رئيس وزراء إيطاليا الشاب ينقلب على الحرس القديم في بلاده

رينزي يريد إلغاء مجلس الشيوخ وفتح النار على «أصحاب الامتيازات من جيل الآباء».. وشعبيته في تصاعد

رينزي
رينزي
TT

رئيس وزراء إيطاليا الشاب ينقلب على الحرس القديم في بلاده

رينزي
رينزي

مرتديا بذلة سوداء مصممة خصيصا حسب الطلب، وقف رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينزي في الآونة الأخيرة أمام مجلس الشيوخ، فوجه التحية للمشرعين لتصويتهم على عدة تعديلات يتباهى رينزي أنها ستعمل على تدوير عجلة الاقتصاد الإيطالي بعد أطول ركود شهده في تاريخه المعاصر، لكن ما لم يطرحه هو أنه يطلب منهم أن يصوتوا على خطوة أكثر صعوبة؛ هي إلغاء مجلس الشيوخ نفسه الذي يراه رينزي وآخرون رمزا للنظام السياسي البائد الذي يبدو كأنه صمم لعرقلة أي إنجاز.
كان خطابه أمام المجلس يعبر عن شخصيته؛ حيث جاءت كلماته اللاذعة التي طغى عليها التباهي في إطار يكتنفه تفاؤل بمستقبل مشرق رغم أن أعضاء مجلس الشيوخ يتفهمون أن إقرار التعديلات سيؤدي لإلغاء مناصبهم.
يعد رينزي (40 عاما) أصغر رئيس وزراء في تاريخ إيطاليا حيث تولى المنصب بعد أن تعهد أمام الناخبين بتقويض النظام السياسي الإيطالي المتحجر وإعادة بناء البلاد على أساس يلائم الأجيال الشابة. ومع سعي الحركات الشعبية اليمينية واليسارية إلى تقويض دعائم المؤسسات السياسية من لندن إلى مدريد وباريس، قدم رينزي نفسه باعتباره خبيرا في حركات التمرد الأوروبية؛ حيث حاول استغلال غضب الشارع الإيطالي لترويج وجهة نظره بأن تغيير النظام يجب أن يتم من الداخل، كما قدم نفسه، على غرار ما فعل توني بلير في بريطانيا وبيل كلينتون في الولايات المتحدة، باعتباره النسخة التقدمية لأحزاب يسار الوسط التقليدية التي تكافح من أجل البقاء وسط المشهد السياسي في إيطاليا.
على المستوى الأوروبي، تحدى رينزي في كثير من الأحيان سياسات التقشف المالي، محذرا من العواقب الوخيمة التي ستقع في حال عجز القادة عن التحول تجاه سياسات تدعم النمو الاقتصادي، وهي من المسائل التي من المؤكد أنه سيناقشها رينزي مع الرئيس الأميركي أوباما أثناء لقائهما الشهر الحالي في البيت الأبيض.
نجح رينزي في تطوير علاقته بالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل حين استضافها في فلورنسا في زيارة استمتعت فيها ميركل بمشاهدة روائع الفن الإيطالي. ويقول رينزي إن تبني أوروبا لسياسات التسهيل الكمي والإنفاق على البنية التحتية يثبت أن هناك اتجاها نحو تحول ملموس في السياسات. وقال رينزي أثناء مقابلة جرت معه مؤخرا في مكتبه بروما: «من المهم أن نحدد ملامح الاتجاه الجديد الذي سيسير فيه الاتحاد الأوروبي»، مشيرا إلى حاجة أوروبا للمضي قدما وبعيدا عن مجرد «مناقشة الميزانية وإجراءات التقشف». وأضاف: «لدينا هويتنا وأحلامنا وآمالنا واستراتيجيات خاصة بنا».
سيقاس نجاح رينزي أو فشله في نهاية المطاف بقدرته على إنعاش الاقتصاد الإيطالي، ثالث أكبر اقتصاد في أوروبا، الذي يعاني من الركود منذ عقدين من الزمان؛ حيث وصلت نسبة البطالة إلى 12.7 في المائة الأسبوع الماضي بينما وصلت نسبة البطالة بين الشباب لمستويات أعلى بكثير، كما بلغ مقدار الدين الوطني الإيطالي نحو 2.9 تريليون دولار وهو رقم مذهل.
وقال روبرتو داليمونتي، المحلل السياسي في فلورنسا «بإمكان إيطاليا الإبقاء على الاتحاد الأوروبي أو إزالته. انظر إلى إيطاليا من وجهة نظر برلين: هل هناك قائد آخر يمكن لميركل أن تثق به؟ لا يوجد سوى رينزي».
يعد أسلوب عمل رينزي، مزيجا من الطاقة والكفاءة والمهارة في التواصل مع الجماهير، بالإضافة إلى المناورات السياسية الجامحة، لكن رينزي لم يثبت نفسه بعد كقائد، كما أن سعيه لإقرار إصلاحات أغضب قطاعات من المعارضة بالإضافة إلى أصحاب المصالح العتيدة في الحزب الديمقراطي الممثل لتيار يسار الوسط.
يشعر الحلفاء التقليديون مثل نقابات العمال بالغضب إزاء التغييرات التي يشهدها سوق العمل؛ حيث يقولون إنها جاءت لمصلحة أصحاب الأعمال، بينما ينتاب الحرس القديم من الساسة من اليمين واليسار، القلق من أن يؤدي تقليص رينزي لصلاحيات مجلس الشيوخ وإقرار التعديلات المقترحة على قانون الانتخابات والدستور، لوضع مقدار كبير من النفوذ في يد المؤسسة التنفيذية من السلطات. وقال ريناتو برونيتا، النائب في مجلس النواب الإيطالي عن حزب «فورزا إيطاليا» إنه «يدمر كل آليات المراقبة على سلطات الحكومة. رينزي يدفع بالنظام المؤسساتي للبلاد نحو الاتجاه الشمولي».
سيطر زعماء مخضرمون لسنوات كثيرة على يسار الوسط في إيطاليا واعتمدوا في ذلك على نموذج إجماع الأغلبية الذي يقول عنه منتقدوه إنه تسبب في شلل الحزب ووقوعه فريسة في يد أصحاب المصالح الخاصة.
عمل رينزي، منذ أن كان عمدة لمدينة فلورنسا، على تحدي الجيل القديم من الساسة علنا؛ حيث وصف نفسه بأنه «رجل الهدم» الذي سيطيح بالقيادات الراسخة إلى مقلب النفايات، وهو موقف عبر عما يشعر به الشباب الإيطالي الذي يناضل من أجل الحصول على فرصة. وقال توماسو غونتيلا، رئيس فرع الحزب الديمقراطي في روما والبالغ من العمر 30 عاما «هناك صراع بين الأجيال، ورينزي يعرف هذا وقد بدأ بتقديم نفسه كوجه معبر عن الأجيال الجديدة، أجيال الأبناء». وأضاف: «لا يمكن أن نسمح للأبناء أن يسددوا فاتورة الامتيازات التي تمتع بها الآباء».
تمثل دعوة رينزي، لتغليب مصلحة الشباب على الكبار، الأساس الذي ارتكز عليه الإنجاز التشريعي الذي حققه في صورة قانون عمل جديد يعرف باسم «قانون الوظائف» الذي يقول إنه سيجلب الإنصاف تدريجيا إلى النظام المتشعب الخاص بعقود العمل الدائمة والمؤقتة المتبع في إيطاليا.
يتفحص رينزي رسائله على جهازي الهاتف الخاصين به أثناء جلوسه على مكتبه في قصر «شيغي» الحكومي بروما، فيما يصف الانتقادات التي يوجهها له الحلفاء التقليديون بأنها لا تدعو للاستغراب؛ حيث قارن أجندة السياسات الخاصة به بتلك التي اتبعها بلير في بريطانيا أثناء حكم حزب العمال في حقبة التسعينات، كما استشهد بمقولة ساخرة قالها بلير حينما تعهد باتباع تقاليد الحزب عدا تقليد خسارة الانتخابات.
وقال رينزي بلغة إنجليزية أثارت السخرية على وسائل التواصل الاجتماعي لكنها تحسنت بسرعة ملحوظة في الأشهر الأخيرة «المخاطرة تمثلت في تحويل حزب العمال (البريطاني) من حزب خاسر إلى حزب ناجح». وأضاف: «ما هي هوية اليسار في إيطاليا؟ إنها تعتمد على منح مزيد من الحقوق للشباب، منح الفرص لجيل جديد. كان لدينا في إيطاليا نظام عمل أشبه بالفصل العنصري، إن قانون الوظائف هو أكثر الخطوات اليسارية التي اتخذتها».
تولى رينزي السلطة في لحظة كانت السياسة الإيطالية تعاني من نفاد الخيارات الأخرى. فأفول نجم رئيس الوزراء الأسبق سلفيو برلسكوني، ترك يمين الوسط الذي كان يعيش من قبل حالة من الازدهار، في وضع متخبط. كما أن حركة «النجوم الخمسة» الشعبية التي يقودها الكوميدي بيبي غريللو، فقدت بريقها لدى رجل الشارع منذ فوزها بربع الأصوات في انتخابات 2013. ويحاول رينزي، ردا على ذلك، دفع الحزب الديمقراطي تجاه الوسط ليصبح كما يصفه المحللون بالحزب «العام». وقد أظهرت استطلاعات الرأي أن رينزي يعد ببساطة السياسي الأكثر شعبية في إيطاليا الأمر الذي عزز موقفه في أوروبا؛ إذ لسنوات طويلة تسببت الصراعات الداخلية في منع الحزب الديمقراطي من الانضمام إلى تحالف أحزاب يسار الوسط الأوروبية المتمثل في «الأوروبيين الاشتراكيين»، لكن بفضل قيادة رينزي، تمكن الحزب الديمقراطي من الانضمام على الفور كما أنه أصبح أكثر تأثيرا على المستوى الأوروبي.
يقول أنصار رينزي عنه إنه أمل إيطاليا الأخير ويكيلون له المديح لإقدامه على مواجهة أصحاب المصالح العتيدة. لكن منتقديه يصفونه على نحو متزايد بالرجل الشمولي، وهو الوصف الذي يقول عنه رينزي والكثير من المحللين إنه ليس له ما يبرره. لكن رينزي تحدث مؤخرا عن ضرورة وضع قيود على عدد الفترات المسموح فيها بتولي منصب رئاسة الحكومة. وقال رينزي «بالنسبة لإيطاليا، ها قد حان وقت اتخاذ القرارات، أنا أصغر زعيم في تاريخ إيطاليا، أنا أستخدم طاقتي وحيويتي لإحداث تغيير على الصعيد الوطني، أعتقد أنه حان الوقت لنكتب صفحة جديدة في تاريخ إيطاليا. لا أستطيع الصبر على مشاكل الماضي».

* خدمة «نيويورك تايمز»



شرطة باريس: حركة احتجاج الطلاب خرجت عن السيطرة وأدعو للاحتجاج السلمي

شخص يمر بجوار آثار الدمار الذي لحق بالمنطقة في أعقاب الاشتباكات التي وقعت بين الشرطة والمتظاهرين خلال احتجاج طلاب المدارس الثانوية في باريس (إ.ب.أ)
شخص يمر بجوار آثار الدمار الذي لحق بالمنطقة في أعقاب الاشتباكات التي وقعت بين الشرطة والمتظاهرين خلال احتجاج طلاب المدارس الثانوية في باريس (إ.ب.أ)
TT

شرطة باريس: حركة احتجاج الطلاب خرجت عن السيطرة وأدعو للاحتجاج السلمي

شخص يمر بجوار آثار الدمار الذي لحق بالمنطقة في أعقاب الاشتباكات التي وقعت بين الشرطة والمتظاهرين خلال احتجاج طلاب المدارس الثانوية في باريس (إ.ب.أ)
شخص يمر بجوار آثار الدمار الذي لحق بالمنطقة في أعقاب الاشتباكات التي وقعت بين الشرطة والمتظاهرين خلال احتجاج طلاب المدارس الثانوية في باريس (إ.ب.أ)

قال قائد شرطة باريس، اليوم السبت، إن حركة الاحتجاج الطلابية التي انتشرت في أنحاء فرنسا أصبحت الآن «خارجة عن السيطرة» وحث المحتجين على العودة إلى الأساليب السلمية، محذراً من أن السلطات سترد بحزم على أعمال العنف والتخريب.

واشتبكت شرطة مكافحة الشغب مع طلاب المدارس الثانوية في أنحاء فرنسا أمس الجمعة، ودعت النقابات المعلمين إلى الإضراب في وقت تكافح فيه حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون لاحتواء الاحتجاجات متزايدة العنف بسبب أوضاع الفصول الدراسية والتمويل.

ومنذ يوم الاثنين، اعتقلت السلطات نحو خمسة آلاف شخص، معظمهم من المراهقين، في أنحاء البلاد وأصيب العشرات بجروح.

وقالت أجات فوكو، المتحدثة باسم الشرطة الوطنية، لمحطة (آر.تي.إل) الإذاعية اليوم السبت إن أكثر من 600 من أفراد الشرطة أصيبوا أيضاً.

وتعرض معلمون ومواطنون لهجمات في حين تقدر الأضرار التي لحقت بالممتلكات بعشرات الملايين من اليورو.

وقال باتريس فور قائد شرطة باريس في رسالة منشورة على منصة «إكس» قبل الاحتجاجات الجديدة المقررة ابتداء من الثلاثاء المقبل إن من أطلقوا هذه الحركة لم يعودوا يسيطرون عليها، ودعا الطلاب إلى التخلي عن إغلاق المدارس ووقف أعمال الشغب وتبني أشكال سلمية من الاحتجاج.

وكتب فور: «حان الوقت للعودة إلى أشكال العمل السلمي»، مشيراً إلى أن الآباء يتحملون أيضاً مسؤولية إبعاد أبنائهم عما وصفه بتأثير «المشاغبين المحترفين» ومؤيديهم.

ودعت النقابات الطلابية إلى تنظيم يوم وطني للاحتجاجات يوم الثلاثاء. ويخشى مسؤولو الأمن من أن تؤدي الاحتجاجات المنظمة في وسط باريس على وجه الخصوص إلى مزيد من العنف، وسط مخاوف من أن تستولي الجماعات الفوضوية المنتمية إلى تيار اليسار المتطرف على زمام الحركة.

وعبر الطلاب الذين يقيمون حواجز أمام المدارس الثانوية عن غضبهم من اكتظاظ الفصول الدراسية، والنقص المستمر في المعلمين، وتدهور حالة المباني، وأنحوا باللائمة في ذلك على نقص الاستثمار المستمر منذ سنوات.


أمطار غزيرة في كريت اليونانية تتسبب بفيضانات وأضرار

تغطي مياه الفيضانات سيارة وساحات منازل في قرية ميلينا بمنطقة بيليون وسط اليونان (أرشيفية_أ.ب)
تغطي مياه الفيضانات سيارة وساحات منازل في قرية ميلينا بمنطقة بيليون وسط اليونان (أرشيفية_أ.ب)
TT

أمطار غزيرة في كريت اليونانية تتسبب بفيضانات وأضرار

تغطي مياه الفيضانات سيارة وساحات منازل في قرية ميلينا بمنطقة بيليون وسط اليونان (أرشيفية_أ.ب)
تغطي مياه الفيضانات سيارة وساحات منازل في قرية ميلينا بمنطقة بيليون وسط اليونان (أرشيفية_أ.ب)

تسببت أمطار غزيرة وعواصف رعدية بفيضانات وأضرار جسيمة في كريت، ما استدعى إجلاء عدد من السياح من هذه الجزيرة اليونانية الشهيرة، وفق ما أعلنت السلطات السبت.

وقال إيمانويل فراغكوليس، رئيس بلدية إيرابيترا الواقعة على الساحل الجنوبي الشرقي لكريت التي تعرضت لأمطار غزيرة الجمعة والسبت: «اضطررنا لإجلاء بعض السياح، ونُقلت امرأة إلى المستشفى كإجراء احترازي».

وأضاف «نواجه مشاكل خطرة، فقد تراكمت كميات هائلة من المياه. وانقطعت الطرق وامتلأت بالحطام».

وفي خانيا التي تستقطب أعدادا كبيرة من السياح، تعرض الميناء الفينيسي القديم لأمواج عاتية، ما أدى إلى أضرار وتسبب بتعطيل نشاط المطاعم والمنشآت السياحية.

رجل يحمل أغراضاً شخصية في قرية بالاماس التي غمرتها الفيضانات بالقرب من مدينة كارديتسا بوسط اليونان (أرشيفية_أ.ف.ب)

ودعت أجهزة الحماية المدنية سكان عدد من المناطق بينها ميلوبوتاموس، وهي منطقة ريفية جبلية بالقرب من ريثيمنو (شمال غربي الجزيرة)، إلى الحد من تحركاتهم واللجوء إلى مناطق مرتفعة.

وذكرت هيئة الإذاعة والتلفزيون اليونانية أن 23 شخصاً حوصروا داخل سياراتهم على الطريق بين إيرابيترا وسيتيا، على الساحل الشمالي الشرقي.

وأعلنت هيئة الأرصاد الجوية اليونانية تفعيل «الإنذار الأحمر» في جزيرة كريت، وهو أعلى مستوى للإنذار، مع توقع استمرار هطول أمطار غزيرة وتسجيل عواصف رعدية في بعض المناطق.


تصريحات «معادية للسامية» تهزّ «التجمع الوطني» وتهدّد رهان لوبن الرئاسي

مارين لوبن زعيمة حزب «التجمع الوطني» مع جوردان بارديلا رئيسه خلال مشاركتهما في مسيرة ضد معاداة السامية بباريس في ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)
مارين لوبن زعيمة حزب «التجمع الوطني» مع جوردان بارديلا رئيسه خلال مشاركتهما في مسيرة ضد معاداة السامية بباريس في ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)
TT

تصريحات «معادية للسامية» تهزّ «التجمع الوطني» وتهدّد رهان لوبن الرئاسي

مارين لوبن زعيمة حزب «التجمع الوطني» مع جوردان بارديلا رئيسه خلال مشاركتهما في مسيرة ضد معاداة السامية بباريس في ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)
مارين لوبن زعيمة حزب «التجمع الوطني» مع جوردان بارديلا رئيسه خلال مشاركتهما في مسيرة ضد معاداة السامية بباريس في ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)

يعيش حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف أزمة وجودية لم يكن يتوقعها أحد. فمارين لوبن، مرشحته إلى الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في الربيع المقبل، آخذة في صقل صورتها «الرئاسية» رغم الحكمين القضائيين اللذين صدرا بحقها وبحق حزبها، وآخرهما عن محكمة الاستئناف في 7 يوليو (تموز) الماضي. واستطلاعات الرأي المتواترة منذ أشهر تضعها في مقدمة المرشحين، لا بل تُرجّح فوزها برئاسة الجمهورية. وتفيد المعلومات المتوافرة بأن «التجمع الوطني» الذي يرأسه جوردان بارديلا، 31 عاماً، بصدد وضع اللمسات الأخيرة على برنامج الحكم وعلى توزيع المناصب الحكومية.

والمنصب الأول؛ أي رئاسة الحكومة، محصور في بارديلا. وسبق لمارين لوبن أن أكّدت مراراً أنها ستعينه رئيساً لأولى حكوماتها عند دخولها قصر الإليزيه. بيد أن الأخير أصيب بخيبة عندما أتاحت محكمة الاستئناف الترشح لزعيمة الحزب المطلقة، في حين كان يمنّي النفس بأن يكون هو المرشح بسبب متاعبها القضائية الثقيلة. غير أنه استدرك الأمر وعاد ليؤكد دعمه المطلق لزعيمته، وأنه بصدد التحضير للميزانية المقبلة في الوقت الذي تعاني فيه فرنسا من مديونية ساحقة تبلغ 3600 مليار يورو، ومن سعي الحكومة الحالية لتمرير ميزانية تقشفية. ولأن الحراك الطلابي قد انطلق في 21 من الشهر الماضي، ولأن الوسط واليمين التقليدي واليمين المتطرف دأبوا على اتهام حزب «فرنسا الأبية» وجان لوك ميلونشون، مرشحه الرئاسي، بدعم التصعيد الطلابي وما يصاحبه من عنف واشتباكات وحرائق... فإن لوبن وبارديلا وجدا في ذلك فرصة ذهبية لحملة سياسية محمومة ضد ميلونشون، المرشح لمواجهة لوبن في الجولة الرئاسية الحاسمة التي ستجرى يوم 2 مايو (أيار) المقبل.

الصاعقة غير المنتظرة

هذه كانت حالة المشهد السياسي حتى يوم الاثنين الماضي، عندما نشرت مجلة «ميديا بارت» الاستقصائية مقاطع من مراسلات جوردان بارديلا على منصة «ميسنجر» عندما كان عمره 17 و18 عاماً، والتي كتبها ما بين عامَي 2013 و2015.

مارين لوبن وجوردان بارديلا يشاركان في تجمّع انتخابي بليفان شمال فرنسا يوم 4 يوليو (أ.ب)

وما نُشر كان أثره كوقع الصاعقة على بارديلا ولوبن واليمين المتطرف؛ لأن المقتطفات تبرز بشكل واضح ميول بارديلا المزعوم لمعاداة السامية. بيد أن بارديلا سارع إلى نفي ما نُشر؛ لأنه «ملفّق»، وأنه «لم يكتبه بتاتاً»، وأن «(ميديا بارت) اليسارية ركبتها» للإساءة إليه، وهدفها «القضاء على مستقبله السياسي». وأفاد بارديلا، الذي نشرت لوبن مظلتها الواقية فوقه، بأنه تقدم «بشكل عاجل» بدعوى قضائية ضد المجلة المذكورة. بيد أن «ميديا بارت» عادت بعد ثلاثة أيام إلى نشر صور محادثات بارديلا وأكدت أنه تم التصديق عليها من قبل كاتب العدل.

ما جاء في المقتطفات، التي تقول عنها «ميديا بارت» إنها مأخوذة «من عشرات المحادثات المكتوبة»، والتي «جرى التحقق منها بشكل مستقل»، يعكس استعادة بارديلا لصور نمطية مسيئة لليهود.

مارين لوبن... ماذا بعد؟

منذ أن نشرت «ميديا بارت» مقتطفاتها، وبعد الإفصاح عن طريقة حصولها عليها والتأكد من صحتها، انصبت التحليلات على استشراف تبعاتها على حزب «التجمع الوطني»، وعلى مرشحته. ولكن قبل كل ذلك على مصير بارديلا نفسه.

ليس سراً أن مارين لوبن ورثت عن والدها جان ماري لوبن زعامة الحزب الذي كان يجر وراءه ذيول معاداة السامية والعنصرية. لوبن الأب كان معروفاً بعنصريته وبمعاداته للسامية. فمن تصريحاته مثلاً أن «محرقة اليهود كانت تفصيلاً» مما جرى في الحرب العالمية الثانية. وعندما اقتنعت مارين لوبن أن والدها سيكون عقبة كبرى في مسارها السياسي، فإنها لم تتردد في إخراجه من الحزب الذي عملت على تنظيفه من قدامى محازبيه وضخّ دماء جديدة إليه.

مارين لوبن وجوردان بارديلا يشاركان في مراسم استقبال البابا ليو في باريس يوم 26 سبتمبر (أ.ب)

هنا، جاء دور بارديلا الذي كان لفترة طويلة رفيق درب ابنة أخت مارين لوبن، ما سهّل له تسلق المناصب الحزبية سريعاً. وفي عام 2021 كلّفته لوبن برئاسة الحزب بالوكالة بسبب خوضها الانتخابات الرئاسية السابقة.

وفي العام التالي، تمّ انتخابه رئيساً أصيلاً بنسبة ساحقة؛ إذ حصل على 84.84 في المائة من أصوات أعضائه. وبارديلا هو أول رئيس لا ينتمي لعائلة لوبن يرأس الحزب الذي كان يسمى سابقاً «الجبهة الوطنية». ومن المعروف أن لوبن «استثمرت» في شخص بارديلا من خلال دورات تدريبية، وراهنت عليه لتحديث صورة حزبها. وعندما كانت تعتبر أنها ستُمنع قضائياً من الترشح للرئاسة، اختارته بديلاً عنها.

من هنا، يمكن فهم مسارعتها لمساندته وتسخير كل قدرات شخصيات حزبها للوقوف إلى جانبه. ويهدّد ما نشرته «ميديا بارت» بهدم كل العمل الذي قامت به لوبن لـ«تطبيع» حزبها ونزع صفة التطرف ومعاداة السامية عنه، وبالتالي يمكن أن ينعكس على نتائج حملتها الرئاسية.

والرأي الشائع لدى المحللين أن لوبن لن تستطيع، مستقبلاً وقبل حلول موعد الانتخابات، الاحتفاظ ببارديلا إلى جانبها، وأن ورقة الأخير قد «احترقت». ويتعين ترقب ما سيحصل خلال المؤتمر العام للحزب يومَي 24 و25 من الشهر الحالي في مدينة أورليان، حيث كان من المنتظر إعادة انتخاب بارديلا رئيساً.

صمت وانتقادات

ثمة تاريخ يتعين التوقف عنده، وهو 26 مارس (آذار) الماضي، حيث قام بارديلا بزيارة لإسرائيل بدعوة من حكومتها، وتحديداً من وزير شؤون الشتات أميخاي شيكلي بحجة المشاركة في مؤتمر دولي حول محاربة معاداة السامية.

جوردان بارديلا عند وصوله إلى ساحة «لا كونكورد» في باريس لحضور قداس البابا ليو الرابع عشر يوم 26 سبتمبر (رويترز)

وكانت المرة الأولى التي يزور فيها مسؤول حزبي من «التجمع الوطني» إسرائيل. واستفاد بارديلا من الزيارة للقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ورئيس الكنيست أمير أوحانا، وزار نصب «ياد فاشم» التذكاري للمحرقة اليهودية. واستفاد بارديلا من المناسبة ليعلن أن حزبه «أفضل درع حامٍ لليهود» في فرنسا، رابطاً بين «صعود تيار الإسلاموية في فرنسا وانتشار معاداة السامية»، ومعتبراً أن «كره اليهود ودولة إسرائيل يعد وبالاً عالمياً يتعين محاربته».

وقال بارديلا لصحيفة «جيروزاليم بوست»، خلال زيارته، إن فرنسا «تقف إلى جانب إسرائيل في حربها ضد الإرهاب الإسلاموي»، كما أعلن معارضته العام الماضي اعتراف باريس بـ«دولة فلسطين». ورأت الصحافة الفرنسية في زيارة بارديلا «خطوة استراتيجية» على درب التطبيع بين «التجمع الوطني» وإسرائيل.

كل ما سبق قد يذهب هباءً. فجوناتان عارفي، رئيس المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا، رأى أنه «إذا صحّت» التصريحات المنسوبة لبارديلا، فإن ذلك يُعدّ «نفياً ساطعاً» لاستراتيجية التطبيع بين «التجمع الوطني» والمجتمع اليهودي في فرنسا.

وبشكل عام، بقيت ردود فعلها محصورة وحذرة بعكس ما صدر عن الرئيس إيمانويل ماكرون، وعن أحزاب الوسط واليسار واليسار المتشدّد، الذين ندّدوا جميعهم بـ«نزعة بارديلا في معاداة السامية».

وكان لافتاً أن قادة حزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي بقوا صامتين لحسابات محض انتخابية. ورئيسه ومرشحه للرئاسة الوزير السابق برونو روتايو غاب عن المشهد، والمرجح أنه لا يريد القطيعة مع اليمين المتطرف وهو طامع، على ما يبدو، في أن يجتذب أصوات بعض منتسبيه. ومن أشدّ المنتقدين إلى جانب اليسار بجناحَيه، المرشح الرئاسي أدورا فيليب، ووزير العدل جيرالد دارمانان، وكلاهما ندّد بقوة بتصريحات بارديلا، ولكن أيضاً باعتماده «الكذب» من خلال نفي صحة ما جاءت به «ميديا بارت».

وحتى الرئيس ماكرون علق على ذلك، خلال مؤتمر صحافي في مدريد يوم 30 سبتمبر (أيلول)، بقوله إن «التصريحات المذكورة بالطبع خطيرة للغاية وغير مقبولة، ولا تترك مجالاً للتعليق. إنها تتطلب أقوى إدانة ممكنة». وأضاف أنه «يتعين على الزعماء السياسيين توضيح الخطّ السياسي الذي يتخذونه، والتصريحات التي يعتبرونها مقبولة، والأفراد داخل حزبهم الذين قد يدلون بمثل هذه التصريحات».