مهرجان «آسيا» يعرض أفلاماً عربية وعالمية

أنجز دورة سابعة احتفاءً بسينما القارة الكبرى

«شامبالا» أحد الأفضل
«شامبالا» أحد الأفضل
TT

مهرجان «آسيا» يعرض أفلاماً عربية وعالمية

«شامبالا» أحد الأفضل
«شامبالا» أحد الأفضل

انتهت أعمال الدورة السابعة من مهرجان «آسيا العالمي» (Asia World Film Festival) يوم أمس، الخميس بعد عشرة أيام ناجحة اختتمت في قاعة لاندمارك في لوس أنجليس التي تتسع لنحو 2000 شخص.
خلال أيام المهرجان كشف الحدث عن أكثر من 30 فيلماً مشاركاً قدم من نحو 20 دولة آسيوية أنجبت أفلاماً تستحق العرض في مهرجان يوفر للمشاهدين جميعاً (منهم بالطبع أبناء الجاليات الآسيوية في مدينة لوس أنجليس) تلك الفرصة النادرة لرؤية سيل من انعكاسات الحياة على مرايا الخيال والواقع.
مهرجان «آسيا العالمي» كان فكرة عمل عليها المخرج اللبناني جورج شمشوم وقام بتنفيذها رئيس اتحاد السينمائيين في قرغزستان صادق شرنياز.
التنفيذ بأجمعه على عاتق مجموعة من المتطوّعين، لكن شمشوم هو الذي يقوم بمعظم المهام لتأمين الأفلام واختيارها وبرمجتها وكل ما يرتبط بإدارة لو لم تكن ناجحة لما كبر حجم هذا المهرجان من عام لآخر.
على ذلك، هو غاضب على المسؤولين اللبنانيين. يقول في حديث خاص: «أرجو أن تكتب على لساني بأني مستاء للغاية من تجاهل المسؤولين اللبنانيين لما أقوم به. مستاء من طريقتهم في التعامل مع السينما اللبنانية وصانعيها. من عدم مبالاتهم بالتواصل كما تفعل الدول الأخرى وتجاهل مسؤولياتهم حيال كل عمل يهدف لخدمة هذا البلد».
هي ليست المرّة الأولى التي ينتقد فيها شمشوم تقاعس الدولة اللبنانية عن تشجيع السينمائيين والاهتمام بمصائرهم. حين أذكر له أن الدولة لديها من المشاكل ما لا يُحصى حالياً يرد بأن هذا التجاهل ليس وليد الوضع الحالي بل يعود لسنوات الأمس.
«كل ما هو مطلوب كان قيام القنصلية اللبنانية في لوس أنجليس بحضور الفيلم اللبناني المعروض في هذا المهرجان. دعوناهم لكن لا أحد تنازل ولبّى الدعوة ولا حتى اعتذر عنها. سفراء وقناصل دول آسيوية أخرى لا تتأخر في الحضور. حين نتواصل مع مؤسسات هذه الدول حكومية كانت أو خاصة نجدهم سريعي التلبية ومهتمين بالتواجد. عندنا لا شيء. تلمسنا ذلك من الدورة الأولى وما زلنا رغم أن هدفي، كلبناني، خدمة بلدي. هذا واجبي لكن ما هو واجبهم؟».

جماليات قرغيزية
الفيلم اللبناني الذي دعا شمشوم رسميين من القنصلية اللبنانية لحضوره كدعم معنوي هو «يوسف» لمخرج جديد هو كاظم فيّاض: دراما حول توهان رجل ما بين ما يقع فعلاً في حياته وما هو مُتخيل. يجد نفسه يعيش عالمين في كيان واحد ولا يدري في عالم هو في اللحظة التي يمر بها. ليس فيلماً نفسياً، بل هو دراما تشويقية تستمد تصنيفها هذا من أن الشاب وشقيقه يتاجران بالأسلحة في إيعاز من الفيلم بالفلتان الحاصل وتجارة السلاح غير المرخّص.
معظم ما شاهدناه من أفلام يواكب أوضاعاً اجتماعية خاصة ببلدانها. إذ يتناول «يوسف» قضية السلاح الممنوع نجد الأفلام الأخرى تتداول مشاكل شخصية تنعكس على واقع عام تقوم بنقده أو تكتفي بعرضه.
هذا باستثناء فيلم فجاعي ورد من سري - لانكا بعنوان «آسو» (Asu) يدور حول أم حامل تكتشف أن لديها سرطان الثدي. تخشى إذا ما أقدمت على العلاج أن تضر جنينها فتمتنع وتنتهي بعد ساعة ونصف من هذا المنوال على شفى الموت. المخرج سانجيوا بوشباكومارا يريد فيلماً جاداً حول التضحية، لكنه يمارس ذلك بأقل قدر ممكن من الإبداع والإجادة، مما يتركنا أمام مطبّات ميلودرامية وتنفيذ مشهدي ركيك من حين لآخر.
اللافت على صعيد الإجادة هو مجموعة من الأفلام الآتية من آسيا الوسطى. ومن دون الادعاء بمشاهدة كل ما عرضه المهرجان من أفلام، يبرز «شامبالا» كأحد أفضل ما شوهد من أعمال هذا العام.
هو ترشيح قرغيزستان لأوسكار 2022. فيلم يحتفي بجمالياته المبهرة وبموضوع آسر. «شامبالا» هو اسم صبي في قرية نائية يهيم، كالمخرج أرتيكباي سيونداكوف، بالماء وهناك الكثير منه من الجداول الصغيرة إلى الشلالات والأنهر الكبيرة الجارفة. يعيش شامبالا بخياله الرحب. يصنع قارب ورق يعكس رغبته في الانطلاق. في الوقت ذاته هو محكوم بوضع صعب. والده مات ويعيش في كنف جدّه وجدته. والدته تزوّجت رجلاً شرس الأخلاق يكشف عن أنيابه عندما يكتشف الصبي وجود تمثال نصفي مخفياً وسط الأشجار. ينصح الجد الزوج بترك التمثال وشأنه، لكن هذا لا يستمع للنصيحة وينقله إلى داره. يعقب ذلك ثورته على الجميع عندما يكتشف أن الجد أعاد التمثال لمكانه الأصلي. يهدد الزوج الجميع بالقتل بمن فيهم شامبالا أو الطرد.
في وسط ذلك، هناك أيل بقرون تميّزه بجمال نادر يزور المنطقة التي كان هجرها منذ سنوات. في الفصل الأخير من الفيلم يكتشف الصبي أن زوج والدته اصطاد الأيل وقدّمه لضيوفه من الزوّار. في هذا الفصل نرى زوج الأم يمحو الخط الفاصل بين أخلاق القرية والمدينة. يشرب ويرقص ولا يمانع عندما تدخل زوجته الحلبة وتراقص رجلاً آخر.
يستعير المخرج من البيئة ما يُثري الفيلم الماثل، كذلك يعمد إلى رموز كبيرة ليس الماء والحيوان والتمثال سوى جزء منها. الجزء الأكبر تصويره لجحافل منغولية (أو هكذا تبدو) وهي تتقدّم على جيادها بمشاعلها وسيوفها في قلب الليل. سيصل الغزاة إلى القرية ويدمّرونها، لكن هذا في الخيال وحده ويستخدمه المخرج كترميز لعصر مظلم وظالم يتكرر حدوثه مجسّداً في تصرّفات الزوج.
في موازاة هذا الفيلم عمل كازاخستاني بعنوان «نار» ينبض بمعايشة مجتمعية مدنية. حكاية رجل يعمل في شركة لصناعة الخبز وتوزيعه على المحلات. إنه السائق توليك (تولبراغن باييشاكوف) الذي بالكاد يستطيع إعالة عائلته. تتعالى ديونه ويجد نفسه عالقاً أمام وضع لا قدرة له عليه. يزداد الوضع تعقيداً عندما تحبل ابنته من زميل لها في الكلية ويرفض ذوي الشاب الاعتراف بذلك. هذا سيقود إلى سلسلة من الأحداث غير المتوقعة التي تسلب من توليك كل قدرات لصد ما يحدث له.
في الفيلم تذكير ببعض الدراميات الإيطالية الواقعية حين مزجها ببعض الكوميديا السوداء، لكن «نار» يبقى قائماً بذاته. سريع الانتقال وجيد الإيقاع ومهم في إطار ما يطرحه.
فلسطيني وإسرائيلي وجدار
لجانب «يوسف» كفيلم عربي أتاح المهرجان لحاضريه مشاهدة الفيلم الفلسطيني «200 متر» لأمير نايفة. حكاية ذلك الزوج الذي يعيش في القدس الشرقية يفصله عن زوجته (التي تعيش والأولاد) في القدس المحتلّة جدار و200 متر. هو لا يملك إذن دخول للعمل ولا هي تستطيع العودة كونها تعمل في ذلك الجانب الآخر من المدينة. كل شيء يتغيّر عندما يصبح لزاماً عليه اجتياز الجدار عند نقطة بعيدة مع مجموعة من الركّاب بينهم إسرائيلية تريد التعرّف على الواقع لكن باقي الركّاب يعتقدون أنها جاسوسة.
الفيلم بأسره مهم. حكايته دالّة بلا ريب لكن الجهد منصب على التمهيد طويلاً وأحداث الرحلة لا تعكس واقعاً، بل تتحدث عنه فقط رغم أن نيّته تكمن في تناوله الكاشف.
«200 متر» ليس الفيلم الوحيد حول جدار العزلة الشهير. الفيلم الإسرائيلي «ليكن هناك صباح» لإيران كوليرين يتناول الموضوع نفسه معكوساً: بطل الفيلم سامي يعيش في القدس المحتلة مع زوجته، بينما يعيش شقيقه في القدس الشرقية. وهذا يدعوه لحضور حفلة زفافه.
يلبّي سامي الدعوة بكل سرور لكن ما يحدث أن السُلطة الإسرائيلية تفرض حصاراً على القطاع مانعة سامي من العودة إلى منزله.
يستغل المخرج إيران كوليرين الحبكة ليمنح بطله فرصة التعرّف على فلسطينيين يعيشون حياتهم الصعبة في فيلم لا بد لنا من وقفة أخرى مع معطياته. كوليرين سبق له وأن تعامل مع مواضيع عربية - إسرائيلية من قبل بدءاً من «زيارة الفرقة الموسيقية» (The Band‪’‬s Visit) ولاحقاً في «ما وراء الجبال والهضاب» (Beyond the Mountains and Hills) ومن الجيد أن نراه ما يزال يحاول البحث في هذه العلاقة الصعبة بين شعبين لم يجدا بعد حلولاً ناجعة للمشاكل السياسية والأمنية القائمة.‬
في منأى آخر من تعقيدات الحياة الحاضرة تكمن قضية الوباء المستشري في فيلم صيني جديد حول «كوفيد - 19» حين انطلق داخل مدينة ووهان، وما أسفر عنه حينها من كوارث على صعيدي الأفراد وكوضع اجتماعي عام.
ككل وباء عبر التاريخ لم ينتظر «كورونا» ومتفرّعاته تحرك الدول للقضاء عليه بل بادر بالهجوم عليها من دون تمييز. الأفلام التسجيلية التي تحدّثت عنه ما زالت قليلة، لكن الصين أنتجت فيلمان حول الموضوع عرض مهرجان آسيا العالمي أولهما في العام الماضي (تحت عنوان «76 يوم») وعرض ثانيهما هذا العام تحت عنوان «ووهان ووهان».
كلاهما يحمل مفاداً واحداً. في الفيلم السابق (أخرجه وايكجي تشن وهاو وو) تصوير المحنة الإنسانية كما هي وفي موقع واحد هو المستشفى الذي كان يستقبل الحالات على شكل أفواج. الكاميرا تلتقط ولا تعلّق والتوليف ينتقل بين المشاهد ويعود إلى بعضها لينقل الواقع كما هو. هذا لا يمنع من إظهار الجانب الإنساني في المحنة كلها، عبر تقديم نماذج عديدة للمصابين ولسواهم ممن لم تثبت إصابتهم بعد بل نُقلوا احترازياً. هناك حالات إنسانية عديدة في ذلك الفيلم وتصوير لبذل الوحدات الطبية لمعالجة أمر طارئ لم يتوقع حدوثه أحد.
«ووهان ووهان»، للمخرجين يونغ تشانغ وغونغ تشنغ، لا يبتعد كثيراً عن هذا الخط العام عارضاً ما تفجّر من حالات إنسانية على جانبي الخط (الأطباء والمرضى) لكنه ينحو أكثر لدراسة حالة معيّنة أكثر من سواها متمثلة بشخصية الطبيبة النفسية التي كان عليها الاندماج في المساعي الرامية لإنقاذ المصابين في الوقت الذي تحاول فيه حل أزمة عائلية متفاقمة.


مقالات ذات صلة

عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

يوميات الشرق تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)

عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

حصد فيلم «وقائع زمن الحصار» للمخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب جائزة «أفضل عمل أول» في مهرجان «برلين السينمائي».

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)

«حي الجرادية»... دراما الانتقام من قلب المكان الشعبي

تمتلك الأحياء الشعبية قدرة خاصة على احتضان الحكايات، وإعادة إنتاجها عبر الزمن، ومن هذا الفضاء ينطلق المسلسل السعودي «حي الجرادية»

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

المخرج التركي إلكر تشاتاك قال لـ«الشرق الأوسط»: «لا أحد على حق كامل، ولا أحد على خطأ تام».

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

حقق فيلم الكوميديا السوداء «وان باتل أفتر أناذر» (معركة تلو الأخرى) فوزا كبيرا في حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون «بافتا».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق فريق «وقائع زمن الحصار» يرفع العلم الفلسطيني (د.ب.أ)

نتائج مهرجان «برلين» عكست في معظمها ما لم يكن متوقّعاً

فوز الأفلام ذات الحضور السياسي في مهرجان «برلين» لم يكن تفصيلاً عابراً، بل عكس موقفاً ضمنياً يدعو إلى حرية المبدع في مواجهة القيود.

محمد رُضا (برلين)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز