اكتشاف أعمال جديدة للكاتب الفرنسي المثير للجدل لوي فرديناند سيلين

وصف بأنه «الأعظم في التاريخ الأدبي على الإطلاق»

سيلين
سيلين
TT

اكتشاف أعمال جديدة للكاتب الفرنسي المثير للجدل لوي فرديناند سيلين

سيلين
سيلين

دخل جان بيير تيبودات، وهو كاتب في الشأن الثقافي بإحدى الصحف الفرنسية، مكتب إيمانويل بييرا، المحامي المختص بالملكية الثقافية، يجرجر حقيبتين ضخمتين محشوتين بالأوراق الصفراء المملوءة بالكتابة المخربشة.
كان السيد تيبودات قد أخبر المحامي على الهاتف أنه «شيء ضخم»، قبل أن يأتي إلى مكتبه العام الماضي بحقيبتيه المنبعجتين.
في الداخل وجد السيد بييرا كنزاً أدبياً: مخطوطات مفقودة منذ زمن بعيد للوي فرديناند سيلين، الكاتب الفرنسي مثار الإعجاب والكراهية معاً، والذي ألف روائع مثل «رحلة إلى أقاصي الليل» التي نشرت عام 1932، بالإضافة إلى كراسات معادية للسامية.
«هذا أعظم اكتشاف أدبي على الإطلاق»، قال ذلك السيد بييرا مندهشاً في أحد الحوارات، واصفاً حالة الإثارة التي انتابته حين فرش الأوراق حول مكتبه وتفصحها مع السيد تيبودات.
كان سيلين يقول دائماً إن المخطوطات سرقت من شقته في باريس بعد هربه إلى ألمانيا عام 1944 نتيجة خوفه من أن يعاقب بوصفه متعاوناً بعد تحرير الحلفاء للمدينة.
بعد عقود من البحث غير المجدي، فقد معظم المختصين بسيلين الأمل بالعثور على المخطوطات - 6000 صفحة غير منشورة تضمنت نسخة كاملة من رواية طبعت فقط بصورة غير مكتملة، إلى جانب عمل لم يكن معروفاً من قبل.
قال السيد تيبودات إنه أُعطي المخطوطات من قبل فاعل خير، أو فاعلي خير، لم يكشف عن هويتهم - ورفض إعطاء مزيد من التفاصيل - قبل نحو 15 عاماً. لكنه خبأ الكنز منتظراً أرملة سيلين حتى تتوفى، بناء على طلب فاعل الخير الذي كانت رغبته أن «أسرة معادية للسامية» لن تستفيد من الكنز الدفين، حسبما ذكر في إحدى المقابلات.
والآن ها هو قد جاء إلى مكتب المحامي بييرا آملاً في الاحتفاظ بها في المجال العام، حيث يمكن للباحثين الوصول إليها.
«لقد فقدنا الأمل في العثور عليها»، قال آنك دورافور، وهو باحث في الشأن الأدبي ألف كتاباً عن معاداة سيلين للسامية. «إنه لأمر مذهل».
بيد أن الاكتشاف ما لبث أن صار مثار جدل. رفع ورثة سيلين دعوى ضد السيد تيبودات في فبراير (شباط)، متهمينه بالتعامل مع مسروقات ومطالبين بالمخطوطات بوصفهم المالكين الحقيقيين لتركة سيلين.
الاكتشاف وتهمة السرقة اللذان كشفت عنهما أولاً صحيفة «اللوموند» أثناء الصيف، نتجا عن معرفة جديدة بسيلين في فرنسا. كان دون شك روائياً عظيماً، لكنه اعتنق حكومة متعاونة مع النازيين أرسلت كثيراً من اليهود الفرنسيين إلى المعتقلات أثناء الحرب العالمية الثانية. يُدرّس في المدارس الثانوية لأسباب تعود بصفة خاصة إلى أسلوبه الثوري في التقاط الطريقة التي يتحدث بها الناس، لكنه أيضاً ممن يذكِّرون الفرنسيين باستسلام بلادهم لألمانيا ودورها في المحرقة.
يقول الباحث الأدبي ديفيد أليوت إن المسألة بالنسبة للعديد من الفرنسيين هي أنه إذا كان سيلين «عبقرية أدبية» فقد كان إنساناً عميق العيوب. «ولسنا نعرف كيف نتعامل مع شخص مثله في فرنسا. إن تاريخ فرنسا هو ما نجد في هذه المخطوطات».
في يونيو (حزيران) 1944، رست قوات الحلفاء على ساحل نورماندي، فهرب حشد من المتعاونين من باريس، ومنهم سيلين الذي غادر مع زوجته الجديدة لوسيت دستوش، فيما كانت قطته بيبير تحت ذراعه وقد خاط بعض الذهب داخل سترته. قال إنه ترك مخطوطاته خلفه في شقة مونمارتر محشوة داخل دولاب. لكنها اختفت بعد ذلك.
يبقى كثير من التفاصيل حول كيفية وصولها إلى يدي السيد تيبودات غامضة.
عاد سيلين إلى فرنسا عام 1951 بعد أن حصل على عفو. وقد ألقى باللائمة على أوسكار روزمبلي، وهو جار له وظفه ليتولى حساباته، بشأن اختفاء الأوراق - تهمة لم يُعرف أنه أنكرها.
«كان روزمبلي رجلاً مثقفاً يعرف أن سيلين كاتب عظيم وأن هذه الوثائق مهمة»، ذلك ما ذكره إيميل برامي، وهو بائع كتب يهودي في باريس يبلغ الحادية والسبعين من العمر كرس حياته لأعمال سيلين. «المسار الوحيد المتاح اليوم هو مسار روزمبلي».
في أواخر التسعينات، ذكر برامي أنه وجد ماري - لوس، ابنة روزمبلي، في كورسيكا، وأخبرته أنه كان لديها «كثير من الأشياء المتعلقة بسيلين». لكنه لم يتمكن من لقائها لأنها كانت تلغي المواعيد في اللحظة الأخيرة وباستمرار، حسبما قال. عندئذٍ توقف عن المحاولة وتوفيت الآنسة روزمبلي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 ومعها أسرارها.
ذكر السيد تيبودات، الذي حمل المخطوطات إلى المحامي، أنه لم يسمع بالسيد روزمبلي قبل أن يجري معه البوليس مقابلة في يوليو (تموز) بعد إقامة الدعوى.
قال إنه تلقى المخطوطات - التي تضمنت نسخة كاملة من رواية «كاسبيب» (Casse-pipe) التي نشرت جزئياً عام 1949، بالإضافة إلى رواية لم تكن معروفة من قبل عنوانها «لندره» (لندن) - في أوائل الألفين من مصدر رفض التصريح به.
قال في مقابلة هاتفية: «أولئك الذين أعطوني إياها رأوا أنهم يتخلصون منها. كانت عبئاً عليهم». في الوقت الذي وصلت إليه المخطوطات، كان السيد تيبودات يكتب فيه عن قضايا ثقافية لصحيفة «ليبراسيون».
كان لمصدره مطلب واحد، كما ذكر: الاحتفاظ بالمخطوطات سراً حتى تتوفى السيدة دستوش، أرملة سيلين. قال له المانح إن الهدف هو الاحتفاظ بالمكاسب المحتملة - التي قد تبلغ الملايين من الدولارات - بعيداً عن أسرة تلوثت بمعاداة السامية.
الأوراق التي وصلت إلى السيد تيبودات كانت خليطاً مربوطاً بمشابك غسيل خشبية - الطريقة التي اعتاد سيلين أن يربط بها الأوراق المفككة من أعماله.
قال السيد تيبودات في المقابلة: «لقد قيدني ذلك القَسَم؛ لم أستطع خيانة أولئك الناس. لذا كنت أنتظر. لم أتوقع أن يطول الأمر إلى هذا الحد».
توفيت السيدة دستوش في نوفمبر 2019 وعمرها 107 أعوام، ما منحه الوقت الكافي لتفحص الأوراق، استكشافها ونسخها، حسبما ذكر.
قال إنه «كان عملاً مضنياً ولكنه حسي. قضاء ليالٍ بأكملها وحيداً مع مخطوطات سيلين بشعور لا ينسى».
التقى السيد تيبودات بورثة سيلين في يونيو (حزيران) 2020 ومحاميه إلى جانبه. لم يكن اللقاء طيباً.
اقترح السيد تيبودات أن تعطى المخطوطات لمؤسسة عامة لكي تكون بمتناول الباحثين. غضب فرنسوا غيبولت ذو 89 عاماً وفيرونيك شوفان البالغة 69 عاماً، ورثة أعمال سيلين من خلال علاقتهما بالأسرة بوصفهما من أصدقائها، فرفعوا دعوى ضد السيد تيبودات مطالبين بتعويض عن المبالغ المفقودة طوال أعوام.
يقول السيد غيبولت، وهو أيضاً مؤلف كتاب عن حياة سيلين، في مقابلة معه: «إن إيمانويل بييرا وتيبودات يقدمان نفسيهما كما لو كانا متبرعين كريمين. يروعني هذا».
أخيراً في يوليو، سلم السيد تيبودات المخطوطات حسب أمر المدعين العامين. وفي مقابلة مع البوليس امتدت لأربع ساعات، رفض السيد تيبودات أن يسمي مصدره. وما زال التحقيق مستمراً.
يقول جيريمي أسوس، محامي ورثة سيلين وصديقهم منذ أمد بعيد: «خمسة عشر عاماً من ترك كتب كتلك دون استعمال يساوي ملايين اليوروات. إنه لا يحمي مصدره وإنما يحمي لصاً».
قبل عشرين عاماً، اشترت الحكومة الفرنسية المخطوطة الأصلية لرواية سيلين «رحلة إلى أقاصي الليل»، أول أعماله وأشهرها، لقاء مليوني يورو، ما يعادل 2.3 مليون دولار.
نشر المخطوطات المكتشفة حديثاً تجري مناقشته مع عدة دور نشر فرنسية، وهو حدث ينتظره المشهد الأدبي الفرنسي بتلهف.
«سيغير ذلك من معرفتنا بالفترة الأدبية الأولى من حياة سيلين تغييراً تاماً»، كما يقول الباحث السيد أليوت. «سنقرأ الحرب العالمية الأولى كما رواها سيلين - إنه لأمر مدهش».
بالنسبة للورثة، هناك ضغط للتوصل إلى نهاية للقضية. ستؤول أعمال سيلين للمجال العام خلال عشرة أعوام، ما يسمح لأي ناشر ببيعها دون أن يدفع شيئاً.
أحد مصادر القلق لدى الدارسين أن ورثة سيلين سيحاولون تنظيف تاريخه في معاداة السامية بالاحتفاظ بالأوراق بعيداً عن الجمهور.
السيدة دورافور، التي كانت فاعلة في حملة ناجحة عام 2018 لمنع إعادة نشر كراسات لسيلين معادية للسامية، أحد الذين يقلقهم الأمر.
تقول: «رغبتنا القوية هي أن يتاح الوصول الكامل إلى المخطوطات. ماذا سيفعلون لو وجدوا وثائق تؤثر على السمعة؟ لسنا متأكدين».
غير أن السيد غيبولت يقول إنه لن يخفى شيئاً. ويرى السيد برامي، صاحب المكتبة الذي درس سيلين، أن ماضي الكاتب السيئ معروف مسبقاً.
يقول: «إن نشرنا نصوصاً لسيلين معادية للسامية بين ما عثرنا عليه، فلا أظن أن ذلك سيغير سمعته بوصفه معادياً للسامية على أي نحو من الأنحاء. ذلك أمر متحقق».

* خدمة «نيويورك تايمز»



حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.