احتقان في شوارع الخرطوم... والعصيان المدني في يومه السابع

«الحرية والتغيير» يرفض التفاوض مع الجيش

«شارع الستين» الرئيسي في الخرطوم بدا خالياً أمس بعد أن أغلقه المحتجون بالمتاريس (أ.ف.ب)
«شارع الستين» الرئيسي في الخرطوم بدا خالياً أمس بعد أن أغلقه المحتجون بالمتاريس (أ.ف.ب)
TT

احتقان في شوارع الخرطوم... والعصيان المدني في يومه السابع

«شارع الستين» الرئيسي في الخرطوم بدا خالياً أمس بعد أن أغلقه المحتجون بالمتاريس (أ.ف.ب)
«شارع الستين» الرئيسي في الخرطوم بدا خالياً أمس بعد أن أغلقه المحتجون بالمتاريس (أ.ف.ب)

تتصاعد حدة الاحتقان والغضب في الشارع السوداني جراء استخدام قوات الجيش والأمن الرصاص الحي، ما أدى إلى سقوط 12 قتيلاً وأكثر من 300 جريح من المتظاهرين السلميين، وتواصلت أمس مظاهرات متفرقة في الأحياء السكنية ووضع التروس لإغلاق الشوارع، وذلك بعد يوم من خروج حشود ضخمة من المحتجين إلى الشوارع في العاصمة الخرطوم وعدد من المدن للمطالبة بإنهاء الحكم العسكري واستعادة الحكومة المدنية.
في غضون ذلك، دخل أمس الإضراب العام والعصيان المدني يومه السابع، منذ أن أعلن قائد الجيش في 25 أكتوبر (تشرين الأول) تسلم السلطة وحل مجلسي السيادة والوزراء وإعلان حالة الطوارئ. وأعلن عدد من النقابات ولجان المقاومة تواصل العصيان المدني والإضراب السياسي الشامل في كل أحياء الخرطوم وعواصم الولايات الأخرى، وتوقف العمل تماماً في جميع المؤسسات الحكومية والبنوك والمصارف لدخول الموظفين والعاملين في العصيان المدني والإضراب عن العمل. وأعلن تجمع المصرفيين السودانيين، الذي يضم كل العاملين في المصارف والبنوك مواصلة الإضراب العام والعصيان المدني، احتجاجاً على استخدام قوات المجلس العسكري القوة والعنف المفرط تجاه المواكب السلمية التي خرجت في الخرطوم وبقية الولايات لمقاومة تولي الجيش للحكم منفرداً. كما دعت لجنة المعلمين ولجنة الأطباء المركزية، أبرز الأجسام المهنية في «تجمع المهنيين السودانيين»، جميع منسوبيها في القطاعين الحكومي والخاص إلى الالتزام الكامل بالإضراب والعصيان المدني حتى العودة إلى التزام الجيش بالوثيقة الدستورية. وكان رئيس الوزراء، عبد الله حمدوك، رفض طلبات متكررة من قادة الجيش بترؤس أي حكومة جديدة، كما رفض أي إجراء يقوض الوثيقة الدستورية واتفاق سلام جوبا، اللذين يمثلان المرجعية الأساسية للفترة الانتقالية.
- وساطات محلية
وأثناء ذلك، تسعى شخصيات وطنية مستقلة في وساطة بين الأطراف لإعادة الأوضاع لما قبل 25 من أكتوبر، تقضي بعودة كل أجهزة السلطة الانتقالية لممارسة مهامها وفقاً للوثيقة الدستورية. ويضع الجيش، رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، قيد الإقامة الجبرية بمنزله بضاحية كافوري بالخرطوم بحري، كما منع عدداً من وزراء حكومته من زيارته. ومن جانبها، أعلنت فصائل رئيسية في تحالف «الحرية والتغيير» رفضها التام لأي تفاوض مع الجيش، وطالبت بإبعاده عن الحياة السياسية وعن أي ترتيبات دستورية مقبلة، بل طالب بعضها بتقديم القيادات العسكرية التي «قامت بانقلاب على الوثيقة الدستورية إلى المحاكمة على الجرائم التي ارتكبوها». وطالبت الفصائل بتسليم السلطة فوراً، لرئيس الوزراء الشرعي، عبد الله حمدوك، لمباشرة مهامها في استكمال التحول الديمقراطي في البلاد، ويأتي هذا الموقف التصعيدي الداخلي، في وقت يواجه قادة الجيش ضغوطاً دولية وإقليمية كبيرة للتراجع عن الإجراءات التي أعلنها قائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان يوم الاثنين الماضي، والتي يعتبرونها تقوض عملية الانتقال وتعيد البلاد للحكم العسكري الشمولي.
وشهدت العاصمة الخرطوم ومدن الولايات، أول من أمس، مظاهرات حاشدة شارك فيها الملايين، تطالب برحيل «الانقلابيين»، خصوصاً القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان، وقائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي»، وكل من شارك في الانقلاب وتقديمهم لمحاكمات فورية، بسبب الانقلاب وما صاحبه من أعمال القتل والعنف والترهيب للمواطنين العزل في مدن السودان المختلفة.
وقال مكتب وزارة الثقافة والإعلام في الحكومة الانتقالية الشرعية، على صفحته الرسمية على «فيسبوك» إن قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح البرهان، يتحمل مسؤولية سلامة وحياة المعتقلين من أعضاء مجلس السيادة والوزراء والقيادات السياسية والناشطين وأعضاء لجان المقاومة، وطالب بالإفراج الفوري عن جميع المعتقلين. ودانت الوزارة بشدة في بيان صحافي أمس «الاغتيالات والعنف تجاه المحتجين السلميين الذين خرجوا للدفاع عن ثورتهم ومكتسباتها منذ صبيحة الانقلاب العسكري وحتى خروج الملايين في 30 من أكتوبر الرافضة لهذا الانقلاب».
وقالت اللجنة في بيان: «تأكدت مصادرنا من ارتقاء روح الشهيد جمال عبد الناصر (22 سنة) إثر تعرضه لطلق ناري في الرأس من قبل ميليشيات المجلس العسكري الانقلابي صبيحة يوم الانقلاب، في مواكب الرفض السلمية بمنطقة بري (شرق الخرطوم)»، وبذلك ترتفع حصيلة القمع الدامي للاحتجاجات إلى 12 قتيلاً منذ الاثنين ونحو 300 جريح، وفق اللجنة.
من جانبها نفت قوات الشرطة السودانية في بيان وقوع قتلى وسط المتظاهرين، واتهمت بعضهم بعدم السلمية وحصب رجال الشرطة بالحجارة. كما أعلنت الشرطة فتح عدد من الجسور عدا جسر النيل الأزرق الرابط بين بحري والخرطوم وجسر النيل الأبيض، الذي يربط مناطق واسعة من أحياء أم درمان بالخرطوم.
- تصعيد في الشارع
وأعلنت لجان المقاومة الشعبية بمدن العاصمة الثلاث، (الخرطوم، بحري وأم درمان) استمرار العصيان المدني وإغلاق كل الشوارع والطرق الرئيسية بالتروس، والحشد والتعبئة السياسية للخطوات المقبلة حتى عودة الحكم المدني. وحذرت لجان المقاومة، وهي فصائل متقدمة في قيادة وتنظيم المظاهرات والاحتجاجات في الشارع، القوى السياسية الثورية من الدخول في «تفاوض أو حوار أو مساومة مع قادة الانقلاب»، كما طالبت بتسليم السلطة كاملة للمدنيين، وإطلاق سراح المعتقلين والقادة المدنيين الذين تحتجزهم القوات العسكرية.
وأكد حزب المؤتمر السوداني، والتجمع الاتحادي، وفصائل رئيسية في قوى «الحرية والتغيير»، في بيانات منفصلة، الرفض التام لأي تفاوض مع قادة الجيش، والشروع فورا في تسليم السلطة لحكومة مدنية خالصة «يقودها رئيس الوزراء الشرعي، عبد الله حمدوك». وطالب «التجمع الاتحادي» بإطلاق سراح جميع المعتقلين فوراً، على رأسهم، رئيس الوزراء وأعضاء حكومته، والقيادات السياسية التي تم اختطافها من قبل قوات الدعم السريع، التي يتزعمها نائب رئيس المجلس العسكري السابق، محمد حمدان دقلو المعروف بـ«حميدتي».
ودعا التجمع كل القوى والكيانات الثورية الرافضة للانقلاب في تحالف عريض يقود ما تبقى من الفترة الانتقالية وفق ميثاق وبرنامج سياسي يتم التوافق عليه في أسرع وقت ممكن. كما رفض حزب المؤتمر السوداني، بقيادة عمر الدقير، أي دعوات للتفاوض مع المكون العسكري، ومباشرة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، وحكومته مهامها فوراً، وإطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين. وشدد المؤتمر السوداني، على حل جميع الميليشيات المسلحة، والشروع في إعادة هيكلة قوات الشعب المسلحة فوراً، وفق عقيدة وطنية، وعدم الزج بها في العملية السياسية نهائياً. وأكد الحزب على ضرورة إكمال هياكل السلطة الانتقالية في فترة أقصاها شهر وفي مقدمتها المجلس التشريعي الانتقالي. ورغم انقطاع خدمة الإنترنت بشكل كلي وتوقف الاتصالات الهاتفية في معظم أنحاء البلاد، نقل النشطاء لحظة بلحظة بالصور والفيديوهات المظاهرات الحاشدة في مواقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك وتويتر» في العاصمة الخرطوم، أظهرت بعضها الانتهاكات والعنف المفرط الذي استخدمته القوات النظامية في مواجهة المواكب السلمية.
- تغير المشهد
ومنذ الاثنين الماضي، تغير المشهد تماماً في السودان بعد سنتين من حكم انتقالي وشراكة هشة بين المدنيين والعسكريين. ففي عام 2019، اتفق العسكريون الذين تولوا السلطة بعد الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير إثر حركة احتجاجات شعبية عارمة غير مسبوقة، والمدنيون الذين قادوا تلك الاحتجاجات، على تقاسم السلطة لمرحلة انتقالية مدتها 4 سنوات، يتم في نهايتها تسليم الحكم إلى حكومة مدنية منتخبة ديمقراطياً. كما اتفق الطرفان على أن يكون النصف الأول من المرحلة الانتقالية بقيادة المكون العسكري الذي يرأس مجلس السيادة المشترك ثم يتولى المدنية رئاسة المجلس في النصف الثاني من الفترة.
ومع اقتراب موعد تسلم المدنيين للسلطة، أعلن الفريق البرهان فجر يوم الاثنين الماضي، حل مؤسسات الحكم الانتقالي، مطيحاً بشركائه المدنيين من السلطة، وأيضاً بآمال التحول الديمقراطي، رغم أنه أعلن أنه ما زال يتمسك بإجراء انتخابات في نهاية الفترة الانتقالية. لكن المدنيين يتهمونه بالتخطيط لإجراء انتخابات غير نزيهة تنتج عنها «حكومة موالية للجيش وتعمل بإمرته من خلف ستار».
واعتقلت قوات عسكرية القادة المدنيين فجر الاثنين، كما اقتحمت مقر التلفزيون الرسمي الذي أعلن من خلاله البرهان بعد ساعات حل كل المؤسسات السياسية للمرحلة الانتقالية في البلد الذي يعد من بين الأفقر في العالم، بعد 30 عاماً من حكم الرئيس السابق البشير بمعاونة حزبه من جماعة «الإخوان المسلمين»، المتهمة بإفقار البلاد عبر تفشي الفساد ونهب الأموال ودعم الإرهاب، ما دفع الولايات المتحدة إلى فرض حظر اقتصادي على البلاد دام 27 عاماً.
وفور إطاحة البرهان بالمدنيين، بدأ السودانيون «عصياناً مدنياً» وأقاموا متاريس في الشوارع لشل الحركة في البلاد، ما دفع قوات الأمن إلى استخدام الرصاص والغاز المسيل للدموع ضدهم.
ويقول خبراء إن الناشطين أصبحوا أكثر تنظيماً الآن بفضل تجربة 2019، ويحظون بدعم المجتمع الدولي الذي فرض عقوبات على العسكريين بوقف دعم قدره 700 مليون دولار، كما طالب مجلس الأمن الدولي يوم الخميس الماضي، في بيان صدر بإجماع أعضائه، بـ«عودة حكومة انتقالية يديرها مدنيون»، مبدياً «قلقه البالغ حيال الاستيلاء العسكري على السلطة».



ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
TT

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

في خطوة أثارت موجة واسعة من الرفض والاستياء، فرضت الجماعة الحوثية إجراءات جديدة على طلاب المدارس الحكومية في محافظتَيْ إب وذمار (جنوب صنعاء)، ربطت بموجبها تسليم نتائج الامتحانات واستكمال إجراءات التسجيل للعام الدراسي المقبل بالمشاركة في معسكراتها الصيفية، في مسار عدّه تربويون وأولياء أمور ضغطاً مباشراً على الأسر والطلاب.

ووفق مصادر تربوية متطابقة، فإن إدارات المدارس تلقت تعليمات واضحة تقضي بعدم تسليم نتائج نهاية العام الماضي أو قبول تسجيل الطلاب للعام الجديد، إلا بعد تقديم ما يثبت مشاركة الطالب في تلك المعسكرات. هذه الإجراءات وضعت آلاف الأسر أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على حق أبنائهم في التعليم، والرضوخ لشروط لا تتصل بالعملية التعليمية.

ويشير عاملون في القطاع التربوي إلى أن هذا التوجه جاء في ظل تراجع إقبال الأسر على تسجيل أبنائهم في الأنشطة الصيفية؛ مما دفع بالجهات القائمة عليها إلى البحث عن وسائل بديلة لفرض المشاركة. ويؤكد هؤلاء أن المدارس باتت في موقف حرج، بين تنفيذ التعليمات المفروضة عليها، ومسؤوليتها تجاه الطلاب ومستقبلهم الدراسي.

أحد أولياء الأمور في محافظة إب قال إن إدارة المدرسة رفضت تسليم نتيجة نجله، وأبلغته بشكل غير مباشر ضرورة الالتحاق بالمركز الصيفي أولاً. وأضاف أن هذا الشرط لا يمكن قبوله؛ «لأنه يحول التعليم إلى أداة ضغط، بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً للجميع».

فتيات في صنعاء يجري تلقينهن أفكار الجماعة الحوثية (إعلام حوثي)

من جانبه، عبّر طالب في المرحلة الأساسية من محافظة ذمار عن قلقه من هذه الإجراءات، موضحاً أن اشتراط الحصول على شهادة مشاركة في المعسكرات الصيفية للتسجيل في العام المقبل يضعه أمام خيارين... «كلاهما صعب». وأكد أنه يخشى فقدان مستقبله الدراسي إذا لم يلتزم، رغم عدم رغبته في الانخراط بتلك الأنشطة.

ويكشف تربويون عن أن «بعض الطلاب تعرضوا لتهديدات غير مباشرة بالرسوب أو إسقاط أسمائهم من قوائم الناجحين، في مقابل تقديم وعود لآخرين متعثرين بالنجاح في حال مشاركتهم». ويرون أن «هذه الممارسات تضعف الثقة بالعملية التعليمية، وتحوّلها وسيلةً لتحقيق أهداف غير تربوية».

في المقابل، عبّر أولياء أمور عن رفضهم هذه السياسات، عادين أنها «تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الأطفال، وتدفع بهم إلى مسارات لا تخدم تعليمهم أو نموهم الطبيعي». وطالبوا بضرورة «تدخل الجهات المعنية والمنظمات الدولية لحماية حق الطلاب في التعليم بعيداً عن أي ضغوط أو اشتراطات».

آثار عميقة

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات الحوثية تحمل آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال؛ «إذ تضعهم تحت ضغط مستمر، وتزرع لديهم الخوف من فقدان مستقبلهم الدراسي. كما أنها تعكس توجهاً أوسع لاستغلال هشاشة قطاع التعليم في ظل الأوضاع الراهنة، واستقطاب النشء ضمن برامج ذات طابع تعبوي».

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد حملات استهداف طالت تربويين وأولياء أمور في عدد من المناطق، على خلفية رفضهم الانخراط في تلك الأنشطة. وشملت هذه الحملات حالات اعتقال واختطاف، من بينها توقيف مدير مدرسة في ذمار، إضافة إلى احتجاز معلمين وأولياء أمور في مناطق متفرقة من إب.

عامل يجهز مناهج حوثية تمهيداً لتوزيعها (إكس)

يأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع التعليم باليمن تحديات متراكمة، تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب المعلمين، وارتفاع معدلات التسرب من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن ملايين الأطفال لا يزالون خارج المدارس؛ مما يزيد من تعقيد المشهد التربوي ويهدد مستقبل جيل كامل.

ورغم هذه الظروف، فإن المنظمات الدولية تواصل تنفيذ برامج لدعم التعليم، من خلال إعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير مستلزمات دراسية، وتأهيل المعلمين. غير أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة على الأرض، في ظل استمرار الممارسات التي تقوض استقرار العملية التعليمية.


تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
TT

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

في ظل استمرار الصراع الذي فجَّره الحوثيون في اليمن، اتهمت تقارير حديثة الجماعة المدعومة من إيران بالتورُّط في أنشطة مرتبطة بالمخدرات، سواء عبر التهريب أو الترويج أو استخدام هذه المواد داخل صفوف مقاتليها، وذلك في سياق ما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»، حيث يلجأ الحوثيون إلى مصادر تمويل غير تقليدية لتعزيز نفوذهم واستمرار عملياتهم العسكرية.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة صادرة عن «مركز المخا للدراسات الاستراتيجية» عن تصاعد ملحوظ في نشاط تجارة المخدرات داخل مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، في تطوّر وصفته الدراسة بـ«التحول النوعي» الذي يعكس انتقال هذه التجارة من أنشطة تهريب محدودة إلى منظومة متكاملة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة.

وبحسب الدراسة، لم تعد تجارة المخدرات مجرد مصدر تمويل ثانوي، بل تحولت إلى رافد رئيس، ضمن ما يُعرف بـ«الاقتصاد الأسود»، الذي تعتمد عليه الجماعة لتعزيز مواردها المالية خارج الأطر الرسمية، في ظل تراجع الإيرادات التقليدية وتصاعد الضغوط الاقتصادية.

مخدرات ضُبطت خلال تهريبها عبر البحر الأحمر إلى الحوثيين (المقاومة الوطنية)

وشهدت مناطق سيطرة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، حيث انتقلت من كونها ممرات عبور لشحنات المخدرات إلى مراكز نشطة لإعادة التصنيع والخلط والتغليف، تمهيداً لإعادة التوزيع محليّاً وإقليمياً. ويُعزى هذا التحول إلى حالة الانفلات الأمني وضعف الرقابة، إضافة إلى استغلال البنية الجغرافية الوعرة التي تسهّل عمليات التهريب.

وكشفت الدراسة عن وجود شبكات منظمة تعمل بتنسيق عالٍ، مستفيدة من تداخل المصالح بين أطراف محلية وإقليمية؛ ما أسهم في توسيع نطاق هذه التجارة وتعقيد مسارات مكافحتها، مؤكدة أن حالة الانفلات الأمني وتراجع مؤسسات الدولة أسهما في خلق بيئة ملائمة لنمو هذا النشاط، خصوصاً في ظل سيطرة الجماعة على عدد من المنافذ الحيوية؛ ما أتاح توسيع نطاق العمليات المرتبطة بالاتجار غير المشروع.

نشاط ممنهج

وأوضحت الدراسة أن إدارة تجارة وتهريب المخدرات في مناطق السيطرة الحوثية تتم بسرية عالية، وتحت إشراف مباشر من قيادات الصف الأول؛ ما يعكس تحولها إلى نشاط منظّم ومركزي مرتبط ببنية القيادة العليا للجماعة ومصالحها الاستراتيجية، مشيرة إلى أن العائدات الناتجة عن تجارة المخدرات تُستخدم في دعم الأنشطة العسكرية، بما في ذلك تمويل العمليات وشراء الأسلحة، في إطار ما وصفه بـ«الاقتصاد الموازي» الذي تعمل من خلاله الجماعة خارج أي رقابة رسمية. ​

عناصر حوثيون في أحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

وترى الدراسة أن هذا النمط من التمويل يساهم في إطالة أمد الصراع، ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سياسية، نظراً لاعتماد بعض الأطراف على مصادر دخل غير مشروعة يصعب تفكيكها.

وفي جانب آخر، لفتت الدراسة إلى استخدام المخدرات وسيلة للتأثير على المقاتلين في صفوف الحوثيين، خصوصاً من فئة الشباب، من خلال تقليل مستوى الوعي وتعزيز قابلية الانقياد؛ ما يسهم في إحكام السيطرة داخل صفوف الجماعة.

تفكيك المجتمع

وحذرت الدراسة على الصعيد الاجتماعي، من تنامي معدلات تعاطي المخدرات، خصوصاً بين فئة الشباب بمناطق سيطرة الحوثيين، معتبرة أن انتشار هذه الظاهرة يشكل تهديداً مباشراً للنسيج المجتمعي. كما أشارت إلى استخدام المخدرات وسيلةً لتسهيل عمليات التجنيد، بما في ذلك استهداف القُصّر، من خلال تقليل الوعي وزيادة القابلية للانخراط في الأنشطة التعبوية والقتالية.

وأضافت أن هذا التوجه يمثل ما وصفته بـ«التفكيك الناعم» للمجتمع، حيث يتم إضعاف البنية الاجتماعية من الداخل، عبر نشر الإدمان وتآكل القيم؛ ما يفاقم من التحديات التي يواجهها اليمن على المدى الطويل.

وأكدت الدراسة أن نشاط تجارة المخدرات المرتبط بالحوثيين لا يقتصر على الداخل اليمني، بل يرتبط بشبكات تهريب عابرة للحدود؛ ما يضاعف من خطورته، ويجعله تهديداً للأمن الإقليمي.

جانب من عملية إتلاف مواد مخدرة ضُبطت سابقاً على الحدود اليمنية - السعودية (سبأ)

ودعت إلى ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها ملفاً استراتيجياً يتطلب تعزيز الجهود الأمنية والتعاون الإقليمي، إلى جانب إطلاق برامج توعية للحد من انتشار المخدرات وآثارها على المجتمع.

ويرى مراقبون أن استمرار تنامي تجارة المخدرات في مناطق سيطرة الحوثيين لا يهدد اليمن فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الإقليمي؛ ما يستدعي تحركاً عاجلاً ومنسقاً للحد من هذه الظاهرة التي باتت تمثل أحد أخطر تداعيات الحرب المستمرة في البلاد.

ويشير هؤلاء إلى أن تحول المخدرات إلى أداة تمويل رئيسة يعكس نمطاً متكرراً في مناطق النزاعات، حيث تلجأ الجماعات المسلحة كالحوثيين إلى أنشطة غير مشروعة لتعويض نقص الموارد؛ ما يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد الحرب وإطالة أمده.

كما يحذر المراقبون من أن تداعيات هذه الظاهرة لن تظل محصورة داخل اليمن، بل قد تمتد إلى دول الجوار، في ظل وجود شبكات تهريب عابرة للحدود؛ الأمر الذي يشكل تهديداً متزايداً للأمن الإقليمي، خصوصاً مع تزايد كميات المواد المخدرة المتداولة وتطور أساليب نقلها.


بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.