بعدما تجنبت «أزمة السفراء»... تركيا تواجه ملفات معقدة في علاقتها مع أميركا

إردوغان يقوم بثاني زيارة لأذربيجان في 4 أشهر

TT

بعدما تجنبت «أزمة السفراء»... تركيا تواجه ملفات معقدة في علاقتها مع أميركا

بينما تجنبت تركيا خسائر ضخمة كان يمكن أن تتكبدها من أزمة سفراء الدول الغربية العشر، ومن بينها أميركا، الذين هدد الرئيس رجب طيب إردوغان بإعلانهم أشخاصاً غير مرغوب فيهم بسبب بيان مشترك طالبوا فيه بالإفراج الفوري عن رجل الأعمال الناشط البارز في مجال الحقوق المدنية، عثمان كافالا، المعتقل منذ نحو 4 سنوات بتهم التجسس ودعم محاولة الانقلاب الفاشلة في 2016، بدا أن العلاقات مع واشنطن تسير نحو مزيد من التعقيد بفعل توسع الملفات الخلافية بين البلدين الحليفين في حلف شمال الأطلسي (ناتو).
وفيما حاولت وسائل الإعلام التركية الموالية لإردوغان، فضلاً عن بعض مستشاريه، الترويج لانتصار حققه الرئيس التركي على الولايات المتحدة والدول التسع الأخرى، ونشر مانشيتات متطابقة عن «تراجع السفراء عن بيان دعم كافالا» وذهاب بعض الصحف إلى وصف السفراء بـ«المتجاوزين»، أعادت واشنطن التأكيد على موقفها من قضية كافالا، وتعهدت بمواصلة الدفع باتجاه تعزيز حقوق الإنسان في تركيا.
واعتبر إردوغان، في تصريحات مساء أول من أمس عقب ترؤسه اجتماع حكومته في أنقرة، أن السفراء تراجعوا بعدما أصدروا بياناً شددوا فيه على «احترام المادة 41 من اتفاقية فيينا» التي تضع إطاراً للعلاقات الدبلوماسية وتحظر أي تدخل في الشؤون الداخلية للبلد المضيف.
وبدورها راحت وسائل الإعلام الموالية لإردوغان تروج لفكرة انتصاره على السفراء وتحديه لأميركا، عادّة الرسالة التي وجهتها السفارة الأميركية والسفارات الأخرى تراجعاً عن البيان الصادر في 18 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي بشأن الإفراج عن كافالا تطبيقاً لقرارات محكمة حقوق الإنسان الأوروبية.
في المقابل، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية نيد برايس ليل الاثنين - الثلاثاء: «سنواصل الدفع باتجاه تعزيز سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان عامة ونعتقد أن السبيل الأفضل للمضي قدماً هو عبر التعاون في مسائل ذات أهمية مشتركة». وأضاف برايس أنهم شاهدوا التصريحات الأخيرة لإردوغان بشأن بيان السفراء العشرة ومن بينهم السفير الأميركي حول كافالا و«نعرب عن اعتقادنا بأن البيان الذي أصدرناه في 18 أكتوبر منسجم مع المادة 41 من اتفاقية فيينا ونؤكد التزامنا بتعزيز سيادة القانون من أجل احترام حقوق الإنسان على الصعيد العالمي».
وكانت السفارة الأميركية أفادت في تغريدة عبر «تويتر»، أول من أمس، بأن الولايات المتحدة تؤكد مراعاتها للمادة 41 من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، عقب التساؤلات التي أثيرت حول البيان الصادر في 18 أكتوبر. وقامت سفارات كل من ألمانيا وفرنسا وهولندا والدنمارك وفنلندا والسويد والنرويج وكندا ونيوزيلندا بإعادة نشر تغريدة بيان الولايات المتحدة، بعضها عبر الحسابات الرسمية لسفاراتها في أنقرة، وبعضها عبر الحسابات الشخصية للسفراء.
وبينما انتهت أزمة السفراء التي كان يمكن أن تكلف تركيا خسائر سياسية واقتصادية جسيمة، برز ملف آخر يشكل أحد الملفات الخلافية في العلاقات التركية الأميركية، حيث استقبل الرئيس جو بايدن ووزير خارجيته أنتوني بلينكن بطريرك الأرثوذكس في تركيا بارثليموس الأول، الموجود في واشنطن لإجراء فحوص طبية.
وعقد بارثليموس اجتماعاً مغلقاً مع بايدن أعقب محادثات مع بلينكن. وتم التأكيد على دعم الولايات المتحدة للبطريرك. وقال الوزير الأميركي إن بلاده تدافع بقوة عن مبدأ الحرية الدينية، مشيراً إلى أنهما ناقشا وضع مدرسة «هالكي» اللاهوتية، التي كانت في الماضي المدرسة اللاهوتية الرئيسة للكنيسة الأرثوذكسية الشرقية قبل أن يتم إغلاقها بموجب قانون تركي عام 1971.
وقالت الخارجية الأميركية، في بيان: «شدد الوزير بلينكن على أن إعادة فتح مدرسة هالكي الدينية ستبقى أولوية بالنسبة لإدارة الرئيس جو بايدن». وأعرب بارثليموس عن امتنانه للدعم الأميركي للبطريركية ولأفكارها وقيمها، التي قال: «إننا نحاول حمايتها فيما نكافح في الوقت ذاته للبقاء في مدينتنا التاريخية إسطنبول».
ويثير ملف الحريات الدينية خلافاً شديداً بين أنقرة وواشنطن. ورفضت تركيا مراراً التقارير السنوية للحريات الدينية التي تصدر عن الخارجية الأميركية لانتقادها سجل الحريات الدينية في تركيا. وأثار إردوغان الغضب، العام الماضي، عندما حول متحف آيا صوفيا، الذي كان من قبل الكنيسة الأساسية للإمبراطورية البيزنطية، إلى مسجد. ورغم أن إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب أقامت علاقات، لا بأس بها مع إردوغان، لكن إدارته شددت مع ذلك على ملف الحريات الدينية. وعقب الانتخابات الأميركية العام الماضي، أجرى مايك بومبيو وزير الخارجية في إدارة ترمب، زيارة وداعية غير متوقعة أثارت غضب تركيا، بسبب قصرها على إسطنبول فقط، وإجراء لقاء مع بارثليموس، دون أن يلتقي أي مسؤول تركي.
وفي ملف ثالث، لوح عدد من النواب الديمقراطيين والجمهوريين بالكونغرس بعرقلة أي صفقة محتملة لبيع طائرات «إف 16» و80 من معدات التطوير لمقاتلات من الطراز نفسه إلى تركيا بالأموال التي سبق أن دفعتها لاقتناء مقاتلات «إف 35» التي منعتها واشنطن من الحصول عليها رداً على اقتنائها منظومة الدفاع الجوي الصاروخي الروسية «إس 400».
وكتب النواب رسالة إلى بلينكن يحذرون فيها من معارضتهم الشديدة لأي توجه من هذا النوع بسبب سياسات إردوغان وتقربه من روسيا.
في سياق آخر، زار إردوغان أذربيجان، أمس، تلبية لدعوة تلقاها من الرئيس إلهام علييف، في زيارة هي الثانية من نوعها في 4 أشهر، رافقه خلالها وزراء الخارجية مولود جاويش أوغلو، والدفاع خلوصي أكار، والبيئة والتطوير العمراني مراد كوروم، والنقل والبنية التحتية عادل كارا إسماعيل أوغلو، حيث شارك مع نظيره الأذري في مراسم افتتاح مطار فضولي الدولي، ووضع حجر أساس لمشاريع أخرى تسهم فيها تركيا في إقليم قره باغ، الذي سيطرت عليه أذربيجان العام الماضي، بدعم من تركيا، في معارك مع أرمينيا، استمرت من 27 سبتمبر (أيلول)، حتى توقفت في 10 نوفمبر (تشرين الثاني) بوساطة من روسيا.
وأجرى إردوغان زيارتين رسميتين إلى أذربيجان، في ديسمبر (كانون الأول) 2020، ويونيو (حزيران) الماضي، تأكيداً للدعم التركي لأذربيجان.
وبعد استعادة أذربيجان السيطرة على إقليم ناغورنو قره باغ، أجرت تركيا مناورات عسكرية ثنائية معها، فضلاً عن مناورات ثلاثية ضمت باكستان معهما، في خطوة أثارت قلق إيران، التي تدعم أرمينيا، وأجرت بدورها مناورات على الحدود مع أذربيجان.
وينظر مراقبون إلى الدعم التركي لأذربيجان على أنه يأتي ضمن إطار التنافس التركي الروسي في منطقة القوقاز، ويترجم رغبة إردوغان في دور لبلاده في آسيا الوسطى.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...