الحوثيون يقصفون الأحياء السكنية في «كريتر» بعدن.. وضحايا بالعشرات

«القاعدة» تسيطر على المكلا بحضرموت

مؤيدون لحركة الجنوبيين في اليمن يرفعون علمهم على دبابة وفي حالة تأهب لمواجهة الحوثيين جنوب عدن أمس (أ.ف.ب)
مؤيدون لحركة الجنوبيين في اليمن يرفعون علمهم على دبابة وفي حالة تأهب لمواجهة الحوثيين جنوب عدن أمس (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يقصفون الأحياء السكنية في «كريتر» بعدن.. وضحايا بالعشرات

مؤيدون لحركة الجنوبيين في اليمن يرفعون علمهم على دبابة وفي حالة تأهب لمواجهة الحوثيين جنوب عدن أمس (أ.ف.ب)
مؤيدون لحركة الجنوبيين في اليمن يرفعون علمهم على دبابة وفي حالة تأهب لمواجهة الحوثيين جنوب عدن أمس (أ.ف.ب)

واصلت قوات التحالف، أمس، ضرباتها التي تستهدف مواقع الحوثيين والقوات الموالية للرئيس السابق علي عبد الله صالح في صنعاء وغيرها من المحافظات، في وقت شهدت عدن مواجهات عنيفة، وبالأخص المدينة القديمة المعروفة باسم «كريتر»، في حين سيطر مسلحون يعتقد أنهم ينتمون لتنظيم القاعدة على مدينة المكلا، عاصمة محافظة حضرموت.
ففي صنعاء كانت ضربات طائرات عملية «عاصفة الحزم» محدودة، أمس، فقد تركزت الضربات على بعض المعسكرات في شمال صنعاء، فيما جرى تكثيف الضربات على محافظة صعدة، معقل الحوثيين، وعزا المراقبون محدودية الضربات، أمس، إلى موجة الغبار في سماء المنطقة، وذكرت المعلومات أن القصف طال، أيضا، معسكر في مديرية عبس التهامية التابعة إداريا لمحافظة حجة.
وكانت أبرز التطورات هي التي شهدها جنوب البلاد، حيث شهدت مدينة عدن، كبرى مدن الجنوب والعاصمة المؤقتة للبلاد، أمس، مواجهات عنيفة بين ميليشيا الحوثيين المسنودين بقوات نظامية موالية للرئيس السابق علي صالح، من جهة، ومسلحي المقاومة الشعبية، من جهة أخرى، وقالت مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط» إن حي كريتر في عدن القديمة، كان مسرحا لتلك المواجهات العنيفة، حيث حاول الحوثيون اقتحام الحي من أجل الوصول إلى قصر الرئاسة في منطقة «معاشيق» للاستيلاء عليه، وقال شهود عيان إن الحوثيين قصفوا منازل السكان في الحي الذي يعد من أكثر أحياء عدن كثافة في السكان، حيث يصل تعداد سكانه إلى أكثر من 60 ألف نسمة، وذكر مواطنون في كريتر، في اتصالات هاتفية مع «الشرق الأوسط» إن العديد ممن شاركوا مع الحوثيين في القتال «هم من المنتسبين لقوات الأمن الخاصة الموالية لصالح، الذين انتشروا في المدينة بملابس مدنية على أساس أنهم عمال بسطات وغيرها، ثم فجأة انقلبوا لقتال أبناء عدن وهم من أبناء المحافظات الشمالية.
بينما ذكرت المصادر الميدانية أن المقاومين من شباب عدن تمكنوا من صد هجوم الحوثيين بإمكانياتهم المحدودة، قالت جماعة الحوثي في اليمن، ليلة أمس، إن قوات الجيش والأمن واللجان الشعبية والميليشيا التابعة لها، تمكنت من السيطرة على معظم مديريات محافظة عدن الجنوبية، بعد نحو أسبوع من القتال، وقال مصدر عسكري عبر وكالة الأنباء اليمنية (سبأ) الخاضعة لسيطرة الحوثيين إن عناصرها أوقفوا ما وصفتها بـ«اعتداءات عناصر (داعش) الإرهابية، وميليشيا هادي التخريبية على المواطنين والممتلكات العامة والخاصة».
وأضاف المصدر أن قصر المعاشيق الرئاسي صار تحت أيادي الجيش واللجان الشعبية بعد طرد عناصر «القاعدة» وفلول هادي عقب سلسلة من الاشتباكات، وأن مديرية وقلعة صيره ومنزلي الهاربين علي محسن الأحمر، وعبد ربه منصور هادي، تم تطهيرهما واستعادة كميات كبيرة من الأسلحة والمعدات العسكرية التي نهبوها من المعسكرات، حسب المصدر، غير أنه لم يتسنَّ، إلى وقت متأخر من مساء أمس، التأكد من صحة هذه المعلومات من مصادر مستقلة.
ووجه سكان الحي، أمس، نداءات استغاثة لقوات التحالف بالتدخل السريع لوقف «الهجمة البربرية للحوثيين على عدن وحي كريتر تحديدا»، وأكد السكان أن استمرار القصف العشوائي للمنازل يهدد بسقوط عدد كبير من القتلى والجرحى، إضافة إلى الكارثة البيئية، وكانت المقاومة الشعبية، في عدن، تمكنت من صد ميليشيا الحوثيين أثناء مهاجمتها، أول من أمس، حي خور مكسر الراقي، ويحاول الحوثيون وقوات صالح السيطرة على عدن نظرا لأهميتها الاستراتيجية، ويقول مراقبون يمنيون لـ«الشرق الأوسط» إن «الميليشيا التي تقاتل في عدن لن تستطيع الصمود طويلا إذا لم تحصل على إمداد ودعم، لكن هذا الدعم لن يصل إلى تلك الميليشيات بسبب الضربات التي تستهدف القوات المهاجمة في شرق وشمال عدن والتي باتت مشتتة جراء غارات قوات التحالف».
على صعيد التطورات المتسارعة في جنوب اليمن، ذكرت مصادر محلية وشهود عيان في محافظة حضرموت أن مسلحين يعتقد أنهم ينتمون لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب، تمكنوا، أمس، من السيطرة على عاصمة المحافظة، مدينة المكلا، وقال مصدر محلي في محافظة حضرموت إن المدينة سقطت بيد تلك العناصر المسلحة التي هاجمت المكلا مع الساعات الأولى للصباح، واتجهت فورا للسيطرة على ديوان المحافظة وفرع البنك المركزي وإدارة الأمن وغيرها من المواقع الحكومية المهمة، وذكرت المصادر أن المسلحين اقتحموا السجن المركزي في حضرموت وأطلقوا سراح أكثر من 300 سجين، بينهم خالد باطرفي، أحد أبرز قادة «القاعدة» المعتقل منذ عدة سنوات بتهم تتعلق بتنفيذ سلسلة من العمليات الإرهابية، وأكدت مصادر يمنية في حضرموت أن مسلحي «القاعدة» نهبوا أموالا طائلة من فرع البنك المركزي.
وأفاد شهود عيان بمقتل عدد من الجنود على يد المسلحين الذين قاموا بإغلاق مدينة المكلا بصورة كاملة عبر الحواجز، وفي وقت لاحق أكدت مصادر محلية أن قوات الجيش في المنطقة العسكرية الثانية ومقرها المكلا والموالية للرئيس عبد ربه منصور هادي بدأت عملية عسكرية في محاولة لطرد المسلحين، وتمكنت من استعادة السيطرة على القصر الجمهوري في منطقة «فوة»، وأنها تستخدم الطائرات العمودية في هذه العملية، في حين أشارت المصادر إلى أن أعمدة الدخان شوهدت وهي ترتفع من ميناء المكلا على بحر العرب.
واتهم «الحراك الجنوبي» الرئيس السابق علي عبد الله صالح بتحريك «القاعدة» في حضرموت لخلط الأوراق، وقال بيان صادر عن «مجلس الحراك الثوري السلمي لتحرير واستقلال الجنوب» إن «الهدف مما حدث هو جر حضرموت إلى الفوضى، وفتح جبهة حرب جديدة لإرهاق المقاومة الجنوبية في حربها الشريفة والعادلة ضد الغزاة الجدد، يؤكد أن هذه العملية دبرت وخطط لها في صنعاء بين حليفي الحرب على الجنوب علي عبد الله صالح مجرم الحرب الأول، وعبد الملك الحوثي، بقصد خلط الأوراق وتعويض الخسائر الكبيرة التي منيت بها قواتهما الغازية في عدن ولحج والضالع وأبين، ويعلم القاصي والداني علاقات (عفاش) بجماعات القتل والسلب والنهب وقدراته على تحريكها متى شاء، مستغلا حماس بعض الشباب المنتسبين للجماعات الدينية والتغرير بهم عبر وسائل الخداع والمكر التي يستخدمها بعض الأمراء المتعاونين معه والمتصلين به وكل ذلك باسم الدين والدين منهم براء».
وأضاف بيان «الحراك الجنوبي» أن «هذه العملية في هذا التوقيت تدل بوضوح على أن الغزاة سيواصلون محاولاتهم لخلق الفوضى في كل محافظات الجنوب لإرباك المقاومة الجنوبية، والتقليل من الانتصارات التي تحققها عمليات حملة عاصفة الحزم، وسيعملون بكل روح انتقامية على تدمير الجنوب تدميرا كاملا، وهو ما يستوجب ويتطلب رفع حاسة اليقظة لدى شعب الجنوب في كل مدنه وقراه، وتعزيز اللحمة الوطنية الجنوبية وتعزيز المقاومة الجنوبية والانخراط فيها وبذل الغالي والنفيس من أجل انتصار الجنوب وطرد الاحتلال بكل أدواته القبيحة»، ودعا المجلس الأعلى للحراك بحضرموت إلى المشاركة في المسيرة التضامنية مع رجال المقاومة في محافظات الجنوب والمؤيدة لحملة عاصفة الحزم، التي ستنطلق من جسر الشهيدين بارجاش وبن همام بمدينة المكلا عصر اليوم (الجمعة) و«لتكن رسالة للغزاة أن حضرموت عصية على مخططاتكم ولا نامت أعين الجبناء».
وكانت السنوات الثلاث الماضية، شهدت نشاطا محموما لعناصر تنظيم القاعدة في حضرموت، حيث جرى اغتيال العشرات من الضباط في أجهزة الأمن والمخابرات، وكذا ضباط في القوات المسلحة والأمن والسطو على فروع البنوك المحلية وفروع البريد المركزي وشركات الصرافة.
من ناحية ثانية، احتل المسلحون الحوثيون في محافظة ذمار الواقعة إلى الجنوب من العاصمة صنعاء، أمس، منزل عبد العزيز جباري، عضو مجلس النواب (البرلمان)، رئيس التكتل الوطني للإنقاذ الذي شكل أخيرا كأكبر تكتل سياسي في البلاد، وقالت مصادر في ذمار إن المسلحين الحوثيين اقتحموا المنزل واعتقلوا اثنين من أبناء جباري وطردوا عائلته واحتلوا المنزل. واعتبر التكتل، في بيان أصدره بهذا الخصوص : «مثل هذه الأفعال الرعناء تعبر عن قصر نظر وضيق أفق لدى هذه الميليشيا التي لا تقيم أي اعتبار لقيم وأخلاق وعادات وأعراف وتقاليد المجتمع اليمني»، ودعا التكتل «قيادة الميليشيات المسلحة إلى الأخذ على يد صبيانها وكف أذاهم عن اليمنيين، فالوطن لا يحتمل المزيد من الحماقات، كما يطالبها بالإفراج عن نجليه والانسحاب الفوري من المنزل»، وحمل «التكتل السلطة المحلية بمحافظة ذمار مسؤولية الأذى الذي لحق بالأسرة جراء هذا السلوك الهمجي وغير المسؤول الذي اعتادت عليه هذه الميليشيا المسلحة»، وجاءت هذه الخطوة من قبل الحوثيين بعد أقل من 24 ساعة على إصدار التكتل بيانا، نشرت «الشرق الأوسط» أمس مقتطفات منه، حمل فيه الحوثيين مسؤولية ما وصلت إليه البلاد.



إصلاح الطرق يُنعش الاقتصاد الريفي في اليمن

مشروعات الطرق في اليمن وفّرت أكثر من 10 آلاف فرصة عمل (الأمم المتحدة)
مشروعات الطرق في اليمن وفّرت أكثر من 10 آلاف فرصة عمل (الأمم المتحدة)
TT

إصلاح الطرق يُنعش الاقتصاد الريفي في اليمن

مشروعات الطرق في اليمن وفّرت أكثر من 10 آلاف فرصة عمل (الأمم المتحدة)
مشروعات الطرق في اليمن وفّرت أكثر من 10 آلاف فرصة عمل (الأمم المتحدة)

في بلدٍ أنهكته سنوات الحرب وتتابع الكوارث الطبيعية والانهيارات الاقتصادية، تبرز مشاريع البنية التحتية بوصفها واحدة من أكثر الأدوات فاعلية في دعم قدرة المجتمعات على الصمود، ليس فقط من خلال إصلاح ما دمرته الأزمات، بل عبر إعادة وصل السكان بالخدمات والأسواق ومصادر الدخل.

في هذا السياق، يقدم المشروع الطارئ لتحسين طرق الربط الحيوي في اليمن نموذجاً عملياً لكيفية تحول الطرق الريفية من ممرات معزولة وموسمية إلى شرايين حياة تنقل الناس والسلع والخدمات، وتعيد تنشيط الاقتصاد المحلي في مناطق ظلت لسنوات رهينة العزلة وصعوبة الوصول.

ووفق بيانات أممية، نجح المشروع الذي ينفذه مكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع بتمويل من البنك الدولي في إعادة تأهيل 153 كيلومتراً من الطرق الريفية، مما أتاح لأكثر من 1.5 مليون شخص الوصول بصورة أكثر انتظاماً إلى الأسواق والمدارس والمرافق الصحية، والحصول على الخدمات الأساسية رغم التحديات المناخية القاسية التي تشمل الفيضانات والانهيارات الأرضية والسيول الموسمية التي كانت تعزل قرى ومناطق واسعة عن محيطها لأيام وربما أسابيع.

إصلاح أكثر من 150 كيلومتراً من الطرقات في اليمن (الأمم المتحدة)

ولا تتوقف أهمية هذا المشروع عند إعادة تأهيل البنية التحتية المادية، بل تمتد إلى إعادة صياغة الحياة اليومية في المجتمعات الريفية. ففي محافظتي إب وتعز، لم تعد الطرق تُجرف بالكامل مع كل موسم أمطار كما كان يحدث سابقاً، ولم يعد الوصول إلى المستشفيات أو مراكز الرعاية الصحية رحلة شاقة تستغرق أياماً بسبب انقطاع المسارات وارتفاع منسوب السيول.

هذا التحول انعكس بصورة مباشرة على حياة السكان، خصوصاً النساء والأطفال وكبار السن، الذين كانوا الأكثر تأثراً بعزلة المناطق الريفية. كما بات بإمكان الطلاب الوصول إلى مدارسهم بصورة أكثر انتظاماً، وهو ما يمنح العملية التعليمية قدراً أكبر من الاستقرار في بيئة تعاني أصلاً من تحديات مركَّبة تشمل الفقر والنزوح وتراجع الخدمات العامة.

دفعة قوية

على المستوى الاقتصادي، شكَّلت الطرق المؤهلة حديثاً عنصراً حاسماً في تنشيط الحركة التجارية، لا سيما في المناطق الزراعية التي يعتمد سكانها على بيع منتجاتهم في الأسواق المحلية والإقليمية. فقبل هذه الإصلاحات، كانت وعورة الطرق أو انقطاعها خلال مواسم الأمطار تؤدي إلى تلف جزء كبير من المحاصيل الزراعية قبل وصولها إلى الأسواق، مما يضاعف خسائر المزارعين ويقلل من عوائدهم.

وحسب البيانات الأممية، فقد أصبح بمقدور المنتجين نقل محاصيلهم بسرعة أكبر وتكلفة أقل وكفاءة أعلى، بما يحافظ على جودة المنتجات ويزيد من فرص تسويقها بأسعار أفضل. وهذا التحسن لا يدعم دخل الأسر الزراعية فقط، بل يسهم أيضاً في تعزيز الأمن الغذائي عبر استقرار تدفق السلع الزراعية إلى الأسواق وتقليل فجوات العرض التي كانت تتسبب في ارتفاع الأسعار أو شح بعض المنتجات.

وتشير المعطيات إلى أن كل كيلومتر من الطرق التي أُعيد تأهيلها أسهم في تحريك النشاط الاقتصادي في محيطه، سواء عبر زيادة حركة النقل، أو تنشيط التجارة المحلية، أو تسهيل وصول التجار والموردين إلى مناطق كانت في السابق شبه معزولة اقتصادياً.

مشروع الطرق في اليمن ساعد على سرعة الوصول إلى المستشفيات (المتحدة)

إلى جانب الأثر الخدمي والاقتصادي، وفَّر المشروع مكاسب مباشرة لسوق العمل المحلية. فقد أسهم في توفير نحو 80 ألف يوم عمل، إلى جانب آلاف فرص العمل غير المباشرة خارج مواقع التنفيذ، كما أتاح وظائف لأكثر من 10700 يمني، بينهم نساء وأسر تعاني من انعدام الأمن الغذائي، وهو ما وفر مصدر دخل بالغ الأهمية لشرائح اجتماعية شديدة الهشاشة.

وفي إطار دعم الاقتصاد المحلي، شمل المشروع تدريب 42 مقاولاً محلياً، بينهم سبع شركات مقاولات مملوكة لنساء، مع منحهم فرصاً للمشاركة في تنفيذ أعمال الصيانة والتأهيل. ولم يقتصر الدعم على العقود التشغيلية، بل شمل أيضاً تطوير المهارات في مجالات إدارة المشاريع، وسلامة الطرق، والمعايير البيئية، بما يعزز جاهزية الكفاءات المحلية للمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار المستقبلية.

كما عززت العقود الممنوحة للشركات المحلية من شعور المجتمع بالملكية والمسؤولية تجاه هذه المشاريع، ووفرت قاعدة تشغيلية يمكن البناء عليها في مرحلة ما بعد الصراع، حيث يصبح القطاع الخاص المحلي شريكاً رئيسياً في التنمية وإعادة البناء.

تمويل إنساني صاعد

بالتوازي مع هذه المشاريع التنموية، أظهرت بيانات الأمم المتحدة تحسناً نسبياً في وتيرة تمويل خطة الاستجابة الإنسانية في اليمن خلال العام الجاري، في مؤشر يعكس تنامي إدراك المجتمع الدولي لحجم الاحتياجات الإنسانية والتنموية في البلاد.

ووفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، بلغ إجمالي التمويل المستلم لخطة الاستجابة حتى أبريل (نيسان) 2026 نحو 264.3 مليون دولار، بزيادة قدرها 61.4 مليون دولار مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي، أي بارتفاع نسبته 30.3 في المائة. كما ارتفع إجمالي التمويل المخصص لليمن داخل الخطة وخارجها إلى 293 مليون دولار، مقارنةً بـ228.9 مليون دولار في الفترة المقابلة من 2025.

مع تحسن الطرق باتت المنتجات تُنقل إلى الأسواق بسهولة (الأمم المتحدة)

وارتفعت نسبة تمويل الخطة إلى 12.2 في المائة، مقابل 8.2 في المائة فقط في الفترة نفسها من العام الماضي، وهي زيادة تعكس تحسناً في حجم التعهدات والصرف، وإن كانت لا تزال أقل بكثير من حجم الاحتياجات الفعلية.

وتصدرت المفوضية الأوروبية قائمة المانحين بقيمة 73.4 مليون دولار، تلتها بريطانيا بـ37.9 مليون دولار، ثم ألمانيا بـ23.4 مليون دولار، واليابان بـ19.6 مليون دولار، وكندا بـ16.2 مليون دولار، مما يشير إلى استمرار الحضور الدولي في دعم اليمن، سواء عبر التدخلات الإنسانية المباشرة أو عبر المشاريع التنموية التي تركز على بناء الصمود.


اليمن يصعّد ملاحقة شبكات تهريب المهاجرين الأفارقة

مهربو البشر قاوموا اقتحام القوات في سواحل مديرية أحور (إعلام محلي)
مهربو البشر قاوموا اقتحام القوات في سواحل مديرية أحور (إعلام محلي)
TT

اليمن يصعّد ملاحقة شبكات تهريب المهاجرين الأفارقة

مهربو البشر قاوموا اقتحام القوات في سواحل مديرية أحور (إعلام محلي)
مهربو البشر قاوموا اقتحام القوات في سواحل مديرية أحور (إعلام محلي)

في ظل تصاعد تدفقات الهجرة غير الشرعية إلى السواحل اليمنية منذ مطلع العام الحالي، صعّدت السلطات اليمنية من عملياتها الأمنية ضد شبكات تهريب المهاجرين، ونفذت حملة مداهمات واسعة استهدفت أوكاراً تستخدمها تلك الشبكات في محافظة أبين، لاحتجاز المهاجرين وتعذيبهم، في تحرك يعكس تنامي القلق الرسمي من تحول بعض المناطق الساحلية إلى ممرات مفتوحة لأنشطة التهريب والاتجار بالبشر.

وقالت مصادر أمنية في محافظة أبين (شرق عدن)، إن قوة مشتركة من الأمن العام والقوات الخاصة والأمن الوطني، نفذت، بتوجيهات من السلطة المحلية، عمليات مداهمة استهدفت مواقع في مديرية أحور الساحلية، تُستخدم من قبل مهربين لإيواء مهاجرين غير شرعيين، قبل نقلهم عبر مسارات غير قانونية نحو مناطق داخلية، أو إلى وجهات حدودية.

وذكرت السلطات أن القوة الأمنية واجهت مقاومة مسلحة من المهربين أثناء تنفيذ الحملة، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات انتهت بالسيطرة على المواقع المستهدفة، واعتقال عدد من المتورطين في عمليات الاحتجاز والتعذيب، إلى جانب ضبط أسلحة ومعدات كانت تستخدم في إدارة هذه الأنشطة غير القانونية، فضلاً عن إحراق مواقع اتُّخذت مراكز احتجاز مؤقتة للمهاجرين.

المهاجرون الأفارقة إلى اليمن يتعرضون لأشكال متعددة من الانتهاكات (إعلام محلي)

وبحسب مسؤولين محليين، تأتي هذه العمليات ضمن خطة أمنية أوسع تهدف إلى تفكيك شبكات التهريب المنظمة التي تنشط على امتداد السواحل الجنوبية والشرقية، مستفيدة من اتساع الشريط الساحلي وصعوبة مراقبته بصورة كاملة، إلى جانب هشاشة الأوضاع الأمنية التي أفرزتها سنوات الحرب.

وأكدت السلطة المحلية في مديرية أحور، أن الحملة لن تكون إجراءً عابراً؛ بل بداية لسلسلة عمليات متواصلة لتعقب المتورطين، وملاحقة الشبكات التي تدير عمليات تهريب البشر، وتستخدم وسائل عنيفة بحق المهاجرين؛ من بينها الاحتجاز القسري والتعذيب والابتزاز المالي، وصولاً إلى استغلال بعضهم في أنشطة غير مشروعة.

ورغم عدم إعلان السلطات الحصيلة النهائية للموقوفين، تحدثت مصادر محلية عن ضبط عدد من العناصر المتورطة، في حين تمكن آخرون من الفرار إلى مناطق وعرة، ما دفع الأجهزة الأمنية إلى توسيع نطاق التحري والملاحقة، مع تشديد الرقابة على المنافذ الساحلية التي تنطلق منها قوارب التهريب.

40 ألف مهاجر

تأتي هذه التطورات في وقت تظهر فيه بيانات رسمية استمرار التدفق الكبير للمهاجرين من القرن الأفريقي إلى اليمن؛ إذ وصل نحو 40 ألف مهاجر منذ بداية العام الحالي، غالبيتهم الساحقة من الجنسية الإثيوبية، فيما سجلت الأيام الماضية وحدها، وصول أكثر من 200 مهاجر إلى سواحل محافظة شبوة ضمن موجات متواصلة.

وتشير هذه الأرقام إلى أن اليمن، رغم الحرب والانهيار الاقتصادي والأوضاع الإنسانية المعقدة، ما زال يمثل محطة رئيسية على طريق الهجرة المختلطة من القرن الأفريقي نحو دول الخليج، سواء باعتباره نقطة عبور أو وجهة مؤقتة للباحثين عن فرص اقتصادية أفضل.

تدمير مواقع تستخدم لاحتجاز وتعذيب المهاجرين غير الشرعيين (إعلام محلي)

لكن هذا المسار تحول، وفق تقارير حقوقية، إلى واحد من أخطر طرق الهجرة غير النظامية في المنطقة، حيث يتعرض القادمون عبره إلى سلسلة واسعة من الانتهاكات تبدأ منذ لحظة وصولهم إلى الشواطئ اليمنية، مروراً بعمليات احتجاز وتعذيب وابتزاز، ولا تنتهي عند الاستغلال في أعمال قسرية أو أنشطة مرتبطة بالجريمة المنظمة.

وتحمل تلك التقارير شبكات التهريب المسؤولية عن النسبة الأكبر من الانتهاكات بحق المهاجرين، يليها تأثير أطراف النزاع، إلى جانب ظروف الحرب التي جعلت كثيراً من المناطق خارج الرقابة القانونية الفاعلة، وهو ما أتاح لتلك الشبكات توسيع نفوذها وتحويل معاناة المهاجرين إلى تجارة مربحة تدر ملايين الدولارات سنوياً.

طريق محفوف بالموت

يرى مراقبون أن تشديد الإجراءات الأمنية في بعض السواحل الجنوبية باليمن، دفع شبكات التهريب إلى تحويل نشاطها تدريجياً نحو السواحل الشرقية، ما خلق مسارات جديدة أقل رقابة، لكنها أكثر خطورة من حيث الانتهاكات، في ظل ضعف الحماية القانونية وغياب التنسيق الإقليمي الكافي لمواجهة الظاهرة.

ووفقاً لتقديرات حكومية، يشكل الإثيوبيون نحو 89 في المائة من إجمالي المهاجرين الوافدين إلى اليمن سنوياً، مقابل 11 في المائة من الصوماليين، فيما تم تسجيل أكثر من 600 حالة وفاة منذ عام 2024 وحتى الآن، سواء بسبب الغرق أو العنف أو الظروف القاسية التي يواجهها المهاجرون خلال رحلتهم.

كما حذرت تقارير إنسانية من أن تراجع التمويل الدولي للمساعدات المخصصة للمهاجرين زاد من هشاشتهم، ودفع كثيرين، خصوصاً النساء والفتيات، إلى الوقوع ضحايا للاستغلال الجنسي والعمل القسري مقابل الغذاء أو المأوى أو وعود بإكمال الرحلة.

وفي مواجهة هذا الواقع، تؤكد المنظمة الدولية للهجرة أن عشرات الآلاف يواصلون سنوياً مغادرة القرن الأفريقي باتجاه اليمن مدفوعين بالفقر والنزاعات وانعدام الفرص، غير أن كثيراً منهم يجد نفسه في دائرة الاستغلال والعنف، بدلاً من الوصول إلى الأمان الذي سعوا إليه، ما يجعل مكافحة شبكات التهريب وحماية الضحايا تحدياً إنسانياً وأمنياً متصاعداً يتجاوز حدود اليمن إلى الإقليم بأسره.


«تشاوري عربي - أوروبي» بحثاً عن «توافق أكبر» حول أزمات المنطقة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
TT

«تشاوري عربي - أوروبي» بحثاً عن «توافق أكبر» حول أزمات المنطقة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)

استضافت قبرص، الجمعة، اجتماعاً «عربياً - أوروبياً» تشاورياً، وسط توترات تشهدها المنطقة، ومخاوف من تجدد الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة التي تسببت في أزمة اقتصادية عالمية منذ اندلاعها نهاية فبراير (شباط) الماضي، وهدأت مع هدنة بدأت في الثامن من أبريل (نيسان) الحالي.

ويُعدّ هذا الاجتماع العربي - الأوروبي «جديداً من نوعه، فرضته تطورات المنطقة بحثاً عن توافق أكبر ضد أزمات المنطقة بين دول متضررة وذات تأثير»، وفق سفير مصر الأسبق لدى الاتحاد الأوروبي، رؤوف سعد، في حديثه لـ«الشرق الأوسط».

وحسب «الرئاسة المصرية»، فقد شارك في الاجتماع الذي انعقد في العاصمة القبرصية نيقوسيا، عدد من قادة الدول العربية، وقادة دول الاتحاد الأوروبي، ورئيس المجلس الأوروبي، ورئيسة المفوضية الأوروبية.

وأوضح المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، السفير محمد الشناوي، أن الاجتماع شهد تباحثاً بين زعماء الدول العربية والأوروبية، ومسؤولي الاتحاد الأوروبي حول المستجدات والتطورات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وسبل خفض التصعيد الراهن، واستعادة السلم والاستقرار الإقليميين والدوليين.

الرئيس المصري ونظيره الفرنسي خلال المشاركة في القمة العربية - الأوروبية (الرئاسة المصرية)

ويرى رؤوف سعد، أن هذا الاجتماع التشاوري بين قادة عدد من الدول العربية ودول ومؤسسة الاتحاد الأوروبي «يُعد تجمعاً جديداً من نوعه، يهدف بشكل أساسي إلى حماية مصالح الأطراف كافّة، سواء الأوروبية أو العربية أو منطقة الشرق الأوسط ككل، في ظل التطورات الجيوسياسية الراهنة».

وأوضح سعد أن هذا الاجتماع «تفرضه تداعيات مستمرة، وحالة من الحذر والتخوف الشديد من اتساع نطاق الحرب»، مؤكداً أن «الحرب في غزة، وما تبعها من تصعيد في إيران، وسعت نطاق الأخطار لتتجاوز المنطقة، وتؤثر على العالم أجمع».

توافق أكبر

يرى سعد أن الهدف من هذا التجمع «هو الوصول إلى توافق مشترك أكبر لمواجهة أزمات المنطقة، وكيفية اتخاذ جهود مشتركة لتنسيق المواقف في هذا التوقيت الخطير، الذي قد يشهد تجدد الحرب، مما يصعب السيطرة على آثارها إن لم يتم وقف الحرب».

وأوضح سعد أن قبرص، التي استضافت الاجتماع رغم صغر حجمها الجغرافي، تؤدي دوراً يتجاوز هذا الحجم بفضل تاريخ علاقاتها مع الشرق الأوسط، وانخراطها في التجمع المعني بالغاز في شرق المتوسط، مما يجعلها مدخلاً مهماً للمصالح المشتركة وتعزيز التشاور.

وأبرز الشناوي أن السيسي شدد في كلمته على أن «الأزمات التي تشهدها منطقتنا لا تقف عند حدودها، بل تمتد تداعياتها لتطول الجميع، وفي المقدمة القارة الأوروبية التي تُعدّ من أكثر الأطراف تأثراً بهذه التطورات».

كما أوضح أن ثوابت الموقف المصري «واضحة لا لبس فيها، وفي مقدمتها التأكيد أن المسار السياسي يظل السبيل الوحيد المقبول للخروج من الوضع الراهن، وتحقيق الاستقرار المستدام»، مشدداً على ضرورة الالتزام التام بحرية الملاحة، وأهمية تأمين الممرات الملاحية الدولية، بوصفها قاعدة راسخة ومستقرة في القانون الدولي.

وخلال الاجتماع أكد السيسي أنه «يتعين أن تتسم أي اتفاقيات يتم التوصل إليها بالإنصاف والتوازن، وأن تراعي شواغل كل طرف، وبصفة خاصة الطرف العربي، وهذا ينسحب على الملف الإيراني والملفَين السوري واللبناني». وشدد على «الأهمية البالغة أن يهتم أي اتفاق يتعلق بإيران بالشواغل الأمنية لدول الخليج العربي».

كما لفت السيسي إلى أهمية عدم السماح لأي طرف باستغلال الظرف الإقليمي والإقدام على إجراءات تقوّض أفق السلام، والتعايش بين الشعبَين الفلسطيني والإسرائيلي على أساس حل الدولتَين. وطالب الاتحاد الأوروبي ودوله بمواصلة دعم القضية الفلسطينية، وعدم السماح بتراجعها على سلم الأولويات.

دعم أوروبي منتظر

يأتي الاجتماع التشاوري وسط أزمة اقتصادية عالمية تتأثر بها مصر، وكانت القاهرة قد دعت الاتحاد الأوروبي في مارس (آذار) الماضي خلال ذروة حرب إيران، إلى سرعة صرف شريحة دعم مالي بقيمة 4 مليارات يورو، أقرها البرلمان الأوروبي قبل عام.

تأكيدات مصرية على ضرورة مراعاة أي اتفاقيات بين واشنطن وطهران الشواغل العربية (الرئاسة المصرية)

واتخذت مصر بعد حرب إيران قرارات اقتصادية، غلب عليها التقشف، مع زيادة في أسعار الوقود والمواصلات والقطارات والمترو الرئيسي في البلاد.

وشدد السفير رؤوف سعد على أن الاتحاد الأوروبي تربطه بالشرق الأوسط سياسة الجوار التي تمثّل معياراً استراتيجياً أساسياً، حيث يربطهما البحر المتوسط، مما يجعل المشكلات قابلة للتبادل والتأثير المتبادل، مبرزاً أن ما يحدث في المنطقة يؤثر مباشرة على الأمن والاقتصاد هناك، خصوصاً مع الخوف الأوروبي الشديد من خروج الأمور عن السيطرة بسبب غلق مضيق هرمز.

ولفت سعد إلى أن دولاً كبرى، مثل بريطانيا وألمانيا، غير راضية عن الحرب التي يرى معظم الخبراء والدول أنها كانت بلا داعٍ، وأن الولايات المتحدة دفعت إليها لخدمة أجندة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، متوقعاً أن يكون هناك دعم أوروبي لمصر والدول العربية.