احتقان في شوارع الخرطوم... والعصيان المدني في يومه السابع

«الحرية والتغيير» يرفض التفاوض مع الجيش

«شارع الستين» الرئيسي في الخرطوم بدا خالياً أمس بعد أن أغلقه المحتجون بالمتاريس (أ.ف.ب)
«شارع الستين» الرئيسي في الخرطوم بدا خالياً أمس بعد أن أغلقه المحتجون بالمتاريس (أ.ف.ب)
TT

احتقان في شوارع الخرطوم... والعصيان المدني في يومه السابع

«شارع الستين» الرئيسي في الخرطوم بدا خالياً أمس بعد أن أغلقه المحتجون بالمتاريس (أ.ف.ب)
«شارع الستين» الرئيسي في الخرطوم بدا خالياً أمس بعد أن أغلقه المحتجون بالمتاريس (أ.ف.ب)

تتصاعد حدة الاحتقان والغضب في الشارع السوداني جراء استخدام قوات الجيش والأمن الرصاص الحي، ما أدى إلى سقوط 12 قتيلاً وأكثر من 300 جريح من المتظاهرين السلميين، وتواصلت أمس مظاهرات متفرقة في الأحياء السكنية ووضع التروس لإغلاق الشوارع، وذلك بعد يوم من خروج حشود ضخمة من المحتجين إلى الشوارع في العاصمة الخرطوم وعدد من المدن للمطالبة بإنهاء الحكم العسكري واستعادة الحكومة المدنية.
في غضون ذلك، دخل أمس الإضراب العام والعصيان المدني يومه السابع، منذ أن أعلن قائد الجيش في 25 أكتوبر (تشرين الأول) تسلم السلطة وحل مجلسي السيادة والوزراء وإعلان حالة الطوارئ. وأعلن عدد من النقابات ولجان المقاومة تواصل العصيان المدني والإضراب السياسي الشامل في كل أحياء الخرطوم وعواصم الولايات الأخرى، وتوقف العمل تماماً في جميع المؤسسات الحكومية والبنوك والمصارف لدخول الموظفين والعاملين في العصيان المدني والإضراب عن العمل. وأعلن تجمع المصرفيين السودانيين، الذي يضم كل العاملين في المصارف والبنوك مواصلة الإضراب العام والعصيان المدني، احتجاجاً على استخدام قوات المجلس العسكري القوة والعنف المفرط تجاه المواكب السلمية التي خرجت في الخرطوم وبقية الولايات لمقاومة تولي الجيش للحكم منفرداً. كما دعت لجنة المعلمين ولجنة الأطباء المركزية، أبرز الأجسام المهنية في «تجمع المهنيين السودانيين»، جميع منسوبيها في القطاعين الحكومي والخاص إلى الالتزام الكامل بالإضراب والعصيان المدني حتى العودة إلى التزام الجيش بالوثيقة الدستورية. وكان رئيس الوزراء، عبد الله حمدوك، رفض طلبات متكررة من قادة الجيش بترؤس أي حكومة جديدة، كما رفض أي إجراء يقوض الوثيقة الدستورية واتفاق سلام جوبا، اللذين يمثلان المرجعية الأساسية للفترة الانتقالية.
- وساطات محلية
وأثناء ذلك، تسعى شخصيات وطنية مستقلة في وساطة بين الأطراف لإعادة الأوضاع لما قبل 25 من أكتوبر، تقضي بعودة كل أجهزة السلطة الانتقالية لممارسة مهامها وفقاً للوثيقة الدستورية. ويضع الجيش، رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، قيد الإقامة الجبرية بمنزله بضاحية كافوري بالخرطوم بحري، كما منع عدداً من وزراء حكومته من زيارته. ومن جانبها، أعلنت فصائل رئيسية في تحالف «الحرية والتغيير» رفضها التام لأي تفاوض مع الجيش، وطالبت بإبعاده عن الحياة السياسية وعن أي ترتيبات دستورية مقبلة، بل طالب بعضها بتقديم القيادات العسكرية التي «قامت بانقلاب على الوثيقة الدستورية إلى المحاكمة على الجرائم التي ارتكبوها». وطالبت الفصائل بتسليم السلطة فوراً، لرئيس الوزراء الشرعي، عبد الله حمدوك، لمباشرة مهامها في استكمال التحول الديمقراطي في البلاد، ويأتي هذا الموقف التصعيدي الداخلي، في وقت يواجه قادة الجيش ضغوطاً دولية وإقليمية كبيرة للتراجع عن الإجراءات التي أعلنها قائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان يوم الاثنين الماضي، والتي يعتبرونها تقوض عملية الانتقال وتعيد البلاد للحكم العسكري الشمولي.
وشهدت العاصمة الخرطوم ومدن الولايات، أول من أمس، مظاهرات حاشدة شارك فيها الملايين، تطالب برحيل «الانقلابيين»، خصوصاً القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان، وقائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي»، وكل من شارك في الانقلاب وتقديمهم لمحاكمات فورية، بسبب الانقلاب وما صاحبه من أعمال القتل والعنف والترهيب للمواطنين العزل في مدن السودان المختلفة.
وقال مكتب وزارة الثقافة والإعلام في الحكومة الانتقالية الشرعية، على صفحته الرسمية على «فيسبوك» إن قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح البرهان، يتحمل مسؤولية سلامة وحياة المعتقلين من أعضاء مجلس السيادة والوزراء والقيادات السياسية والناشطين وأعضاء لجان المقاومة، وطالب بالإفراج الفوري عن جميع المعتقلين. ودانت الوزارة بشدة في بيان صحافي أمس «الاغتيالات والعنف تجاه المحتجين السلميين الذين خرجوا للدفاع عن ثورتهم ومكتسباتها منذ صبيحة الانقلاب العسكري وحتى خروج الملايين في 30 من أكتوبر الرافضة لهذا الانقلاب».
وقالت اللجنة في بيان: «تأكدت مصادرنا من ارتقاء روح الشهيد جمال عبد الناصر (22 سنة) إثر تعرضه لطلق ناري في الرأس من قبل ميليشيات المجلس العسكري الانقلابي صبيحة يوم الانقلاب، في مواكب الرفض السلمية بمنطقة بري (شرق الخرطوم)»، وبذلك ترتفع حصيلة القمع الدامي للاحتجاجات إلى 12 قتيلاً منذ الاثنين ونحو 300 جريح، وفق اللجنة.
من جانبها نفت قوات الشرطة السودانية في بيان وقوع قتلى وسط المتظاهرين، واتهمت بعضهم بعدم السلمية وحصب رجال الشرطة بالحجارة. كما أعلنت الشرطة فتح عدد من الجسور عدا جسر النيل الأزرق الرابط بين بحري والخرطوم وجسر النيل الأبيض، الذي يربط مناطق واسعة من أحياء أم درمان بالخرطوم.
- تصعيد في الشارع
وأعلنت لجان المقاومة الشعبية بمدن العاصمة الثلاث، (الخرطوم، بحري وأم درمان) استمرار العصيان المدني وإغلاق كل الشوارع والطرق الرئيسية بالتروس، والحشد والتعبئة السياسية للخطوات المقبلة حتى عودة الحكم المدني. وحذرت لجان المقاومة، وهي فصائل متقدمة في قيادة وتنظيم المظاهرات والاحتجاجات في الشارع، القوى السياسية الثورية من الدخول في «تفاوض أو حوار أو مساومة مع قادة الانقلاب»، كما طالبت بتسليم السلطة كاملة للمدنيين، وإطلاق سراح المعتقلين والقادة المدنيين الذين تحتجزهم القوات العسكرية.
وأكد حزب المؤتمر السوداني، والتجمع الاتحادي، وفصائل رئيسية في قوى «الحرية والتغيير»، في بيانات منفصلة، الرفض التام لأي تفاوض مع قادة الجيش، والشروع فورا في تسليم السلطة لحكومة مدنية خالصة «يقودها رئيس الوزراء الشرعي، عبد الله حمدوك». وطالب «التجمع الاتحادي» بإطلاق سراح جميع المعتقلين فوراً، على رأسهم، رئيس الوزراء وأعضاء حكومته، والقيادات السياسية التي تم اختطافها من قبل قوات الدعم السريع، التي يتزعمها نائب رئيس المجلس العسكري السابق، محمد حمدان دقلو المعروف بـ«حميدتي».
ودعا التجمع كل القوى والكيانات الثورية الرافضة للانقلاب في تحالف عريض يقود ما تبقى من الفترة الانتقالية وفق ميثاق وبرنامج سياسي يتم التوافق عليه في أسرع وقت ممكن. كما رفض حزب المؤتمر السوداني، بقيادة عمر الدقير، أي دعوات للتفاوض مع المكون العسكري، ومباشرة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، وحكومته مهامها فوراً، وإطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين. وشدد المؤتمر السوداني، على حل جميع الميليشيات المسلحة، والشروع في إعادة هيكلة قوات الشعب المسلحة فوراً، وفق عقيدة وطنية، وعدم الزج بها في العملية السياسية نهائياً. وأكد الحزب على ضرورة إكمال هياكل السلطة الانتقالية في فترة أقصاها شهر وفي مقدمتها المجلس التشريعي الانتقالي. ورغم انقطاع خدمة الإنترنت بشكل كلي وتوقف الاتصالات الهاتفية في معظم أنحاء البلاد، نقل النشطاء لحظة بلحظة بالصور والفيديوهات المظاهرات الحاشدة في مواقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك وتويتر» في العاصمة الخرطوم، أظهرت بعضها الانتهاكات والعنف المفرط الذي استخدمته القوات النظامية في مواجهة المواكب السلمية.
- تغير المشهد
ومنذ الاثنين الماضي، تغير المشهد تماماً في السودان بعد سنتين من حكم انتقالي وشراكة هشة بين المدنيين والعسكريين. ففي عام 2019، اتفق العسكريون الذين تولوا السلطة بعد الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير إثر حركة احتجاجات شعبية عارمة غير مسبوقة، والمدنيون الذين قادوا تلك الاحتجاجات، على تقاسم السلطة لمرحلة انتقالية مدتها 4 سنوات، يتم في نهايتها تسليم الحكم إلى حكومة مدنية منتخبة ديمقراطياً. كما اتفق الطرفان على أن يكون النصف الأول من المرحلة الانتقالية بقيادة المكون العسكري الذي يرأس مجلس السيادة المشترك ثم يتولى المدنية رئاسة المجلس في النصف الثاني من الفترة.
ومع اقتراب موعد تسلم المدنيين للسلطة، أعلن الفريق البرهان فجر يوم الاثنين الماضي، حل مؤسسات الحكم الانتقالي، مطيحاً بشركائه المدنيين من السلطة، وأيضاً بآمال التحول الديمقراطي، رغم أنه أعلن أنه ما زال يتمسك بإجراء انتخابات في نهاية الفترة الانتقالية. لكن المدنيين يتهمونه بالتخطيط لإجراء انتخابات غير نزيهة تنتج عنها «حكومة موالية للجيش وتعمل بإمرته من خلف ستار».
واعتقلت قوات عسكرية القادة المدنيين فجر الاثنين، كما اقتحمت مقر التلفزيون الرسمي الذي أعلن من خلاله البرهان بعد ساعات حل كل المؤسسات السياسية للمرحلة الانتقالية في البلد الذي يعد من بين الأفقر في العالم، بعد 30 عاماً من حكم الرئيس السابق البشير بمعاونة حزبه من جماعة «الإخوان المسلمين»، المتهمة بإفقار البلاد عبر تفشي الفساد ونهب الأموال ودعم الإرهاب، ما دفع الولايات المتحدة إلى فرض حظر اقتصادي على البلاد دام 27 عاماً.
وفور إطاحة البرهان بالمدنيين، بدأ السودانيون «عصياناً مدنياً» وأقاموا متاريس في الشوارع لشل الحركة في البلاد، ما دفع قوات الأمن إلى استخدام الرصاص والغاز المسيل للدموع ضدهم.
ويقول خبراء إن الناشطين أصبحوا أكثر تنظيماً الآن بفضل تجربة 2019، ويحظون بدعم المجتمع الدولي الذي فرض عقوبات على العسكريين بوقف دعم قدره 700 مليون دولار، كما طالب مجلس الأمن الدولي يوم الخميس الماضي، في بيان صدر بإجماع أعضائه، بـ«عودة حكومة انتقالية يديرها مدنيون»، مبدياً «قلقه البالغ حيال الاستيلاء العسكري على السلطة».



تحركات جديدة لـ«حماس» والوسطاء لكسر جمود «اتفاق غزة»

جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
TT

تحركات جديدة لـ«حماس» والوسطاء لكسر جمود «اتفاق غزة»

جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)

حراك جديد يشهده مسار مفاوضات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، يقوده الوسطاء بعد اجتماعات في القاهرة لتنفيذ بنوده المتعثرة مع زيادة حدة الجمود منذ اندلاع حرب إيران.

الاجتماعات التي سوف تتجدد الأيام المقبلة في القاهرة، تهدف، حسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، لكسر جمود اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتحقيق تقدم في القضايا العالقة مثل عمل «لجنة التكنوقراط»، فضلاً عن إحراج إسرائيل وعدم السماح لها بتكريس الأمر الواقع.

وأشارت فضائية «القاهرة الإخبارية»، السبت، عن مصادر لم تسمها، إلى أن «القاهرة استضافت خلال اليومين الماضيين، مباحثات بمشاركة الوسطاء والممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، لاستكمال جهود وقف إطلاق النار في غزة».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع الممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف في 1 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

وأكدت المصادر أن «أجواء إيجابية سادت المفاوضات مع إبداء جميع الأطراف الالتزام بالعمل على تنفيذ كل بنود خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن غزة»، لكنها أوضحت أن «حماس» تتمسك بتنفيذ كل مخرجات قمة شرم الشيخ وخطة الرئيس ترمب بشأن غزة.

وأضافت المصادر أن «حركة (حماس) والفصائل الفلسطينية أكدت جديتها لاستكمال خطوات تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار بغزة بكل مراحله، وهناك توافق بين جميع الأطراف على استكمال المحادثات في القاهرة، خلال الأسبوع المقبل».

جاءت تلك التأكيدات غداة حديث «حماس»، في بيان، الجمعة، أن وفدها التقى مسؤولين مصريين وممثلين عن الفصائل الفلسطينية، كما عقد لقاء مع الممثل السامي لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، بحضور وسطاء من مصر وقطر وتركيا، مؤكدة ضرورة استكمال تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق بجميع بنودها.

وأعرب وفد «حماس»، عن التزام الحركة والفصائل الفلسطينية باتفاق وقف إطلاق النار بكافة مراحله، مشيراً إلى أنه تلقَّى دعوة لاستكمال المحادثات في القاهرة خلال الأيام المقبلة.

ويرى أستاذ العلوم السياسية المحلل السياسي في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أن القاهرة حريصة على أن يبقى ملف اتفاق غزة قائماً بما لا يسمح لإسرائيل بتكريس الأمر الواقع واستمرار سيطرتها على القطاع في ظل استمرار حرب إيران، وبالتالي يحاول الوسطاء كسر جمود الاتفاق، واستمرار المحادثات حول القضايا العالقة ومنها بدء لجنة التكنوقراط عملها.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن «حماس» تدرك أن إسرائيل لن تنفذ المرحلة الثانية لأسباب عديدة، بينها التملص من الالتزامات والاستحقاقات عليها، وتريد أن تلقي بالكرة في الملعب الإسرائيلي من أجل إحراجه أمام العالم، وتقول إنها جاهزة لتنفيذ كل الاتفاق، بما يسمح بتفكيك الجمود الحالي.

فلسطينيون نازحون يتجمعون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

كان مصدر فلسطيني مقرب من «حماس» والفصائل الفلسطينية أكد لـ«الشرق الأوسط»، الجمعة، أن وفد «حماس» برئاسة خليل الحية التقى ملادينوف، وناقش معه الإطار المطروح، وما يتضمنه من ملف السلاح، بخلاف ملف دمج الموظفين في جهاز الشرطة والمؤسسات، لافتاً إلى «أن مطالب الحركة كانت خلال اللقاءات بالقاهرة واضحة، وتتمثل في انسحاب الاحتلال، ووصول قوات الاستقرار وتشكيل الشرطة، قبل الحديث عن أي تنفيذات في ملف السلاح، باعتبار أن أي شيء مخالف يعدّ مجازفة، ويفضي لفراغ أمني كبير».

وبحثت الحركة أيضاً مع الفصائل بالقاهرة ملف السلاح، والكل أجمع على أهمية تهيئة الأمور بوصول «قوات الاستقرار» وتشكيل الشرطة، بخلاف مناقشة ملف تمكين «لجنة التكنوقراط» من عملها. وأكدت «حماس» أن إسرائيل ترفض مرورها، والمشكلة لديها، وفق المصدر، الذي لفت إلى أن ردّ «حماس» النهائي لا يزال محل دراسة.

ويُعدّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ملادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمن، حسب بنود نشرتها وسائل إعلام دولية وإقليمية، موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقق النهائي من خلو غزة من السلاح».

وتقول إسرائيل إنها لن توافق على الانسحاب من غزة، ما لم يُنزع سلاح «حماس» أولاً.

ويرى نزال أن ملادينوف لا يتفاوض وإنما ينقل رسائل، لافتاً إلى أن الجميع على باب المرحلة الثانية، لكنه لن يُفتح إلا بعد إنهاء حرب إيران، وحالياً ما يتم هو تجهيز لكل الملفات لبَدْئها على الفور بعد انتهاء الأزمة الدولية.

ويعتقد فهمي أن الاجتماعات المقبلة سوف تشهد ترتيبات لتحقيق إنجاز على الأرض، لا سيما في ملف عمل «لجنة التكنوقراط».


تحذيرات دولية من تكلفة باهظة على اليمن جراء الصراع الإقليمي

ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
TT

تحذيرات دولية من تكلفة باهظة على اليمن جراء الصراع الإقليمي

ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)

تزايدت التحذيرات الدولية من تأثر اليمن بتداعيات التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، في وقت يعاني فيه بالفعل من واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم، وتراجع العمل الإنساني في أجزاء واسعة من البلاد، ما قد يدفع إلى مرحلة جديدة من التدهور الاقتصادي والإنساني.

وتعكس التطورات الاقتصادية الناجمة عن العمليات العسكرية الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة ومصادر الطاقة، المخاوف المتزايدة من تأثير التوترات الإقليمية على الوضع الداخلي في اليمن، وتزيد من الضغوط على ملايين السكان الذين يعيشون أصلاً في ظروف معيشية شديدة الهشاشة.

وتشهد مدينة عدن حالة قلق بين الأهالي تظهر في تزايد الطوابير أمام محطات الوقود والغاز المنزلي، بعد سريان مخاوف من نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار، ما دفع شركة النفط اليمنية إلى التأكيد على انتظام تموين كل المحطات الحكومية والخاصة بالوقود، والتحذير من الشائعات التي اتهمت جهات، لم تسمّها، بالوقوف خلفها لإثارة الفوضى.

وعلى الرغم من ثبات أسعار الوقود وتوفره، فإن مصادر محلية نقلت لـ«الشرق الأوسط»، وجود ملامح أزمة بالغاز المنزلي بدأت في الظهور من خلال تراجع المعروض منه بسبب الإقبال والزحام المتزايدين على شرائه وتخزينه، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعاره في منافذ بيع جديدة غير خاضعة للرقابة، يخشى السكان من أن تكون مقدمة لسوق سوداء.

طوابير السيارات أمام محطات الوقود في عدن قبل 5 أعوام (أ.ف.ب)

ويرى عبد الواحد العوبلي، الباحث الاقتصادي اليمني، أن تكلفة أسعار الوقود هي أكثر ما يلحق الضرر بالاقتصاد اليمني ومستوى المعيشة، وفي حال استمرار المواجهات العسكرية الحالية وتداعياتها، فإن هذه التكلفة ستزيد من الأعباء على السكان والمغتربين.

وقال العوبلي لـ«الشرق الأوسط»، إن تكلفة استيراد الوقود قبل 3 أعوام كانت تصل إلى 3 مليارات ونصف مليار دولار، وإذا استمرت الأزمة الحالية، فستكون هناك زيادة تقدر بمليار دولار، سواء في مناطق سيطرة الحكومة أو مناطق سيطرة الحوثيين، وهو ما سيدفع إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات، ويجبر المغتربين على مضاعفة تحويلاتهم إلى أقاربهم.

وحذر تقرير حديث صادر عن منظمة «ACAPS» المعنية بتنسيق وتحليل بيانات الطوارئ الإنسانية، من احتمال حدوث تصعيد خطر في اليمن على خلفية تطورات الصراع الإقليمي.

احتياجات متزايدة

بيّن التقرير الصادر في أول أيام الشهر الحالي، أن اليمن يعدّ من أكثر الدول عرضة للتأثر بالتوترات الإقليمية، خصوصاً مع احتمالية انخراط الجماعة الحوثية في النزاع بشكل يؤدي إلى توسيع نطاق العمليات العسكرية داخل البلاد، وزيادة الضغوط على الأوضاع الاقتصادية والإنسانية المتدهورة، وانعدام الأمن الغذائي، وتعطل سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الطاقة.

سكان عدن أظهروا قلقاً من عودة أزمات الوقود برغم التطمينات الحكومية (شركة النفط اليمنية)

ونبه إلى أن ذلك سينعكس مباشرة على حياة السكان، في ظل اعتماد البلاد بدرجة كبيرة على الواردات، والهشاشة الاقتصادية المزمنة.

ولمّح إلى أن التصعيد العسكري قد يعطل طرق التجارة ويزيد من تكاليف النقل والإمدادات، ويدفع أسعار السلع الأساسية إلى مستويات أعلى، ويعمّق مستويات الفقر والجوع.

وحدّد 3 سيناريوهات محتملة للتطورات، تبدأ بانتهاء سريع للصراع الإقليمي مع بقاء تداعياته الاقتصادية، إلى جانب استمرار تعقيد المشهد العسكري الداخلي، وصولاً إلى سيناريو تصعيد واسع النطاق، وهو السيناريو الذي وصفه التقرير بأنه الأخطر على اليمن، حيث قد يؤدي إلى انهيار إضافي في الخدمات الأساسية واتساع رقعة الاحتياجات الإنسانية بشكل كبير.

ولا تقتصر التحديات على الغذاء فقط؛ إذ حذرت منظمة «الصحة العالمية»، بدورها، من أزمة متفاقمة في القطاع الصحي، حيث يواجه عدد من المستشفيات نقصاً في الأكسجين الطبي، مع استمرار أنشطتها لتقييم احتياجات المرافق الصحية، والسعي لإنشاء محطات أكسجين وتطوير شبكات داخلية لنقله مباشرة إلى غرف المرضى، ومحاولة تفادي انهيار بعض الخدمات الطبية الحيوية.

سلاسل الإمداد إلى اليمن معرضة للخطر جراء تداعيات التصعيد العسكري الإقليمي (أرشيفية - رويترز)

كما حذّر مجلس الأمن الدولي من تدهور متسارع في الأوضاع الإنسانية في اليمن، مع استمرار الجمود السياسي وتراجع التمويل الدولي، في وقت يواجه فيه ملايين السكان ظروفاً معيشية قاسية. وزادت السيول الأخيرة من تعقيد المشهد بعد تضرر آلاف الأسر، ما دفع وكالات أممية لتقديم مساعدات طارئة لنحو 12 ألف متضرر.

انتظار التدخل الدولي

في ضوء هذه التحذيرات، جدّد برنامج الغذاء العالمي التذكير بأن اختطاف الجماعة الحوثية موظفيه، واستيلاءها على مكاتبه وأصوله، أدى إلى تراجع كبير في نطاق العمليات الإنسانية بالمناطق الخاضعة لسيطرتها خلال العام الماضي.

وأورد البرنامج في تقرير سنوي، أن بيئة العمل الإنساني أصبحت مليئة بالعقبات السياسية والأمنية، وأن احتجاز موظفي الوكالات الأممية، تسبب في تعليق كامل للأنشطة الإنسانية في تلك المناطق.

قوة أمنية حوثية أمام بوابة مقر الأمم المتحدة في صنعاء (رويترز)

واختطفت الجماعة الحوثية عشرات الموظفين المحليين العاملين في المنظمات الدولية، متسببة في عرقلة وصول المساعدات الغذائية إلى الأسر الأكثر ضعفاً، وإضعاف قدرة المنظمات الإنسانية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة في بلد يعتمد ملايين سكانه على المساعدات للبقاء.

وينبه إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشأن الإنساني، إلى أن برنامج الغذاء العالمي سبق وأعلن، قبل عامين، توقف أنشطته الخاصة بتوزيع الأغذية في مناطق سيطرة الحوثيين، متوقعاً استمرار بعض الأنشطة في مناطق سيطرة الحكومة، بالحدود الدنيا بسبب نقص التمويل.

ويذهب القرشي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن تراجع العمليات الإنسانية وتقلص التمويل الدولي قد يدفع الأزمة إلى مستويات أكثر خطورة، خصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين التي تضم الحجم الأكبر من المحتاجين، متوقعاً أن يكون أكثر من 23 مليون يمني لا يعرفون ما سيأكلونه في اليوم التالي.

انخراط الحوثيين في الصراع الإقليمي تهدد بزيادة تدهور معيشة اليمنيين (رويترز)

ووصف القرشي تخلي المجتمع الدولي عن اليمنيين، بأنه «وضع غير مقبول إنسانياً»، داعياً الحكومة والداعمين إلى إنجاز خطوات اقتصادية بالاعتماد على الموارد ومواجهة الفساد.

ومن كل ذلك، تبدو الأزمة الإنسانية في اليمن مرشحة لمزيد من التدهور، ما لم تتخذ خطوات دولية عاجلة لتخفيف الضغوط الاقتصادية وتعزيز العمل الإنساني، لإنهاء واحدة من أطول الأزمات الإنسانية في العالم.


صندوق النقد يشيد بإصلاحات اليمن ويدعم مسار التعافي

وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
TT

صندوق النقد يشيد بإصلاحات اليمن ويدعم مسار التعافي

وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)

في خطوة تعكس تحسن الأداء المؤسسي في اليمن وعودة الانخراط الدولي، أقرّ مجلس إدارة صندوق النقد الدولي نتائج مشاورات المادة الرابعة مع الحكومة الشرعية بعد توقف استمر أكثر من 11 عاماً، في تطور يعدّ مؤشراً مهماً على استعادة قنوات التعاون مع المؤسسات المالية الدولية وتعزيز الثقة بالمسار الإصلاحي الذي تتبناه الحكومة.

وأكد الصندوق في بيانه أن استئناف هذه المشاورات يعكس تحسن القدرات المؤسسية وإنتاج البيانات الاقتصادية، مشيداً بالجهود التي بذلتها السلطات اليمنية لتحقيق حد أدنى من الاستقرار الاقتصادي، رغم الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

وأشار الصندوق إلى أن الاقتصاد بدأ يُظهر بوادر تعافٍ تدريجي بعد الركود العميق الذي أعقب توقف صادرات النفط في عام 2022، مع تباطؤ وتيرة الانكماش وتراجع الضغوط المالية والخارجية.

وعلى الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، حذّر الصندوق من أن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط قد تؤثر سلباً على الاقتصاد اليمني خلال العام الحالي، في ظل هشاشة الأوضاع الاقتصادية واعتماد البلاد على الواردات، ما يجعلها عرضة لتقلبات أسعار الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

وفد من البنك الدولي يشهد تدشين مشروع للمياه في عدن (إعلام حكومي)

وشدد بيان صندوق النقد على أهمية التزام الحكومة اليمنية بتعبئة الإيرادات وتعزيز الحوكمة المالية، باعتبارهما عنصرين أساسيين لضمان استمرارية تقديم الخدمات العامة الأساسية.

كما أشار إلى أن اعتماد سعر صرف قائم على السوق، إلى جانب إصلاحات قطاع الطاقة وتحسين بيئة الأعمال، تمثل ركائز رئيسية لدعم التعافي الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.

وأكد البيان أن استمرار الحوار مع الدائنين وتأمين التمويل الخارجي سيسهمان في تخفيف حدة الأزمة الاقتصادية، خصوصاً في ظل التحديات الإنسانية الحادة التي يواجهها اليمن. كما توقع أن يؤدي إعطاء الأولوية للإنفاق الأساسي إلى ضغوط مؤقتة على الميزان المالي، إلا أنه سيساعد في حماية الفئات الأكثر هشاشة.

من جانبها، رحّبت الحكومة اليمنية بإقرار نتائج المشاورات، معتبرةً أن هذه الخطوة تمثل تقديراً دولياً للإجراءات التي اتخذتها لتعزيز الانضباط المالي والشفافية ومكافحة الفساد، رغم تداعيات الحرب وتوقف صادرات النفط نتيجة الهجمات التي تنفذها الجماعة الحوثية.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة في مختلف القطاعات، والعمل بالتنسيق مع الشركاء الدوليين لتخفيف المعاناة الإنسانية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، مشيرةً إلى إقرار الموازنة العامة لعام 2026 ضمن جهود إعادة تفعيل مؤسسات الدولة.

تحديات مستمرة

على الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال التحديات التي تواجه الاقتصاد اليمني كبيرة ومعقدة، في ظل استمرار الحرب والانقسام المؤسسي وضعف الموارد المالية. وأكد صندوق النقد أن المخاطر المحيطة بالآفاق المستقبلية تظل مرتفعة، خصوصاً في ظل التطورات الإقليمية وتأثيراتها المحتملة على الاقتصاد العالمي.

وأشار إلى أن التضخم، وتذبذب أسعار الصرف، وارتفاع تكاليف الواردات، تمثل عوامل ضغط رئيسية على الاقتصاد اليمني، ما يتطلب تبني سياسات احترازية متوازنة للحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي. كما شدد على أهمية تعزيز الإيرادات غير النفطية، وتوسيع قاعدة الصادرات، خصوصاً في القطاع الزراعي.

وفي هذا السياق، توقع الصندوق أن يبدأ الاقتصاد اليمني في استعادة زخمه تدريجياً اعتباراً من عام 2027، مدفوعاً بتراجع معدلات التضخم وتحسن الدخول الحقيقية وتخفيف السياسات المالية التقشفية، إضافة إلى نمو التحويلات المالية والصادرات غير النفطية.

سياسات مرنة

أكد محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، أن استئناف مشاورات المادة الرابعة يمثل عودة مهمة للتفاعل المؤسسي مع المجتمع الدولي، ويفتح آفاقاً جديدة للحصول على الدعم الفني والمالي.

وأوضح أن السياسات المالية والنقدية التي تم تبنيها خلال الفترة الماضية أسهمت في الحد من تدهور الأوضاع الاقتصادية وتهيئة أرضية أولية للتعافي، مشدداً على أن المرحلة الحالية تتطلب استمرار تبني سياسات واقعية ومتدرجة تأخذ في الاعتبار التحديات القائمة.

جانب من اجتماع وفد دولي في عدن مع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني (إعلام حكومي)

وأشار إلى أن البنك المركزي يواصل تنفيذ سياسات نقدية منضبطة ومرنة في آنٍ واحد، تهدف إلى الحفاظ على استقرار سعر الصرف والحد من التضخم، وضمان توفر السلع الأساسية، بالتنسيق مع الجهات الحكومية والشركاء الدوليين.

كما لفت إلى أن التطورات الإقليمية، خصوصاً تلك المتعلقة بأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد، تمثل تحدياً إضافياً يتطلب استجابة سريعة وسياسات متوازنة لتقليل آثارها على الاقتصاد الوطني.

وشدد محافظ البنك المركزي اليمني على أن تحقيق الاستقرار الاقتصادي المستدام يظل مرهوناً بتضافر الجهود الوطنية والدعم الدولي، إضافة إلى إنهاء الحرب واستعادة مؤسسات الدولة، بما يمهد الطريق أمام مرحلة جديدة من التعافي والتنمية.