هزيمة للديمقراطيين ولبايدن قبل انتخابات التجديد النصفي

الجمهوريون يستعدون للعودة إلى السلطة... وفيرجينيا عادت للون الأحمر

استطلاعات الرأي أظهرت رفض الأغلبية لأداء الرئيس جو بايدن (أ.ف.ب)
استطلاعات الرأي أظهرت رفض الأغلبية لأداء الرئيس جو بايدن (أ.ف.ب)
TT

هزيمة للديمقراطيين ولبايدن قبل انتخابات التجديد النصفي

استطلاعات الرأي أظهرت رفض الأغلبية لأداء الرئيس جو بايدن (أ.ف.ب)
استطلاعات الرأي أظهرت رفض الأغلبية لأداء الرئيس جو بايدن (أ.ف.ب)

أظهرت نتائج الانتخابات الجزئية المتفرقة في عدد كبير من الولايات والمدن الأميركية، التي جرت الثلاثاء، أن الأميركيين وجهوا صفعة مدوية لخطاب اليسار الديمقراطي وللحزب عموماً، وعاقبوا الرئيس الأميركي جو بايدن بعد نحو عام من عهده، في ظل تراجع شعبيته بعد عودة انتشار الوباء، والصعوبات الاقتصادية، والانسحاب الفوضوي من أفغانستان. وفشلت ادعاءاته أنه صانع سلام ومفاوض ماهر وباني تحالفات وحلال للمشكلات، في إقناع حزبه الديمقراطي على الأقل بتمرير أجندته الاقتصادية والاجتماعية، في ظل استطلاعات الرأي التي أظهرت رفض الأغلبية أداءه رئيساً.
غير أن اللافت، بحسب استراتيجيين جمهوريين على الأقل، أن نجاح الجمهوريين في تحقيق نتائج جيدة في تلك الانتخابات، جاء بعدما حافظ مرشحو الحزب على مسافة معقولة بعيداً عن ترمب، رغم تأييده لهم. وبدا واضحاً أن غيابه عن قائمة المرشحين، ساهم في دفع عدد كبير من الناخبين الجمهوريين للمشاركة، مقابل إحجام الديمقراطيين وجمهورهم عن الاندفاع للاستفتاء ضده، كما حدث العام الماضي. وهو ما أفقد الديمقراطيين سلاحاً عولوا عليه كثيراً، مما يفرض عليهم تغيير خطابهم التحريضي القائم على «فزاعة» ترمب.
وتمكن الجمهوريون من الفوز في انتخابات حاكم ولاية فيرجينيا؛ أهم الولايات المحاذية للعاصمة واشنطن، مما شكل ضربة سياسية كبيرة للديمقراطيين الذين تمكنوا من تحويلها إلى ولاية زرقاء منذ انتخاب باراك أوباما. ولم يكتف الجمهوريون بهذا الفوز؛ إذ إن ما كان من المفترض أن تكون محاولة إعادة انتخاب عادية للحاكم الديمقراطي، فيل مورفي، في ولاية نيوجيرزي «الزرقاء»، مقابل منافسه الجمهوري جاك سياتاريلي، تحولت إلى إحراج وجرس إنذار كبير للديمقراطيين، قبل سنة من انتخابات التجديد النصفي. وحتى كتابة هذا النص، كان سياتاريلي متقدماً بأكثر من ألف ومائتي صوت؛ أي 49.7 في المائة مقابل 49.6 في المائة لمورفي.
وسجل الجمهوريون أيضاً عدداً من النتائج الرئيسية في ولاية فيرجينيا. فقد هزمت الجمهورية وينسوم سيرز، الديمقراطية هيا أيالا، لتصبح أول امرأة سوداء نائبة للحاكم في تاريخ الولاية. كما هزم الجمهوري جيسون مياريس، الديمقراطي مارك هيرينج، المدعي العام الحالي للولاية لفترتين. وقلب الحزب أيضاً ما لا يقل عن 5 مقاعد في مجلس نواب الولاية في فرجينيا، وهو على وشك الفوز بمقعد سادس، والذي من شأنه أن يمنح الجمهوريين الأغلبية في مجلس الولاية. وعلى الفور؛ ترددت أصداء نتائج فرجينيا في الفضاء السياسي؛ خصوصاً في مبنى «الكابيتول»، حيث لم يتوصل المشرعون الديمقراطيون بعد إلى اتفاق بشأن إقرار أجندة إعادة البناء بقيمة تصل إلى تريليوني دولار، وسط تبادل الاتهامات بين التقدميين والوسطيين. وهو ما ترك الديمقراطيون يتساءلون عن التأثير الذي سيحدثه فوز يونغ كين، مع اقتراب المفاوضات الجارية بين التيارين من خط النهاية.
وساهم فوز الجمهوريين في تعزيز الروح المعنوية المرتفعة بالفعل، قبل عام من انتخابات التجديد النصفي لعام 2022، مما منحهم دليلاً على أن استعادة الضواحي أمر ممكن، خصوصاً دون ترمب على رأس القائمة. ولا يفصل الجمهوريين عن استعادتهم السيطرة على مجلس النواب سوى 5 مقاعد، فيما يحتاجون إلى مقعد واحد لكسر التعادل 50 - 50 في مجلس الشيوخ، رغم الخريطة المعقدة نسبياً في هذا المجال. ونقلت صحيفة «مورنينغ ريبورت» عن أحد المحللين الاستراتيجيين في الحزب الجمهوري قوله: «انتصار يونغ كين في فرجينيا يجب أن يكون جرس إنذار للديمقراطيين في كل مكان بأن هناك موجة كبيرة في الطريق». وأضاف: «نحن ننظر إلى موجة يمكن أن تعيد مجموعة كبيرة من الجمهوريين إلى مناصبهم». وقبل يوم واحد من الانتخابات؛ قال غالبية ناخبي فرجينيا إن لديهم وجهة نظر غير مواتية لترمب، لكن يونغ كين كان في وضع جيد، وفقاً لاستطلاع أجرته وكالة «أسوشييتد برس» مع مؤسسة «فوت كاست».
وقال نحو نصفهم إن لديهم رأياً إيجابياً بالمرشح الجمهوري، فيما احتل الاقتصاد المرتبة الأولى في قائمة القضايا التي تواجه ولاية فرجينيا، مع تصاعد انتشار وباء فيروس «كورونا» وقضايا التعليم. كما انقسم الناخبون في فرجينيا في رأيهم بشأن أداء بايدن.
ورغم النتائج السيئة للديمقراطيين، فإنهم قد تمكنوا من الفوز في انتخابات عدد من المدن الأخرى. فقد فاز الديمقراطي إريك آدامز بسهولة على منافسه الجمهوري كورتيس سليو، الذي لا يزال يعتمر قبعة حمراء، وأنشأ عام 1979 نوعاً من الميليشيا باسم «الملائكة الحراس» كانت تسيّر دوريات طوعاً للتصدي للاعتداءات في الشوارع، إلى جانب الشرطة، برئاسة بلدية مدينة نيويورك.
وذكرت تقارير أن الديمقراطي بيل دي بلاسيو، عمدة مدينة نيويورك المنتهية ولايته، قدم الأسبوع الماضي أوراق ترشحه لمنصب الحاكم، خلفاً لآندرو كومو، الذي استقال على خلفية فضيحة تحرش جنسي. كما فازت الديمقراطية ميشيل وو برئاسة بلدية مدينة بوسطن، لتصبح أول امرأة وأول شخص غير أبيض يفوز بهذا المنصب في المدينة، بعدما تغلبت على منافستها أنيسة الصيبي جورج، وهي أيضاً من أصول مهاجرة، فوالدها من أصل تونسي ووالدتها من أصل بولندي.
وفاز المرشح الديمقراطي، عبد الله حمود، على الجمهوري غاري ورونشاك ممثل الولاية السابق والمفوض السابق لمقاطعة واين، بنسبة 54.6 في المائة من الأصوات مقابل 45 في المائة، بمنصب رئيس بلدية مدينة ديربورن في ولاية ميتشغان. وبات حمود أول شخص من أصول عربية (والداه من أصل لبناني)، يتبوأ منصب رئاسة بلدية ديربورن، المدينة البالغ عدد سكانها 110 آلاف نسمة. كما فاز الديمقراطي أمير غالب بمنصب رئيس بلدية مدينة هامترامك في ولاية ميتشغان، على الجمهورية كارين ماجوسكيو، بعد حصوله على 68 في المائة من الأصوات، مقابل 31 في المائة لمنافسته.
وبات غالب، البالغ من العمر 42 عاماً، أول أميركي من أصول يمنية يصل إلى هذا المستوى من التمثيل السياسي في المدينة، التي يبلغ تعداد سكانها 22 ألف نسمة؛ منهم 22 في المائة من أصول يمنية. كما يعد أول عربي مسلم يتبوأ منصب رئاسة بلدية المدينة. وفاز المرشح الديمقراطي إد غايني، على الجمهوري توني مورينو، في انتخابات رئاسة بلدية مدينة بيتسبرغ في ولاية بنسلفانيا، وهو أول أسود يتولى هذا المنصب، بعدما حصل على أكثر من 67 في المائة من الأصوات. في المقابل؛ رفض الناخبون في مينيابوليس اقتراحاً باستبدال إدارة جديدة للسلامة العامة بالشرطة؛ في هزيمة لاقتراح «ديمقراطي» رداً على مقتل الرجل الأسود جورج فلويد على يد شرطي أبيض العام الماضي.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».