(تحليل اقتصادي) إدارة بايدن في مأزق «النفط» و«المناخ»

التحركات غير المحسوبة قد تستنزف الاحتياطي الاستراتيجي

الرئيس الأميركي جو بايدن
الرئيس الأميركي جو بايدن
TT

(تحليل اقتصادي) إدارة بايدن في مأزق «النفط» و«المناخ»

الرئيس الأميركي جو بايدن
الرئيس الأميركي جو بايدن

رغم مناشدات الإدارة الأميركية للدول الأعضاء في منظمة أوبك لزيادة الإنتاج لمواجهة الأسعار المتزايدة، فإن الدول رفضت حتى الآن الضغوط الأميركية لزيادة المعروض... وهناك شكوك حول ما إذا كانت الدول المنتجة لديها القدرة على زيادة الإنتاج بشكل حاد بعد سنوات من تباطؤ الاستثمار.
ودفعت هذه الشكوك إلى تكهنات أن الرئيس بايدن سيقوم بخطوات للإفراج عن الاحتياطي الأميركي الاستراتيجي من البترول من أجل تحييد وتحديد الأسعار، وحث الدول المنتجة على طرح المزيد من براميل النفط في الأسواق، وبالتالي تحقيق أقصى تأثير. وقد أيدت وزيرة الطاقة جينيفر غرانهولم التوجه إلى الاحتياطي الاستراتيجي الأميركي من النفط إلا أنها تراجعت عن تصريحاتها وقالت إنه لا توجد خطة فورية للقيام بذلك.
وتملك الولايات المتحدة احتياطيا بتروليا استراتيجيا يبلغ 620 مليون برميل المخزن تحت الأرض في ولايتي تكساس ولويزيانا. وتتردد إدارة بايدن في اتخاذ قرار بالإفراج عن هذا المخزون خاصة مع توجه إدارته إلى الإقلال من الطاقة الأحفورية، والتوجه إلى الطاقة النظيفة والمتجددة لإبطاء تأثيرات التغيرات المناخية. ووضعت إدارة بايدن سياسات تهدف إلى جعل التنقيب والحفر لاستخراج النفط والغاز مقيدا بعوامل حماية البيئة لكن القلق يتزايد بشأن ارتفاع أسعار النفط المتزايدة.
وأشار بنك غولدمان ساكس إلى أن الإفراج عن احتياطي النفط الاستراتيجي لن يكون سوى مساعدة متواضعة، ولن يؤثر بشكل حاسم على أسعار النفط المتزايدة، خاصة أن المخزون الاحتياطي الأميركي يتم استخدامه فقط في حالات الطوارئ مثل الحروب والأعاصير. وتواجه إدارة بايدن معضلة كبيرة مع ارتفاع تكلفة البنزين والغاز الطبيعي للتدفئة في المنازل مع الغضب المتزايد لدى الرأي العام واستطلاعات الرأ ي التي تشير إلى انخفاض شعبية بايدن والحزب الديمقراطي الحاكم، ويحاول بايدن إلقاء اللوم على منظمة أوبك.
ويقول الخبراء إن الإدارة الأميركية لديها خيارات قليلة لتغيير مسار السوق في وقت يرتفع فيه الطلب وتترد شركات النفط في إنتاج المزيد. وقد تؤدي أي تحركات غير محسوبة بدقة من إدارة بايدن في ملف الطاقة إلى استنزاف احتياطيات النفط الاستراتيجية بما يؤدي إلى ارتفاع قياسي في تكلفة التدفئة المنزلية في فصل الشتاء.
وبينما تقول إدارة بايدن إن لديها مجموعة من الأدوات لاستخدامها في مكافحة ارتفاع أسعار النفط، فهي في حقيقة الأمر لديها أدوات تنظيمية استخدمتها بالفعل، مثل رفع القواعد التنظيمية على النفط والغاز، وتسريع الموافقات على خطوط الأنابيب، وخفض ضرائب البنزين... لكنها في النهاية تعد «إسعافات أولية قصيرة الأجل» في الأسواق التي تعاني من نقص المعروض.
وتعد أسعار الطاقة المرتفعة مشكلة متنامية للرئيس بايدن خاصة منتجات البنزين، فقد وصلت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها خلال السبع سنوات الماضية وتعالت شكاوى الأميركيين من تداعيات الوباء الاقتصادية وخسارة الوظائف، وزاد ارتفاع أسعار غالون البنزين من وتيرة الغضب لدى الأميركيين خاصة بعد ارتفاع سعر الغالون إلى أكثر من أربعة دولارات، وتحذيرات بنك أوف أميركا بإمكانية ارتفاع سعر برميل النفط إلى 120 دولارا.
كما شهدت أسعار الغاز الطبيعي ارتفاعا إلى أكثر من الضعف خلال العام الجاري مما أثقل كاهل المرافق والمصانع وأجبرها على التحول إلى البدائل الرخيصة مثل الفحم والزيت والمازوت.
ويؤدي ارتفاع سعر النفط إلى ارتفاع تكلفة المعيشة المرتفعة بالفعل للأميركيين، ويزيد الضغوط التضخمية على الشركات التي تتصارع مع ظروف الوباء ونقص العمالة وكوارث تباطؤ سلاسل التوريد. وزادت مخاوف ارتفاع معدلات التضخم من وجهات النظر المتشائمة حول الاقتصاد الكلي. ورصدت استطلاعات رأي أن ما يقرب من ثلثي الأميركيين وصفوا رؤيتهم للاقتصاد الأميركي بأنه فقير ويعاني التراجع، واحتل الاقتصاد المرتبة الأولى في اهتمامات الأميركيين في الاستطلاعات باعتباره أهم قضية، متجاوزا التعليم والضرائب و(كوفيد - 19).
واستغل الجمهوريون هذه القضية قائلين إن الرئيس بايدن يجب أن يعزز المنتجين الأميركيين بدلا من مناشدة دول أوبك زيادة الإنتاج. وفي رسالة وقعها 23 سيناتورا جمهوريا في مجلس الشيوخ إلى الرئيس بايدن طالبوا بإعادة فتح خط أنابيب كيستون الذي أوقفه الرئيس بايدن عند مجيئه للسلطة، من منطلق الحفاظ على البيئة. وقال الجمهوريون إن إعادة فتح هذا الخط والإفراج عن المخزون الاحتياطي من النفط الأميركي (الذي لا يزال أقل من مليون برميل؛ أي أقل من ذروته اليومية) من شأنه أن يحدث فارقا كبيرا في أسعار النفط.
ويشير الخبراء إلى أن الطلب مرتفع والمعروض متأخر، وأصبحت الولايات المتحدة تنتج أقل كثيرا مما كانت تنتجه قبل تفشي وباء (كوفيد) على الرغم من أن الأسعار في الوقت الحالي أعلى بكثير من السابق. وتتعرض شركات النفط الأميركية لضغوط هائلة من وول ستريت وأسواق المال لإظهار الانضباط في أسعار النفط، بينما تحجم شركات النفط عن زيادة الإنتاج لأن توقعات الطلب لا تزال غير مؤكدة نظرا للمخاوف المناخية.
وتكمن المشكلة في أن النفط هو سلعة يتم تداولها عالميا، ويتم تحديد أسعار الغاز في الولايات المتحدة بواسطة خام برنت، وإذا فقد العالم فجأة إمكانية الوصول إلى النفط الأميركي، فمن المرجح أن ترتفع أسعار خام برنت بسبب ضعف الإمدادات العالمية.
وتتطلب مصافي النفط الأميركي الحصول على النفط الأجنبي لإنتاج البنزين ووقود الطائرات والديزل، ولا يمكنهم الاعتماد على النفط الأميركي وحده. وهذا هو السبب في أن بنك غولدمان ساكس أخبر عملاءه أن حظر تصدير النفط من المرجح أن يؤدي إلى نتائج عكسية، وسيكون له تأثير صعودي محتمل على أسعار التجزئة للوقود.
ويرى الخبراء أن حظر صادرات النفط سيكون له نتائج سلبية أيضا، لأن التحول المفاجئ في السياسة من شأنه أن يخيف المستثمرين، ويقلل من الاستثمارات الموجهة في النفط الأحفوري المحلي في الولايات المتحدة.


مقالات ذات صلة

الصين تحذر: أحدث إجراءات ترمب الجمركية قد تضر بالعلاقات التجارية

الاقتصاد بيسنت يتحدث في ختام المحادثات مع وفد صيني في باريس وإلى جانبه غرير (أ.ف.ب)

الصين تحذر: أحدث إجراءات ترمب الجمركية قد تضر بالعلاقات التجارية

حذرت الصين من أن أحدث إجراءات الرئيس الأميركي دونالد ترمب الجمركية قد تضر بالعلاقات التجارية بين البلدين، وذلك في ختام محادثات رفيعة المستوى في باريس.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد متداولون يعملون في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

التكنولوجيا ترفع العقود الآجلة الأميركية وقرار «الفيدرالي» في الانتظار

ارتفعت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية، الاثنين، مع تصدر أسهم «ميتا» قائمة الرابحين.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد مبنى بنك «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)

«الفيدرالي» يجتمع وسط غبار الحرب... هل تفرض «صدمة النفط» رفع الفائدة؟

يجتمع مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» هذا الأسبوع لمناقشة تأثير الحرب على إيران التي عطلت نحو خُمس إمدادات النفط العالمية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الاقتصاد مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» (رويترز)

أهمُّ 7 بنوك بالعالم في «كماشة هرمز»... فهل تفرض صدمة الطاقة تشدداً نقدياً؟

تتجه أنظار المستثمرين هذا الأسبوع إلى سبعة من أهم البنوك المركزية في العالم، والتي تجتمع في ظروف اقتصادية بالغة التعقيد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد من اليسار: الرئيس والمدير التنفيذي للعمليات بشركة «غيب» راج راو والرئيس التنفيذي لـ«شيفرون» مايك ويرث ووزير الداخلية دوغ بورغوم في حلقة نقاشية (أ.ف.ب)

قطاع النفط يحذر إدارة ترمب: أزمة الوقود قد تزداد سوءاً

نقل رؤساء كبرى شركات النفط الأميركية رسالة قاتمة إلى المسؤولين في إدارة الرئيس ترمب، خلال سلسلة من الاجتماعات بالبيت الأبيض، وفق ما كشفت «وول ستريت جورنال».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«المركزي السويسري» يواجه «رسوم ترمب» بتدخلات قياسية في سوق الصرف

يظهر شعار البنك الوطني السويسري على مبناه في برن (رويترز)
يظهر شعار البنك الوطني السويسري على مبناه في برن (رويترز)
TT

«المركزي السويسري» يواجه «رسوم ترمب» بتدخلات قياسية في سوق الصرف

يظهر شعار البنك الوطني السويسري على مبناه في برن (رويترز)
يظهر شعار البنك الوطني السويسري على مبناه في برن (رويترز)

ضاعف البنك الوطني السويسري مشترياته من العملات الأجنبية بأكثر من أربعة أضعاف خلال العام الماضي، في مسعى لكبح ارتفاع الفرنك السويسري، وذلك عقب إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب فرض تعريفات جمركية مرتفعة على الشركاء التجاريين في أبريل (نيسان).

ووفقاً للتقرير السنوي الصادر يوم الثلاثاء، بلغ إجمالي مشتريات البنك من العملات الأجنبية نحو 5.2 مليار فرنك سويسري (6.6 مليار دولار)، مقارنة بـ1.2 مليار فرنك في عام 2024، وفق «رويترز».

وشهد الفرنك -الذي يُعد من أبرز عملات الملاذ الآمن- ارتفاعاً بنسبة 14 في المائة مقابل الدولار خلال العام الماضي، وبنسبة 0.9 في المائة أمام اليورو، مما أدى إلى زيادة تكلفة الصادرات السويسرية في الأسواق الخارجية.

ويرجّح اقتصاديون أن يواصل البنك تدخله في سوق الصرف خلال العام الحالي، في ظل الضغوط التصاعدية على الفرنك الناتجة عن التوترات الجيوسياسية المرتبطة بالحرب على إيران، إلى جانب تردد البنك في خفض أسعار الفائدة إلى ما دون الصفر، حيث يستقر المعدل حالياً عند صفر في المائة.

وفي إشارة نادرة هذا الشهر، أكد البنك الوطني السويسري استعداده للتدخل في أسواق العملات، بعدما دفعت تداعيات الصراع الفرنك إلى أعلى مستوياته مقابل اليورو منذ أكثر من عقد.

وقال الخبير الاقتصادي لدى بنك «إي إف جي»، جيان لويجي ماندروزاتو: «نتوقع أن يصبح البنك الوطني السويسري أكثر نشاطاً في سوق الصرف خلال عام 2026»، مشيراً إلى أن مسار التدخل سيعتمد بدرجة كبيرة على مدة الصراع في المنطقة.

وأضاف: «في ظل بقاء أسعار الفائدة عند الصفر، تظل التدخلات في سوق العملات الأداة الأنسب، للحد من مخاطر الارتفاع المفرط والسريع في قيمة الفرنك».

ومن المقرر أن يعلن البنك الوطني السويسري قراره المقبل بشأن السياسة النقدية يوم الخميس.


تصاعد رهانات التحوط ضد الروبية الهندية مع تفاقم التوترات مع إيران

رجل يتحدث على هاتفه بجانب شعار الروبية وعملات هندية أمام مقر البنك المركزي الهندي في مومباي (رويترز)
رجل يتحدث على هاتفه بجانب شعار الروبية وعملات هندية أمام مقر البنك المركزي الهندي في مومباي (رويترز)
TT

تصاعد رهانات التحوط ضد الروبية الهندية مع تفاقم التوترات مع إيران

رجل يتحدث على هاتفه بجانب شعار الروبية وعملات هندية أمام مقر البنك المركزي الهندي في مومباي (رويترز)
رجل يتحدث على هاتفه بجانب شعار الروبية وعملات هندية أمام مقر البنك المركزي الهندي في مومباي (رويترز)

شهدت تداولات خيارات الروبية الهندية ارتفاعاً ملحوظاً منذ اندلاع الحرب على إيران، في انعكاس واضح لازدياد أنشطة المضاربة والتحوط، مع توجه غالبية التدفقات نحو رهانات قصيرة الأجل على ضعف العملة، مما يشير إلى استمرار الضغوط على الروبية.

ويعكس هذا النشاط المكثف، إلى جانب الميل نحو المراكز الهبوطية قصيرة الأجل، التأثير العميق لارتفاع أسعار النفط -الناتج عن الحرب- على الأسواق المالية، وإعادة تشكيل مراكز المستثمرين في سوق العملات، وفق «رويترز».

وحسب بيانات مجموعة بورصة لندن، بلغت القيمة الاسمية لخيارات الدولار مقابل الروبية المتداولة في الولايات المتحدة نحو 18.5 مليار دولار خلال الأسبوعين الأولين من مارس (آذار)، مقتربة من المستويات الشهرية التي تراوحت بين 24 و25 مليار دولار خلال الأشهر الثلاثة السابقة. وبعد تعديل الأرقام وفق قصر الفترة، يتضح أن الأحجام تضاعفت تقريباً، مما يعكس قفزة حادة في الطلب منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وتُعد الهند من أكثر الاقتصادات تأثراً بتقلبات أسعار النفط، نظراً إلى اعتمادها على استيراد أكثر من 80 في المائة من احتياجاتها من الطاقة، في وقت يهدد فيه التصعيد في الشرق الأوسط أيضاً بتقليص التحويلات المالية والإضرار بالصادرات.

ومن شأن استمرار ارتفاع أسعار النفط أن يُفاقم الضغوط على ثالث أكبر اقتصاد في آسيا، عبر توسيع عجز الحساب الجاري وزيادة معدلات التضخم، مما يجعل الروبية أكثر عرضة للتقلبات مقارنة بنظيراتها.

وقد ارتفع خام برنت بأكثر من 40 في المائة منذ بداية الحرب، في حين تراجعت الروبية بنسبة 1.6 في المائة، لتستقر قرب أدنى مستوياتها التاريخية عند 92.4550 مقابل الدولار، مع ترجيحات بأن تكون الخسائر أكبر لولا تدخل البنك المركزي لدعم العملة.

وتوفر بيانات المشتقات المالية خارج البورصة في الولايات المتحدة -التي تُبلّغ إلى مستودعات بيانات المقايضات- رؤية أوضح حول اتجاهات السوق وتدفقات الأموال؛ إذ تشير إلى تفوق أحجام عقود شراء الدولار/الروبية مقابل عقود البيع، ما يعكس استعداد الأسواق لمزيد من ضعف العملة الهندية.

كما تتركز أسعار تنفيذ هذه العقود حول المستويات الحالية للسوق أو أعلى منها بقليل، في إشارة إلى توقعات بارتفاع تدريجي في سعر الصرف، بدلاً من تحركات حادة ومفاجئة.

وتُظهر البيانات أن معظم النشاط يتركز في آجال استحقاق قصيرة، ما يعزّز فرضية سعي المستثمرين للاستفادة من التقلبات قصيرة الأجل المرتبطة بتطورات الحرب.

وقال مدير محافظ في صندوق تحوط مقره سنغافورة -طالباً عدم الكشف عن هويته- إن «الأسبوع الماضي تمحور حول الاستعداد لتصعيد الصراع، وهو ما ضغط على عملات الدول المستوردة للنفط، ويبدو أن هذا الاتجاه مستمر هذا الأسبوع أيضاً»، في إشارة إلى استمرار إعادة تموضع المستثمرين بين الأصول الرابحة والخاسرة في ظل ارتفاع أسعار الطاقة.


«مواقف الرياض»... تحول ذكي يرفع القيمة الاقتصادية للعاصمة

سيارة في أحد المواقف الذكية التابعة لمشروع «مواقف الرياض» (أمانة منطقة الرياض)
سيارة في أحد المواقف الذكية التابعة لمشروع «مواقف الرياض» (أمانة منطقة الرياض)
TT

«مواقف الرياض»... تحول ذكي يرفع القيمة الاقتصادية للعاصمة

سيارة في أحد المواقف الذكية التابعة لمشروع «مواقف الرياض» (أمانة منطقة الرياض)
سيارة في أحد المواقف الذكية التابعة لمشروع «مواقف الرياض» (أمانة منطقة الرياض)

تمضي العاصمة الرياض بخطى واثقة نحو تحديث بنيتها التحتية من خلال مشروع «مواقف الرياض». فهذا المشروع ليس مجرد تنظيم لحركة المركبات، بل هو استراتيجية متكاملة لتحويل المساحات العامة إلى أصول حضرية ذات قيمة اقتصادية تهدف إلى تحسين جودة الحياة، وتقليل الازدحام، ودعم الحراك الاقتصادي في الشوارع التجارية، والأحياء الحيوية.

يأتي تسليط الضوء على منظومة «مواقف الرياض» في هذا التوقيت بالتزامن مع الحراك الشامل الذي تشهده العاصمة لتحويلها إلى واحدة من أفضل 10 مدن في العالم من حيث جودة الحياة، والقدرة التنافسية. ومع اكتمال مراحل التشغيل الفعلي لشبكة قطار الرياض، تشكل المواقف المنظمة حلقة مهمة لضمان انسيابية الوصول للمحطات، والمراكز التجارية الكبرى.

وكان مشروع «مواقف الرياض»، التابع لأمانة منطقة الرياض، انطلق فعلياً في مرحلته الأولى في 25 أغسطس (آب) من العام 2024، مستهدفاً تنظيم الحركة المرورية في 12 منطقة حيوية بالعاصمة، ومستخدماً أنظمة دفع إلكترونية، وتطبيقاً ذكياً لإدارة المواقف، وتحسين تجربة المستخدمين. وتتوزع خريطة المشروع بين إدارة 24 ألف موقف مدفوع في الشوارع التجارية النابضة بالحركة، وتخصيص أكثر من 140 ألف موقف مجاني لسكان الأحياء السكنية؛ في خطوة تهدف أساساً إلى حماية حقوق السكان في مواقف ميسرة، والحد من ظاهرة الوقوف العشوائي التي تؤرق المجمعات السكنية والتجارية على حد سواء.

ويجري تنفيذ المشروع عبر شراكة بين «ريمات الرياض للتنمية»، الذراع التنموية لأمانة منطقة الرياض، وشركة «سلوشنز» -الذراع التقنية لمجموعة «إس تي سي»، والمتخصصة في خدمات إدارة تكنولوجيا المعلومات، والخدمات الرقمية- وذلك لإنشاء وإدارة وتشغيل وصيانة المواقف العامة الذكية في مدينة الرياض ضمن عقد يمتد لعشر سنوات، في إطار نموذج الشراكة بين القطاعين العام، والخاص.

ويعتمد نظام إدارة المواقف على استخدام التقنيات الحديثة، مثل أجهزة الاستشعار الذكية، وتطبيقات الهاتف الجوال، وتحليل أنماط الاستخدام، ومعدلات الإشغال، بما يساعد على تحسين إدارة المواقف، وتخطيط البنية التحتية المستقبلية، إضافة إلى تقليل زمن البحث عن موقف شاغر، وتحسين انسيابية الحركة المرورية.

فرص استثمارية

وفي هذا السياق، تعمل شركة «ريمات الرياض» على توسيع تطوير منظومة المواقف خارج الشارع، حيث طرحت أكثر من 50 فرصة استثمارية بمساحة تقارب 200 ألف متر مربع، بالشراكة مع القطاع الخاص، في مواقع استراتيجية تشهد كثافة مرورية، مثل المناطق المجاورة للمستشفيات، ومحطات قطار الرياض، والمراكز التجارية.

كما وقّعت الشركة عقدين مع شركة «أرسان» لتطوير وتشغيل 11 موقعاً جديداً للمواقف السطحية في عدد من الأحياء الحيوية بمدينة الرياض، في خطوة تهدف إلى زيادة المعروض من المواقف، وتنظيم استخدامها، والحد من الوقوف العشوائي.

وتشمل المشاريع الجديدة أعمال الإنشاء، والإدارة، والتشغيل، والصيانة في مواقع داخل أحياء مرتفعة الكثافة، مثل المربع، والملقا، والياسمين، والمروج، بمساحة إجمالية تبلغ نحو 20500 متر مربع، وذلك ضمن جهود رفع كفاءة التنقل، وتحسين المشهد الحضري في العاصمة.

الأثر الاقتصادي

يرى المطور العقاري والرئيس التنفيذي لشركة «منصات العقارية» خالد المبيض، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن تنظيم المواقف في الشوارع التجارية يسهم في رفع كفاءة استخدام المساحات العامة، ويعزز سهولة الوصول إلى الأنشطة التجارية، مشيراً إلى أن توفر المواقف المنظمة يعد عاملاً مهماً في تحسين جاذبية المواقع التجارية، وزيادة قدرتها على استقطاب الزوار.

وأوضح أن التنظيم الجيد للمواقف لا يقتصر تأثيره على حركة المرور فحسب، بل يمتد إلى الجانب الاقتصادي، إذ تصبح المواقع التي تتوفر فيها مواقف منظمة وسهلة الدفع أكثر جاذبية للمستأجرين، والمستثمرين، الأمر الذي قد ينعكس على تحسن مستويات الإيجارات، واستقرارها مقارنة بالمناطق التي تعاني من فوضى المواقف، أو صعوبة الوصول.

وأضاف أن مشروع «مواقف الرياض» يمكن أن يسهم في إعادة توزيع الحركة التجارية داخل الشوارع الحيوية، حيث يؤدي توفر المواقف المنظمة إلى رفع معدل دوران المواقف، ما يسمح بزيادة عدد الزوار القادرين على الوصول إلى المحلات التجارية.

وبيّن أن ذلك قد يعزز معدلات الإشغال في المتاجر، ويزيد من النشاط الاقتصادي في بعض الشوارع، خصوصاً تلك التي كانت تعاني سابقاً من احتكار المواقف لفترات طويلة.

وأشار المبيض إلى أن مثل هذه المشاريع قد تدفع المطورين العقاريين مستقبلاً إلى إعادة النظر في تصميم المشاريع التجارية، ومتعددة الاستخدامات، بحيث تصبح إدارة المواقف وكفاءة الوصول جزءاً أساسياً من دراسات الجدوى، والتخطيط العمراني.

ولفت إلى أن المواقف في المدن الحديثة لم تعد مجرد عنصر خدمي، بل تحولت إلى عامل اقتصادي مؤثر في تجربة الزائر، وحجم الإقبال على المواقع التجارية، بل وحتى في تقييم الأصول العقارية على المدى الطويل.