اتفاقات أميركا وروسيا وتركيا شمال سوريا... كتبها دبلوماسيون و«يفسرها» العسكر

أنقرة تصعّد ضد حلفاء واشنطن شرق الفرات وحلب... وموسكو وطهران تدخلان على الخط

قوات روسية وأميركية وسورية في ريف القامشلي شمال شرقي سوريا في فبراير 2020 (أ.ب)
قوات روسية وأميركية وسورية في ريف القامشلي شمال شرقي سوريا في فبراير 2020 (أ.ب)
TT

اتفاقات أميركا وروسيا وتركيا شمال سوريا... كتبها دبلوماسيون و«يفسرها» العسكر

قوات روسية وأميركية وسورية في ريف القامشلي شمال شرقي سوريا في فبراير 2020 (أ.ب)
قوات روسية وأميركية وسورية في ريف القامشلي شمال شرقي سوريا في فبراير 2020 (أ.ب)

يكرر مسؤولون أتراك وروس وأميركيون ضرورة «الالتزام الكامل بـ(الاتفاقات) إزاء الترتيبات العسكرية في شمال سوريا، بجناحيها الغربي والشرقي، التي ولدت من رحم العمليات العسكرية خلال السنوات الماضية، إلى أن استقرت البلاد على شكل مناطق نفوذ ثلاث، تشرف عليها جيوش الدول الثلاث مع شركاء أو حلفاء سوريين».
لكن، أي اتفاقات تقصد واشنطن وأنقرة وموسكو؟ وهل تملك الأطراف الثلاثة التفسير ذاته لهذه الاتفاقات؟ وهل هناك فرق بين «تفسير» العسكر لاتفاقات كتبها دبلوماسيون بإشراف القادة السياسيين؟

- من آستانة إلى إدلب
تعود اتفاقات الرئيسين فلاديمير بوتين ورجب طيب إردوغان الخاصة بإدلب إلى «مذكرة خفض التصعيد» التي وقّعت في آستانة، بمشاركة «الضامنين» الثلاثة، روسيا وإيران وتركيا، في 4 مايو (أيار) 2017. يومها اتفقت الدول الثلاث على وثيقة نصت على عناصر عدة، بينها «التزامهم المتين بسيادة واستقلالية ووحدة وتكامل الأراضي السورية» بموجب القرار الدولي 2254، ثم الاتفاق على مناطق «خفض التصعيد»، حيث كانت وقتذاك أربعة جيوب تسيطر عليها المعارضة قرب دمشق وحمص ودرعا وإدلب، باعتبارها «إجراء مؤقتاً لستة أشهر»، مع استمرار «العمل ضد (داعش) و(جبهة النصرة) و(فتح الشام) (التي تغير اسمها إلى «هيئة تحرير الشام»)، وكافة الأفراد والمجموعات والمتعهدين والكيانات المرتبطة بـ(القاعدة) أو (داعش)، كما تمّ تحديده بواسطة مجلس الأمن».
واتفق «ضامنو» آستانة في 17 سبتمبر (أيلول) 2018، على مذكرة سوتشي الخاصة بإدلب، التي تضمنت «إقامة منطقة منزوعة السلاح بعمق 15 - 20 كيلومتراً» و«إبعاد جميع الجماعات الإرهابية المتطرفة عن المنطقة منزوعة السلاح، بحلول 15 أكتوبر (تشرين الأول)»، إضافة إلى نشر مراقبين عسكريين ونقاط مراقبة، شكلت الأساس لدخول آلاف العناصر والآليات التابعة للجيش التركي وتنظيمات إيران ومراقبين روس.
كما تضمن هذا الاتفاق «سحب جميع الدبابات وقاذفات الصواريخ والمدفعية ومدافع الهاون من داخل المنطقة منزوعة السلاح بحلول 10 أكتوبر 2018»، و«استعادة حركة الترانزيت عبر طريقي حلب - اللاذقية وحلب - حماة»، و«اتخاذ إجراءات فاعلة لضمان نظام مستدام لوقف النار»، إضافة إلى «تعزيز مهام مركز التنسيق الإيراني - الروسي - التركي المشترك».

- نقاط مراقبة... دون رقابة
وبالفعل، تشكلت نقاط مراقبة وتم فتح طريق حماة - حلب، لكن بقي قسم كبير من الاتفاق دون تنفيذ. وفي بداية 2020، بدأت قوات الحكومة السورية بدعم روسي عملية عسكرية في إدلب وسيطرت على مناطق واسعة أدت إلى نزوح عشرات آلاف المدنيين. وألقت تركيا بوزنها العسكري، وكاد يحصل صدام دموي مع روسيا وسوريا هناك. وفي 5 مارس (آذار) 2020، اتفق بوتين وإردوغان، بعد لقاء مطول في موسكو، على اتفاق جديد خاص بإدلب، فيه ملحق لاتفاق سوتشي، ونص على وقف العمليات القتالية و«إنشاء ممر آمن عرضه 6 كلم شمال و6 كلم جنوب طريق حلب - اللاذقية»، و«بدء الدوريات الروسية التركية المشتركة يوم 15 مارس 2020 على طول طريق حلب - اللاذقية».
وجرى تسيير بعض الدوريات المشتركة، لكن لم يتم فتح الطريق السريعة ولم تنسحب دمشق إلى ما وراء خطوط اتفاق خفض التصعيد. وبقيت خطوط التماس ثابتة 18 شهراً، حتى سبتمبر الماضي، إلى أن بدأت دمشق وموسكو بالتصعيد في إدلب. وفي 26 سبتمبر، هاجمت طائرات روسية فصيلاً مدعوماً من تركيا في شمال حلب، كما قصفت مناطق في ريف إدلب لم تقصفها في مرات سابقة منذ توقيع اتفاق موسكو بين الرئيسين الروسي والتركي في 5 مارس 2020.
واستمر التصعيد إلى حين عقد قمة بين بوتين وإردوغان في 29 سبتمبر. ولم يعقد الرئيسان مؤتمراً صحافياً بعد لقائهما في سوتشي، كما لم يصدر بيان صحافي مشترك يلخص نتائج القمة المنتظرة لتحديد مستقبل مدينة إدلب. لكن المعلومات المتوفرة تشير إلى أن بوتين وإردوغان وقّعا ملحقاً للاتفاق العسكري، وأعطيت مهلة لتركيا إلى آخر السنة للوفاء بالتزاماتها وتوفير منطقة آمنة على جانب طريق حلب - اللاذقية ومحاربة المتطرفين، مع تعهد روسي بوقف العملية العسكرية الشاملة وعدم دفع النازحين والمدنيين إلى حدود تركيا. وهذا قد يفسر الهجمات التي قامت بها «هيئة تحرير الشام» على فصيل متطرف آخر في ريف اللاذقية، مع استمرار القصف - الضغط الروسي المدروس على تركيا.

- من درعا إلى القامشلي
بالتوازي مع تفاهمات «الضامنين» الثلاثة، انطلق مسار روسي - أميركي تضمن بعدين: الأول جنوب غربي سوريا، أسفر عن تخلي أميركا عن فصائل المعارضة في درعا وعودة قوات الحكومة في يوليو (تموز) 2018، واستكمل هذا المسار في الشهر الماضي بتخلي المعارضين عن السلاح الخفيف والعودة المطلقة لقوات الحكومة وفتح الحدود الأردنية وطريق عمان - دمشق. أما الآخر، فيخص شمال شرقي البلاد، حيث أبرم في مايو 2017، اتفاق «منع الصدام» بين جيشي أميركا وروسيا خلال العمليات الجوية والبرية في شرق الفرات وغربه.
وفي أكتوبر 2019، أمر الرئيس دونالد ترمب بسحب قواته من حدود تركيا؛ ما فتح الباب لتوغل تركي بين رأس العين وتل أبيض شرق الفرات، وخلط الأوراق العسكرية هناك. وفي 22 أكتوبر توصل إردوغان وبوتين إلى اتفاق سوتشي آخر يخص شمال شرقي سوريا، نص على «التزام بالحفاظ على الوحدة الإقليمية والسياسية لسوريا وعلى حماية الأمن الوطني لتركيا»، و«التصميم على محاربة الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره، وتعطيل المشاريع الانفصالية في الأراضي السورية»، في إشارة إلى الأكراد، حلفاء أميركا.
عسكرياً، نص الاتفاق على «الحفاظ على الوضع الراهن في منطقة العملية التركية بين تل أبيض ورأس العين بعمق 32 كلم»، و«التزام الطرفين اتفاقية أضنة، بحيث تسهل روسيا تنفيذ هذه الاتفاقية في ظل الظروف الحالية» بين دمشق وأنقرة، وتنص على حق تركيا بالتوغل لعمق خمسة كيلومترات شمال سوريا لملاحقة حزب العمال الكردستاني والإرهابيين، كما تضمن الاتفاق موعداً إضافياً بحيث تدخل «في 23 أكتوبر الشرطة العسكرية الروسية وحرس الحدود السوري إلى الجانب السوري من الحدود التركية، خارج منطقة عملية (نبع السلام)، لتسهيل إخراج عناصر (وحدات حماية الشعب الكردية) وأسلحتهم حتى عمق 30 كلم من الحدود السورية - التركية، ثم (تسيير دوريات تركية وروسية مشتركة غرب وشرق منطقة عملية «نبع السلام») بعمق 10 كلم، باستثناء مدينة القامشلي». كما نص الاتفاق على «إخراج جميع الوحدات الكردية وأسلحتها» من منبج وتل رفعت في ريف حلب، و«اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع تسلل عناصر إرهابية».
قبل ذلك، كان إردوغان توصل مع نائب الرئيس الأميركي مايك بنس في 17 أكتوبر إلى اتفاق مشابه نص على كثير من الفقرات، بينها واحدة تقول «سيوقف الجانب التركي (عملية نبع السلام) من أجل السماح بانسحاب وحدات حماية الشعب من المنطقة الآمنة خلال 120 ساعة، وستتوقف العملية عند الانتهاء من هذا الانسحاب». كما اتفق الجانبان على «استمرار أهمية إنشاء منطقة آمنة وتفعيلها بغية تبديد المخاوف على الأمن القومي لتركيا»، بحيث «تتولى القوات المسلحة التركية مهمة تنفيذ المنطقة الآمنة بشكل أساسي، وسيزيد الجانبان تعاونهما على الصعد كافة بغية إقامتها».
كما توصل قائد «قوات سوريا الديمقراطية» مظلوم عبدي ومدير مكتب الأمن الوطني علي مملوك لمذكرة تفاهم لانتشار قوات سوريا على حدود تركيا وبعض مناطق شرق الفرات، من دون الوصول إلى تفاهمات سياسية وسط تبادل اتهامات بين دمشق والقامشلي إزاء المسؤولية عن ذلك.

- ممر كردي وزحمة بالأجواء
تشكلت غرف عمليات لتنسيق الدوريات والعمليات في منطقة شمال شرقي سوريا، المزدحمة جواً وبراً، حيث تنتشر قواعد عسكرية تركية وأميركية وروسية وطائرات روسية وأميركية و«مسيّرات تركية».
وكرر المسؤولون الروس والأتراك والأميركيون عبارة واحدة تنص على «التزام جميع الاتفاقات الموقعة». لكن ما لا شك فيه أن كل طرف يركز على اتفاقات محددة بين الطرفين. إذ تركز موسكو على اتفاق إدلب، وتركز أنقرة على شرق الفرات، في حين تريد واشنطن من أنقرة عدم مهاجمة الأكراد، وتقول: إنهم التزموا العهود، بل إن إدارة بايدن قلبها مع «الحلفاء والأصدقاء الأكراد» وليس مع إردوغان. من جهتها، تذكر أنقرة واشنطن بإبعاد «الوحدات» عن حدودها بعمق 30 كلم وإخراجها من تل رفعت ومنبج.
وقال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو «كانت الولايات المتحدة وروسيا ستسحبان الوحدات الكردية 30 كيلومتراً إلى الجنوب من المناطق التي توجد فيها، وحتى الآن لم تفيا بوعودهما. في وضع كهذا سنقوم بما يلزم»، في حين قال وزير الدفاع التركي خلوصي أكار «كان هناك من يحلم بإنشاء ممر إرهابي في شمال سوريا، وتم هدمه على رؤوس الإرهابيين هناك»، في إشارة إلى قيام كيان كردي.
والواضح، أن أولوية تركيا هي «منع قيام كيان كردي» جنوب حدودها، وتعتبر هذا يمس «الأمن القومي». وكانت تركيا أنجزت خلال السنوات الماضية ثلاث توغلات وتفاهمات لتقطيع أوصال «الكيان الكردي” شمال سوريا. وفي ديسمبر (كانون الأول) حصلت مقايضة سمحت لروسيا وقوات الحكومة السورية بالسيطرة على الأحياء الشرقية لحلب مقابل تنازلات روسية لتركيا وتأسيس منطقة «درع الفرات» التي فصلت بين القسم الشرقي والقسم الغربي لـ«غرب كردستان» (روج أفا). وفي بداية 2018، سمحت روسيا لتركيا باستعمال طائراتها وتوغل جيشها وفصائل سورية معارضة إلى عفرين ذات الغالبية الكردية، تحت اسم عملية «غصن الزيتون» لإضعاف الكيان الكردي بشكل أكبر. وفي أكتوبر 2019، أسست منطقة «نبع السلام» بين تل أبيض ورأس العين.
وقبل استقباله إردوغان نهاية الشهر الماضي، صعّد بوتين وواصل ضرباته في إدلب، وأبقى على التنسيق شرق الفرات. وقبل لقائه الرئيس جو بايدن في غلاسكو على هامش قمة المناخ بعد يومين، صعّد إردوغان وحشد قوات في شرق الفرات وشمال حلب، كما نشر بوتين طائرات مقاتلة في القامشلي «عاصمة» الأكراد، حيث يزداد الضغط على الوجود الأميركي هناك منذ الانسحاب من أفغانستان وقرب حصوله من العراق. وبين هذا وذاك، بدأت إيران الموجودة في البوكمال والميادين غرب الفرات: «تتسلل» عبر «القوة الناعمة» إلى الجوار الأميركي، فنشر أمس محطات لتحلية المياه في الحسكة وسط اتهامات لتركيا بـ«تعطيش الأكراد».
وهذه كلها مؤشرات تدل إلى ترابط تداخل المسار بين إدلب وحلب وشرق الفرات واختلاف «تفسير» العسكر لاتفاقات كتبها دبلوماسيون تنفيذاً لتوجيهات القادة السياسيين، وتشابك الوضع الميداني السوري بملفات إقليمية ودولية وثنائية أخرى بين أميركا وروسيا وتركيا.



الأمم المتحدة ترصد جيوب مجاعة في مناطق شمال اليمن

تدهور غير مسبوق للأوضاع المعيشية والاقتصادية في اليمن (الأمم المتحدة)
تدهور غير مسبوق للأوضاع المعيشية والاقتصادية في اليمن (الأمم المتحدة)
TT

الأمم المتحدة ترصد جيوب مجاعة في مناطق شمال اليمن

تدهور غير مسبوق للأوضاع المعيشية والاقتصادية في اليمن (الأمم المتحدة)
تدهور غير مسبوق للأوضاع المعيشية والاقتصادية في اليمن (الأمم المتحدة)

كشفت بيانات أممية حديثة عن بدء ظهور جيوب مجاعة في مناطق سيطرة الحوثيين شمال اليمن، في ظل تدهور غير مسبوق للأوضاع المعيشية والاقتصادية، وتراجع حاد في التمويل الإنساني، ما يهدد بانزلاق ملايين اليمنيين إلى مستويات كارثية من انعدام الأمن الغذائي.

وأكدت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) أن اليمن لا يزال يسجل أعلى معدل عالمي للسكان الواقعين في المرحلة الرابعة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (حالة الطوارئ)، وسط تحذيرات من اتساع نطاق المجاعة إذا استمرت أزمة التمويل وتعثر وصول المساعدات الإنسانية.

وذكرت المنظمة في تقرير حديث أن وضع الأمن الغذائي في اليمن لا يزال «مقلقاً للغاية»، متوقعة أن يواجه نحو 18.7 مليون شخص، أي ما يعادل 53 في المائة من السكان، مستويات أزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي الحاد حتى نهاية العام الجاري، ضمن المرحلة الثالثة وما فوق من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي.

اضطرابات الملاحة الإقليمية رفعت أسعار الوقود والسلع (إعلام محلي)

وأوضح التقرير الخاص بالتوقعات قصيرة المدى وتداعياتها على الأمن الغذائي، أن اليمن يتحمل حالياً أعلى عبء عالمي للسكان المحاصرين في المرحلة الرابعة من التصنيف؛ إذ تشمل هذه الفئة نحو 17 في المائة من السكان، وهي مرحلة يرتفع فيها خطر الوفيات المرتبطة بالجوع وسوء التغذية بصورة متزايدة.

مؤشرات مجاعة

أشار التقرير الأممي إلى بدء ظهور جيوب معزولة من الظروف الكارثية المصنفة ضمن المرحلة الخامسة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي المرحلة المرتبطة بالمجاعة؛ خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

وأرجعت الأمم المتحدة هذا التدهور إلى تداخل عوامل عدة، أبرزها استمرار حالة عدم الاستقرار، والنقص الحاد في التمويل الإنساني؛ إذ لم تُغطَّ سوى 13 في المائة من الاحتياجات الإنسانية حتى مايو (أيار) الحالي، إلى جانب تداعيات التوترات الجيوسياسية الإقليمية.

وأضاف التقرير أن اضطرابات الملاحة والتجارة الإقليمية أسهمت في رفع تكاليف الوقود، الأمر الذي انعكس على أسعار النقل والمواد الغذائية والمدخلات الزراعية، وزاد الضغوط على الأسر اليمنية التي تعاني أصلاً من تراجع القدرة الشرائية.

غرق أكثر من نصف سكان اليمن في دائرة انعدام الغذاء (إعلام محلي)

وحذرت «فاو» من أن استمرار تعثر وصول المساعدات الإنسانية، وعدم توفير تمويل عاجل ومتعدد السنوات، قد يدفع البلاد إلى الانزلاق نحو ظروف كارثية أوسع نطاقاً ضمن المرحلة الخامسة المرتبطة بالمجاعة.

وعلى الرغم من تسجيل الحد الأدنى لسعر سلة الغذاء انخفاضاً سنوياً بنسبة 26 في المائة، وبنسبة 9 في المائة مقارنة بمتوسط السنوات الثلاث الماضية، أكد التقرير أن القدرة الفعلية على الحصول على الغذاء لا تزال محدودة، بسبب عدم انتظام صرف الرواتب العامة، واستمرار آثار التضخم المتراكم خلال السنوات الماضية.

ضغوط اقتصادية

حسب التقرير الأممي، فإن الزيادات الأخيرة في أسعار الوقود بالمناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة دفعت تكاليف الوقود إلى الاقتراب من متوسطها خلال السنوات الثلاث الماضية، مع ارتفاع طفيف في أسعار الديزل، ما أعاد الضغوط على الأسر والأنشطة الاقتصادية.

وفيما يتعلق بواردات الغذاء والوقود خلال أبريل (نيسان) الماضي، أظهرت البيانات الأممية تبايناً بين المناطق اليمنية؛ إذ ارتفعت واردات القمح والدقيق عبر الموانئ الخاضعة لسيطرة الحوثيين، في حين تراجعت بصورة حادة في الموانئ التابعة للحكومة.

كما ارتفعت واردات الوقود إلى مناطق سيطرة الحوثيين بنسبة 71 في المائة على أساس شهري، عقب استئناف العمل في ميناء رأس عيسى النفطي، بعد فترة توقف بسبب الغارات الإسرائيلية.

وأكد التقرير أن الضغوط الاقتصادية المتراكمة، إلى جانب تداعيات الصراع الممتد والصدمات المناخية المتزايدة، ألحقت أضراراً واسعة بمصادر دخل الأسر اليمنية وأصولها الإنتاجية، وأسهمت في غرق أكثر من نصف السكان في دائرة انعدام الأمن الغذائي الحاد، ودفع الملايين نحو الفقر المدقع.

وفي المقابل، أشار التقرير إلى أن أسعار المواد الغذائية الأساسية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة ظلت مستقرة نسبياً، وانخفضت بنسبة تراوح بين 22 و30 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، بدعم من تحسن قيمة العملة المحلية واستقرار سعر الصرف.

إلا أن المنظمة الأممية حذرت من هشاشة هذا الاستقرار، مؤكدة أن أي ارتفاع جديد في أسعار الوقود أو تكاليف الشحن والنقل قد يعيد الضغوط التصاعدية على أسعار الغذاء خلال الأشهر المقبلة.

وفيما يخص سوق العمل، أوضح التقرير أن الأجور الزراعية بقيت مستقرة عند مستويات أعلى بنسبة 6 في المائة على أساس سنوي، بينما تراجعت أجور العمالة المؤقتة بنسبة 11 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، في مؤشر على استمرار ضعف فرص الدخل خارج القطاع الزراعي.


عيد ثقيل عاشه النازحون في مناطق سيطرة الحوثيين

أسرة يمنية نازحة تفترش أحد الشوارع في صنعاء (الشرق الأوسط)
أسرة يمنية نازحة تفترش أحد الشوارع في صنعاء (الشرق الأوسط)
TT

عيد ثقيل عاشه النازحون في مناطق سيطرة الحوثيين

أسرة يمنية نازحة تفترش أحد الشوارع في صنعاء (الشرق الأوسط)
أسرة يمنية نازحة تفترش أحد الشوارع في صنعاء (الشرق الأوسط)

حلّ عيد الأضحى المبارك هذا العام على آلاف الأسر اليمنية النازحة في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية وسط أوضاع إنسانية ومعيشية قاسية، جعلت من مظاهر الفرح المرتبطة بالمناسبة حلماً بعيد المنال لكثير من العائلات التي تكافح لتأمين احتياجاتها الأساسية.

وفي حين استقبل السكان الميسورون في مناطق سيطرة الجماعة العيد بالأضاحي والملابس الجديدة والزيارات العائلية، عاش النازحون في مخيمات تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، وسط تفاقم الفقر والجوع وانعدام مصادر الدخل.

وتعيش فئة النازحين داخلياً في مناطق سيطرة الحوثيين مأساة إنسانية معقدة، نتيجة استمرار تداعيات الصراع الدامي والانهيار الاقتصادي الحاد في اليمن لسنوات طويلة.

وتشير التقارير الأممية والدولية إلى أن ملايين اليمنيين يواجهون ظروفاً معيشية وصحية كارثية داخل هذه المناطق، حيث تفتقر مخيمات ومواقع النزوح العشوائية والمكتظة إلى أدنى مقومات الحياة الأساسية مثل المياه الصالحة للشرب، الكهرباء، والخدمات الطبية.

ملايين اليمنيين فقدوا أعمالهم وسبل العيش نتيجة الصراع (الشرق الأوسط)

وتتضاعف معاناة هؤلاء النازحين في ظل الارتفاع الحاد لمعدلات انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية وخطر طرد الأسر العاجزة عن دفع إيجارات المساكن. كما يواجه العمل الإغاثي في هذه المناطق قيوداً وعوائق شديدة يفرضها الحوثيون والتي تشمل التضييق على المنظمات الدولية والمحلية، وفرض شروط مشددة على حركة المساعدات وحرية تنقل العاملين الإنسانيين، بالإضافة إلى حملات الاعتقال التي استهدفت موظفي الأمم المتحدة.

وأدى هذا الوضع المتأزم إلى تقليص حاد في البرامج الإغاثية وشح المساعدات الغذائية والدوائية، الأمر الذي وسّع فجوة الاحتياجات الإنسانية ودفع نحو ربع النازحين، البالغ عددهم قرابة 2.5 مليون شخص، إلى مواجهة خطر الجوع الحاد، وفقاً لمصادر أممية.

أحلام مؤجلة

وتحدث نازحون في صنعاء ومدن أخرى لـ«الشرق الأوسط» عن أن الأولوية هذا العام لم تعد لشراء الملابس الجديدة أو الأضاحي كما كان الحال قبل الانقلاب الحوثي بل لتوفير الحد الأدنى من الغذاء وسداد إيجارات المساكن وتكاليف المواصلات وغيرها من المتطلبات الضرورية. ويؤكدون أن العيد فقد معناه المعتاد داخل كثير من المخيمات، بعدما تحولت أيامه إلى امتداد لمعاناة يومية متواصلة.

تقول أم أحمد، وهي نازحة من محافظة الحديدة وتقيم في أحد المخيمات على أطراف صنعاء، إن العيد لم يعد يشبه ما كان عليه في السابق، موضحة أنها اكتفت هذا العام بشراء ملابس مستعملة لطفلين من أبنائها، بينما تعتمد أسرتها على مساعدات يقدمها أقارب لتأمين احتياجات الطعام.

المشردون والمرضى النفسيون يفترشون شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)

وأضافت أن الأسرة لم تتذوق اللحوم منذ أشهر بسبب ارتفاع الأسعار وغياب أي مصدر ثابت للدخل، مشيرة إلى أنهم كانوا في السابق يشترون ملابس لجميع الأطفال ويذبحون الأضاحي، أما اليوم فأقصى ما يتمنونه أن تمر أيام العيد بأقل قدر من الأعباء.

وتعكس هذه القصة واقع آلاف الأسر النازحة التي تعيش أوضاعاً متدهورة بفعل تراجع النشاط الاقتصادي وارتفاع الأسعار وغياب فرص العمل، إضافة إلى استمرار أزمة الرواتب في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

وفي أحد مخيمات النزوح بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) يجلس عبد الله، النازح مع أسرته من محافظة تعز، أمام خيمته المتواضعة بينما يتحدث أطفاله عن ملابس العيد والألعاب التي شاهدوها في الأسواق. ويقول بحسرة: «لم نفكر في شراء ملابس أو أضحية، كل ما نريده هو فرصة عمل تساعدنا على توفير الطعام لأطفالنا».

غلاء وغياب للمساعدات

يؤكد سكان في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين أن أسعار الأضاحي شهدت ارتفاعاً كبيراً هذا العام بالتزامن مع زيادة أسعار المواد الغذائية والملابس، الأمر الذي جعل شراء الأضحية خارج متناول شريحة واسعة من السكان، ولا سيما النازحين الذين يعتمد كثير منهم على المساعدات الإنسانية المحدودة.

كما يشكو تجار ومواطنون من الجبايات والرسوم المفروضة على الأسواق وتجارة المواشي، مؤكدين أنها أسهمت في زيادة أسعار الأضاحي وأثرت سلباً في القدرة الشرائية للأسر.

أناس في سوق شعبية بالعاصمة اليمنية المختطفة صنعاء (إ.ب.أ)

ويرى اقتصاديون أن تراجع القدرة الشرائية يعود إلى استمرار الانقلاب الحوثي وندرة فرص العمل وتآكل قيمة الدخول أمام الارتفاع المستمر في أسعار السلع الأساسية، مؤكدين أن الأزمة الاقتصادية والإنسانية حولت كثيراً من المناسبات الدينية إلى عبء إضافي على الأسر الفقيرة بدلاً من أن تكون موسماً للفرح والتكافل.

وتشير منظمات يمنية محلية إلى أن انخفاض التمويل الإنساني خلال السنوات الأخيرة انعكس مباشرة على أوضاع النازحين، خصوصاً مع تقليص برامج المساعدات الغذائية والنقدية، ما دفع كثيراً من الأسر إلى المطالبة بدعم استثنائي يساعدها على مواجهة احتياجات موسم العيد.

ويقول عاملون في المجال الإغاثي إن كثيراً من الأسر باتت تلجأ إلى وسائل تكيف قاسية، مثل تقليص عدد الوجبات اليومية أو بيع بعض الممتلكات البسيطة لتغطية النفقات الأساسية.


انفراجة كبيرة بأزمة جوازات السفر في اليمن

انفراجة في الحصول على جواز السفر بعد سنوات من المعاناة (إعلام محلي)
انفراجة في الحصول على جواز السفر بعد سنوات من المعاناة (إعلام محلي)
TT

انفراجة كبيرة بأزمة جوازات السفر في اليمن

انفراجة في الحصول على جواز السفر بعد سنوات من المعاناة (إعلام محلي)
انفراجة في الحصول على جواز السفر بعد سنوات من المعاناة (إعلام محلي)

شهدت أزمة استخراج جوازات السفر في اليمن انفراجاً ملحوظاً بعد سنوات من التكدس والمعاناة، إثر إعلان مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية إنهاء معظم المعاملات المتراكمة في المحافظات المحرَّرة، بعدما كان المواطنون ينتظرون ما بين سبعة وثمانية أشهر للحصول على جواز السفر، وهو ما تسبب في حرمان آلاف اليمنيين من فرص الدراسة والعمل والعلاج والسفر.

وأكدت المصلحة وصول عدد من فروعها إلى ما يُعرف بـ«مرحلة المعاملة صفر»، في إشارة إلى إنهاء جميع الطلبات المتراكمة، باستثناء فرع محافظة تعز الذي لا يزال يشهد ضغطاً كبيراً وتأخراً في إصدار الجوازات.

ومع تولي اللواء طارق النسي رئاسة المصلحة، جرى توفير نحو ثلاثة ملايين دفتر جواز سفر؛ الأمر الذي ساعد على معالجة الاختناقات المتراكمة وتسريع وتيرة الإنجاز. كما أعلن مكتب المصلحة في العاصمة المؤقتة عدن الانتهاء من طباعة جميع طلبات الجوازات المتأخرة، بما فيها معاملات مضى على بعضها عدة أشهر.

وأفاد فرع مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية في مديرية خور مكسر بوصوله إلى «مرحلة المعاملة صفر»، بعد استكمال طباعة جميع معاملات جوازات السفر المتراكمة الخاصة بعام 2025، وحتى الشهر الحالي، في خطوة عكست تحسناً في مستوى الأداء وتسريع إنجاز الخدمات للمواطنين.

تزايد الإقبال وتأخر وصول الجوازات تسبب في تراكم المعاملات لنصف عام (إعلام محلي)

وأكد مدير الفرع، العميد صالح الحكمي، أن تسلم الجوازات أصبح متاحاً للمواطنين الذين استكملوا إجراءاتهم، مشيراً إلى أن المعاملات الجديدة يتم إنجازها خلال أيام معدودة وفق إجراءات قانونية وإدارية منظمة.

وأوضح أن قسم التسليم سيواصل عمله خلال إجازة عيد الأضحى على فترتين، صباحية ومسائية، بما يضمن استمرارية الخدمة وتسهيل حصول المواطنين على جوازاتهم دون تأخير.

إجراءات رقابية

شدد الحكمي على استمرار الإجراءات الصارمة لمكافحة التزوير والابتزاز، وإحالة المخالفين إلى الجهات المختصة، مؤكداً تخصيص قنوات رسمية لتلقي شكاوى المواطنين ومقترحاتهم عبر تطبيق «واتساب» والبريد الإلكتروني، في إطار تعزيز التواصل المباشر وتحسين جودة الخدمات.

وفي السياق نفسه، أعلنت جوازات الحديدة استكمال طباعة جميع الجوازات التي كانت بحوزتها قبل إجازة عيد الأضحى، مؤكدة خلو سجلاتها حالياً من أي معاملات متراكمة، ودعت المواطنين إلى الحضور لتسلم جوازاتهم.

كما أكد مكتب جوازات محافظة مأرب الانتهاء من طباعة جميع الجوازات الموجودة لديه قبل بدء إجازة العيد، فيما لم تُسجل أي تأخيرات في مكاتب المصلحة بساحل ووادي حضرموت ومحافظتي شبوة والمهرة، إضافة إلى مكتب جوازات المخا في الساحل الغربي.

استمرار معاناة تعز

في المقابل، أعلن فرع مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية في تعز استكمال طباعة جوازات السفر الخاصة بشهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بإجمالي 26 ألفاً و685 جوازاً، إضافة إلى تصفية جميع المعاملات العالقة الخاصة بالعام الماضي.

وأرجع الفرع أسباب التأخير إلى الكثافة الكبيرة والاستثنائية في أعداد المتقدمين للحصول على الجوازات، موضحاً أنه يستقبل أعداداً تفوق ما تستقبله بقية الفروع على مستوى البلاد؛ الأمر الذي أدى إلى تضخم حجم المعاملات، وأطال المدة الزمنية اللازمة للطباعة والإنجاز.

كثير من اليمنيين عانوا من استخراج جواز سفر في الوقت المناسب (إعلام حكومي)

وبحسب قيادة الفرع، فإن التأخير لم يكن نتيجة توقف أعمال الطباعة أو قصور في الأداء، بل بسبب الحجم الكبير للطلبات الواردة مقارنة ببقية الفروع، مع استمرار الجهود الرامية إلى تحسين مستوى الخدمة وتسريع الإجراءات.

ورغم ذلك، لا تزال شكاوى المواطنين تتصاعد في تعز بسبب استمرار التكدس وتأخر تسلم الجوازات؛ حيث أكد مواطنون أن التأخير تسبب في ضياع فرص دراسية ومنح تعليمية ووظائف خارج البلاد، فضلاً عن تعثر سفر مرضى ومسافرين اضطر بعضهم إلى الانتظار لأكثر من سبعة أشهر.

دعم حكومي

على وقع هذه التطورات، أشاد رئيس مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية في الحكومة اليمنية بالإجراءات التي اتخذها فرع عدن لمكافحة التزوير والابتزاز، مشدداً على ضرورة مواصلة تطبيق القانون بحزم وإحالة المخالفين إلى الجهات المختصة.

وخلال زيارته للفرع، أثنى اللواء طارق النسي على جهود الموظفين وروح الانضباط والمسؤولية التي أسهمت في رفع كفاءة الأداء وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، مؤكداً أن الكوادر الوطنية تمثل الركيزة الأساسية لتطوير العمل المؤسسي.

كما اطّلع على التجهيزات التقنية والإدارية في الفرع، مشيداً بخطط تحديث البنية التحتية التي تهدف إلى تسريع إجراءات إصدار الجوازات وتقليص الوقت والجهد على المواطنين، وضمان أعلى معايير الدقة والموثوقية في المعاملات.

تخصيص مكاتب لذوي الاحتياجات وكبار السن والمرضى (إعلام حكومي)

وكان رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية وشؤون المغتربين، شائع الزنداني، قد دعا إلى إحداث نقلة نوعية في مستوى الأداء المؤسسي وتعزيز مبادئ الشفافية والكفاءة، بما يسهم في تخفيف الأعباء عن المواطنين وتحسين مستوى الخدمات الحكومية.

ووجّه الزنداني بضرورة تعزيز التنسيق مع الجهات ذات العلاقة والتوسع في الخدمات الإلكترونية، بما ينسجم مع توجهات الحكومة نحو تحديث مؤسسات الدولة والارتقاء بالأداء الحكومي.

وخلال لقائه برئيس مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية، أكد الزنداني أهمية الدور الحيوي الذي تضطلع به المصلحة، مشدداً على حرص الحكومة على تقديم الدعم اللازم لتذليل الصعوبات، وتمكينها من أداء مهامها بكفاءة وفاعلية.

كما ناقش آلية العمل في قطاعات الهجرة والجوازات والإجراءات المتخذة لتحسين جودة الخدمات وتسهيل إنجاز معاملات المواطنين، خصوصاً ما يتعلق بإصدار الجوازات والوثائق الرسمية، إلى جانب جهود التحول الرقمي وتحديث البنية التحتية التقنية.