أجواء الجدل سيطرت على احتفالات تركيا بالذكرى 98 لتأسيس الجمهورية

غياب سفراء الدول العشر ومنع الإعلام المعارض لإردوغان وتجاهل أتاتورك

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (أ.ف.ب)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (أ.ف.ب)
TT

أجواء الجدل سيطرت على احتفالات تركيا بالذكرى 98 لتأسيس الجمهورية

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (أ.ف.ب)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (أ.ف.ب)

أحاطت أجواء الجدل باحتفالات تركيا بذكرى تأسيس الجمهورية التي توافق الثلاثين من أكتوبر (تشرين الأول) والتي شهدت عدم توجيه الدعوة إلى سفراء 10 دول غربية، بينها أميركا، بسبب الأزمة التي نتجت عن إصدارهم بياناً مشتركاً طالبوا فيه أنقرة بالامتثال لقرارات محكمة حقوق الإنسان الأوروبية بالإفراج عن الناشط في مجال الحقوق المدنية عثمان كافالا المحتجز بتهم تتعلق بالتجسس ودعم محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في 15 يوليو (تموز) 2016.
كما واجهت حكومة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان انتقادات حادة بسبب وضع قائمة بأسماء وسائل الإعلام المسموح لها بحضور مراسم إحياء الذكرى 98 لتأسيس الجمهورية، والتي خلت من الصحف والقنوات غير الموالية له. في الوقت الذي أثار فيه تجنب رئيس هيئة الشؤون الدينية علي أرباش ذكر اسم مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك في خطبة الجمعة أول من أمس جدلاً واسعاً وعرضه لهجوم وانتقادات.
وأقيمت الاحتفالات ومراسم تقديم التهاني لإردوغان بذكرى تأسيس الجمهورية في القصر الرئاسي بأنقرة، أول من أمس، بمشاركة أعضاء الحكومة ونواب في البرلمان ومسؤولين رفيعي المستوى وممثلين عن دوائر الأعمال ودبلوماسيين، ولم يتم توجيه دعوات لحضور المراسم إلى سفراء كل من الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا والدنمارك والنرويج وهولندا والسويد وفنلندا وكندا ونيوزيلندا، الذين سبق وهدد إردوغان الأسبوع الماضي بإعلانهم أشخاصاً غير مرغوب فيهم، بعد البيان المشترك الذي أصدروه في 18 أكتوبر، وطالبوا فيه بالإفراج عن كافالا معتبرين أن استمرار حبسه احتياطياً لأربع سنوات وتغيير الاتهامات الموجهة إليه بعد تبرئته من اتهامات، معتبرين أن اعتقاله يلقي بظلال على احترام الديمقراطية وسيادة القانون في تركيا.
وتسببت دائرة الاتصال برئاسة الجمهورية في أزمة أخرى، حيث وضعت، في ممارسة غير مسبوقة، قائمة بأسماء الصحف والقنوات المسموح لها بحضور مراسم أحياء ذكرى تأسيس الجمهورية، بدءاً من المراسم الرسمية في قبر أتاتورك حيث لم يسمح لممثلي أي صحيفة أو قناة تنتقد إردوغان بالمشاركة في تغطية الاحتفالات.
من جانبه، هاجم إردوغان المعارضة التركية، خلال افتتاحه ليل الجمعة - السبت، «مركز أتاتورك الثقافي» بمدينة إسطنبول بعد إعادة بنائه، في إطار الاحتفالات، قائلاً في كلمة خلال الافتتاح، إن حكومته تعمل منذ سنوات لإعادة بناء مركز أتاتورك الثقافي الذي أنشئ قبل 75 عاماً، ويعتبر واحداً من رموز مدينة إسطنبول، إلا أنها واجهت العراقيل في كل خطوة تتخذها بسبب الحملات التي أطلقتها المعارضة قبل سنوات من أجل عدم هدم المبنى القديم المهترئ، رغم إعلان الحكومة أنها ستبني مركزاً ثقافياً جديداً أجمل وأحدث.
وأضاف أن حكومته تخطت جميع العراقيل المصطنعة ووضعت حجر الأساس لمركز أتاتورك الثقافي الجديد في نهاية المطاف عام 2019. لافتاً إلى أن المساحة الإجمالية للمركز تبلغ 95 ألف متر مربع، وتم تشييده خلال فترة قياسية تبلغ عامين ونصف العام فقط.
في المقابل، هنأ رئيس حزب الشعب الجمهوري، كمال كليتشدار أوغلو، وهو الحزب الذي أسسه مصطفى كمال أتاتورك مؤسس الجمهورية التركية، الشعب التركي بمناسبة الذكرى 98 لإعلان الجمهورية، مشدداً على ضرورة أن تسير الدولة بالمبادئ التي أرساها أتاتورك.
وقال كليتشدار في بيان نشره عبر حسابه الرسمي على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»: «أؤكد ضرورة أن تتبع الدولة، التي تمر بأزمات اقتصادية وسياسية، مبادئ أتاتورك، حيث بنى الدولة لمن ليس لهم أحد»، مؤكداً أن أول هدف لحزبه هو التغلب على الشتاء القارس باحتضان الشعب حتى لا يترك أي شخص في العراء، وتتويج الجمهورية بالديمقراطية.
وأقيمت الاحتفالات وسط أجواء سياسية ساخنة، حيت تطالب المعارضة بانتخابات مبكرة والعودة إلى النظام البرلماني بديلاً عن النظام الرئاسي الذي أقر في استفتاء شعبي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017. وبدأ العمل به في 2918. والذي تقول المعارضة إنه تسبب في أزمات سياسية واقتصادية كبرى للبلاد بسبب تركيز جميع السلطات في يد الرئيس وحوله إلى ديكتاتور، بينما يسعى إردوغان إلى إقرار دستور جديد لتعزيز النظام الرئاسي وإطالة فترة بقائه في السلطة.
إلى ذلك شنت صحف وقنوات معارضة، أمس السبت، هجوماً على هيئة الشؤون الدينية برئاسة، علي أرباش، لتجنبه ذكر أتاتورك، في خطبة الجمعة أول من أمس تزامناً مع احتفالات ذكرى تأسيس الجمهورية، ولفتت إلى أن الشؤون الدينية أحيت «عيد الجمهورية» وأهمية هذا اليوم في 3 عبارات فقط، غير أنها تجاهلت ذكر أتاتورك، إضافة إلى عدم حضور أرباش مراسم حفل التهنئة الرسمية بالقصر الرئاسي.
على صعيد آخر، طالب رئيس الوزراء اليوناني، كيرياكوس ميتسوتاكيس، الاتحاد الأوروبي باتخاذ إجراءات صارمة تجاه تركيا، لافتاً إلى أن بلاده ترغب في الاتفاق مع تركيا على ترسيم مناطقهما الاقتصادية في شرق البحر المتوسط، وحث الجانب التركي على خفض التوترات التي تعرقل علاقات أنقرة مع التكتل.
وقال ميتسوتاكيس، خلال مؤتمر صحافي مشترك، مساء أول من أمس، مع المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، التي قامت بزيارة وداعية لأثينا: «يبدو أن الاعتدال الغربي يشجع السلوك التعسفي لتركيا». وأشار إلى أن بلاده تريد علاقات جيدة مع الجيران على أساس القانون الدولي لكنها لن تتسامح مع تحديات تواجه حقوقها السيادية».
وأضاف ميتسوتاكيس، رداً على دعوة ميركل للحوار مع تركيا، قائلاً إن «بابي مفتوح دائماً، لكن هذا الحوار يستلزم مسبقاً خفض أي توترات غير ضرورية... نؤيد الحوار، لكنْ للصبر حدود، لا سيما أن تركيا تتجاوز الحدود على نحو متكرر وترفض التخلي عن عنجهيتها».
وأشارت ميركل إلى ضرورة التعاون مع تركيا على الأقل فيما يتعلق بمكافحة الهجرة غير الشرعية، مؤكدة ضرورة الإبقاء على الحوار، حتى لو استغرق وقتاً أطول في بعض الأحيان.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...