيوضح: «إن أمام صانعي السياسة الصينيين الآن مراجعة صعبة. فحماية الاستثمارات الخارجية بالوسائل العسكرية تتطلب تمركزاً متقدماً، واختراقاً استخباراتياً، وتأهباً للتصعيد... وهذه خطوات تتناقض في مجملها مع تركيز بكين المُستمر على تجنّب التدخل. ومع ذلك، فإن استمرار ضبط النفس يُهدد بمزيد من تآكل المصداقية بين الدول الشريكة».

هذه الفجوة في الصدقية لا تنطبق على فنزويلا وحدها، بل يتردد صداها في جميع أنحاء منطقة «مبادرة الحزام والطريق» الصينية الأوسع، حيث يجري عدد من الدول المستفيدة من «المبادرة» تقييماً هادئاً لمدى ضمان الشراكات الاقتصادية مع الصين، أي حماية أمنية فعّالة خلال فترات الأزمات الحادة. وعليه، فمثال انعدام الحماية الصينية في فنزويلا قد يؤثر على المفاوضات المستقبلية، وتقييمات المخاطر، والتوقعات السياسية في مناطق بعيدة عن أميركا اللاتينية.

هل تُشكّل فنزويلا نموذجاً لتايوان؟

على صعيد آخر، بين القراءات الأكثر جدية لعواقب العملية الأميركية القراءة الخاصة بمصير تايوان. فهل تعتبر بكين العملية نموذجاً لمعاملة تايوان؟

ظاهرياً، استغلّ المسؤولون الصينيون العملية للتشكيك في صدقية الولايات المتحدة حيال الالتزام بمبادئ السيادة والقانون الدولي. لكن ثمة محللين عقدوا مقارنات مباشرة بين فنزويلا وتايوان. وكمثال، وصف ستيف تسانغ، مدير معهد الدراسات الصينية في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية (سواس) بجامعة لندن، هذا بأنه «فخّ نفاق» يسمح لبكين بالزعم أن المعايير الدولية تُطبّق بشكل انتقائي، وبالتالي فهي قابلة للتفاوض.

وفي المقابل، يرفض آخرون فكرة أن فنزويلا تُقدّم نموذجاً تكتيكياً لتايوان. ووفق واي كيه سينها، السفير الهندي السابق لدى فنزويلا: «ثمة فوارق واضحة... فنزويلا تفتقر إلى حلفاء موثوقين مستعدين للقتال، ولم تكن لديها ضمانات أمنية مُلزمة، كما كانت قدراتها الردعية ضئيلة. أما تايوان فتشكل النقيض تماماً، إذ تتميّز بدعم أميركي عميق، وتكامل عسكري كثيف، ومخاطر تصعيد عالية للغاية، الأمر الذي تدركه بكين بوضوح».

ولكن رغم استبعاد أن تُشكّل فنزويلا نموذجاً عسكرياً لتايوان، فإنها تُزوّد بكين بذخيرة خطابية في بحر الصين الجنوبي. وعبر تسليط الضوء على الأحادية الأميركية، تستطيع بكين أن تُجادل بأن الأعراف السائدة تتبع القوة، بدلاً من أن تُقيّدها. ويدعم هذا التأطير ادعاء بكين القديم بأن أفعالها في المياه المتنازع عليها لا تختلف عن التدخلات الأميركية في أماكن أخرى.

كوريا الشمالية...وتعزيز خطاب الردع

في اتجاه آخر، إلى جانب الصين، وجّهت عملية فنزويلا رسالة ردع إلى كوريا الشمالية. وجاء ردّ فعل قيادتها أقوى وأكثر حدة من كثير من الردود الدولية الأخرى. وبعكس بعض حلفاء واشنطن، الذين أعربوا عن قلقهم، لكنهم لم يصلوا إلى حد الإدانة الصريحة، كان ردّ بيونغ يانغ قاسياً وذا طابع آيديولوجي، متسقاً مع معارضتها التاريخية للعمليات العسكرية الأميركية.

إذ أدانت وزارة خارجية بيونغ يانغ، عبر وكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية، العملية، ووصفتها بأنها «أخطر شكل من أشكال التعدي على السيادة»، واصفةً الولايات المتحدة بأنها «مارقة ووحشية». وأعقب هذه الإدانة إطلاق صواريخ باليستية - الأولى منذ عدة أسابيع – ما فُسِّر على نطاق واسع بأنه إشارة متعمدة.

ومن ثم، يرى محللون أن العملية الفنزويلية تعزز الاعتقاد الاستراتيجي الأساسي لدى كوريا الشمالية بأن الأسلحة النووية لا تزال الضمانة النهائية لبقاء النظام. ووفق المحلل الهندي سوشانت سارين: «فيما يخص يونغ يانغ، تُعزز فنزويلا قناعة راسخة مفادها أن الأنظمة التي تفتقر إلى رادع موثوق، تظل عرضة للخطر بغضّ النظر عن التحالفات الدبلوماسية. وتُعزز هذه الحادثة مبررات كوريا الشمالية للاحتفاظ بترسانتها النووية وتوسيعها، وتُصعّد مقاومتها لنزع السلاح النووي، وتُرسّخ فكرة أن القوة العسكرية الضمانة الوحيدة ضد التدخل الخارجي».

نمط استراتيجي أوسع

في نهاية المطاف، تُبرز عملية فنزويلا سمة أساسية للجغرافيا السياسية المعاصرة: أن القوة تُمارس بشكل متزايد من خلال السرعة والدقة والتأثير النفسي، بدلاً من المواجهة المطولة. وفي ما يخص الصين وكوريا الشمالية، بل روسيا أيضاً، تُذكّر هذه الحادثة بأن النفوذ دون حماية قابلة للتنفيذ يبقى مشروطاً. وفي نظام تكون فيه مصداقية الردع أهم من التحالفات القائمة على التصريحات والبيانات، من المرجح أن يشكل التوازن بين النطاق الاقتصادي والقدرة الأمنية النتائج الاستراتيجية في السنوات المقبلة.


مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
TT

مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع

في قلب غرب أفريقيا، تبرز قصة الرئيس الغيني مامادي دومبويا، كواحدة من أكثر التحولات السياسية دراماتيكية، المشحونة بالتناقضات خلال العقد الأخير. إذ نجح العسكري الذي أمضى معظم حياته برتبة عريف أوَّل في الجيش الفرنسي، خلال 4 سنوات فقط في التدرّج من قائد انقلاب عسكري إلى رئيس منتخب أخيراً، في مشهد يعكس تعقيدات السلطة والسياسة في «القارة السمراء». ما يجعل رحلة دومبويا أكثر إثارة للجدل هو التناقض العميق في شخصيته وسياساته، فهو يحكم بلداً غنياً بالثروات المعدنية، لكن البلاد تعاني تحت وطأة الفقر. ثم إن دومبويا، الذي تلقى إعداداً عسكرياً مبكّراً في إسرائيل، يقف في قلب مفارقة تاريخية وسياسية، فقيادته جاءت في بلد عرف بدعمه لحركات التحرّر الوطني الأفريقي وبتوتراته مع إسرائيل، لكنه اليوم يسعى لإعادة تشكيل الدولة وفق رؤيته الخاصة.

مامادي دومبويا، البالغ من العمر 42 سنة، لم يتردّد في استخدام سرعته العسكرية لتحقيق السلطة، لكنه لم يكتفِ بذلك، بل مضى نحو كسب شرعية انتخابية لإعادة إنتاج قيادته وإضفاء طابع قانوني على حكمه، في قارة شهدت عشر انقلابات خلال 5 سنوات.

تحيط أستار السرّية بنشأة دومبويا، المولود يوم 5 ديسمبر (كانون الأول) 1984 في مدينة كانكان بشرق غينيا، لكن المعروف أنه ينتمي إلى شعب «المالينكي»، وهو مجتمع تاريخياً محافظ، وقيادي، ومتماسك اجتماعياً، له تأثير سياسي واضح، ما يفسّر حضور شخصيات مثل دومبويا في المشهد العسكري والسياسي لغينيا وأفريقيا الغربية.

زوجة فرنسية

هذا الانتماء العرقي الأصيل لم يمنع دومبويا من الزواج من سيدة فرنسية بيضاء، اسمها لوريان داربو، وسط شحِ في المعلومات عن «سيدة غينيا الأولى» المرتقبة. ومن ناحية ثانية، يُنظر إلى الرئيس الغيني كقائد عسكري استثنائي، تميَّز عن نظرائه من قادة الانقلابات في القارة الأفريقية، إذ جمع بين التدريب التكتيكي التقليدي والخبرة في الأمن السيبراني والإدارة الاستراتيجية. ولقد صُقلت هذه المهارات عبر مسار مهني طويل، تميّز بالتدريب الدولي والعمل الميداني في عدة دول، أبرزها فرنسا حيث أمضى 15 سنة ضمن صفوف الجيش و«الفيلق الأجنبي» الفرنسي، مكتسباً خبرة لا تقتصر على التكتيكات العسكرية التقليدية فحسب، بل شملت أيضاً مهارات القيادة في بيئات معقّدة ومتعدِّدة الأبعاد.

خلال مسيرته، شارك دومبويا في عدة مهام عملياتية في مناطق النزاعات حول العالم، من أفغانستان وكوت ديفوار إلى جيبوتي وجمهورية أفريقيا الوسطى، كما تولّى حماية شخصيات دولية في إسرائيل وقبرص وبريطانيا وغينيا، وفق تقارير «إنتليجنس أونلاين». كلّ هذه التجارب أكسبته رؤية شاملة لمفاهيم الأمن وإدارة الأزمات، جعلته قادراً على التحرّك بسرعة وكفاءة في مواجهة التحدّيات السياسية والعسكرية على حد سواء.

وبدت مفارقة الأقدار متجسّدة بوضوح في المسار الذي أوصل دومبويا إلى قمة السلطة، بتناغم لافت مع مقولة الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه «مَن يرفعكَ إلى القمة قد يكون أول مَن يدفعك منها». إذ في عام 2018، لم يكُن الرئيس السابق ألفا كوندي يتوقّع أن قراره بتكليف دومبويا بقيادة مجموعة «القوات الخاصة» النخبوية (GFS) سيؤسس، بعد ثلاث سنوات فقط، لانقلاب عسكري أطاح به في سبتمبر (أيلول) 2021 على يد «الوحدة» ذاتها التي أوكل إليها حمايته وترسيخ نفوذه.

نموذج معقّد للقادة الانتقاليين

بعد هذا الانقلاب، الذي لحق بموجة انقلابات اجتاحت «القارة السمراء» منذ مطلع هذا العقد، جسَّد مامادي دومبويا نموذجاً معقداً لقائد انتقالي يجمع بين خطاب الاستقرار والتنمية وطموح تثبيت السلطة، في ظل مسار سياسي يثير جدلاً واسعاً حول الالتزام بالديمقراطية والحرّيات.

ذلك أنه بينما قدّم نفسه منقذاً للدولة من «حكم الفرد» التسلّطي في أول ظهور تليفزيوني له عقب الانقلاب، تلازمت سلطته مع تضييق غير مسبوق على المعارضة، شمل حلّ عشرات الأحزاب وإقصاء المنافسين المحتملين، ما أفرغ الانتخابات الرئاسية من مضمون التعدّدية.

وفي الاتجاه نفسه، حمل تحوّل الرجل من «قائد انقلاب» إلى «رئيس منتخب» تناقضات صارخة، أبرزها تراجعه عن تعهدات سابقة بالامتناع عن الترشح، عقب تعديل دستوري أزال القيود المفروضة على أعضاء المجلس العسكري. وفي مقابل خطابه الذي بشّر بإنهاء الحكم الفردي، تتهمه تقارير دولية ومحلية اليوم بتقييد الحرّيات وقمع الاحتجاجات وتهميش الخصوم السياسيين.

وحقاً، بين تثبيت الشرعية والتضييق على المعارضين داخلياً، يخضع مسار مامادي دومبويا لاختبار دقيق بين السلطة والحقوق. ففوزه الرئاسي بنسبة 86.72 في المائة بيَّن دعماً شعبياً شكلياً، خاصة بين الشباب والعمال، وهو ما كشفته شهادات بثتها وكالات أنباء عالمية. وفي المقابل، حاول ترسيخ صورة انتقاله من قائد عسكري إلى صاحب شرعية انتخابية مدنية وسياسية جديدة كاملة، بكلامه عن «غينيا للجميع».

من جهة أخرى، ركَّز دومبويا اقتصادياً، على قطاع التعدين ومشروع «سيماندو» للحديد، الذي تملك الصين 75 في المائة منه، مع استثمارات البوكسيت والبنية التحتية. وهنا نشير إلى أنه، على الرغم من برامج تدريب الشباب الرقمية، يواجه نصف سكان غينيا فقراً، وأمناً غذائياً هشّاً، وسط انتقادات ترى الإصلاحات تكريساً للسلطة واستمرار التحديات الاجتماعية الكبرى.

اختبار السياسة... إقليمياً ودولياً

على الصعيد السياسي، يأتي الاختبار التقليدي لمسار دومبويا على المستوى القاري الأفريقي، ضمن موجة الانقلابات التي وقعت منذ عام 2020 في غرب أفريقيا والساحل. وهذه الانقلابات تجسّد توتر علاقة الجيوش بالسلطة المدنية، مع سعي قادتها «إنتاج» شرعيتهم انتخابياً. وكما هو معروف، تشهد أفريقيا جنوبي الصحراء عدة حالات لقادة عسكريين شرعنوا بقاءهم حتى 2029 تقريباً، مع إمكانية إجراء انتخابات فقط إذا تحسّنت الظروف الأمنية.

أما لجهة السياسة الدولية العليا، فلم توضع علاقات دومبويا مع واشنطن على محك التجربة بعد بشكل مباشر ومعلن. إلا أن فوزه حظي بلهجة معتدلة من جانب واشنطن، عبر سفارتها، التي أعربت عن دعمها الرسمي للرئيس المنتخب، مع التركيز على العلاقات الاقتصادية والاستقرار. واللافت أن الصين، الشريك الاقتصادي الرئيسي لدومبويا، لم تكن بمنأى عن المشهد، إذ سارع رئيسها شي جينبينغ برسالة تهنئة، مشدّداً على تطوير الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين.

دور إسرائيل الموعود... والمتعاظم مستقبلاً

ولكن بجانب هذه المفارقة، ثمة مفارقة مهمة أخرى لا تبدو اليوم لافتة بقدر ما هي دالة تاريخياً. ففي بلدٍ، كغينيا ارتبط اسمه طويلاً بموقف عدائي صريح من إسرائيل إبان عهد زعيمه الاستقلالي التاريخي أحمد سيكوتوري، تبدو الأمور إلى تغيّر جذري.

سيكوتوري كان قد قطع العلاقات مع الدولة العبرية تضامناً مع الدول العربية عقب نكسة الخامس من يونيو (حزيران) 1967، إلا أن المشهد السياسي الراهن يسير في مسار مغاير تماماً، ولعل الترحيب الأميركي بانتخاب دومبويا ينمّ عن التغيّر المرجح. ذلك أنه سبق لدومبويا، أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع، بعدما أوفدته فرنسا ضمن برامج ذات طابع أمني، فيما يوحي بوجود تحوّل عميق في بوصلة العلاقات الخارجية لكوناكري.

أيضاً، إبان عهد دومبويا، أبدت إسرائيل اهتماماً خاصاً بتعزيز حضورها في قطاع الأمن السيبراني الغيني، وفق ما أورده موقع «إنتليجنس أونلاين» الاستخباراتي، وهذه خطوة تعكس استمرارية العلاقات الدبلوماسية التي أُعيد إحياؤها عام 2016 بعد قطيعة دامت قرابة خمسة عقود. وكذلك يشير هذا التطور إلى فتح صفحة جديدة من التعاون تتجاوز الطابع الدبلوماسي التقليدي إلى شراكات أمنية وتقنية أكثر عمقاً. ويرى خبراء أن هذا المسار مرشّح لمزيد من التوسّع.

تطبيع واستخبارات

وفي تقدير للدكتور يسري العزباوي، الباحث السياسي في «مركز تريندز للبحوث والاستشارات» في أبوظبي، فإن دومبويا، سواءً استمر في السلطة أو خلفه غيره، «سيمضي بخطوات أوسع على طريق التطبيع مع إسرائيل، لا سيما في مجالي التعاون العسكري والتسليح». ويضيف العزباوي أن مجموعة كبيرة من الدول الأفريقية التي تشهد انقلابات عسكرية تبقى عملياً رهينة للرضى الأميركي، مذكّراً بأن «المدخل إلى هذا الرضى يمر غالباً عبر إسرائيل».

ويستند العزباوي في تحليله، إلى ما يصفه بـ«التوغّل الإسرائيلي المتنامي في أفريقيا طيلة السنوات الأخيرة، في مقابل غياب تنسيق عربي فاعل». ويلفت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن السلاح الإسرائيلي لم يعُد حاضراً في دول أفريقيا جنوبي الصحراء ووسطها فحسب، بل امتد أيضاً إلى شمال القارة.

ووفق العزباوي، يكتسب هذا التوجّه زخماً إضافياً، من «التأييد الكامل الذي وفّرته إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب لإسرائيل»، ما يمنحها هامش حركة أوسع في الساحة الأفريقية.وإجمالاً، فإن نجاح دومبويا في الانتقال من قائد انقلاب إلى رئيس منتخب يمثل اختباراً نادراً في أفريقيا، حيث لا تتيح الانقلابات العسكرية عادةً فرصة للتحوّل إلى قيادة مدنية شرعية، بما يفتح باب التساؤل... هل تكون تناقضات دومبويا هي «كلمة السرّ» التي ستجعله استثناءً في «القارة السمراء»؟


في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
TT

في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo

تقف غينيا، الواقعة في قلب غرب أفريقيا، عند مفترق طرق اقتصادي وسياسي حاسم وبالغ الحساسية. فالبلد الذي يزخر بواحدة من أغنى الثروات الطبيعية في القارة، يجد نفسه أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في تحويل هذه الموارد الهائلة إلى نمو اقتصادي شامل ومستدام، بالتوازي مع مساعٍ لتحقيق استقرار سياسي بعد عقود من الاضطرابات والانقلابات العسكرية التي ألقت بظلالها الثقيلة على مسار التنمية.

منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1958، شهدت غينيا ثلاثة انقلابات عسكرية بارزة أعوام 1984 و2008 و2021، أطاحت برؤساء مدنيين أو عسكريين، ورسّخت صورة بلد يعاني من هشاشة سياسية مزمنة.

هذا الإرث الانقلابي أسهم في إضعاف ثقة المستثمرين، وعرقل في فترات كثيرة الاستفادة الكاملة من الثروات الطبيعية، وبالتالي الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي تمتلكها غينيا.

وأيضاً رغم هذا السياق السياسي المعقَّد، شهد الاقتصاد الغيني خلال السنوات الأخيرة نمواً ملحوظاً، مدفوعاً أساساً بقطاع التعدين. إذ أعادت الطفرة في صادرات المعادن غينيا إلى واجهة الاهتمام الدولي، لا سيما مع امتلاكها أكثر من 25 في المائة من احتياطيات البوكسيت العالمية، ما يجعل منها واحدة من أكبر مصدّري هذه المادة الخام الأساسية لصناعة الألمنيوم. وبالإضافة إلى البوكسيت، تزخر البلاد باحتياطيات معتبرة من الذهب والألماس ومعادن أخرى، ما يمنحها موقعاً استراتيجياً في خريطة الموارد الطبيعية الأفريقية.

في نهاية عام 2025، خطت الحكومة الغينية خطوة وُصفت بالتاريخية عبر تدشينها استغلال منجم سيماندو العملاق للحديد في جنوب البلاد، وهو أحد أكبر مكامن الحديد غير المستغلة في العالم. ولقد رُوّج للمشروع رسمياً بأنه «حلم أجيال»، نظراً لما يُنتظر أن يوفره من عائدات مالية وفرص عمل، إضافة إلى دوره في تعزيز البنية التحتية عبر إنشاء خطوط سكك حديدية وموانئ مرتبطة به. بيد أن المشروع، على ضخامته، يضع غينيا قبالة تحديات كبيرة تتعلق بالحوكمة والشفافية، بالذات في قطاع التعدين الذي لطالما كان بؤرة نزاعات سياسية وقانونية.

بيانات البنك الدولي تفيد بأن الناتج المحلي الإجمالي لغينيا سجل نمواً ثابتاً في السنوات الأخيرة، مستفيداً من توسع أنشطة التعدين وارتفاع الإنتاج الزراعي. ومع هذا، لا يزال الاقتصاد الغيني يعاني من اختلالات هيكلية، في مقدمتها الاعتماد المُفرط على الموارد الطبيعية وضعف تنويع القطاعات الاقتصادية، إلى جانب محدودية الإيرادات الضريبية، ما يقيّد قدرة الدولة على تمويل الخدمات الاجتماعية الأساسية.

من ناحية أخرى، تظل الزراعة، التي تشغّل أكثر من نصف القوى العاملة، قطاعاً حيوياً، لكنه يعاني من ضعف الإنتاجية واعتماد أساليب تقليدية، الأمر الذي يقلص مساهمته في الصادرات والنمو الاقتصادي. ويرى خبراء أن تحديث هذا القطاع يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للتنمية، خصوصاً في المناطق الريفية الأكثر فقراً.

إلى جانب التعدين والزراعة، تمتلك غينيا إمكانات هيدروليكية كبيرة تؤهلها لأن تغدو مصدراً رئيساً للطاقة في غرب أفريقيا. وراهناً تسعى السلطات إلى استثمار هذه الموارد عبر مشاريع لتوسيع إنتاج الكهرباء، وتحديث الموانئ، وتطوير شبكات السكك الحديدية، من بينها خط سيماندو – موريبايا الذي يمتد لأكثر من 650 كيلومتراً، بما يعزّز ربط البلاد بالأسواق العالمية ويسهل حركة التجارة.

ولكن، رغم هذه الآفاق الواعدة، تبقى التحديات الاجتماعية والاقتصادية حاضرة بقوة. فالفقر ما زال واسع الانتشار، وإمكانات الدولة المالية محدودة، في حين يواصل ضعف الشفافية في قطاع التعدين إثارة مخاوف المستثمرين الدوليين. وبالطبع يبقى الاستقرار السياسي عاملاً حاسماً وضرورياً في مستقبل البلاد، في ظل تاريخ طويل من الانقلابات والحكم المدني المتعثر.

وبالتالي، يرجّح مراقبون أن نجاح غينيا في تحويل ثرواتها الطبيعية إلى تنمية حقيقية يتوقف على تنفيذ تغييرات بنيوية عميقة، تشمل تعزيز الإدارة المالية والاستثمار في رأس المال البشري وتنويع الاقتصاد بدلاً من الاعتماد الأحادي على التعدين، وقبل كل ذلك بيئة سياسية دون انقلابات عسكرية أو توترات سياسية.