سايروف وفيتزجيرالد... من الاحتفاء بالكتابة والحياة إلى جحيم الأنا المتفاقمة

الثنائي العاصف الذي جسّد صعود الحلم الأميركي ومأزقه في آن

زيلدا سايروف وسكوت فيتزجيرالد
زيلدا سايروف وسكوت فيتزجيرالد
TT

سايروف وفيتزجيرالد... من الاحتفاء بالكتابة والحياة إلى جحيم الأنا المتفاقمة

زيلدا سايروف وسكوت فيتزجيرالد
زيلدا سايروف وسكوت فيتزجيرالد

لا تنتمي العلاقة التي ربطت بين الكاتب الأميركي سكوت فيتزجيرالد وزوجته زيلدا سايروف، إلى ذلك النوع من العلاقات العاطفية المشبوبة التي شهدها القرن الماضي، كما حال جان بول سارتر وسيمون دو بوفوار، أوغالا وسلفادور دالي، أو أراغون وإلسا تريوليه. فرغم أن تلك العلاقة قد تبرعمت في زمن الحرب، وفوق أرض الكتابة والفن، فإنها لم تتحول إلى افتتان بالغ بالآخر، أو إلى نزوع شبه صوفي للاتحاد به في مواجهة الخوف والوحشة والتشظي، كما كان حال العلاقات الأخرى. وقد لا يكون التباين متصلاً بأمزجة الأشخاص وبخلفيتهم الاجتماعية والنفسية فحسب، بل بتأثير الحرب المتفاوت على المجتمعين الأميركي والأوروبي في القرن الماضي، فضلاً عن الفوارق المهمة في المفاهيم ونظام القيم والنظرة إلى المستقبل. صحيح أن فيتزجيرالد وزيلدا قد التقيا عند المربع الأخير للحرب العالمية الأولى، لكن تلك الحرب التي طحنت القارة الأوروبية برحى الرعب والكراهية والانقسام، لم تصب أميركا بالقدر نفسه، بل خرجت منها أكثر قوة وازدهاراً ومكانة سياسية واقتصادية من ذي قبل. وهو ما انعكست نتائجه بصورة جلية عبر نزوع الجيل الجديد إلى التمرد وإعلاء الحواس والاندفاع العارم باتجاه الحياة. ولما كان سْكوت وزيلدا يجمعان في شخصيهما كل ما يطمح إليه شبان تلك المرحلة من حيوية ووسامة وفورانٍ جسدي وروحي، فقد أمكنهما كثنائي ناجح، وعبر اندفاعهما العاصف باتجاه العيش، أن يتحولا خلال فترة زواجهما الأولى إلى رمز نموذجي لجيل ما بعد الحرب، أو لما أطلق عليه المؤرخون تسمية «عصر الجاز». وإذا كان الشغف بالكتابة هو العنصر الآخر في معادلة الإغواء، والعامل الحاسم في زواج الطرفين، فقد كان لعلاقتهما جانبها المظلم في الوقت ذاته، حيث حالت الأنا المتفاقمة لكل منهما، دون انصهارهما في بوتقة واحدة من الحب والتكامل الإنساني، وهو ما يفسر بالطبع وصول تلك العلاقة فيما بعد إلى مأزقها الصعب.
إن أي نظرة متفحصة إلى الخلفية الاجتماعية لطفولة زيلدا ساير ونشأتها، لا بد أن تضعنا في صورة البيئة العائلية الميسورة، والأقرب إلى الترف، التي تربت الفتاة في كنفها في مطالع القرن العشرين، حيث كان والدها أنتوني يعمل قاضياً في المحكمة العليا بولاية ألاباما، كما كان كلّ من جدها لأمها، وعمّها أيضاً، عضوين بارزين في مجلس الشيوخ، فيما كان جدها لأبيها صحافياً وكاتباً معروفاً. وقد عملت سايروف بذكاء على الإفادة من وضعها العائلي المتميز، ليس فقط من خلال اهتمامها الواضح برقص الباليه، حيث شاركت في كثير من العروض، بل من خلال جرأتها البالغة، وانغماسها الاحتفالي في العوالم الصاخبة لحقبة العشرينات. وإذا كانت زيلدا قد أحيطت، بسبب جمالها وذكائها، بكثير من المعجبين، فإن قرار الارتباط بفيتزجيرالد بالذات، لم يكن عائداً إلى وسامته وحيويته الملحوظة فحسب، بل إلى النجاح السريع الذي أصابته روايته الأولى «هذا الجانب من الجنة». لا بل إن أكثر ما يستوقفنا في هذا السياق هو أن حفل زواجها لم يتأخر سوى أسبوع واحد عن موعد صدور الرواية المذكورة. وإذا كان لذلك الأمر من دلالة، فإنما يدل على المكانة الرمزية العالية التي كان يحتلها الأدب في أعماقها، وهي التي رأت في باكورة فيتزجيرالد الروائية «مَهرها» الوحيد المناسب. لا بل إن صاحب سْكوت لم يتردد في إجراء تعديلات عدة على فصول عمله الروائي الأول، الذي أراد لإحدى شخصياته الرئيسية أن تتواءم مع شخصية المرأة الشابة التي ملكت عليه قلبه وعقله. على أن الأمور ذهبت في بعض مناحيها أبعد من ذلك، بحيث لم يكتفِ فيتزجيرالد بتحويل سايروف إلى ملهمة له، بل عمد إلى اقتباس بعض فصول روايته من كتاباتها المبكرة، كما من دفتر يومياتها الذي كان يكشف عن موهبة سردية واعدة.
لقد سيطر على الزوجين الفتيين في مستهل علاقتهما، نوع من النزوع البوهيمي الأبيقوري إلى افتراع الملذات. وقد باتا تبعاً لذلك الثنائي الأشهر في ليل نيويورك الصاخب، والرمزين الأكثر تمثيلاً لثورة الأجيال الجديدة، ولعصر الجاز الذي أعقب الآثار المدمرة للحرب العالمية الأولى. إلا أن ما بدا أقرب إلى روح الوئام والتكامل بين الزوجين، لم يكن له أن ينجح في إخفاء ما يتهيأ في العمق من عوامل الاختلاف، ومن عواصف الشقاق المقبلة. والأرجح أن تلك العواصف لم تكن وليدة الصدفة المجردة، بل بدت في جانبها الأول، ثمرة تلك الفوضى العارمة التي حكمت حياتهما المشتركة، حيث لم يكن الطرفان معنيين بالقيام بأي شأن منزلي، ولم يمنحا طفلتهما الوحيدة سْكوتي ما تحتاجه من الرعاية، بل تركا كل ذلك في عهدة الخادمات، الأمر الذي أفرغ حياتهما العائلية من الدفء الإنساني، ووضعها أمام طريق مسدودة. أما جانبها الثاني فقد بدا متعلقاً بافتقار الزوجين إلى الإيثار والتضحية من أجل الآخر، بحيث راح كلّ منهما يبحث عن مجده الشخصي بمعزل عن سواه. وإذا كانت شهرة الزوج قد بلغت حدودها القصوى مع صدور تحفته الروائية «غاتسبي العظيم»، التي عكست التحولات العميقة للمجتمع الأميركي في حقبة ما بعد الحرب، فإن الزوجة الموهوبة لم تكن من النوع الذي يرتضي التهميش أو الإقامة في الظل. صحيح أن فيتزجيرالد قد استلهم في أعماله الروائية كثيراً من ملامح شريكته وكتاباتها ومذكراتها الشخصية، ولكن زيلدا لم تكن لتكتفي أبداً بدور الملهِمة السلبي، بل كانت تطمح بما لها من مواهب، أن تأخذ من الشهرة والنجاح حصة موازية لحصة الزوج.
على أن رياح النجاح لم تجرِ بالنسبة لزيلدا سايروف كما تشتهي سفن الكتابة، ولم تستطع مقالاتها وقصصها القصيرة أن تنتزع لها المكانة التي كانت تطمح لأن تتبوأها لدى النقاد ومتابعي الأدب. كما لم يسهم انتقال العائلة اللاحق إلى باريس للإقامة هناك، في تحسين العلاقة مع الزوج التي بدأت بالاهتزاز. ولم يستطع دخول زيلدا في مغامرة عاطفية خطرة مع الطيار الفرنسي إدوارد جوزان، أن يوصلها إلى بر الأمان، بل إن الأمر حمل الزوج الغاضب على حبسها داخل جدران المنزل لفترة من الزمن. على أن نجاح الزوجة اللاحق في الخروج من تلك المغامرة التي كادت تطيح بوضعها العائلي، لم يمر بشكل سلس، بل كان من نتائجه دفْع فيتزجيرالد إلى التهالك على الشراب حتى حدود الإدمان. أما صداقته المستجدة مع أرنست همنغواي فلم تخفف من حالة التوتر التي تعيشها العائلة، خصوصاً في ظل الغياب التام للكيمياء الشخصية بين الزوجة المتوجسة وهمنغواي. ومع ذلك فقد ظلت محاولة الانتحار الغامضة، التي رأى البعض أن زيلدا قد أقدمت عليها عن طريق تناولها جرعة زائدة من المهدئات، محلاً لشكوك البعض الآخر، ممن اعتبروا أن الأمر قد حدث عن طريق الخطأ، وأن الظروف العائلية والنفسية التي عاشتها الزوجة، لا تستدعي اتخاذ مثل هذا القرار المتهور.
بعد ذلك راحت أمور الزوجين تسير من سيئ إلى أسوأ. فمع نهاية عشرينات القرن الماضي وبداية الثلاثينات كان عصر الرخاء الأميركي، الذي شكل الثنائي الصاخب عنوانه الأبرز، يخلي مكانه لإحدى أسوأ حالات الكساد الاقتصادي في تاريخ البلاد، ليتراجع معه، وبشكل دراماتيكي حاد، المستوى المعيشي للعائلة. وإذ وقعت الزوجة المصابة بالاكتئاب، تحت وطأة سلسلة متواصلة من الأزمات النفسية والعصبية، لم يجد الأطباء سبيلاً إلى إنقاذها مما هي فيه، أفضل من الكتابة. وهو ما حدث بالفعل، حيث استطاعت زيلدا أن تنجز في وقت قياسي كتابة روايتها الوحيدة «شاركني هذا الفالس». غير أن الأمور لم تتجه نحو الأفضل، ليس فقط بسبب ردات فعل النقاد السلبية على العمل الذي وسموه بالرداءة، بل بسبب السخط الذي أبداه الزوج إزاءه، معتبراً أن كل ما فعلته الزوجة هو كتابة سيرتهما الذاتية بكل تفاصيلها ومزالقها وخفاياها، وأن التنكر خلف الأسماء المستعارة لا يكفي لإخفاء الحقيقة أو التستر عليها.
والواقع أن زيلدا سايروف لم تبذل، باستثناء تغيير الأسماء، أي جهد يُذكر لكي تفصل بين روايتها وسيرتها الذاتية. فهي تستعيد من خلال السرد صورة أبيها المحافظ والصارم، وأمها المنفتحة والمتفهمة، إضافة إلى صور أشقائها ومعجبيها الكثر. كما تعرض لحياتها الماجنة مع سْكوت، وصولاً إلى إقامتها في فرنسا، وميلها الواضح إلى الضابط الفرنسي الذي كاد، في إحدى لحظات طيشه، يلامس بطائرته الحربية شرفة منزلها العائلي. وحيث لم تتحرج الكاتبة من الإعلان عن اعتزازها الشديد بما أنجزته، أو من مخاطبة فيتزجيرالد بالقول إن عملها الروائي أكثر جرأة وإثارة من جميع أعماله، فقد تمثل الرد العقابي لهذا الأخير بإقدامه منفرداً على حذف بعض الفصول «المحرجة» من عملها الروائي قبل دفعه إلى النشر. وهو ما انعكس سلباً على وضع زيلدا الصحي، وضاعف من حدة مشكلاتها النفسية والعصبية التي بلغت بها حد الفصام الكامل، وفق تشخيص الأطباء.
في منتصف ثلاثينات القرن الماضي، حيث أولت زيلدا فن الرسم كثيراً من عنايتها، لم يكن قد تبقى من وهج تلك العلاقة الاحتفالية الصاخبة بين الزوجين، سوى ما يتبقى من الكؤوس بعد تحطمها. فحين ثبُت لسْكوت بالوجه الملموس أن الأمور غير قابلة للترميم، وأن وضع زوجته العصبي يزداد تدهوراً، عمد إلى وضعها في مصحة عقلية، فيما حاول من جهته استثمار شهرته الواسعة في صناعة الأفلام السينمائية، حيث لم يلبث أن ارتبط بعلاقة غرامية مع الناقدة الفنية شايلا إبراهام، قبل أن يعاجله الموت بشكل مفاجئ في مطالع الأربعينات من القرن الماضي. أما زيلدا التي لم تقابل سْكوت لعامين متتاليين، والتي كان وضعها يزداد سوءاً، فقد ظلت تراهن على الكتابة دون كلل، وترى فيها عزاءها وضوء حياتها الوحيد. ومع ذلك فقد كان القدر يعد لها نهاية تراجيدية مؤلمة، حيث لفظت أنفاسها الأخيرة، بعد ثماني سنوات من رحيل سْكوت، في الحريق المروع الذي اندلع بمستشفى هاي لاند الذي كانت تخضع فيه للعلاج، ودون أن تتمكن من إنهاء روايتها الثانية، التي كانت تراهن بإصرار على إنجازها. وبعد رحيل الزوجين «اللدودين» بعقود عدة، عملت ابنتهما سْكوتي على جمع رفاتيهما في قبر واحد، بعد أن باعدتهما الأمزجة المتعارضة وصروف الحياة، واختارت أن تحفر فوق شاهدة القبر، ومن رواية «غاتسبي العظيم» بالذات، العبارة التي تقول: «معاً سنستمر كالسفن ضد التيار، عائديْن دون توقف باتجاه الماضي».



إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!


«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية
TT

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

خلال رحلته برفقة العالمة المرموقة كاثرين سولومون التي دُعيت لإلقاء محاضرة في العاصمة التشيكية براغ، يجد العالم روبرت لانغدون نفسه في دوامة تخرج عن السيطرة حين تختفي كاثرين من غرفتهما في الفندق من دون أثر، فيضطر إلى مواجهة قوى مجهولة لاستعادة المرأة التي يحبها.

بهذه الحبكة البوليسية القائمة على التشويق، يعود مؤلف الإثارة والغموض الشهير دان براون إلى قرّائه حول العالم عبر رواية «سر الأسرار» الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة زينة إدريس، في نص ينتمي إلى الخيال العلمي، ويتسم بسرعة الإيقاع رغم ضخامته اللافتة؛ إذ يقع في 582 صفحة من القطع الكبير، موزعة على 138 فصلاً، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة.

تبرز الرواية خصوصية براغ كمدينة حضارية موغلة في القدم تزخر بالأساطير ويكتنفها الغموض، فعلى مدى ألفي عام تقاذفتها أمواج التاريخ فتركت في حجارتها صدى ما مضى من أحداث وتقلبات؛ إذ لم يكن لانغدون يدرك أن طيفاً من ماضي المدينة المظلم يراقبه عن كثب، غير أنه يجد نفسه مرغماً على الاستعانة بكل ما في جعبته من معارف غامضة لفك رموز ذلك العالم من حوله قبل أن تبتلعه هو الآخر دوامات الخداع والخيانة التي ابتلعت كاثرين.

يجد البطل، عالم الرموز في جامعة هارفارد، نفسه في مدينة سرية تختبئ في وضح النهار، مدينة احتفظت بأسرارها قروناً طويلة ولم تفصح عنها بسهولة، فتتحول النزهة البريئة ذات الطابع شبه السياحي إلى ما يشبه ساحة معركة لم يشهد لها أحد مثيلاً.

ودان براون هو مؤلف ثماني روايات تصدرت جميعها قوائم المبيعات، من بينها «شيفرة دافنشي» التي أصبحت من أكثر الكتب مبيعاً، إلى جانب روايات «الأصل» و«الجحيم» و«الرمز المفقود» و«ملائكة وشياطين».

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«لا بد أنني فارقت الحياة.. هذا ما فكرت فيه المرأة وهي تنجرف عالياً فوق أبراج المدينة القديمة، تحتها كانت أبراج كاتدرائية القديس فيتوس المتلألئة تشع وسط بحر من الأضواء البراقة. تتبعت بنظرها، هذا إذا كانت لا تزال تملك عينين، الانحدار بلطف نحو قلب العاصمة البوهيمية، هناك تمتد متاهة من الأزقة المتعرجة المغطاة ببساط من الثلج المتساقط حديثاً.

شعرت بالضياع وبذلت جهداً لتفهم ما حلّ بها، قالت في محاولة لتطمئن نفسها: أنا عالمة أعصاب وأتمتع بكامل قواي العقلية، غير أن هذا الادعاء الثاني بدا لها موضع شك، الأمر الوحيد الذي كانت الدكتورة بريغيتا غسنر واثقة منه أنها معلقة الآن فوق مسقط رأسها مدينة براغ، لم يكن جسدها معها بل كانت بلا كتلة ولا شكل ومع ذلك كانت بقية كيانها؛ أي ذاتها الحقيقية ووعيها، سليمة ومتقدة تنجرف ببطء في الهواء باتجاه نهر فلتافا.

لم تستطع غسنر أن تتذكر شيئاً من ماضيها القريب، باستثناء ذكرى باهتة من الألم الجسدي، لكن بدا لها الآن أن جسدها لا يتكون إلا من الهواء الذي تنساب عبره. كان الإحساس فريداً لم يسبق لها أن خبرته، وعلى الرغم من كل ما تعرفه بوصفها عالمة لم تجد لذلك سوى تفسير واحد: مت وأنا الآن في العالم الآخر!

لكنها سرعان ما رفضت هذه الفكرة، في الواقع بوصفها طبيبة كانت على دراية وثيقة بالموت؛ ففي كلية الطب وفي أثناء تشريح الأدمغة البشرية، فهمت غسنر أن كل ما يجعلنا ما نحن عليه؛ أي آمالنا ومخاوفنا وأحلامنا وذكرياتنا، ليس إلا مركبات كيميائية معلقة بشحنات كهربائية. وعندما يموت الإنسان ينقطع مصدر الطاقة في دماغه وتذوب تلك المركبات وتتحول إلى بركة سائلة بلا معنى، لكنها الآن تشعر بأنها حية تماماً».


الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية
TT

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية ليستا توصيفين زمنيّين بقدر ما هما طريقتان في العيش داخل الزمان. ليست المسألة أن تكون الدولة قديمة أو حديثة، بل كيف تفهم نفسها، وكيف تُدير علاقتها بالماضي والحاضر والمستقبل. هناك دول تجعل الماضي مادةً للفهم، وتبني مشروعها على ما يمكن أن يكون، وهناك دول تجعل الماضي مرجعاً أعلى، وتعيد إنتاجه في الحاضر بوصفه معياراً للحكم.

يمكن أن نلاحظ هذا المعنى في تجارب مثل الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية الجديدة. كلتاهما حديثة نسبياً من حيث التكوين السياسي، فأعمارهما تتراوح بين المائتين والثلاثمائة سنة، وهذا منح كل واحدة منهما خاصية مهمة، هي أن مشروع كلٍّ منهما لم يُبنَ على استعادة ماضٍ بعيد، بل على تأسيس معنى جديد للحاضر. لم يكن هناك ثقل تاريخي يفرض نفسه بوصفه مرجعاً نهائياً، بل كان المجال مفتوحاً لبناء الشرعية على الإنجاز، وعلى القدرة على التشكّل.

الدولة الحية لا تنكر تاريخها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل مع الماضي بوصفه خبرة قابلة للتحليل، وأنه ليس سردية ملزمة. لذلك تكون هويتها مرنة، وشرعيتها قائمة على الفعل، وليست على الذاكرة. وهي لهذا لا تخاف التغيير، لأن التغيير جزء من بنيتها.

في الجهة المقابلة، تبدأ المشكلة حين يتحول التاريخ إلى سلطة. عندها لا يعود الماضي مادة للفهم، بل يصبح معياراً يُقاس عليه كل شيء، فتتشكل بنية كاملة من التعثر تمتد عبر الاقتصاد والتعليم والإدارة والثقافة. تُدار الموارد بعقلية الحفظ والخوف لا بعقلية المبادرة، ويُعاد إنتاج المعرفة بدل توليدها، وتتقدم الاستمرارية على الكفاءة، ويُستبدل بالإبداع التمجيد. وهنا لا يكون الفشل حادثة عابرة، بل يكون نمطاً يتكرر عبر العقود، لأن المنطلق واحد، وهو رد الحاضر دائماً إلى نموذج سابق.

ومع هذا النمط تتشكل طبقة أعمق، طبقة الوعي. فالمشكلة لا تبقى في المؤسسات، بل تمتد إلى طريقة إدراك الناس للعالم وتصورهم لأنفسهم فيه. بينهم يتكون وعي يميل إلى الخطاب أكثر من الفعل، وتُروى الحكايات بلغة الانتصار الذي لم يقع، حتى في لحظات الفشل العميق، وتُضخَّم الوقائع الصغيرة لتؤدي وظيفة نفسية، لا معرفية.

ويظهر هنا نوع من التكيّف المفرط، قدرة عالية على الاحتمال، لكنها تنقلب أحياناً إلى قبول طويل بالأوضاع بدل السعي إلى تغييرها. يعرف الفرد في داخله أن هناك خللاً، لكنه يتعامل معه بازدواجية، فيُبقي هذا الإدراك في مستوى صامت، بينما يشارك في خطاب علني يخففه أو ينفيه.

هذا الانفصال لا يأتي من جهل، بل من آلية دفاع. فالصورة المثالية عن الذات تُصبح شرطاً نفسياً للاستمرار، ولذلك يُعاد إنتاجها باستمرار، حتى لو كانت لا تنسجم مع الواقع وحتى إن كان الناس يقتاتون على أكاذيب ويعيشون في أوهام. وهنا تتشكل بطولات رمزية، وتُستعاد أمجاد آلاف السنين، ويُعاد تفسير الأحداث الواقعية بحيث تحافظ على تماسك هذه الصورة.

وفي هذا السياق، يصبح الحس الفكاهي وخفة الظل أداة مزدوجة، يخفف الضغط من جهة، لكنه قد يتحول إلى وسيلة للهروب من المواجهة من جهة أخرى. ومع الوقت، يتشكل حسّ حساس تجاه النقد، لا لأنه غير صحيح، بل لأنه يُفهم بوصفه تهديداً للصورة الجمعية. فيُستعاض عن المساءلة بالتبرير، وتُفسَّر الإخفاقات بعوامل خارجية، أو يُعاد تأويلها بما يحفظ المعنى العام للسردية. هنا لا يكون الكذب فعلاً واعياً بالضرورة، بل بنية يعيش داخلها التاريخيون. يعرفون في قرارة أنفسهم أن هناك فجوة بين الواقع وما يُقال، لكنهم يستمرون في إعادة إنتاج هذا الخطاب، لأنه يمنحهم شعوراً بالتماسك. وهكذا يصبح الانفصال عن الواقع شرطاً نفسياً للاستقرار، لكنه في الوقت نفسه يُعمّق الأزمة.

ويضاف إلى ذلك أن هذا النمط يعيش على استعراض عمر الدولة الطويل بوصفه دليلاً على العظمة، مع أن معظم المواطنين تعساء، ومع أن هذا العمر لم يُترجم إلى قدرة فعلية على البناء. تُذكر آلاف السنين كما لو كانت إنجازاً قائماً، بينما الحاضر عاجز عن تحقيق أبسط ما تحققه دول أصغر سناً بكثير. تتكرر المقارنة في الخطاب لا في الواقع، ويُستدعى التاريخ لتعويض فجوة الإنجاز. ومع وفرة الموارد، يبقى العائد محدوداً، لأن المشكلة ليست في الإمكانات، بل في طريقة النظر إليها، حيث تُستهلك دون أن تتحول إلى مشروع منتج يغيّر ملامح الواقع.

أما الدولة الشابة الحية، فتسير في الاتجاه المعاكس. لا تحتاج إلى حماية صورة مثالية، لأنها لا تدّعي الاكتمال. تقبل بالنقص، وترى في الاعتراف بالخلل بداية للإصلاح. تبني شرعيتها على الفعل، لا على الحكايات والأساطير، ولا تسمح لذاكرتها بأن تتحول إلى معيار يحكم قراراتها اليومية. لهذا تظل قادرة على التغير، لأن وعيها مفتوح، لا مغلق. ولا تعيش داخل سردية جاهزة، بل تصنع سرديتها مع كل خطوة.

وفي النهاية، لا تنهار الدول لأنها فقيرة في تاريخها، بل لأنها تُخطئ النظر إلى واقعها. الدولة الحية ترى ما هو كائن، فتُحسِن التعامل معه، وتبني عليه ما يمكن أن يكون. أما الدولة التاريخية، فتُصرّ على أن ترى ما تتمنى، فتفقد القدرة على الفعل، وتكتفي بالتعويض الرمزي، والخطاب العالي، والبطولات المتخيَّلة. هنا لا يكون الماضي ذاكرةً تُعين على الفهم، بل يصبح عبئاً يُعطّل الحاضر، ويُغلق أفق المستقبل. لذلك، فمصير الدولة لا يُحسم في أرشيفها، بل في وعيها. ليس السؤال كم عاشت، بل كيف تعيش؟ هل تُقيم في العالم كما هو، أو في صورةٍ عنه تُرضي نرجسيتها؟ في هذا الاختيار الصامت، الذي لا يُعلن نفسه، يتقرر كل شيء.

* كاتب سعودي