ألغاز الإسكندرية... من مقبرة الإسكندر إلى كليوباترا وأنطونيو

عالم الآثار حسين عبد البصير يكتب عن عجائب «عروس المتوسط»

ألغاز الإسكندرية... من مقبرة الإسكندر إلى كليوباترا وأنطونيو
TT

ألغاز الإسكندرية... من مقبرة الإسكندر إلى كليوباترا وأنطونيو

ألغاز الإسكندرية... من مقبرة الإسكندر إلى كليوباترا وأنطونيو

لا تكف الإسكندرية «عروس المتوسط» عن تسريب ألغازها وعجائبها، سواء المدفونة في باطن الأرض أو الغارقة في أعماق بحرها، كما أنها لا تنسى أنها في يوم من الأيام كانت ملتقى حضارات العالم وبوتقة ثقافاته شرقاً وغرباً. وأن الإسكندر الأكبر أحد أعظم قادة العالم القديم والذي أنشأها في عام 333 قبل الميلاد ونقل جثمانه إليها لا يزال العثور على مقبرته أحد أهم هذه الألغاز.
في كتابه «سحر الإسكندرية» الصادر عن دار «كتوبيا» يرصد عالم الآثار د. حسين عبد البصير، مدير متحف مكتبة الإسكندرية، أبرز هذه الألغاز، وما تثيره من أسئلة وعلامات استفهام حيرى، تبحث عن إجابة واضحة حتى الآن.

مقبرة الإسكندر الأكبر
مات الإسكندر الأكبر في يونيو (حزيران) عام 323 ق.م ببابل ثم نقل جثمانه إلى مصر ودفن بالإسكندرية. ولا يزال العثور على مقبرته حلماً يراود الباحثين وعلماء الآثار في العالم كله. فهل يمكن العثور عليها في يوم من الأيام؟ أم أنها غير موجودة بمصر وما حقيقة سرقة الملكة كليوباترا لها؟. يوضح الكتاب أن البحث عن مقبرة الإسكندر بدأ بعد وفاته المفاجئة ودفعت الحيرة الباحثين إلى محاولات عديدة تجاوزت المائة لاكتشاف مقبرة القائد المقدوني وتوقعوا وجودها في المنطقة المحصورة بين الإسكندرية وواحة سيوة. والثابت أنه بعد موته بفترة وجيزة في بابل في العراق القديم صارت أحقية تملك جثة الإسكندر الأكبر محل تفاوض بين قادته وورثة إمبراطوريته «بيرديكاس» و«بطليموس» و«سلوقس». ورغم وفاته في بابل، فضل البعض في البداية دفن جثته في بحر «إيجة»، الذي كان واحداً من موقعين مرشحين لدفنه وكانت واحة سيوة المصرية هي الموقع الآخر. غير أن ما حدث هو أن ورثته اختلفوا بعده ورغب كل منهم أن يدفن الإسكندر في مملكته كي ينال شرعية خلافته. وكان المقدونيون يرون ضرورة نقل جثمانه إلى مقدونيا. وتذهب بعض المصادر إلى أنه تم دفنه في تابوت ذهبي وصنعت عربة خصيصاً لنقله إلى بلاد اليونان عندئذ اعترض الجنرال بطليموس قائلاً: «إن هناك وحياً ونبوءة في بابل للإله زيوس، سنذهب إلى هناك حيث سنتسلم نبوءة تقرر أين سندفن الإسكندر». وجاء الرد في معبد زيوس بالكلمات التالية: «إنني سأقول لكم ما هو الصالح العام، هناك توجد مدينة في مصر تسمى (منف) وهناك يجب أن يدفن ويعتلي عرشه مجدداً». طبقاً للنبوءة، فإن البلد الذي سيحتفظ بمقبرة الإسكندر سيعيش شعبه في عز وسعادة ولن يموت هذا البلد. من هنا تقرر أن يتم الدفن في مقدونيا، ولما وصلت القافلة التي تحمل التابوت إلى الشام سارع ملك مصر بطليموس الأول (367 - 283 ق م) بجيشه لاستقباله واعترض طريق القافلة في سوريا، وأبلغ المقدونيين أن مصر أولى من مقدونيا فاشترطوا عليه كي يتركوا له الجثة أن يتم دفنها في «منف»، وليس في واحة سيوة كما أوصى الإسكندر قبل وفاته بذلك، وكان السبب في ذلك أن يظل جثمان الإسكندر في حماية بطليموس الأول، أما إذا نقل إلى واحة سيوة بعيداً عن العاصمة فسوف يكون ذلك خطراً على الجثمان والمقبرة ولكن الجثمان لم يظل في «منف» طويلاً. نجح بطليموس في إحضار التابوت إلى مصر حين اختطفه وهو في طريقة إلى إيجة وسار بالجثمان المضمخ بالعطور في تابوته متجهاً إلى «منف»، غير أن المفاجأة تمثلت في كبير كهنة المدينة التي كانت عاصمة لمصر القديمة حيث أبدى تخوفه الشديد من أن دفن الإسكندر في مدينته سوف يؤجج صراعاً عاتياً بين مختلف القادة الطموحين للاستئثار بجثمانه. من هنا تم الدفن في صحراء سقارة ولكن على نحو مؤقت، حسب الطقوس المقدونية. وظل التابوت هناك حتى نهاية القرن الرابع قبل الميلاد أو بداية القرن الثالث قبل الميلاد، بداية عصر البطالمة، حيث نقل جسد الإسكندر إلى عاصمة البطالمة وأعيد دفنه بمقبرة ملكية المعروفة باسم «السوما» أو «السيما» في الحي الملكي الذي كان يعرف باسم «البوكيون»، غير أنه تم تدميره تماماً خلال القرن الثالث والرابع الميلاديين نتيجة اندلاع الثورات والحروب التي قام بها أهل الإسكندرية ضد الأباطرة الرومان.
ويوضح الكتاب أنه بعد أن أصبحت المسيحية الديانة الرسمية في مصر، تم تدمير الكثير من الآثار الوثنية القديمة في أواخر القرن الرابع الميلادي ومن أشهرها معبد السيرابيوم. وكانت «السوما» موجودة عند تقاطع الشارعين الأساسيين في الإسكندرية القديمة ونقطة التقاطع تلك حالياً هي ما يعرف بـ«شارع النبي دانيال» وليس عند مسجد النبي دانيال، ومقبرة الإسكندر قد تكون في هذه المنطقة. ربما في يوم من الأيام يتم العثور على المقبرة تحت أحد المنازل القديمة من خلال أعمال الحفائر أو عن طريق الصدفة. ولو تم اكتشاف مقبرة الإسكندر سوف يكون حدثاً مدوياً، لا سيما أن الكثير من ممتلكاته الشخصية دفنت معه في مقبرته وسوف يمدنا اكتشاف المقبرة بسيرة خالصة حقيقية عن الإسكندر ومغامراته وحروبه وفتوحاته وغزواته، وقد نفاجأ بوصايا أو تعاليم جديدة للذين سيفتحون مقبرته.

تابوت نهاية العالم
ومن الألغاز التي يرصدها الكتاب وأثارت ضجة كبيرة اكتشاف تابوت سيدي جابر أو «تابوت نهاية العالم» كما أطلق البعض عليه، وذلك على بعد خمسة أمتار من سطح الأرض داخل مقبرة أثرية، وهو تابوت حجري ضخم من أكبر التوابيت التي عثر عليها في الإسكندرية، مصنوع من الجرانيت الأسود والذي كان يُنقل من أسوان بأبعاد نحو 275×165 سم؛ وارتفاع 185 سم ويبلغ وزنه نحو 30 طناً تقريباً. وتم اكتشافه بمحض الصدفة أثناء أعمال الحفر في شارع الكرميلي بمنطقة سيدي جابر شرق الإسكندرية لوضع أساس أحد المنازل. وربط عدد كبير من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي بين الاكتشاف الجديد وكتب أحد الصحافيين الأجانب المعروفين بأنه «لا يجب فتح ذلك التابوت». لكن فريق المرممين المصريين استطاع فتح التابوت وعثر به على سائل أحمر وعدد من الرؤوس البشرية.
واعتقد البعض أنه الزئبق الأحمر، لكن د. عبد البصير يوضح هنا أنه لا يوجد في علم الآثار المصرية ما يمكننا أن نطلق عليه الزئبق الأحمر على الإطلاق! وبعد تحليل عينات من السائل الأحمر بعد سحب عينة منه بواسطة إدخال خراطيم ما بين فتحة غطاء التابوت والقاعدة الخاصة به، وكانت المفاجأة تغير لون السائل فور خروجه من التابوت إلى لون غريب غير معروف المعالم. ولا يمكن أن ينسب هذا التابوت للإسكندر الأكبر بسبب تواضع التابوت ودفنه في مكان غير مجهز لا يليق بالقائد العسكري العظيم، فضلاً على أنه أملس ويخلو من النقوش من الخارج ولم تتم كتابة اسم الإسكندر عليه. وربما يعود لأحد الشخصيات البطلمية أو الرومانية المهمة.

مقبرة كليوباترا
المقصود هنا مقبرة كليوباترا السابعة التي توفيت في اليوم العاشر أو 12 أغسطس (آب) عام 30 قبل الميلاد في الإسكندرية عندما كانت تبلغ من العمر 39 عاماً. وتشير المصادر التاريخية إلى أنها انتحرت إما بلدغة أفعى الكوبرا أو بواسطة مرهم سام أو باستخدام أداة حادة مثل دبوس الشعر. وبوفاة كليوباترا السابعة انتهت فعلياً الحرب النهائية من الجمهورية الرومانية بين أعضاء الحكومة الثلاثية: أكتافيوس وأنطونيو وهو زوج كليوباترا ووالد لثلاثة من أطفالها حيث فر أنطونيو إلى مصر بعد خسارته في معركة أكتيوم في اليونان الرومانية عام 31 قبل الميلاد وبعد ذلك غزا أكتافيوس مصر وهزم قواتها وسمح لها بالانتحار لتجنب إذلال عرضها كأسيرة. وأنفق الباحثون سنوات طويلة من البحث عن مقبرة كليوباترا دون جدوى تُذكر. وصحيح أن كثيرين يأملون في العثور على مقبرة الملكة كليوباترا ومارك أنطونيو، إلا أنه لا يجب أن نعتقد أنه تم دفنهما معاً في مقبرة واحدة، لأنه ربما أنزل القائد المنتصر أكتافيوس غضبه على جسد العاشقين بالتفريق بينهما. وكانت كليوباترا قد اختارت لمقبرة مارك أنطونيو مكاناً مقدساً يحمل اسم «تابوزيريس ماجنا» أي «مدينة أوزيريس» على بعد نحو أربعين كيلومتراً إلى الغرب في الإسكندرية. وكان لذلك المكان أهمية كبيرة لديها لأنها بوصفها ملكة مصر كانت تعتبر تجسيداً بشرياً للإلهة إيزيس زوجة الإله أوزيريس. وكانت إحدى البعثات الأجنبية تقوم بحفائر في محيط معبد إيزيس ووجدت رأساً منحوتاً لرجل وقناعاً جزئياً وبه غمازة في الذقن توحي بمظهر مارك أنطونيو كما وجدت كنزاً من العملات تحمل صور كليوباترا السابعة، واعتماداً على ذلك، هناك اعتقاد قوي بوجود مقبرة في تلك المنطقة تحت معبد إيزيس.
يقع الكتاب في 400 صفحة ومزود بخرائط المقابر المجهولة وصور التماثيل النادرة ما أضفى عليه مزيداً من المتعة البصرية، كما اتسم أسلوب الكاتب بالبساطة في السرد والتشويق في العرض.


مقالات ذات صلة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)
يوميات الشرق رواية تائهة بين قارّتين (مكتبة بيرنسديل في «فيسبوك»)

كتاب يضلّ الطريق... ويعبُر العالم إلى أستراليا

ليس من المألوف أن تتحوَّل عودة كتاب مُعار من مكتبة إلى قصة يكتنفها الغموض.


زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي
TT

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها. مستشار الأمن القومي الأسبق للرئيس جيمي كارتر، وأحد أبرز صانعي السياسة الخارجية الأميركية في القرن العشرين، يعود اليوم في سيرة جديدة للكاتب والصحافي إدوارد لوس، الصادرة عن «بلومسبري» بعنوان «زبيغ: سيرة زبيغنيو بريجينسكي، نبي الحرب الباردة الأميركي»*، وهي ترسم صورة دقيقة لأكاديمي لامع، وسياسي شديد المراس، ومفرط الثقة بالنفس، ترك بصمة عميقة ومثيرة للجدل على مسار الحرب الباردة وتوازنات القوى العالمية.

تبدأ السيرة المستندة لأرشيف ضخم من المذكرات الشخصية والمراسلات والوثائق والمقابلات الحصرية من الجذور البولندية لبريجينسكي. ولد زبيغنيو عام 1928 في وارسو لعائلة أرستقراطية دبلوماسية يهودية، ودفع صعود النازية في ألمانيا والتهديد السوفياتي عائلته إلى الهجرة بداية إلى كندا عام 1938، ومنها راقب شاباً تدمير وطنه وتقسيمه بين هتلر وستالين. غرس فيه والده، تاديوش، نزعة قومية بولندية عميقة، ورؤية تعتبر بولندا ممثلة للحضارة الغربية في مواجهة جيرانها بالشرق، فكان أن شكلت هذه النشأة وعيه السياسي المبكر، وولّدت لديه عداءً جذرياً ومستمراً تجاه الاتحاد السوفياتي وروسيا، معتبراً التنازلات الأميركية والبريطانية لستالين في مؤتمر يالطا خيانة أخلاقية وسياسية، ليتعهد على أثرها بتكريس حياته لتفكيك الإمبراطورية السوفياتية.

بعد جامعة ماكغيل الكندية انتقل بريجينسكي إلى الولايات المتحدة حاملاً طموحاً سياسياً كبيراً. برز نجمه الأكاديمي في جامعة هارفارد حيث ركزت أطروحته الجامعية على دراسة نقاط الضعف في النظام السوفياتي، وحدد التنوع العرقي والقومي داخل الاتحاد السوفياتي ككعب أخيل هيكلي سيؤدي حتماً إلى انهيار تلك الإمبراطورية، منظراً بأن القوميات المتعددة سترفض هيمنة الثقافة الروسية. وطور لاحقاً في جامعة كولومبيا استراتيجية «الاشتباك السلمي» للتعامل مع دول أوروبا الشرقية مقترحاً استخدام الأدوات الاقتصادية والتبادل الثقافي لاختراق الستار الحديدي، وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة، بغرض فصل الدول التابعة ببطء عن مدار موسكو.

بلغ ذروة نفوذه السياسي بتعيينه مستشاراً للأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر عام 1977، ويستعرض الكتاب تفاصيل صراعه المرير داخلها مع وزير الخارجية وقتها، سايروس فانس. جسد فانس مدرسة المؤسسة الدبلوماسية التقليدية، وفضّل نهج التسويات، وركز جهوده على إنجاز معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (سالت 2) مع السوفيات. بالمقابل، تبنى بريجينسكي نهجاً هجومياً، وفضّل استعراض القوة، واعتبر ملف حقوق الإنسان أداة استراتيجية لضرب الشرعية السوفياتية، وشجع كارتر على تبادل الرسائل مع المعارضين السوفيات مثل أندريه ساخاروف، وهي خطوة أثارت غضب القيادة السوفياتية وعقدت مهمة فانس الدبلوماسية.

تعرض السيرة أيضاً لمنافسته الشرسة والمستمرة مع هنري كيسنجر. تواجه الرجلان في الساحة الأكاديمية والسياسية لعقود، وبينما مال كيسنجر إلى الواقعية السياسية وتقاسم مناطق النفوذ مع السوفيات، أصر بريجينسكي على ضرورة هزيمة الاتحاد السوفياتي أيديولوجياً وجيوسياسياً، ونجح لاحقاً في تحقيق إنجاز دبلوماسي كبير بتطبيع العلاقات رسمياً مع الصين الشعبية عام 1979، وقاد المفاوضات مع الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ بمهارة، ليستخدم هذا التحالف الجديد كورقة ضغط قوية لمحاصرة الاتحاد السوفياتي.

يخصص لوس مساحة واسعة لتحليل دور بريجينسكي في التدخل السوفياتي بأفغانستان حيث رأى أن الغزو السوفياتي فرصة تاريخية لاستنزاف موسكو. ودفع بقوة نحو دعم المجاهدين الإسلاميين، بغرض تحويل أفغانستان إلى «فيتنام سوفياتية». ويؤكد الكتاب نجاح هذه الاستراتيجية في استنزاف الموارد السوفياتية، ويشير أيضاً إلى التداعيات المستقبلية الكارثية المتمثلة في صعود الجماعات المتطرفة كتنظيم «القاعدة»، وهو مسار يعتبره منتقدوه نتيجة مباشرة لسياساته المتشددة.

شكلت أزمة الرهائن الإيرانيين التحدي الأصعب في مسيرته السياسية. فبعدما اندلعت الثورة الإيرانية على حكم الشاه محمد رضا بهلوي، حث وقتها الرئيس كارتر على دعم تحرك عسكري يقوده جنرالات الجيش الإيراني لقمع الثورة، وتوقع تحول النظام الجديد بقيادة آية الله الخميني إلى حكم دموي، لكن كارتر رفض خيار القوة المفرطة. وتفاقمت الأزمة حين استقبلت واشنطن الشاه للعلاج، في خطوة أيدها بريجينسكي وكيسنجر لكنها أدت إلى اقتحام السفارة الأميركية في طهران واحتجاز الرهائن. ألح بريجينسكي لتدخل عسكري ينقذ الرهائن، إلى أن وافق كارتر أخيراً على تنفيذ عملية «مخلب النسر» التي انتهت بفشل كارثي في الصحراء الإيرانية، واستقال على أثرها فانس احتجاجاً على القرار، فيما ساهمت هذه الأزمة في خسارة كارتر للانتخابات الرئاسية أمام رونالد ريغان.

في ملف الشرق الأوسط، كان براغماتياً حاداً، ولعب دوراً محورياً في هندسة اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل. جمعته علاقة معقدة ومحكومة بالندية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، وتشاركا الأصول اليهودية البولندية. أصر بريجينسكي على ضرورة إيجاد حل شامل يضمن حكماً ذاتياً للفلسطينيين، وحذر باستمرار من خطورة سياسة بناء المستوطنات الإسرائيلية، واصطدم مراراً بجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، فتعرض لحملات إعلامية قاسية شككت في نواياه، لكنه واجهها بصلابة وثبات على مواقفه، واستمر على هذا التوجه في سنواته اللاحقة، وأعلن تأييده للمقال الأكاديمي الشهير الذي كتبه جون ميرشايمر وستيفن والت حول تأثير «اللوبي الإسرائيلي» على السياسة الخارجية الأميركية.

مع انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفياتي، حصد ثمار تنبؤاته المبكرة. وساهم تعاونه الوثيق وتواصله المستمر مع البابا يوحنا بولس الثاني (البولندي الأصل) في دعم حركة «تضامن» البولندية، ومنع الغزو السوفياتي المحتمل لبولندا في بداية الثمانينات. وفي حقبة ما بعد الحرب الباردة، دعم توسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ليضم دول أوروبا الشرقية، واعتبر أوكرانيا حجر الزاوية لمنع انبعاث الإمبراطورية الروسية، وكان حذر مبكراً من صعود نزعة قومية انتقامية في روسيا، وتوقع مسار المواجهة الذي سلكه فلاديمير بوتين لاحقاً.

عكس بريجينسكي في سنواته الأخيرة تحولاً ملحوظاً في رؤيته للمشهد العالمي. فعارض بشدة الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وانتقد علناً إدارة جورج دبليو بوش والمحافظين الجدد، واصفاً مبررات الحرب بالمضللة والكارثية، كما دعم باراك أوباما في حملته الرئاسية عام 2008، ورأى فيه فرصة لتجديد القيادة الأميركية بأدوات سلمية. خصص خطابه العلني الأخير في جامعة كولومبيا للدعوة إلى التعاون المشترك بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، محذراً من استمرار عقلية المواجهة الصفرية في عالم يواجه تحديات وجودية مشتركة.

نجح إدوارد لوس في تقديم وثيقة تاريخية تتسم بالرصانة والعمق التحليلي لشخصية بريجينسكي بكل تناقضاتها: الباحث الأكاديمي المنظّر، والسياسي البراغماتي قوي الشكيمة القادر على اتخاذ قرارات قاسية. وبغير أنه أوسع سيرة عن عراف الحرب الباردة، يشكل هذا العمل إضافة مرجعية قيّمة لفهم آليات صنع القرار داخل أروقة البيت الأبيض، وتتبع جذور السياسات التي صاغت خريطة العالم المعاصر، وتأثير النخب اليهودية المهاجرة من وسط أوروبا في توجيه دفة القيادة في أقوى دول العالم.

Zbig: The Life of Zbigniew Brzezinski America's Cold War Prophet” Edward Luce “* Bloomsbury Publishing 2025


حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً
TT

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954» الذي يقدم فيها مقارنة بديعة لتجليات واحدة من أشهر قصص التراث العربي وكيف اختلف تناولها وتعددت رؤاها، سردياً وفلسفياً، لدى ثلاثة من رموز هذا التراث وهم ابن سينا وابن طفيل والسهروردي.

ويشير إلى أن خلاصة القصة الذائعة الصيت لدى ابن سينا، هي أن جماعة خرجوا يتنزهون إذ عنّ لهم شيخ جميل الطلعة حسن الهيئة مهيب قد أكسبته السنون والرحلات تجارب عظيمة، وهذا الشيخ المهيب الوقور اسمه حي بن يقظان وهو يرمز بهذا الشيخ إلى العقل.

وهذه الرفقة التي تصاحبه من هؤلاء ليست أشخاصاً وإنما هي الشهوات والغرائز وسائر الملكات الإنسانية، كما أن المجادلة بين الرفقة وحي بن يقظان عبارة عن مجادلات تحدث عادة بين غرائز الإنسان وشهواته من ناحية، وبين ضميره وعقله من ناحية أخرى.

هذه المناظرات بين قوى الإنسان وعقله أدت إلى سؤال العقل عن علم الفراسة ويقصد ابن سينا به علم المنطق وسماه علم الفراسة؛ لأنه بواسطته يُعرف الأمر المجهول الخفي من أحواله الظاهرة وتُعرف النتائج العويصة من مقدمات بدهية، فهو استدلال على الخفايا من السمات والمظاهر.

ويقول العقل إن هذه الرفقة التي تصحب الإنسان والتي هي ملكاته وشهواته رفقة سوء ومن ذلك أيضاً قوة التخيل ورمز إليها بـ«شاهد الزور»، وذلك لأنها قادرة على تشبيه الشيء بالشيء زوراً وبهتاناً لإيقاع الإنسان في الشر وهذا التشبيه زور وباطل لأنه لا ينشأ عن عقل وحكمة.

أما حي بن يقظان عند ابن طفيل فشيء آخر، هو أيضاً يتصل بالعقل ولكن على نمط مختلف فهو رسالة بناها وفق نظرية له، وهي أن في وسع الإنسان أن يرتقي بنفسه من المحسوس إلى المعقول إلى الله، فهو يستطيع بعقله أن يصل إلى معرفة العالم ومعرفة الله.

وعنده أن المعرفة تنقسم إلى قسمين: معرفة حدسية ومعرفة نظرية، أو بعبارة أخرى معرفة مبنية على الكشف والإلهام كالتي عند الصوفية، ومعرفة مبنية على المنطق كالتي عند العلماء. أما الأولى فيمكن الوصول إليها بترويض النفس فتنكشف لها الحقائق كأنها نور واضح لذيذ يومض له حيناً ثم يخبو حيناً.

وكلما أمعن الإنسان في ترويض نفسه، تجلت له المعارف، وأما النوع الثاني من المعرفة فهو مؤسس على الحواس، والمعرفة بالحواس تتألف وتتركب وتُستنتج منها نتائج علمية هي أيضاً نوع من المعرفة التي يسميها المعرفة النظرية. وقد جعل ابن طفيل بطله بن يقظان يسلك هذين الطريقين، فتارة يصل لمعرفة الأشياء بحواسه ومركباتها وتارة يصل إليها بطريق الكشف الروحاني.

أما قصة حي بن يقظان عند السهروردي فبدأها بقوله «إني لما رأيت قصة حي بن يقظان وصادفتها مع ما فيها من عجائب الكلمات الروحانية والإشارات العميقة عارية من تلويحات تشير إلى الطور الأعظم المخزون الذي يترتب عليه مقامات الصوفية وأصحاب المكاشفات، أردت أن أذكر طوراً في القصة سميتها أنا قصة الغريبة».

ويضيف: «بدأت قصتي هكذا... سافرت مع أخي عاصم من ديار ما وراء النهر إلى ساحل اللجة الخضراء إلى مدينة القيروان بالمغرب، فلما أحس قومها بقدومنا عليهم وأننا من أصحاب عدوهم أخذونا وقيدونا بسلاسل من حديد وحبسونا في قاع بئر عميقة وكان فوق البئر قصر مشيد عليه أبراج عالية وقالوا لنا لا جناح عليكم إذا صعدتم القصر مجردين إذا أمسيتم، أما عند الصباح فلا بد من الهوى في غيابة الجب».

ويشير أحمد أمين إلى أن السهروردي رأى الشمس هنا رمزاً لسطوع العقل وتحكمه، لذا جعلهم يطلعون في المساء إلى القصر ويغيبون في قاع البئر في الصباح، لأن الإنسان يكون في ترف ونعيم إذا اتبع شهواته وغاب عنه العقل، أما إذا طلع عليه العقل وتحكم في شهواته عاش عيشة سعيدة كالتي يعيشها العاقل الحكيم.

ويرمز السهروردي بحياة البئر إلى الحياة المظلمة التي تتحكم فيها الشهوات، ثم قال: «فبينما نحن في الصعود ليلاً والهبوط نهاراً إذ رأينا الهدهد في ليلة قمراء في منقاره كتاب صدر من شاطئ الوادي الأيمن وقال إني أحطت بوجه خلاصكما وجئتكما بنبأ يقين مشروح في رقعة أبيكما».

ويرمز الهدهد هنا إلى قوة العقل وتأثير إلهامه وقدرته على إظهار الأشياء على حقيقتها، وقد أتى برسالة من عند أبيهم فيها الحكمة وفيها النور الذي يكشف ظلام الشهوات.


صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار
TT

صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل وفكرته الأساسية تقول: «صمتُ المظلوم ليس استسلاماً، بل شروعٌ في صياغة لغةٍ جديدة، أشدُّ فتكاً من الصراخ، إنه الصمتُ الصاخب».

تدور أحداث الرواية، الصادرة أخيراً عن «دار تشكيل» بالقاهرة، داخل أسوار أحد السجون، تحديداً بين عدد كبير من المثقفين والمفكرين وقادة الرأي العام على غرار ما كان يحدث في حقب زمنية سابقة من اعتقال سياسي بهدف تكميم الأفواه حين تختلف السلطة مع معارضيها وتقرر التنكيل بهم، فلا تجد أمامها سوى الزج بهم بشكل جماعي وراء الأسوار.

يركز النص على استبطان الحالة النفسية للشخصيات الرئيسية مثل الراوي و«الصول مسعود» ومأمور السجن وبعض النزلاء الجنائيين، وكيف أن الصمت المشحون بانفجار قادم يشكل لغزاً يستعصي على الفهم، فيما يسخر المأمور من الشعراء ويتهمهم بالتخاذل والعيش في عوالم وهمية بعيداً عن الواقع.

اتسمت اللغة السردية بالإيقاع السريع والمشاعر المتأججة بين السطور، دون استطراد يوقع العمل في شراك الرتابة، كما عمد المؤلف للدخول في بؤرة الصراع النفسي بين جميع الأطراف دون تمهيد، ما جعل الرواية تفيض بالتشويق والإثارة النفسية منذ الصفحة الأولى.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«بالأمس، وما إن غادرني الجميع متجهين إلى العمل بالورش، حتى انفتح باب العنبر ودخل الصول مسعود، كبير السجّانين وأقدمهم هنا. بيني وبينه علاقة بدأت عادية، ثم تحوّلت بمرور السنوات إلى ما يشبه الرفقة الحذرة التي تجمع رجلين يحترقان في فرنٍ واحد، اقترب مني بخطواته الثقيلة، ثم ألقى بجسده الضخم إلى جواري، برم شاربه الكثيف كعادته، وفرك فروة رأسه الكبيرة قبل أن يخرج صندوق سجائره، أشعل لنفسه سيجارة، ثم مدّ إليّ أخرى بصمت، بلا كلمة منه ولا مني، كأنما يدرك أن الكلام عندي أصبح شحيحاً، نادراً كقطرة ماء في صحراء قاحلة، نفث دخانه الأول، ثم بدأ يمطرني بأسئلة متلاحقة، كلها تدور حول ما بعد الصمت، ماذا نُخفي؟ وإلى أين سيقودنا هذا الهدوء المريب؟ أكمل سيجارته دون أن ينتزع مني جواباً واحداً، ورغم يقيني بإخلاصه، فالحيطة في أيام الحرب واجبة، فنحن نحارب قائده الجلّاد، ومن السهل أن تنزلق أسرارنا من فم مسعود تحت ضغط المأمور، مهما كان قلبه معنا، وحين أنهى سلسلة أسئلته، مال نحوى وقال بصوت خفيض:

ـ أريدك أن تأتي معي إلى مكتب المأمور.

رفعت يدي دون تفكير، وقاطعته بنظرة حادة كحدّ السكين:

ـ ماذا يريد مني المأمور؟

ابتسم ابتسامة باهتة، ثم عاد يلوّي شاربه كما لو أنه يبحث عن وقت إضافي قبل أن ينطق:

- من المؤكّد أنّه سيُعيد عليك أسئلته التي تؤرّقه حول أسباب صمتكم، وإلى أيّ مدى سيطول، فثمة ما ينهش يقينه بأنّ أمراً جللاً يوشك أن يقع داخل السجن عقب هذا الصمت المفاجئ».