مغتربو لبنان... طوق النجاة المُتعب

محنة بلدهم طالتهم بصورة أو بأخرى

مغتربو لبنان... طوق النجاة المُتعب
TT

مغتربو لبنان... طوق النجاة المُتعب

مغتربو لبنان... طوق النجاة المُتعب

تقدّر مصادر أن عدد المغتربين اللبنانيين يفوق عدد سكانه المقيمين بـ3 أضعاف، ثم إن الأرقام المتداولة للذين غادروا لبنان خلال العامين الماضيين وحده «مخيفة». ولعل الأخطر هو أن القسم الأكبر ممن ما زالوا يعيشون فيه يتحيّنون الفرصة لـ«الهرب» بعدما باتت هذه البقعة الصغيرة، التي لطالما كانت محط أنظار العالم واهتمامه وإعجابه وانبهاره، بقعة مظلمة غير قابلة للعيش... يرزح أكثر من 70 في المائة من سكانها تحت فقر شديد.
وحقاً، لطالما شكّل المغتربون طوق النجاة الذي يتمسك به لبنانيو الداخل منذ مئات السنوات. وما زال هؤلاء من أبرز أعمدة الاقتصاد اللبناني؛ إذ كانوا وظلوا يرسلون إلى أهاليهم وعائلاتهم مليارات الدولارات سنوياً. لكنهم، وكحال كل اللبنانيين طالتهم كارثة الانهيار المالي، فجرى حجز أموالهم في المصارف اللبنانية باعتبار أن نسبة كبيرة منهم كان تضع كل مدّخراتها في هذه المصارف، وبخاصة في ظل الفوائد العالية التي كانت تقدّمها البنوك؛ ما أدى إلى فقدان العدد الأكبر منهم ثقته الباقية بالبلد.
ما كانت الجنسية اللبنانية في يوم من الأيام عاملاً مُسهِّلاً للمغتربين أينما حلوا، بل كانت تحدّياً إضافياً يواجهونه في بلدان الاغتراب... إذ لحقت لعنات السياسيين اللبنانيين بهم إلى أصقاع العالم. وراهناً، تبدو الأكثرية الساحقة من المغتربين في دول الخليج اليوم مستاءة إلى أبعد الحدود من الأزمات المفتعلة مع هذه الدول، وآخرها، تصريحات وزير الإعلام جورج قرداحي التي فجّرت أزمة دبلوماسية غير مسبوقة يخشى هؤلاء أن تطالهم تداعياتها. وقد بات لسان حال هؤلاء يقول: «اتركونا وشأننا... لقد هربنا منكم، فلا تلاحقونا بلقمة عيشنا في بلدان الاغتراب!».
- حساب الأرقام
يبلغ عدد اللبنانيين المقيمين نحو 4 ملايين نسمة، يُضاف إليهم نحو مليون لاجئ ونازح سوري ونصف مليون لاجئ فلسطيني، وفي المقابل، يُراوح عدد المهاجرين اللبنانيين والمغتربين من أصل لبناني، المنتشرين خارج لبنان في بلدان العالم ما بين 8 ملايين و12 مليون نسمة، يحتفظ 1.3 مليون منهم بجنسيته اللبنانية، بحسب «الشركة الدولية للمعلومات».
لقد هاجر المغتربون اللبنانيون على مراحل وفي موجات متعددة، أبرزها خلال الحرب اللبنانية بين العامين 1975 و1992. إذ تتحدث «الدولية للمعلومات» عن هجرة 600 ألف لبناني، وتقول إنه منذ نهاية الحرب حتى عام 2019، هاجر 650 ألفاً آخرين. وأخيراً، كشف الأب طوني خضرا، رئيس مؤسسة «لابورا» (Labora) المعنية برصد مشكلة الفقر والبطالة، عن أن 230 ألف مواطن هاجروا من لبنان خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الحالي (2021).
أما أسباب الهجرة، فلم تختلف كثيراً عبر السنوات، فظلت النسبة الأكبر والتي تتخطى النصف تبحث عن عمل يليها مَن يغادرون لأسباب أمنية. ولقد أدى تدهور الوضعين المالي والاقتصادي بشكل دراماتيكي، إلى فقدان المقوّمات الأساسية للعيش. وجاء انفجار مرفأ بيروت عام 2020 ليدعم حسم الأكثرية العظمى من حاملي جنسيات أجنبية إلى جانب جنسيتهم اللبنانية أمرهم لجهة مغادرة البلاد. ووفق الأب خضرا، فإن 90 في المائة من اللبنانيين من حملة الجنسيات الأجنبية (لم يذكر إجمالي عددهم) غادروا لبنان في سبتمبر (أيلول) الماضي.
- الشريان الاقتصادي للبنان
بلغت تحويلات المغتربين ما بين عامي 2017 و2019 نحو 8 مليارات دولار أميركي سنوياً، في حين يؤكد مطلعون على الملف، أنها تجاوزت بكثير هذا الرقم، باعتبار أن الكثير منهم كان يحمل الأموال نقداً إلى البلد بعد الإجراءات الأخيرة للمصارف.
وحسب توفيق معوض، رئيس مجلس إدارة شركة تحويل الأموال «أو إم تي»، ازدادت التحاويل الواردة من الخارج بنسبة 50 في المائة في الأشهر الستة الأولى من عام 2021 بالمقارنة مع الفترة نفسها من عام 2020. ويشير معوض في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه في النصف الأول من عام 2021، تلقّى نحو 220.000 مستفيد شهرياً التحاويل الواردة من الخارج بالدولار الأميركي نقداً «fresh» عبر الشركة التي يرأس مجلس إدارتها. وأوضح، أن التحاويل وصلت من نحو 156 دولة، على رأسها أستراليا، والولايات المتحدة الأميركية، ودول الخليج، وكندا، وألمانيا.
- لبنانيو الخليج
للعلم، يتجاوز عدد اللبنانيين المقيمين في دول الخليج النصف مليون شخص. ويشير شارل جحا، رئيس مجلس العمل اللبناني في دبي والإمارات الشمالية، إلى أن عدد اللبنانيين في دولة الإمارات يبلغ نحو 150 ألف نسمة. ولقد زار قسم كبير منهم بلدهم خلال الصيف الماضي؛ لأن الأكثرية لم تتمكن خلال صيف 2020 من مغادرة أماكن إقامتها بسبب إجراءات «كوفيد - 19».
ويوضح جحا في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنه «بعد الصفعات التي تلقاها المغتربون من دولتهم لديهم شعور بالأسى والمرارة، خاصة، أن هناك أشخاصاً موجودين في الاغتراب منذ 40 سنة، وقد وضعوا جنى عمرهم في المصارف اللبنانية... ليصار إلى إبلاغهم بين ليلة وضحاها بأنه ما عاد بمقدورهم الحصول على أموالهم. وأن عليهم أن ينتظروا فيما الدولة تتنصّل من واجباتها... هذا يخلق نفوراً لدى المغتربين الذين وصلت الأمور بالبعض منهم إلى القول: لم نعد نريد شيئاً من بلدنا... كانت ثقتنا عمياء، فأتت النتيجة مدمّرة».
ويتابع جحا، أنه على الرغم من الإحباط المسيطر على قسم كبير من هؤلاء المغتربين، فإنهم لا يمكن أن يتخلوا عن عائلاتهم وأهلهم في لبنان. وهذا، مع العلم أن قسماً لا بأس به منهم يحاول أن يأتي بهم بعد الأزمات الأخيرة إلى الدول التي يعيشون بها. ثم يلفت إلى أن تحويلات اللبنانيين من الخارج بلغت عام 2020 نحو 7 مليارات دولار ما بين 25 و30 في المائة منها من دول الخليج.
من جهته، يوضح الخبير الاقتصادي البروفسور جاسم عجاقة، أن المغتربين «اعتادوا أن يساهموا سنوياً بـ15 مليار دولار بالاقتصاد اللبناني، 8 مليارات كتحاويل مباشرة عبر المصارف اللبنانية، وما تبقى على شكل إنفاق حين يزورون لبنان»، لافتاً إلى أنه «بسبب الأزمة الحالية كما بسبب أزمة (كوفيد – 19) خسرنا هذه الأموال. ففي العام 2020 انخفضت التحاويل المباشرة عبر البنوك وشركات التحاويل كثيراً، حتى أنني لا أعتقد أنها تخطت الـ4 مليارات دولار رغم الحديث عن أرقام أعلى، إضافة إلى مليارَي صرفت على شكل إنفاق هذا الصيف».
ويشدد عجاقة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على أنه «رغم انخفاض كمية الأموال المرسلة من قبل المغتربين، فإن تأثير الـ6 مليارات كان كبيراً نتيجة الوضع المالي والاقتصادي وعوز اللبنانيين، وبالأخص نتيجة انهيار سعر صرف الليرة... ما جعل تأثير المائة دولار أكبر بكثير مما كان عليه في السنوات الماضية».
ويشرح عجاقة، أنه «بعد إعلان وقف دفع سندات اليورويوند، والعرقلة التي أصابت المفاوضات مع صندوق النقد الدولي نتيجة الخلاف اللبناني الداخلي على تحديد الخسائر، وانفجار مرفأ بيروت... كل ذلك أفقد المغترب اللبناني ثقته ببلده، وأصبح همه الأساسي سحب أمواله من المصارف». ثم يضيف «للأسف تخلت الدولة عن مبلغ الـ15 ملياراً سنوياً الذي كان يساهم فيه المغتربون للاستحصال على 3 أو 4 مليارات دولار من صندوق النقد. وهذا يدل على سوء تقدير أوصل البلد إلى ما وصل إليه. وبالتالي، فأي خطة ستلحظ الجسم الاغترابي لن تنجح حالياً لأن ثقة المغترب ببلده مفقودة».
- دور المغترب بالانتخابات
من ناحية ثانية، ينقسم الرأي العام اللبناني بين مَن يعتبر أن استياء المغتربين سينعكس إقبالاً كبيراً من قِبلهم للمشاركة في الانتخابات النيابية من أجل المساهمة بتغيير السلطة الحاكمة، وبين مَن يرى أن إحباطهم سيترجم انعدام الحماسة للمشاركة بالاستحقاق النيابي في شهر مارس (آذار) المقبل.
الفريق الثاني يدعم وجهة نظره بالأرقام التي سُجّلت في الانتخابات الأخيرة عام 2018؛ إذ بلغ عدد الناخبين المسجلين للاقتراع في الخارج 82.965 ناخباً فقط، اقترع منهم 46.799 مقترعاً، أي بنسبة 56.4 في المائة، وشكّل هؤلاء نسبة 2.5 في المائة فقط من إجمالي المقترعين.
حول الموضوع الانتخابي، ارتأى المجلس النيابي أخيراً تعديل قانون الانتخاب الذي كان قد أشار إلى انتخاب المغتربين 6 نواب يمثلونهم في الندوة البرلمانية، وأعاد العمل بما كان معتمداً عام 2018 لجهة إشراك المغتربين بانتخاب 128 نائباً. ومن المرتقب أن يكون هناك إقبال أكبر من قبل اللبنانيين الموجودين في الخارج على تسجيل أسمائهم للمشاركة في الانتخابات بعد حسم الجدل الذي كان قائماً حول الموضوع.
هنا، يتحدث شارل جحا، رئيس مجلس العمل اللبناني في دبي والإمارات الشمالية، عن «حماسة لدى المغتربين للانتخاب في هذه الدورة، باعتبار أن الوضع في لبنان خطير ويحتاج إلى الإنقاذ. ونظراً لتمتع المغتربين بحرية رأي واستقلالية في خياراتهم؛ فهم قادرون على أن يكونوا شركاء فاعلين بهذا الإنقاذ».
في المقابل، لا يعوّل رئيس «المركز اللبناني لحقوق الإنسان» والناشط السياسي وديع الأسمر، الذي يعيش منذ 4 سنوات في قطر – كثيراً على دور المغترب في الانتخابات، معتبراً أن «المراهنة على المغتربين ليست بمكانها الصحيح، وهي يفترض أن تكون على الناشطين الذين لديهم أمل في البلد سواءً في الداخل أو الخارج». ويتحدث الأسمر لـ«الشرق الأوسط» عن «الوهم بأن التصويت الاغترابي قد يغير الأمور، وهو ما لمسناه في العام 2018 التي أتت نتائج مشاركة المغترب فيها معبرة»، واستطرد، أنه «يمكن تقسيم الانتشار اللبناني إلى نوعين: المغتربون الذين تركوا البلد بإرادتهم إلى المهجر منذ سنوات، والمهجّرون الجدد الذين اضطروا إلى المغادرة بحثاً عن عمل، وبالأخص في العامين الأخيرين، وهؤلاء هم الذين نعتقد أنهم سيصوتون بكثافة».
من جهتها، لا تبدو ناتالي غندور (31 سنة) - وهي تعمل في نيجيريا منذ سنوات - متحمسة على الإطلاق للمشاركة بالانتخابات. إذ قالت غندور في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بشيء من الألم «إذا كانوا نفس المرشحين لن أشارك بالتصويت... عندما يتركون كراسيهم جميعهم، دون استثناء، عندها أفكّر بالاقتراع لوجوه جديد». إلا أنه رغم كل الخيبات التي أصيب بها المغترب اللبناني، فهو يظل، حسب غندور «جاهزاً لإعادة النهوض بلبنان... ولكن شرط أن يقترن ذلك مع اقتلاع الفاسدين من السلطة، علماً بأنه... للأسف، قسم كبير من الشعب اللبناني هو بدوره فاسد، وهنا المعضلة الكبيرة».
قصص نجاح اللبنانيين في الخارج لا تُحصى
- فيليب سالم على جبهتي السرطان والدفاع عن سيادة لبنان
قصة فيليب سالم هي إحدى الروايات الجميلة التي تتجدد فصولاً مع شخصية لا تكلّ ولا تملّ العمل والنضال والقتال على جبهتين؛ إذ اختارت أن تتصدر صفوف المقاتلين فيهما؛ جبهة محاربة مرض السرطان وجبهة استعادة سيادة لبنان.
البروفسور فيليب سالم، رئيس مركز سالم للسرطان ‏في مدينة هيوستن الأميركية، الذي هاجر إلى الولايات المتحدة عام 1987 نتيجة ظروف الحرب الصعبة، طوّر أخيراً استراتيجية جديدة لمعالجة الأمراض السرطانية، وذلك بواسطة المعالجة بالمزيج الثلاثي: العلاج الكيميائي، والعلاج المناعي، والعلاج المستهدف. وسجل هذا العلاج تحت اسم ICTriplex.
يقول سالم، إنه لم يكن هناك أي إمكانية له لتحقيق النجاح الذي حققه في مجال الطب في الولايات المتحدة الأميركية، فيما لو بقي في لبنان. ويشير في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أبحاث أجراها ما بين عامي 1971 و1986 تمحوَرت حول العلاقة بين الالتهابات الجرثومية والسرطان، وأثبت فيها أن الالتهابات الجرثومية المتكررة في الأمعاء قد تتطور لأمراض سرطانية إن لم تعالج في بدايتها. هذه النظرية التي كانت تعتبر يومها «هرطقة طبية»، حصلت على جائزة نوبل في الطب لعام 2005. في ذلك العام منحت الجائزة إلى العالمين الأستراليين Barry Marshall and Robin Warren بسبب أبحاثهما عن علاقة البكتيريا H.pylori، وهي جرثومة موجودة بشكل واسع في المعدة، وسرطان المعدة. وحسب سالم، فإن المؤسسات الأكاديمية في العالم العربي تفتقر إلى الأبحاث العلمية، وهناك خلل كبير بمفهوم معنى الجامعة. ويشدد على أن «دور الجامعة لا يقتصر على نقل المعرفة من الأستاذ إلى الطالب، بل يتعداه إلى ما هو أهم وهو صنع المعرفة وتدريب العقل».
سالم، على صعيد آخر، يتابع أخبار لبنان ساعة بساعة، فلا تعنيه آلاف الكيلومترات التي تبعده عن بلده الأم. وهو يقول بغصة «سقط شعار لبنان مستشفى الشرق، نحن في أزمة كبيرة في كل القطاعات، بما فيها القطاع الصحي. كل الطاقات باتت خارج البلد! الأطباء هاجروا والمؤسسات والمستشفيات تقفل أبوابها. الوضع مأساوي وليس مؤسفاً فحسب. لكن إمكانية عودة لبنان للعب دوره متاحة، وهي مرتبطة بعودة الدولة ودورها واستعادة لبنان الحقيقي».
قبل اقتراح الحلول، يحدد الدكتور سالم سبب المشكلة والمرض، معتبراً أن «ما أوصل البلد إلى ما هو عليه اليوم هي القيادات السياسية التي أفرزناها نتيجة وجود خلل بالثقافة السياسية والعقل السياسي التقليدي اللبناني». ثم يضيف «من دون شك نحن نريد تغيير الطبقة السياسية الفاسدة، إلا أننا إن لم نغيّر الثقافة السياسية... سنعود ونفرز طبقة جديدة لا تختلف كثيراً عن هذه الطبقة. نحن في قعر عميق لم يكن أحد يتوقع أن يصل اللبناني للذل الذي يتخبط فيه اليوم، ولكن لبنان لن يموت. ولن نسمح بذلك، وهناك الكثير من العمل الذي يتوجب علينا القيام به. الشعب اللبناني قادر على أن يعيد بلده أفضل مما كان بحيث إنه سيبني دولة لا تنهار كلما هبّت عليها عاصفة من هنا أو هناك». حسب رأيه «ليس هناك أي دولة في العالم تمتلك مقومات تخوّلها أن تكون بلداً عظيماً كلبنان. فلبنان يمتلك الطبيعة ويمتلك الإنسان ويمتلك الانتشار اللبناني العظيم. لقد قلنا مراراً ونعيد، إن الانتشار اللبناني هو أهم نفط يمتلكه لبنان. فبينما يكون النفط قوة مالية فقط فالانتشار هو قوة سياسية، قوة علمية، وقوة ثقافية، بالإضافة إلى القوة المالية. وكذلك، فالانتشار اللبناني يربط لبنان بالعالم. لذا؛ يكون لبنان ليس موجوداً فقط في الشرق، بل هو حاضر وموجود أيضاً في العالم كله. ولكن، يؤسفني القول، إن القيادات السياسية المتعاقبة في لبنان لم تستثمر هذه القوة، بل حاربتها. في بناء لبنان الجديد سنبني الجسور التي تربط بين لبنان المنتشر ولبنان المقيم».
ورغم الإحباط المسيطر على قسم كبير من اللبنانيين، يبدو سالم متسلحاً بالأمل، متحدثاً عن «فرصة تاريخية عبر الانتخابات النيابية المقبلة لتأمين أكثرية تغييرية في البرلمان»، ويضيف «هذه الفرصة يتوجب استغلالها، لكنها تحتاج إلى دعم وإحياء الثورة وخلق مناخ يسمح بانتخاب أشخاص قادرين على عملية التغيير».
وهنا، يقر الدكتور سالم بأن «اللوبي اللبناني» في الخارج لا يزال ضعيفاً «ولكن هناك نواة من المستقلين الذين يحبون لبنان، إضافة إلى مؤسسات فكرية وعلمية وأكاديمية في الولايات المتحدة الأميركية تعنى بمشاكل الشرق الأوسط. كلها تعمل مع إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن ووزير خارجيته أنتوني بلينكن لتغيير السياسة الأميركية بما يتعلق بالملفات المرتبطة بلبنان. فمثلاً بعدما كانت مفاوضات فيينا تتركز حصراً على الملف النووي الإيراني، نجح ضغط اللوبي الداعم للبنان بإقناع مسؤولين في الإدارة الأميركية أن ما هو أخطر من البرنامج النووي هو التمدد الإيراني الحاصل في الشرق العربي، وبأن هذا الخطر يطال المنطقة ككل ومن ضمنها لبنان كما يطال المصالح الأميركية». ويعتبر سالم أن «لبنان يشكل اليوم أهم رهينة لطهران نظراً لموقعه على البحر الأبيض المتوسط وعلى الحدود مع إسرائيل، ونظراً للقوة العسكرية التي تمتلكها فيه والمتمثلة بـ(حزب الله)»، لكنه يشدد على أنه رغم ذلك كله «فلا قوة على الأرض تستطيع أن تفرض الهيمنة الإيرانية على لبنان طالما هناك أصوات مرتفعة داخل وخارج البلد رافضة لهذه الهيمنة».
ويختم البروفسور اللبناني - الأميركي، واصفاً علاقته ببلده الأم بـ«العضوية»، قائلاً «أنا أعيش في لبنان كما أعيش في أميركا. في الولايات المتحدة، أصارع من أجل الإنسان، كل إنسان، بوجه المرض وهو ما لم أكن لأتمكن من القيام به في بلدي الأم. كما أنني في الوقت عينه أخوض معركة كبيرة من أجل لبنان، وأخصص وقتاً طويلاً للدفاع عن القضية اللبنانية من خلال السعي لتوحيد الانتشار وتقوية اللوبي اللبناني».



الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».