حشود ضخمة تطالب بعودة الحكم المدني في السودان

مقتل اثنين من المحتجين بالرصاص في موكب أم درمان

جانب من المظاهرات في الخرطوم أمس (إ.ب.أ)
جانب من المظاهرات في الخرطوم أمس (إ.ب.أ)
TT

حشود ضخمة تطالب بعودة الحكم المدني في السودان

جانب من المظاهرات في الخرطوم أمس (إ.ب.أ)
جانب من المظاهرات في الخرطوم أمس (إ.ب.أ)

تدفقت حشود ضخمة من السودانيين، أمس، في العاصمة الخرطوم ومدن أخرى في أنحاء البلاد المختلفة، رفضاً لـ«الحكم العسكري» بعدما استولى الفريق عبد الفتاح البرهان على السلطة يوم الاثنين الماضي، وحلّ مجلسي السيادة والوزراء، وأعلن حالة الطوارئ في البلاد.
وطالب المحتجون، الذين دعاهم تحالف «الحرية والتغيير» و«تجمع المهنيين» إلى الخروج للشوارع، بعودة الحكومة المدنية برئاسة عبد الله حمدوك، محذرين من أنهم سيواصلون عصيانهم المدني وتصعيد حملات احتجاجاتهم «المليونية» إلى أن يتراجع البرهان عن جميع القرارات الاستثنائية التي فرضها مؤخراً.
وخرجت الحشود، أمس، من كل الأصقاع للتنديد بالانقلاب العسكري الذي نفّذه قائد الجيش ضد الحكومة المدنية في 25 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، واعتقل وزراء وأعضاء في مجلس السيادة وقادة تنفيذيين وسياسيين. وغطت الحشود البشرية مساحات تعد بعشرات الكيلومترات، من السلاسل البشرية الممتدة طوال شوارع العاصمة الخرطوم، وهم يهتفون بمدنية الحكم وبرحيل العسكريين، واستعادة حكومة حمدوك، وإطلاق سراح القادة الدستوريين والسياسيين من المعتقلات، والعودة للحياة المدنية كاملة دون نقصان.

- رصاص في الشوارع
ولقي شخصان من المحتجين السلميين مصرعهما برصاص العسكر في الاحتجاجات المليونية التي شهدتها البلاد أمس، رغم أن وزراء حكومة قوى إعلان الحرية والتغيير طلبوا من القوات النظامية عدم الاعتداء على المحتجين السلميين، وعدم المشاركة في مخططات «الانقلابيين» باستخدام القوة المفرطة والعنف في تفريق المتظاهرين.
وقالت لجنة الأطباء المركزية – جهة طبية معروفة – إن شخصين من المحتجين السلميين لقيا مصرعهما برصاص مَن أطلقت عليهم «ميليشيات المجلس العسكري الانقلابي»، بإصابات مباشرة في الرأس والبطن. وتابعت اللجنة، في بيان رسمي صادر عنها: «ارتقى شهيدان الآن إلى مراقي المجد في منطقة أم درمان، برصاص ميليشيات المجلس العسكري الانقلابي، بطلق ناري بالرأس وآخر بالبطن».
ووجّه وزراء الحكومة الانتقالية التابعون لتحالف قوى إعلان الحرية والتغيير، رسالة للقوات المسلحة السودانية والأجهزة الأمنية، طالبتهم فيها بعدم الاستجابة لتعليمات وأوامر قيادات «تحمي مصالحها الشخصية، لا مصلحة الوطن الذي خرقوا شرعيته الدستورية»، وتابعت، في بيان حصلت عليه «الشرق الأوسط»: «ندعوكم لعدم المشاركة في مخططات الانقلاب بالتعدي واستخدام القوة المفرطة والعنف في تفريق المتظاهرين السلميين».
وناشد الوزراء شباب الثورة بقولهم: «أثبتم وعيكم وجسارتكم وصمودكم، وحرصكم على السلمية شعاراً وفعلاً، رغم كثرة الاستفزازات والعنف الأقصى الذي مارسه النظام البائد لقمعكم، فأذهلتم العالم كله وتمسكتم بهذا الوعي وتلك السلمية، حتى مواكب الأسبوع الماضي في مواجهة السلطة الانقلابية وعنفها». وتابع البيان: «لا تسمحوا لمندس ولا مخططات تخريبية أن تجركم نحو العنف، احرصوا على السلمية، وتأمين صفوفكم من الاختراق».

- تمسك بالسلمية
ووجّه الوزراء رسالة لمن أطلقوا عليهم «كل مندس» بين صفوف الثوار، يسعى لجرف الثورة نحو العنف، ويخرب شعار السلمية، بأنه لا مكان له بين الثوار، وتابعوا: «انقسم السودان كما قال رئيس الوزراء عبد الله حمدوك إلى فسطاطين، فسطاط الانقلابيين والشموليين، وفسطاط الديمقراطيين والسلميين، وإن محاولتكم لن تنجح، وسوف تتم محاسبتكم جنائياً ووطنياً».
والاثنين 25 أكتوبر الجاري، فاجأ قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان السودانيين، بإعلانه الاستيلاء على السلطة، وإعلان حالة الطوارئ، وتعليق نصوص الشراكة في الوثيقة الدستورية، ونصوص لجنة التحقيق في مجزرة فض اعتصام القيادة العامة في 3 يونيو (حزيران) 2019، التي راح ضحيتها مئات القتلى والجرحى، وشهدت حالات عنف واغتصاب طالت المعتصمين السلميين الذين لجأوا للجيش من أجل الحماية.
ويتهم الثوار السودانيون الجيش وقوات الدعم السريع وفلول الإسلاميين، بارتكاب المجزرة البشعة بحق المحتجين السلميين، فيما اعترفت قيادات المجلس العسكري الانتقالي الذي كان يحكم وقتها بارتكاب الجريمة النكراء، حين قال عضو المجلس شمس الدين كباشي، في مؤتمر صحافي شهير: «فضينا الاعتصام وحدث ما حدث». بيد أن الأطراف السودانيين نصوا في الوثيقة الدستورية والمادة 16 منها على تكوين لجنة تحقيق مستقلة للكشف عن تفاصيل الجريمة الكبيرة، وتقديم المتهمين للمحاكمات، لكن قائد الجيش ألغى تلك المادة ضمن الإجراءات التي أعلنها يوم الاثنين الماضي.

- شعارات المحتجين
دعت لجان المقاومة وتجمع المهنيين السودانيين وتحالف قوى الحرية والتغيير، وتنظيمات مهنية مستقلة، السودانيين لتنظيم موكب مضاد للانقلاب العسكري الذي نفذه البرهان، فاستجاب الملايين من مؤيدي الدولة المدنية والمطالبين بالديمقراطية وحكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، استجابة فاقت كل التوقعات.
وتقدر أعداد الذين خرجوا تأييداً للمدنية بملايين السودانيين، في ومدن السودان المختلفة، ورفعوا شعارات مثل «لا تفاوض مع الانقلابيين»، و«العصيان المدني من أجل إفشال المخطط الانقلابي للبرهان وحميدتي»، و«الميليشيات والجيش إلى ثكناتهم»، و«العصيان المدني الشامل في كل مدن وأحياء السودان»، وردد المحتجون هتافات: «حكم العسكر ما بتشكر، قسما قسما لن ننهار طريق الثورة هدى الأحرار»، وغيرها من هتافات، بما في ذلك هتافهم الشهير «مدنيااااااااو»، ويعني المطالبة بحكومة مدنية.
وقال محمد حامد وهو شاب في العشرينات لـ«الشرق الأوسط»: «لن نسمح بحكم العسكر مهما كان الثمن»، وأضاف: «استشهد رفاقنا من أجل المدنية، ولن نتخلى عن دمائهم»، فيما قالت الشابة ندى إبراهيم: «صنعنا الثورة ولن نتركها للبرهان وحميدتي، نستشهد من أجل المدنية والانتقال الديمقراطي». كما قال عمر وهو صحافي: «بصدورنا العارية سنهزم العسكر، وقد قطعنا على أنفسنا عهداً أن السودان لن يحكمه العسكر أبداً»، وتابع: «مواكب اليوم تؤكد أن العسكر لن يحكموا السودان بعد الآن».

- الخرطوم ثكنة عسكرية
وتخللت المواكب زغاريد النساء، وأهازيج الثورة، وعاد الهتاف القديم «تسقط بس» إلى الأصداء، بعد أن كان شعار ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2019 الأثير، الذي ردده المحتجون حتى حوّلوه إلى حقيقة، وأسقطوا حكم الرئيس المعزول عمر البشير ومؤيديه من الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني، وميليشياته مما يعرف بـ«كتائب الظل»، ولم يكتفوا بذلك بل أسقطوا حكومة نائبه وقائد الجيش عوض بن عوف بعد يومين من استيلائه على السلطة. وفي الأثناء ظل وسط العاصمة الخرطوم الذي لم يتجه نحوه المحتجون خالياً من الناس والزحام، بل تحول إلى ثكنة عسكرية تسيطر عليها مئات السيارات العسكرية والعربات المدرعة، والجنود من الجيش والدعم السريع والشرطة.
وفي 17 أغسطس (آب) 2019، أفلحت وساطة أفريقية، في إقناع المدنيين في تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير والعسكريين الممثلين في المجلس العسكري الانتقالي، على توقيع «الوثيقة الدستورية» الحاكمة للفترة الانتقالية، وبموجبها تم تكوين مجلس سيادة من ستة مدنيين وخمسة عسكريين، ومجلس وزراء يشكله المدنيون.
ونصت الوثيقة الدستورية على تقاسم رئاسة مجلس السيادة بين المدنيين والعسكريين، على أن يتولى العسكريون الذين اختاروا قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، الفترة الأولى من عمر الفترة الانتقالية المقدرة بـ39 شهراً، وأن يتولى المدنيون رئاسة الفترة الثانية ابتداءً من منتصف شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
وبحلول موعد انتقال السلطة للمدنيين، سارع البرهان إلى تنفيذ انقلابه على الحكومة المدنية، بيد أنه لم يفلح في تشكيل حكومة حتى الآن، وظل يحكم منذ الاثنين الماضي باسم قائد الجيش، دون شرعية دستورية بعد أن ألغى كل النصوص التي تتحدث عن شركاء الانتقال، لكن السودانيين سارعوا إلى الشوارع بالملايين لقطع الطريق على الانقلاب، وتصدت لهم القوات العسكرية بعنف مفرط، وقتلت منهم بدم بارد حتى الآن 13 شهيداً، ووقع عشرات الجرحى والمصابين، واعتقلت المئات من القادة السياسيين والميدانيين.

- عودة «الإخوان» إلى المشهد
في غضون ذلك، حذّر قياديون في المجلس المركزي لقوى «الحرية والتغيير» في السودان من أن أنصار نظام البشير من تنظيم «الإخوان المسلمين» بدأوا يظهرون على سطح المشهد السياسي داعمين لـ«انقلاب» الفريق عبد الفتاح البرهان. وقالوا إن عدداً من عناصر تنظيمات البشير من «الإسلاميين» كانوا قد تواروا عن المشهد منذ الإطاحة بالبشير في أبريل (نيسان) 2019، خرجوا الآن إلى العلن مساندين تولي الجيش السلطة، خصوصاً قراره بإلغاء لجنة «تفكيك التمكين» التي كانت الحكومة المدنية قد أنشأتها لتصفية نظام البشير وأنصاره وتجريدهم من الثروات التي حصلوا عليها بطرق غير قانونية، إبان الثلاثين عاماً من حكم البشير، وكذلك سيطرتهم على غالبية المناصب الحيوية في الخدمة المدنية ومواقع أخرى.
واتهم القياديون في «الحرية والتغيير»، الذين طلبوا عدم كشف أسمائهم لأسباب أمنية، البرهان باللجوء إلى «جماعة البشير» لحاجته إلى حاضنة مدنية تسير له مؤسسات الدولة، في ظل تخلي غالبية الأحزاب السياسية عن دعم تسلمه للسلطة وفضه للشراكة مع تحالف «الحرية والتغيير» الذي تنضوي تحت لوائه هذه الأحزاب.



الحوثيون يعلنون الطوارئ تحسباً لهجوم أميركي على إيران

عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يعلنون الطوارئ تحسباً لهجوم أميركي على إيران

عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)

في خطوة تعكس تصاعد القلق داخل أوساط الجماعة الحوثية من احتمال هجوم أميركي على إيران قد يتسع ليشمل أذرع طهران في المنطقة، أعلنت السلطات التابعة للجماعة في صنعاء رفع مستوى الطوارئ والاستعداد لمواجهة أي تطورات عسكرية محتملة، بالتزامن مع تصعيد خطاب التعبئة الدينية والدعوة إلى «الجهاد»، حيث لا يستبعد مراقبون أن تنخرط الجماعة في الصراع إلى جانب إيران.

وجاء الإعلان الحوثي عقب اجتماع نادر للجنة الطوارئ التابعة للحكومة غير المعترف بها دولياً، برئاسة القائم بأعمال رئيسها محمد مفتاح، حيث ناقش المجتمعون - وفق وسائل إعلام الجماعة - إجراءات رفع الجاهزية على المستويين المركزي والمحلي، وتعزيز قدرات المؤسسات المعنية بالتعامل مع الحالات الطارئة، خصوصاً الدفاع المدني والقطاعات الخدمية.

ويرى محللون يمنيون أن توقيت الاجتماع يعكس مخاوف الحوثيين من احتمال تعرضهم لتداعيات أي ضربات عسكرية قد تستهدف إيران، في ظل ارتباط الجماعة السياسي والعسكري بما يُعرف بمحور «الممانعة»، وهو ما قد يجعل مناطق سيطرتهم جزءاً من مسرح ردود الفعل الإقليمية.

وحسب المصادر الحوثية، ناقشت لجنة الطوارئ آليات تعزيز الاستجابة السريعة للأزمات، بما يشمل رفع جاهزية فرق الإنقاذ والإغاثة وتقوية البنية التشغيلية لقطاع الطوارئ، الذي يضم عدداً من الوزارات والمؤسسات المرتبطة بالأمن والخدمات.

اجتماع نادر للجنة الطوارئ في حكومة الحوثيين الانقلابية (إعلام محلي)

وأكد محمد مفتاح خلال الاجتماع أن «الوضع الاستثنائي» يتطلب استمرار الاستعداد الكامل، داعياً إلى دعم مصلحة الدفاع المدني بالكوادر والمعدات اللازمة، بما يمكّنها من الحد من الخسائر البشرية والمادية في حال وقوع هجمات أو تطورات عسكرية مفاجئة.

ويشير مراقبون إلى أن الإعلان عن اجتماعات لجنة الطوارئ يُعد أمراً غير معتاد، إذ غالباً ما تبقى تحركاتها بعيدة عن الإعلام، ما يعزز فرضية أن الجماعة تتوقع سيناريوهات تصعيد تتجاوز الإطار المحلي اليمني.

كما انتقد المسؤول الحوثي الحشود العسكرية الأميركية في المنطقة، ورأى أنها تمثل تهديداً لاستقرار دول الشرق الأوسط، ومتهماً واشنطن بالسعي إلى فرض الهيمنة على مقدرات المنطقة، وهو خطاب يتكرر في بيانات الجماعة بالتوازي مع كل توتر إقليمي.

احتواء الضغوط

وتزامنت إجراءات الطوارئ الحوثية مع تصعيد ملحوظ في الخطاب التعبوي، حيث كثّفت الجماعة الفعاليات الجماهيرية والمسيرات المناهضة للسياسات الأميركية والإسرائيلية، إضافة إلى توسيع حملات التجنيد، خصوصاً في أوساط الطلاب والشباب.

ويرى سياسيون يمنيون أن هذا التصعيد يأتي أيضاً في سياق محاولة احتواء حالة الاحتقان الشعبي الكبيرة نتيجة الأزمة الاقتصادية الحادة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات، واتساع رقعة الفقر، فضلاً عن مواجهات قبلية متفرقة في عدد من المحافظات.

تعسف الحوثيين ضد الوكالات الإغاثية حرم ملايين اليمنيين من الحصول على المساعدات (أ.ف.ب)

وحسب هؤلاء، فإن ربط الوضع المحلي بالصراع الإقليمي يمنح الجماعة فرصة لإعادة توجيه الرأي العام نحو «الخطر الخارجي»، بما يسهم في تخفيف الضغط الداخلي المتصاعد.

وفي السياق ذاته، نظمت الجماعة عروضاً عسكرية في عدد من المدن الخاضعة لسيطرتها، في استعراض للقوة العسكرية ورسائل ردع داخلية وخارجية، بينما عدّ مراقبون أن هذه التحركات تهدف أيضاً إلى ترسيخ حالة التعبئة النفسية لدى السكان.

وفي موقف أكثر وضوحاً، أصدرت رابطة رجال الدين التابعة للحوثيين بياناً دعت فيه إلى رفع مستوى التعبئة والاستعداد القتالي، مطالبة السكان بالالتزام بتوجيهات زعيم الجماعة، ومؤكدة ضرورة «النفير الواسع» لمواجهة ما وصفته بالتهديدات الأميركية والإسرائيلية.

كما أدانت الرابطة الضربات الإسرائيلية ضد مواقع مرتبطة بــ«حزب الله» في لبنان، وعدّت التهديدات الموجهة لإيران دليلاً على اتساع المواجهة، داعية إلى ما سمته «وحدة الساحات»، وهو مفهوم سياسي تتبناه القوى المتحالفة مع طهران في المنطقة.

وشدد البيان على أن «الجهاد ووحدة الصف» يمثلان السبيل الوحيد لمواجهة التحديات الراهنة، داعياً إلى مقاطعة المنتجات الأميركية والإسرائيلية وتحريض السكان على التعبئة العامة.

تصعيد ميداني

وبالتوازي مع هذه التحركات السياسية والتعبوية الحوثية، شهدت جبهات الساحل الغربي اليمني تصعيداً عسكرياً لافتاً، إذ أفادت مصادر عسكرية بسقوط قتلى وجرحى في صفوف القوات المشتركة (الحكومية) إثر هجوم حوثي واسع استهدف مواقع في مديرية حيس جنوب محافظة الحديدة.

تجنيد مستمر ضمن حملات التعبئة الحوثية (إعلام محلي)

ووفق المصادر، أسفر الهجوم عن مقتل ستة عسكريين وإصابة نحو ثلاثة عشر آخرين، بعد معارك دارت في مناطق خط حيس - الجراحي وجبال ذو بأس شمال المدينة، في محاولة للسيطرة على مواقع استراتيجية.

ويشير مراقبون إلى أن مدينة حيس تمثل موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية، كونها تربط بين الساحل والمرتفعات الداخلية المؤدية إلى محافظتي تعز وإب، إضافة إلى كونها بوابة جنوبية رئيسية لمحافظة الحديدة المطلة على البحر الأحمر.

ويرى محللون أن التصعيد الحوثي الميداني بالتزامن مع إعلان الطوارئ يعكس استراتيجية مزدوجة للجماعة، تجمع بين الاستعداد لأي تصعيد خارجي وتعزيز مواقعها الميدانية داخلياً.


حراك حكومي واسع في عدن لتعزيز الخدمات وبناء المؤسسات

نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
TT

حراك حكومي واسع في عدن لتعزيز الخدمات وبناء المؤسسات

نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)

مع عودة الحكومة اليمنية إلى العاصمة المؤقتة عدن وعقد أول اجتماعاتها من الداخل، بدأت مؤسسات الدولة مرحلة من الحراك التنفيذي المكثف، عكستها اجتماعات موسعة وتحركات متزامنة لعدد من الوزارات، في مؤشر على توجه حكومي لإعادة تنشيط العمل المؤسسي وتعزيز حضور الدولة في مختلف القطاعات الخدمية والتنموية.

وفي حين يشدد رئيس الوزراء شائع الزنداني على العمل من الداخل وتقليص مهام سفر الوزراء إلى الخارج، تسعى الحكومة، وفق مسؤولين، إلى تحويل عودتها الميدانية إلى نقطة انطلاق لمرحلة إصلاح إداري واقتصادي تستند إلى رفع كفاءة الأداء، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات، وتفعيل الحوكمة والرقابة، بما يسهم في تحسين الخدمات العامة وتثبيت الاستقرار في المناطق المحررة.

في هذا السياق، عقد وزير الدفاع، الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً موسعاً في عدن ضم مساعدي الوزير ورؤساء الهيئات العسكرية، بحضور نائب رئيس هيئة الأركان، اللواء الركن أحمد البصر؛ لمناقشة أولويات المرحلة المقبلة داخل المؤسسة العسكرية.

وأكد العقيلي أهمية تعزيز التنسيق والتكامل بين مختلف الهيئات العسكرية بما يحقق الانسجام في تنفيذ المهام الوطنية، مشدداً على ضرورة إجراء تقييم شامل لأداء المرحلة الماضية، ومراجعة الإنجازات والتحديات؛ بهدف تصحيح الاختلالات وتعزيز كفاءة العمل المؤسسي.

وزير الدفاع اليمني طاهر العقيلي يترأس اجتماعاً للقادة في عدن (سبأ)

وأشار إلى «أهمية تفعيل آليات الرقابة وترسيخ قيم الشفافية والنزاهة والانضباط، بوصفها ركائز أساسية لإعادة بناء مؤسسة عسكرية حديثة قادرة على مواكبة متطلبات المرحلة الراهنة».

كما شدد وزير الدفاع اليمني على المضي في تطبيق الحوكمة الإلكترونية وتطوير الأنظمة الإدارية، في خطوة تهدف إلى «تحديث بنية العمل المؤسسي وتقليل البيروقراطية»، مثمناً في الوقت ذاته دعم «تحالف دعم الشرعية» بقيادة المملكة العربية السعودية، وما يقدمه من إسناد مستمر للمؤسسة العسكرية اليمنية.

واستمع الوزير خلال الاجتماع، وفق الإعلام الرسمي، إلى تقارير تفصيلية من رؤساء الهيئات بشأن سير تنفيذ الخطط العسكرية والصعوبات التي تواجه الأداء، في إطار توجه حكومي لإرساء ثقافة التقييم الدوري والمساءلة المؤسسية.

صدارة الأولويات

بالتوازي مع التحركات العسكرية، ركزت وزارة الإدارة المحلية على إعادة تفعيل دور السلطات المحلية بوصفها محركاً أساسياً للتنمية الاقتصادية والخدمية.

وأكد وزير الإدارة المحلية، المهندس بدر باسلمة، خلال اجتماع ضم قيادات الوزارة، أهمية إجراء تقييم شامل لأداء السلطات المحلية في المحافظات؛ «بهدف تحديد مكامن الضعف وتعزيز نقاط القوة، بما يضمن تنفيذ برامج تنموية واستثمارية أعلى فاعلية».

وأوضح باسلمة أن المرحلة الحالية تتطلب تمكين السلطات المحلية اقتصادياً وتنموياً، وتعزيز التنسيق مع المنظمات الدولية والقطاع الخاص لدعم المشروعات الخدمية والتنموية، مشيراً إلى أن «منح صلاحيات أوسع للوحدات الإدارية الكفؤ يمثل خطوة أساسية نحو ترسيخ الحكم الرشيد».

وزير الإدارة المحلية اليمنية بدر باسلمة خلال اجتماع في عدن (سبأ)

وشدد الوزير على أن تعزيز اللامركزية المالية والإدارية «سيمكن السلطات المحلية من قيادة التنمية المستدامة بكفاءة أكبر، بما يسهم في تحسين مستوى الخدمات وتخفيف الأعباء عن الحكومة المركزية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس تحولاً تدريجياً نحو نموذج إداري أعلى مرونة، يمنح المحافظات دوراً أوسع في إدارة مواردها وتحقيق التنمية المحلية.

وفي قطاع التعليم، عقد وزير التعليم العالي والبحث العلمي، الدكتور أمين القدسي، سلسلة لقاءات منفصلة مع قيادات الجامعات الحكومية والأهلية، بينها جامعة عدن، والجامعة الألمانية الدولية، وجامعة العلوم والتكنولوجيا، إضافة إلى مجلس الاعتماد الأكاديمي وضمان جودة التعليم العالي.

ونوقشت في اللقاءات آلياتُ «تطوير الأداء المؤسسي للجامعات وتعزيز جودة العملية التعليمية، مع التركيز على تطبيق معايير أكاديمية حديثة تسهم في تحسين مخرجات التعليم ومواءمتها مع احتياجات سوق العمل ومتطلبات التنمية».

رهان على تنشيط قطاعات الثقافة والسياحة في اليمن بقيادة الوزير مطيع دماج (سبأ)

وأكد القدسي أن الوزارة تتحمل مسؤولية وطنية في رسم السياسات المنظمة لقطاع التعليم العالي، مشدداً على ضرورة تعزيز العمل التكاملي بين الجامعات والجهات الرقابية لمعالجة أوجه القصور وتجاوز التحديات التي فرضتها سنوات الحرب.

كما استعرضت الاجتماعات مستوى تنفيذ البرامج الأكاديمية والتحديات التي واجهت المؤسسات التعليمية، والجهود المبذولة للحفاظ على استقرار العملية التعليمية رغم الظروف الاقتصادية والأمنية المعقدة.

تحريك القطاعات الخدمية

وفي إطار الحراك الحكومي الأوسع، ترأس وزير الثقافة والسياحة، مطيع دماج، اجتماعاً لقيادات الوزارة لمناقشة إعداد استراتيجية ثقافية وسياحية جديدة، مع التركيز على إعادة تنظيم صناديق التنمية الثقافية والترويج السياحي، وتوجيه مواردها نحو تنشيط الفعاليات الثقافية وجذب الاستثمار السياحي.

ووجّه الوزير بإعداد دليل للفرص السياحية في اليمن بهدف استقطاب المستثمرين، إلى جانب وضع تصور متكامل لإدارة المواقع السياحية في سقطرى وعدن وحضرموت، وحصر المنشآت السياحية المملوكة للدولة تمهيداً لإعادة تأهيلها.

جانب من اجتماع ترأسه وزير النقل في الحكومة اليمنية محسن حيدرة (سبأ)

وفي قطاع النقل، عقد الوزير محسن حيدرة اجتماعاً موسعاً ناقش تطوير أداء الهيئات والمؤسسات التابعة للوزارة، مؤكداً أن خدمات النقل تمثل شرياناً أساسياً للاقتصاد الوطني وحياة المواطنين اليومية.

وشدد حيدرة على «ضرورة استكمال خطط تطوير القطاع وفق مصفوفة إجراءات واضحة، مع التزام تطبيق القوانين وبسط سيادة الدولة في المنافذ والموانئ، ومعالجة الاختلالات القائمة، بما يعزز التعافي الاقتصادي واستدامة الخدمات».

أما على صعيد الشباب والرياضة، فقد ناقش الوزير نايف البكري، مع مدير مكتب المبعوث الأممي إلى اليمن ألبرت سكوت، جهود الحكومة لتعزيز الاستقرار في عدن والمحافظات المحررة، مؤكداً التزام الحكومة مواصلة الإصلاحات وتقريب مؤسسات الدولة من المواطنين.

ودعا البكري المجتمع الدولي إلى تقديم دعم أكبر لجهود الإصلاح والاستقرار، مشيداً بدعم «تحالف دعم الشرعية» وجهود الأمم المتحدة في الدفع نحو عملية السلام، فيما أكد المسؤول الأممي وجود مؤشرات إيجابية في أداء الحكومة خلال المدة الأخيرة.


مجلس القيادة الرئاسي يحذر من التفريط بفرصة الحوار الجنوبي «التاريخية»

رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال اجتماعهم الأخير (سبأ)
رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال اجتماعهم الأخير (سبأ)
TT

مجلس القيادة الرئاسي يحذر من التفريط بفرصة الحوار الجنوبي «التاريخية»

رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال اجتماعهم الأخير (سبأ)
رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال اجتماعهم الأخير (سبأ)

في وقت جدّد فيه التزام الدولة بالتصدي الحازم لأي محاولات تستهدف تعطيل مؤسساتها الوطنية، كشف مجلس القيادة الرئاسي اليمني عن فتح تحقيق شامل في الأحداث الأخيرة بعدن، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في التحريض عليها أو تمويلها.

رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال اجتماعهم الأخير (سبأ)

جاء ذلك خلال اجتماع عقده المجلس برئاسة الرئيس الدكتور رشاد العليمي، وعضوية سلطان العرادة، وعبد الرحمن المحرمي، وعبد الله العليمي، وسالم الخنبشي، وبمشاركة طارق صالح ومحمود الصبيحي عبر الاتصال المرئي. وحذّر المجلس من التفريط بفرصة الحوار الجنوبي «التاريخية» تحت ضغط الشعارات أو الحسابات الضيقة.

واستعرض الاجتماع تطورات الأوضاع في العاصمة المؤقتة عدن، على خلفية الأحداث التي شهدتها المدينة، ومحاولات الاعتداء على مؤسسات الدولة وتعطيل أعمالها، واستخدام الشارع وسيلة ضغط لتحقيق أهداف سياسية «غير مشروعة»، وفق ما أوردته وكالة الأنباء الرسمية (سبأ).

وكانت قوات «درع الوطن»، وألوية «العمالقة» عززّت انتشارها في محيط المجمع الرئاسي بمدينة عدن، حيث رصدت «الشرق الأوسط» انتشار وحدات عسكرية إضافية في الطرق المؤدية إلى المنطقة التي تضم مقر إقامة مجلس القيادة الرئاسي ورئيس الوزراء، إضافة إلى عدد من المؤسسات السيادية والخدمية؛ بينها البنك المركزي، ومكتب الجوازات، ومصلحة الأحوال المدنية.

وأكد المجلس عزمه الرد بحزم على أي مساعٍ لتعطيل مؤسسات الدولة، والعمل على فتح تحقيق شامل في هذه الأحداث، ومساءلة كل من يثبت ضلوعه في التحريض أو التمويل، مشيداً في الوقت ذاته بـ«اليقظة العالية» للقوات المسلحة والأجهزة الأمنية في حماية المدنيين والممتلكات العامة والخاصة، وصون السلم الأهلي.

وعبّر مجلس القيادة عن تقديره لموافقة المملكة العربية السعودية على استضافة مؤتمر الحوار الجنوبي، معتبراً ذلك «مستوى متقدماً وغير مسبوق» في مقاربة القضية الجنوبية، بوصفها قضية عادلة ذات أبعاد تاريخية واجتماعية، تتطلب معالجة منصفة ضمن إطار الدولة ومرجعياتها الضامنة.

قوات درع الوطن تمركزت إلى جانب قوات الأمن في مداخل عدن (إعلام محلي)

وفي السياق نفسه، شدد المجلس على ضرورة عدم التفريط في هذه الفرصة تحت ضغط الشعارات أو الحسابات الضيقة، داعياً إلى حماية المكاسب المتحققة أمنياً وخدمياً واقتصادياً، واستلهام العبر من «المغامرات الطائشة» لميليشيات الحوثي التي عزلت أكثر من 20 مليون يمني، وحرمتهم من الرواتب وفرص العيش الكريم.

وجدد المجتمعون إشادتهم بالدعم السعودي «السخي» للنهوض بأوضاع المحافظات المحررة، مؤكدين اعتزازهم بالشراكة الاستراتيجية مع المملكة، وخصوصية العلاقات الراسخة القائمة على الجوار والمصير المشترك والأمن المتبادل، ومهنئين قيادتها بمناسبة يوم التأسيس وما حققته من تحولات تنموية شاملة.

كما أكد المجلس دعمه الكامل للحكومة وتمكينها من ممارسة صلاحياتها الدستورية، والمضي في تنفيذ خطة التعافي وبرنامج الإصلاحات الشاملة، بما يشمل الإسراع في إعداد مشروع الموازنة العامة، وتعزيز الإيرادات، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة، وتنفيذ مشاريع خدمية ذات أثر مباشر في حياة المواطنين.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محمود الصبيحي إلى جوار رئيس الحكومة الزنداني في عدن (إكس)

وتطرق الاجتماع إلى مستجدات التطورات الإقليمية في ظل استمرار ما وصفه بـ«تعنت» النظام الإيراني وميليشياته في اليمن والمنطقة إزاء المساعي الرامية إلى خفض التصعيد، وانعكاسات ذلك على الأمنين الوطني والإقليمي، مؤكداً جاهزية الدولة لردع أي تهديدات محتملة بالتنسيق الوثيق مع تحالف دعم الشرعية والمجتمع الدولي.